المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : اخــترت لـك


صقر الخالدية
08/12/2003, 01:02 PM
سهرة في مقهي بعرة!2003/12/06

خيري منصور


في شارع قاهري عريق، اقترن اسمه بمقاهي الفن ودور السينما والمسارح، قطعت المسافة بين زمنين، كما لو كنت اقطعها بيني وبيني، وكانت الاضاءة الشحيحة قد ضاعفت من احساسي بالوحشة، وانا اقارن بين الفتي الذي كنته والرجل الذي اصبحته، وبين قمر قضمه الليل حتي اوشك ان يتلاشي في ليل مديد وبين عنقود نور سخيّ سطع في الذاكرة علي نحو مباغت.في البداية تفحصت اصداء الغاربين والغاربات في مقهي فينكس، رخام البار المليء بالتجاعيد، والغياب الذي يصفر في زاوية كانت ذات شتاء مقعدا وثيرا ينبض بالحياة والدفء، لم اصدق ان تلك العتبة المرمرية مهرتها اقدام رقصت حتي بللت الليل بالعرق مثلما تطاير زغب الليل عليها، فالاعوام قد تنتهي الي صرير في باب خشبي قديم او الي صمت يشبه العنكبوت في سقف مكان مهجور، وما تغير هنا، ليس المكان وحده فالزمان يعلوه الصدأ احيانا، ويعوق الصدأ حركة عقارب الساعة، سواء كانت تدور علي جدار او حول معصم معروق! دور السينما التي طالما حولت ذلك الشارع الي تظاهرة راقصة، ومساء مضمخ بالياسمين وشذي الليمون، تبدو مقفرة، الا من ظلال تتأرجح عند مداخلها، والشرفات التي كانت تنحني علي الشارع لالتقاط حبة رمان هنا، او عنقود عنب هناك، تداعت ودنت حتي تدلت لكن من فرط شيخوخة الحجر، وتساقط الكلس كما لو انه تقاويم اخري، واوشكت ان اصرخ في وجه صاحبي.. ما الذي فعله بنا الزمن؟ وكيف مرت تلك العقود العجاف ونحن آخر من يعلم، فالناس جميعا مخدوعون وليس الازواج البلهاء فقط، ما دام الزمن يقشرهم كالبصلة، ويعتصرهم لافظا النوي!ہہہمقهي بعرة ، ما تبقي منه اشبه بغصن سنديانة نشفت جذورها، كان منذ خمسين عاما علي الاقل المكان المألوف لارتياد الكومبارس من الرجال والنساء الذين كان خطـــــهم منذ الولادة ان يقيموا علي الهامش، وان يكونوا بدائل الابطال، لا الابطال، احدهم، قضــــــــي نصف قرن في الجلوس علي مقعد في هذا المقهي يلعب الورق، او يدخن الارجيلة بانتظـــــار دور لا يتجاوز الدقيقة او الثـلاث دقائق في مشهد من فلم، مقابل اجر بدأ بخمسة قروش وانتهي باربعين جنيها.هنا في هذا المقهي عاش ومات الدوبليرات الذين ضربوا نيابة عن النجوم، وسقطوا عن السلالم بدلا منهم، ولم يظفر احد من هؤلاء الكومبارس بابتسامة شهية من نجمة شهيرة، لكن بعضهم قال لي ان بعض النجوم الراحلين مثل توفيق الدقن، ورشدي اباظة واحمد مظهر كانوا يعاملونهم بحنان، وبما يشبه الاعتذار! كان احدهم وقد طلب مني ان لا اذكر اسمه رغم اني لو ذكرته لن يعرفه احد سواه، يحمل في جيب سترته رزمة من الصور لمشاهد ظهر فيها، بعضها بالابيض والاسود، وبعضها بالالوان، لكن الصور جميعها تحولت الي رمادية بسبب القدم وكثرة التداول.بين دخان الاراجيل بمختلف روائحها، وبين اصداء اصوات مبحوحة، وصرير مقاعد تبدو كما لو انها بانتظار ادوار تمثلها كالكومبارس، جلست اشرب شايا نعناعه يفرز اسي بنفسجيا، والمساء اشبه بجملة معترضة في كتاب المدينة، وليلها المتعدد الالوان والنكهات والايقاعات.احدهم وهو الطاعن في السن والتمثيل لبضع دقائق في كل فيلم، قال لي انه فريق من الرجال في جلباب واحد، فهو بواب وعمدة وضابط بوليس ولص محترف، وعليه ان يكون جاهزا لاداء الدور الصغير المطلوب منه خلال دقائق، لكنه اضاف بحزن لم يستطع اخفاءه ان مشهدا يستغرق تمثيله دقيقة واحدة قد يتطلب منه ان يقضي النهار كله بانتظاره. لانه لا يعرف بالضبط متي ينادون عليه! والكومبارس درجات ايضا فثمة الكومبارس الفرد الذي يلعب دورا محددا ويكون له اسم حتي لو نودي به لمرة واحدة، وهو محظوظ قياسا الي كومبارس ما يسمي المجاميع ، فالمجاميع ارخص اجرا كما انهم بلا اسماء، وهم مجرد حضور بشري في زحام، او علي رصيف.لكن البديل او الدوبلير هو علي الاغلب التوأم السلبي وسيئ الحظ للبطل الذي يشبهه، وكم وددت لو ان دوبلير توفيق الدقن الذي تحدث عنه احد اصدقائه طويلا كان حيا، لانني تخيلت وجهه مليئا بالكدمات لكثرة ما تلقي من ضربات في معارك كنا ونحن صغار تدمي أكفنا من التصفيق لمن ينتصر فيها!ہہہبعد ساعتين في ذلك المقهي الذي اقترن اسمه منذ عقود بالكومبارس في السينما والتلفزيون والمسرح، وجدت نفسي اذهب الي ما هو ابعد من مقهي (بعرة)، فالحياة العربية تعج الان بالكومبارس من مختلف المهن، ثمة كومبارس في السياسة، يلعب دور الشبيه او الدوبلير ، كما ان الثقافة والصحافة لها كومبارسها ايضا، وثمة ما يغري بالمقاربة بين هذه الانماط المتعددة للكومبارس، فأكثرهم براءة هو كومبارس السينما، لانه متورط بمهنة قلما يستطيع الافلات منها، وكما قال لي احدهم، فان من تقاليد السينما القاسية، ان الكومبارس لا يمكن له ان يصبح بطلا.لكن كومبارس السياسة، تحول في عالمنا العربي الي بطل، وكان عليه ان ينتظر موت البطل الحقيقي، ليتقمصه تماما، ويسطو علي مذكراته، ويتحول الي ذلك الكاذب المحترف الذي مات جيله، ولم يعد هناك من الشهود من يضبطه متلبسا بالسطو او التقمص! كومبارس السياسة، بدأ حياته كالدوبلير في السينما، يضرب بدلا من البطل ويفتديه بجسده اذا تعرض للسقوط لكنه ما ان وجد اللحظة المناسبة حتي غافل المخرج، وقفز الي مقدمة المشهد واغتصب البطلة، واذا كان للسينما تقاليد تحول دون مثل هذا التداخل في الادوار، فان السياسة لا تقاليد لها ولا اعراف، لانها مصارعة حرة او لعبة بلا شبكة او قوانين، فمن يصحو قبل الاخرين قد يغتصب السلطة ومن يتحمل قيظ تموز (يوليو) العربي في ظهيراته اللاهبة اكثر من سواه قد يجد نفسه في قصر الرئاسة!ہہہاما كومبارس الثقافة والصحافة، فهو من طراز فريد، وان كان له مقهاه ايضا، وطقوسه الخاصة في التعبير عن نفسه ومزاجه المضطرب.كومبارس الثقــافة، تخصص في حفــظ عناوين الكتب، وبصـــــم كلمات الناشرين علي اغلفـتها، وهو ايضا ضلــــيع بعلم النمـــــيمة يعرف من احب من؟ ومن طلق من؟ ومن شرب القهوة مع من.شغوف بالتفاصيل والقــــــرائن المصاحبة لمهنة الكـــــتابة، اما الكتـابة ذاتها فهي خارج المدار.ودوبلير المثقف، او الشبيه الذي يقتفي خطاه، يقلده في كل مظاهره الجسدية، بدءا من اطالة الشعر واللحية حتي شكل النظارة الطبية، واحيانا يدرب لسانه علي صوت ليس هو صوته، والفارق بين دوبلير السينما ودوبلير الثقافة ان الاول لا يغتصب دور البطل بعد رحيله، لكن الثاني يفعل ذلك بشجاعة نادرة، فالدوبلير الذي كان يشبه توفيق الدقن او رشدي اباظة لم يصبح احدا منهما بعد موتهما، لكن دوبلير الشاعر يطمح الي الحلول مكانه، ويسعي جاهدا الي اعادة قتله ودفنه، كي تصبح الجريمة كاملة وبلا أية قرائن تذكر بالقتيل.ہہہزبائن مقهي الكومبارس يتحدثون باكبار عن النجوم الذين عاشوا معهم، وعلي هامشهم، لكن زبائن مقاهي الكومبارس الثقافي يتحدثون بانتقام وثأرية عن الابطال الذين عاشوا علي فضلاتهم الثقافية، فما من قول سمعوه الا وادعوه لانفسهم، ولو اتيح لهم السطو علي نصوص يتيمة، ومجهولة الآباء لنسبوها الي انفسهم علي الفور!ان الكومبارس علي اختلاف حقله وموقعه هو بمثابة نائب الفاعل بالنسبة للبطل الذي هو الفاعل، وما هو مبني للمجهول في حالة الكومبارس يصبح مبنيا للمعلوم في حالة البطل، لكن القاعدة السينمائية تنقلب رأسا علي عقب عندما تهاجر من السينما الي السياسة والثقافة والصحافة، فالبطل في هذه الحقول ذات الصلة بالمعرفة والوعي الكاشف قد ينسحب مخليا الحلبة للبدائل، خصوصا عندما يتجاوزون الحدود كلها وتنتفي لديهم الروادع!ہہہقال لي عمدة الكومبارس في مقهاهم العريق، انه يستطيع الادعاء بانه مثل مئتـين واربعين فلما، وهو عدد الافلام التي لعب فيها دور الكومبارس، لكن اعترافه بالحقيقة يمنعه من هذا الادعاء، لانه يعلم ان ما قام به من ادوار في تلك الافلام لا يصل الي المدة الزمنية التي استغرقها فلم واحد!كومبارس السينما والتلفزيون، سواء كان فردا ذا اسم ولقب او من المجاميع، لديه من الكوابح الاخلاقية والتقاليد ما يدفعه الي اقامة الفواصل بين الادوار، وهو حين يتحدث عن الابطال الذين ناب عنهم في الضرب والمواقف الصعبة التي لا تليق بنجوميتهم، لا يفرز لعابا ساما، ولا يثأر من بطولة حرم منها بواسطة النميمة، وكان آخر ما قاله لي عمدة الكومبارس الذي اقترب عمره من الثمانين حكاية مفعمة بالاسي عن زميل قديم له، انتحر لان شقيقه الثري رفض ان يقرضه خمسين جنيها، يستكمل بها زفاف ابنته الوحيدة.ہہہان سهرة في مقهي الكومبارس، تفتح الليل حتي اقاصيه علي تأملات وتأويلات لا آخر لها، فنحن جميعا كومبارس بشكل او بآخر، لان البطل الحقيقي الوحيد.. هو الزمن!0
ارسل هذا الخبر الى صديق بالبريد الالكترونينسخة للطباعة

صقر الخالدية
08/12/2003, 01:06 PM
الزجل منتشر في كل الوطن العربي وكل الأغاني التي تكتب بالعامية زجل2003/12/08
فؤاد حيدر صديق الموسيقي والشعر:دمشق ـ القدس العربي ـ من أنور بدر:




في محل متواضع اسمه الموسيقي صديقتي من منطقة (الدويلعة) الشعبية، يجلس رجل ستيني السنوات، لكنه يتمتع بحيوية الشباب وإقبال العشاق علي الحياة، يجلس بين آلاته الموسيقية، ويكتب الشعر المحكي أو الزجل .إنه الشاعر فؤاد حيدر رئيس جمعية شعراء الزجل في سورية، وقد كان لـ القدس العربي معه هذا الحوار: أنت شاعر ولكنك صديق الموسيقي؟ وهل ينفصل الشعر عن الموسيقي؟ أنا ممن يحبون الموسيقي كثيراً وحاولت أن أتعلم علي العود منذ كان عمري 12 سنة، وكان أسعد يوم في حياتي حتي الآن يوم اشتريت عوداً، وصدق أني نمت وإياه تلك الليلة في فراش واحد. محبتي للموسيقي دفعتني للبحث عن كيفية صنع الآلات الموسيقية، وأخذت أصنع العود، الغيتار، القانون، الكمنجا، أنا الآن أصنع كل الآلات الموسيقية، ولي محاولات في تطوير بعضها، فكما تلاحظ هنا أكثر من نموذج للعود بعضها يمكن أن يكون أريح للعزف مع أنه يحافظ علي عدد الأوتار نفسه. كما ابتكرت آلة كهربائية موسيقية، وأنا منذ أكثر من سنة أتابع معاملة الحصول علي براءة اختراع دون جدوي. لكن هذا غير مهم، فأنا اعتبر نفسي هاوياً ولست محترفاً، ما زلت أعشق الحياة، ولا زلت أبحث عن قصيدة جميلة لأكتبها. أستاذ فؤاد ما دمت نقلتنا إلي القصيدة، فما هو تعريفك للزجل؟ كثر من الأدباء والمستشرقين عّرفوا الزجل علي الشكل التالي كل شعر كتب في اللهجة العامية أو اللغة المحكية ـ إذا جاز التعبيرـ هو زجل . هناك من يفكر أن الزجل (صف حكي) بلا وزن أو بحر، إلا أن الزجل موزون شأنه شأن الشعر العربي القديم، وله (45) بحرا. البعض يعتبر أن الزجل أدب أو شعر، والبعض يعتبر أنه أحد فنون القول الغنائية من خلال جوقة تؤدي علي المنصة، والبعض يعتبر أنه منزلة بين المنزلتين، بين الأدب والفن، أو بين الشعر والغناء. أين تجد الزجل؟ أنا برأيي أن الزجل شعر محض، وله كل مقومات الشعر العربي الفصيح، فالقصيدة الزجلية هي قصيدة ذات بحر وموضوع. الصورة والمضمون والفكرة تعود لكل شاعر سواء كان يكتب الفصحي أم العامية. أي هي رهن بالشاعر نفسه الذي يترجم الأحاسيس والمشاعر والطبيعة بكلمات عامية أو فصيحة. ولكون الزجل يكتب باللهجة المحكية سمي بالشعر الشعبي أو الشعر المحكي، وشاعر الزجل سمي الشاعر الشعبي. ونحن في الوطن العربي نتكلم جميعاً باللهجات المحكية، لذلك دعنا نتساءل ما المانع أن يكون لهذه اللهجات المحكية شعرها؟ وهناك من يعتبر أن اللهجة المحكية سابقة علي اللهجة الفصيحة، وأن الشعر العامي سابق علي الشعر الفصيح. وكونه يُؤدي غنائياً لا يلغي صفته الشعرية، فكل الشعر المغني فصيحاً كان أو عامياً هو شعر من حيث المبدأ. وأنا بالمناسبة مع الفصحي كلغة قومية، ولا أحب تكريس العامية، وحتي عندما أكتب زجلاً أسعي إلي استخدام لهجة وسيطة ليست عامية محضة وليست قاموسية مقعرة. وهي اللغة المفهومة من قبل الجميع. كل منطقة عربية لها شعرها الشعبي الذي يوازي الزجل عندنا، دعنا نتكلم عن بدايات نشوء هذا اللون الشعري وعن مساحة انتشاره؟ أكثرية الدارسين يعيدون الشعر المحكي أو الزجل إلي عصر الأندلس، وهناك وزير في العصر الأندلسي يُعرف بـ ابن قزمان ولقبه أبو الزجالين، وهو شاعر مهم. وهناك من يعتقد أنه قبل العصر الأندلسي، أو كما أشرت في البداية أنه قبل الفصحي، لكن الأغلب أن الحضارة الأندلسية سمحت بظهور ألوان من الشعر كالموشحات والزجل وساهمت في انتشارها. والزجل منتشر في كل الوطن العربي، وكل الأغاني التي تكتب بالعامية تنطوي تحت لواء الزجل، ففي الخليج شعر شعبي جميل جداً، وحتي الشاعر مظفر النواب الذي كتب بالعامية والفصحي، نجد أن شعره العامي أجمل،. وفي مصر كان يُسمي أحمد رامي بالشاعر الزجّال وكتب أجمل أغاني أم كلثوم شعراً عامياً أو زجلاً. أقصد في منطقة بلاد الشام، لماذا ينتشر الزجل في لبنان بشكل متميز، ويحظي بشعبية أكثر من سوريا، وله فرق وجوقات تسعي لترسيخه ونشره أكثر مما عندنا؟ قبل أن نصوغ السؤال بين لبنان وسورية، دعنا نسأل لماذا ينتشر الزجل في الريف أكثر منه في المدينة؟ وأحياناً في نفس المدينة نجد حياً يؤثر لوناً من الفن كالموال الإبراهيمي أكثر من باقي الأحياء. أما في لبنان فانتشار الجوقات كان سابقاً علينا، فهم أول من ألف جوقة زجلية وصعد إلي المسرح وغني الزجل، واسمعوه إلي عموم الناس كحواريات منذ سبعين سنة تقريباً. نحن في سورية جئنا متأخرين قليلاً، أذكر أنني أول من أسس جوقة في سورية سنة 1964، وتبعها جوقات، والآن لدينا جمعية اسمها جمعية شعراء الزجل . أتمني أن تعطينا فكرة عن الجمعية؟ أنا أبن قرية حينة علي الحدود السورية اللبنانية، وفي قريتنا يشتهر الزجل، وتحيي الحفلات والأفراح والمناسبات من خلال حفلات الزجل، وكنت أشارك فيها وأنا صغير. وهناك قري حدودية كثيرة لا تعرف هذا الفن. وحين جئت إلي دمشق والتحقت بالمدرسة الابتدائية فيها حاولت كتابة الشعر الفصيح، لكنني تركت المدرسة في الرابع الابتدائي وعدت لكتابة الزجل. وشاءت الظروف أن أذهب إلي لبنان لمدة أربع سنوات وهناك تعشقت هذا الفن أكثر من ذي قبل، وأصبحت أتابع الحفلات وجوقات الزجل. خاصة وأنه لم يكن لدينا في سورية مثل هذه الجوقات. عندما عدت إلي دمشق درست بشكل حر ونلت الشهادات الابتدائية والإعدادية والثانوية، والتحقت بالجامعة في لبنان ـ أدب عربي ـ ولكن الظروف لم تساعدني علي الاستمرار في الدراسة الجامعية، فتابعت القراءة والمطالعة وكتابة الشعر العامي أو ما يُسمي الزجل. في إحدي المرات حضرت فرقة من لبنان، وأحيت حفلة في دمشق، وقمت بدعوتهم والتعرف إليهم، وألقيت في هذه المناسبة قصيدة كما ألقي آخرون قصائد زجلية جميلة، فكان السؤال لماذا لا نؤسس جوقة في سورية. وكان ذلك عام 1964، حيث ألفت جوقة من أربعة أشخاص باسم جوقة الشلال واستأجرت سينما الحمراء وطبعت إعلانات، وأحيينا حفلة ناجحة جداً. وعلي الإثر ألف عبد الله خبازي من صحنا يا جوقة ثانية، ثم خُصص لنا برنامج أسبوعي في الإذاعة بدءاً من 1967 وحتي 1974، ثم انتقلنا إلي التلفزيون. الأمر الذي ساهم في اعتبار الزجل في سورية أدباً وفناً معترفاً به. كما تري عدنا للمنزلة بين منزلتين؟ بالضبط هذا ما حصل معنا. حتي قررنا إنشاء جمعية خاصة بنا نحن شعراء الزجل، واستغرق مشوار الجمعية منذ عام 1964 حتي 1971 حتي أخذنا الترخيص بإنشاء هذه الجمعية جمعية شعراء الزجل حيث كنا محكومين بشرط وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وهو ضرورة توفر (25) عضواً كحد أدني لإنشاء الجمعية. وبالطبع كان هذا شرطاً صعباً جداً بالنسبة لشعراء الزجل فنحن بصعوبة شكلنا جوقتين كل منهما تتألف من أربع شعراء. لكن تشكلت الجمعية في النهاية، وعدد أعضائها الآن يبلغ ثمانين عضواً عاملاً، إضافة لبعض أعضاء الشرف والأعضاء المؤازرين. وشكلنا لجنة قبول في الجمعية ـ لجنة اختبار ـ وكنا ندقق في السوية الإبداعية للشاعر، كما ندقق في السوية الأخلاقية والاجتماعية والسلوك والقدرة الارتجالية أو حتي التحضير، ونحن نفتخر بأن أعضاء الجمعية يشكلون كادراً من الفنانين والأكاديميين المهمين. وانتخبت منذ البداية رئيساً لهذه الجمعية ولم أزل. هل طبعت شيئاً من الشعر العامي؟ طبعت عام 1971 ديواني الأول شموع ، وأنا الآن بصدد التحضير لطبع ديواني الثاني. لدي أشعار تكفي لطباعة عشرة دواوين، لكني لست مع السرعة في هذا الموضوع. بالمناسبة يوجد في لبنان مطبوعات كثيرة تهتم بالأدب الشعبي، وهناك مجلة باسم الأدب الشعبي عمرها ستون سنة، ولا تزال تهتم بكل نشاطات وتحركات وإبداعات شعراء الزجل، وكنا نراسلها من سورية، كذلك في مصر وفي الخليج مطبوعات تعني بالأدب الشعبي. أما عندنا فالاهتمام بالأدب الشعبي في صحافتنا الرسمية قليل، ونحن وفق النظام الداخلي مسموح لنا إصدار مطبوعة أو مجلة، ومع ذلك لم نستطع الحصول علي موافقة. وهذه مسألة تتعلق بالأيديولوجيا القومية، فسورية بلد تحمل كل هموم العروبة علي ظهرها، وحتي الآن بعد أن تحلحل هذا الموضوع قليلاً، حاولنا من جديد ففوجئنا أنه يمكن لنا إصدار مجلة دورية، لكن لا بد أولاً من إيداع مبلغ مليوني ليرة سورية كرصيد في البنك، وميزانية الجمعية في أفضل حالاتها لم تتجاوز المئة ألف ليرة سورية، يذهب ما يقارب نصفها ايجارا لمقر الجمعية. حتي نشرة غير دورية لم نتمكن من إصدارها لأسباب مالية بحتة، وأضيف أننا كجمعية حاولنا الانتقال من تبعية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل إلي وزارة الثقافة، ولكن فشلنا في ذلك لأن قانون الجمعيات جامدُ بهذا الخصوص. بعض فنون الأدب والثقافة تنحسر في مرحلة معينة، كما حصل مع المقامات مثلاً. وبعضها يزدهر لأسباب لسنا في صددها الآن. برأيك هل يسير الزجل في طريق الانحسار أم أنه ممكن أن يشهد ازدهارا أكبر؟ بالتأكيد الزجل والشعر الشعبي في عصر الفضائيات وصناعة الأغاني المنتشرة، وهي أغاني في أغلب الأحيان لشعر شعبي، أقول كل ذلك سيشجع الشعر الشعبي والزجل علي الانتشار والازدهار، ورحلتنا في سورية مؤشر علي ما أقول. وأضيف أن فن الزجل هو لغة المجتمع أو لغة الناس، يفهمها المثقف والأمي. وهي أقرب علي الأذن، وستبقي اللغة المحكية رديفاً للغة الفصحي في كل مجتمعاتنا العربية، ولا يمكن لواحدة أن تذوب في الأخري. 0

صقر الخالدية
09/12/2003, 08:36 AM
بقلم احمد اميرى


قرأ الخبر بصوت عالٍ وهو يضحك: "لقي ثلاثة أشخاص على الأقل


مصرعهم وأصيب عشرات آخرون من بينهم سبعة في حالة خطيرة من جراء الانفجار المروع الذي وقع داخل دور سينما تعرض أفلام إباحية في مدينة الموصل". ثم أردف وهو يمسح بقايا الضحك العالق على وجهه: "يستاهلون هاذيل الهروم" أي يستحقون هؤلاء الأوغاد.







































تناولتُ الصحيفة وقرأتُ الخبر بنفسي لكنني لم أضحك. فالأمر يدعو للرثاء وليس للضحك: ثلاثة أشخاص يموتون والعشرات يصابون سبعة منهم في حالة خطيرة لأنهم كانوا يتابعون فيلماً إباحياً. إذاً كيف وبماذا يُعاقب ممثل الفيلم وبطلته؟ وإذا كان هؤلاء "الهروم" يستحقون القتل فنحن نستحق الجرح والتعذيب، لأننا جميعاً نتابع الأفلام الأجنبية والعربية التي يمكن وصفها بأنها نصف إباحية، فالذي يتابع فيلماً إباحياً جزاؤه القتل في شريعة هؤلاء، والذي يتابع فيلماً نصف إباحي يستحق الجرح والتعذيب إذاً. هكذا يأمر العدل والإنصاف.

يوماً بعد يوم يزيد عدد أفراد هذه الطائفة من الناس التي تحلل لنفسها كل شيء وتحرمه على غيرها. فبالأمس القريب كان بعض الناس يهللون لممارسات حركة طالبان في أفغانستان: من إغلاق مدارس البنات, ومنع النساء من العمل, ورفض تلقيهن العلاج على أيدي الأطباء, وفرض الإقامة الجبرية عليهن, ومعاقبة من تخرج من بيتها دون محرم, وتأديبها إن هي لم تلبس الخمار, وتحطيم أجهزة التلفاز والهوائيات, وإجبار الرجال على إطلاق اللحى ولبس العمائم وأداء الصلاة جماعةً في المساجد, وإلزام غير المسلمين على ارتداء لباس يميزهم عن المسلمين, وإفساح المجال لآلاف الغرباء لاتخاذ البلاد التي تعاني الجوع والجفاف والحرمان والقتل والدمار مسرحاً لتطبيق أفكارهم ورؤاهم الخاصة بهم, والتصرف كيفما شاؤوا لتحقيق مصالحهم بمعزل عن مصالح البلاد ومستقبل أبنائها.

وممارسات طالبان ليست الوحيدة التي كانت ولا تزال تحظى بإعجاب الناس التي تؤيد أي شيء ما دام بعيداً عنها, وبالتالي لا يصلها الشرر المتطاير من تلك الممارسات ناهيكم عن الاكتواء بنارها. فذات التهليل نسمعه بشأن قرار إحدى الدول العربية بمنع النساء من قيادة السيارات, أو حالة مواطني إحدى الدول الإسلامية التي تفرض عليهم حكومتهم الحياة مع الأموات والسير في مراسم العزاء وتتبع قوافل الشهداء وتقبل السواد الذي يغطي مدنها كأنها في مأتم كبير، بالإضافة إلى بث الأدعية والأناشيد والمحاضرات أربعاً وعشرين ساعة ومنذ ما يقارب 24 عاماً في القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية. أي أن الشعب يعيش تحت ظلال الرايات السود ومظاهر الحزن والبكاء ولا شيء يبعث السرور في النفس أو يفرج الهم عن القلب.

ولست هنا بمعرض نقد تلك الممارسات أو القرارات أو السياسات، فلكلٍّ حجته وطريقته في التعامل مع أبناء شعبه، ولست كذلك أنتقد من يحيي تلك الممارسات أو يجدها إيجابية إن كان هو راضياً بها تمام الرضى ولا يرى بأساً في أن تفرض عليه ولا يجد في نفسه حرجاً من تطبيقها على نفسه وأهل بيته، لكن الذين لا يرضون مطلقاً في أن تُفرض عليهم وعلى أهليهم وفي الوقت نفسه لا يرفّ لهم جفنٌ حين تُفرض على غيرهم، بل ويرفعون عقيرتهم تأييداً لها، مثل هؤلاء يستحقون اللوم والعتاب، لأنهم يكيلون بميزانين ويحللون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم.

إنني أتخيل واحداً منهم يناضل من أجل إدخال ابنته إلى المدرسة قبل أن تصل إلى السن القانونية، ثم تتدغدغ مشاعره كلما كبرت البنت وقطعت مرحلة دراسية جديدة، حتى تدخل الجامعة وتتخرج وتعمل، أتخيل مثل هذا الشخص حين تدخل ابنته ذات الثانية عشرة ربيعاً البيت وهي تبكي لأن رجالاً قساةً غلاظاً يرتدون ملابس القرون الوسطى نهروها في الطريق العام و"هزقوها" وضربوها قليلاً بحجة عدم ارتدائها الخمار… بالطبع فإنه سيثور ويرفض ويجأر بالشكوى، لأن البنت لا تزال صغيرة على مثل هذه الأمور، لكن ما دامت البنت الأفغانية ليست أخته ولا ابنته ولا أمه فلا يهمه. وفي اليوم التالي يُلبسها الخمار ويخمّرها تحت أطنانٍ من الملابس والأقمشة والأسلاك الشائكة والشبابيك المعدنية, لكنهم أيضاً يطاردونها في الشارع ويضربونها لأن مدارس البنات تم إغلاقها، فأين هي ذاهبة؟

وهؤلاء تجدهم متحضرين يفتشون عن فتيات يعملن ويقبضن راتباً حتى يتزوجوهن ويبنون معهن حياة مرفهة، وتجد أن فكرة منع زوجاتهم من العمل أو قيادة السيارة أو الخروج من دون محرم لا تخطر على بالهم البتة، لكنهم فجأة يتحجّرون فكراً وشعوراً إذا كانت المرأة أفغانية أو غريبة عنهم.

وتجدهم يكافحون من أجل إرسال أمهاتهم إلى الخارج لتلقي العلاج، بل ويرافقونهم في الرحلة، والعلاج بالطبع ليس في قندهار حيث الأجواء أكثر حشمة ووقاراً، بل في لندن أو بومباي أو ألمانيا أو أميركا، وليس شرطاً أن يتم على يد الطبيبات، فغالبية الأطباء من الرجال الأشاوس الذين يقف الطير على شواربهم، لكن هؤلاء الذين يشفقون على أمهاتهم لم يكونوا يشفقون بالأمس على الأفغانيات اللاتي كنّ يُمنعن من تلقي العلاج على أيدي الأطباء، فإذا عرفت أن النساء كنّ يمنعنَ من العمل أصلاً، ويشمل القرار النساء الطبيبات، فهذا يعني أنهن لم يكنّ يتلقينَ العلاج على أيدي جن أو بشر، وبالنتيجة فإن وفاتهن من أتفه الأمراض كانت أمراً طبيعياً.

وهؤلاء أنفسهم لا يطيقون صبراً عن لندن وباريس ولاس فيجاس. وهذه المدن غالبية سكانها من غير المسلمين، ولا أدري إن كانوا يتقبلون أن تفرض عليهم السلطات في تلك المدن ارتداء لباس يميزهم عن غيرهم لأنهم مسلمين، يمشون في الشارع والناس تشير عليهم وإليهم وتصرخ في وجوههم: "حوووه، يا مسملين، بووو". إن كانوا يتقبلون هذا الوضع فلا ألومهم عندما كانوا يتضاحكون على قرار طالبان مع غير المسلمين ويرونه قراراً عظيماً.

وهم أنفسهم الذين يملكون بدل الهوائي هوائيات، فواحدة لعربسات وأخرى لنايل سات وثالثة لهوت بيرد ورابعة للقمر الروسي، ناهيكم عن القنوات المشفرة, بالإضافة إلى الذهاب إلى السينما لمشاهدة آخر الأفلام الأجنبية، بل واصطحاب زوجاتهم معهم، وطبيعي في حالة هذا النوع من الرجال أن لا يرضى أو حتى يتخيل أن يكون جالساً في بيته يتابع قناة طاهرة مطهرة كالجزيرة مثلاً، وفجأةً ينقطع البث ويسمع ضوضاء في البيت، فيخرج فيجد ثلة من الشباب الملتحي الذي لا عمل له ينزع الهوائي من سطح المنزل ويحطمه ويلطمه على وجهه ويخرج ضاحكاً.

وإذا أبديت استياءك من وضع تلك الدولة التي تأسست وبقيت حيةً بالأموات ومظاهر الحزن الذي لا ينتهي، للاموك ورموك بأقبح الأوصاف، لكن الموسيقى تصدح من سياراتهم ليل نهار، والطرب يكاد يخلق لهم أجنحة يطيرون بها نشوة وحبوراً، والضحك يملأ أشداقهم وأعينهم لا تفيض دمعاً لحزنٍ أو همّ، بل هي دموع الفرح المتواصل بالحياة وما فيها من مباهج ومسرّات، فما هذا التناقض والموازين غير المستقيمة؟

ليت هؤلاء غير المنصفين لا يحركون ساكناً ويصمتون متجنبين الحديث عن تلك الممارسات، فهذا فن اعتزالي لن يلومهم فيه أحد، لكن دعم تلك الممارسات والاستبشار بها والتهليل من أجلها رغم أنهم هم أنفسهم لو وقعت تلك الممارسات عليهم وعلى أهليهم وطريقة حياتهم لرأيت ظهورهم مجلودةً ورؤوسهم مقطوعةً وأجسادهم معلقةً على الأشجار، فكفى كيلاً بميزانين وتحليلاً لأنفسنا ما نحرمه على غيرنا.

وقفز خبر مقتل العراقيين في السينما إلى مخيلتي مرة أخرى، ومعه قفز ممثل الفيلم الإباحي، ومن خلفه كان قارئ الخبر يرقص عارياً وهو يشجع باقي العراة لكنه كان ينظر شزراً إلى متابعي الفيلم ويشتمهم قائلاً: "يا هروم يا أوغاد".
s\_الأزمنة العربية أون لاين-

جزيل
09/12/2003, 07:14 PM
اخـــــــــــــترة لــــــــــــــك = اخـــــــــــــترت لــــــــــــــك

:)

صقر الخالدية
10/12/2003, 09:44 AM
محنة المسلمين بين سنن الله الجارية وسنن الله الخارقة

معتز بالله عبد الفتاح *

المشهد الأول:مئات الآلاف من المسلمين يصلون في الحرم الشريف يدعون الله أن يولي أمورهم خيارهم.
المشهد الثاني: مئات الآلاف من الجورجيين (من مواطني جورجيا) يخرجون في مظاهرات يطالبون رئيسهم بالاستقالة.
عمَّ يبحث اللاهثون بالدعاء في المشهد الأول؟ وفي ماذا يأمل الخارجون إلى الشوارع في المشهد الثاني؟ الفريق الأول يبحث في سنن الله الخارقة كأن يدمر أعداء المسلمين وأن ينصر المؤمنين وأن يحل لهم مشاكل الدنيا والدين. أما الفريق الثاني من الجورجيين فلم يذهبوا إلى الكنائس في سباق محموم من أجل أن يتقبل عنهم ربهم دعاءهم ويزيل عنهم رئيسهم، بل قرروا أن يحلوا مشاكلهم بأيديهم.
هذه المفارقة أشار إليها باقتدار الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، استاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، في مداخلة ذكية على شاشة احدى الفضائيات في الليلة قبل الأخيرة من رمضان حينما كان الفريقان في الوقت نفسه يبذلان السعي لنيل مآربهما. ان المسلمين في مأزق، إنهم يريدون الجهاد من دون أن يعدوا له ما استطاعوا، ويريدون تصحيح صورتهم عند غير المسلمين من دون ان يجتهدوا بالقدر الكافي لتصحيح واقعهم، ويريدون أن يولي أمورهم خيارهم من دون أن يتحملوا أكثر من مشقة الدعاء، انهم «أرادوا الخروج» من دون أن «يعدوا له عدته» فألقوا بأنفسهم في مفارقة الأمل في سنن الله الخارقة من دون العمل من اجل سنن الله الجارية. ان الرسول الكريم أعد عدة الهجرة من طعام وشراب ودابة ورفيق ودليل (وإن كان كافرا) أخذا بسنن الله الجارية، ثم جاء احتياجه لسنن الله الخارقة حين قال صاحبه: «لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا»، فتدخل الله بسننه الخارقة بأن أوحى لعبده ألا يحزن فإن الله معه. وكأنه يكرر مقولة موسى عليه السلام يوم أخذ بسنن الله الجارية بأن أسري بعباد الله ليلا لأنهم متبعون، وحين احتاج المؤمنون مع موسى لسنن الله الخارقة كان الله عونا لهم فقال موسى «إن معي ربي سيهدين».
لقد سئل يوما الدكتور زكي نجيب محمود عن محنة المسلمين فكان رده أنهم قد فقدوا الحس الإسلامي، فأقاموا الشعائر والعبادات وضيعوا القيم والمنهج.
ان عظمة الحضارة الإسلامية لم تأت من قدرتها على خرق العادات والارتفاع فوق قوانين الطبيعة وتحدي سنن الله في خلقه، بل باكتشافها والتفاعل معها. فقدروا العقل ورفعوا منزلته، وطوروا مناهج وأدوات بحث جديدة اختلفت جوهرياً عما خلفه اليونان القدماء. لقد اخترعوا علوما كالجبر مثلا، وصححوا مسارات اخرى كالكيمياء والفيزياء والطب، لقد جمعوا سيادة الكون وعبادة الله في معادلة تؤمن بسنن الله الكونية وتستلهم العمل من دون البحث عن خرق القوانين. قال احدهم: للجهاد معجزاته والموت في سبيل الله أسمى أمانينا حتى من دون أن نكون أقوى من عدونا، فلا ينبغي أن نؤجل الجهاد في فلسطين والشيشان وأفغانستان والعراق، قلت: ولكنك تخليت عن سنة الله في خلقه، فالموت وحده ما كان أسمى أماني المؤمنين الأوائل، فلو صح هذا لما عاد خالد بن الوليد بالجيش من مؤتة بعد أن تبين له استحالة النصر وهلكة الجيش، وقد أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا من باب «ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» (البقرة 195). ان نصرة دين الله هي أسمى أمانينا، أما الشهادة، بنصر أو من دون نصر، فهي نتيجة سعينا للنصر وليست هدفا في ذاتها. فلقد أجل الرسول بعض المعارك (كغزوة ذات الرقاع مثلا)، إلى ما بعد صلح الحديبية حتى يأخذ بسنن الله الجارية في الإعداد والتخطيط والنصر. لقد استعان الرسول بسنن الله في خلقه بأن جعل الحكمة والعلم ضالة للمؤمن، وقد وجدهما المسلمون عند الفرس في فكرة حفر الخندق، وعند الرومان حينما استعان المسلمون بالمنجنيق لفتح الطائف، وعند المنافق (صفوان بن أمية) لحرب هوازن.
ان المسلمين قد ابتلوا بمرض تسجيل المواقف (بالدعاء مثلا) أكثر من السعي العملي لحل المشكلات (بالتفكير العلمي من أجل التخطيط لمستقبلهم). سمعت أحد الدعاة في شريط إسلامي يقول: «إن الله لن ينصر المسلمين على اليهود حتى يكون عدد المسلمين في صلاة الفجر كعددهم في صلاة الجمعة»، ان صلاة الفجر واجبة، وهي في المسجد أفضل درجات عند الله، هذا مما لا شك فيه، لكن ما علاقة صلاة الفجر في حد ذاتها بالنصر على اليهود؟، ربما كان يقصد أن يقول إن الله سينصر المسلمين إذا أبكروا بالقيام من النوم طاعة لله ثم عملا دؤوبا لينفعوا أنفسهم والمؤمنين وعشقا في إتقان ما يعملون ولسان حالهم: «ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم».
وان سنن الله الخارقة لا يمكن التخطيط لها لأنها ليست بأيدينا، وإنما بيد الله يقلبها كيف يشاء «وما يعلم جنود ربك إلا هو» (المدثر 31)، ويمكن أن تعمل في صالح المؤمن كما للكافر. فالله «رب العالمين»، وليس فقط «رب المسلمين»، ومن هنا كانت التفرقة بين عطاء الربوبية الذي لا يفرق بين مؤمن وكافر، كما في قوله: «كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا» (الإسراء 20). وعطاء الألوهية الذي يمنّ الله به على عباده الذين جمعوا بين صفتي الإيمان بالله (قلبا ويقينا) والعمل الصالح وفق سننه كما في قوله: «الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا» (الكهف 30).
وعلى هذا فالعاقل المخلص في عمله، وإن كان كافرا سينتصر على المزيف والمتواكل وإن بدت عليه امارات الإيمان. ان مثل حال المسلمين كمن يرفض أن يتعلم السباحة ويخطط أن يغزو محيطات وبحار العالم بالدعاء من دون العمل.
إنني كم كنت أتمنى أن يطلب الأئمة والمشايخ من المسلمين أن يستبدلوا التزيد في بعض السنن، بجهد منظم لتنظيف شوارعهم من القاذورات، طالما أن النظافة فرض على المسلمين. إن أنفس المسلمين عامرة بالرجاء في الله والخوف منه، لكنها ليست عامرة بعلم سننه وتأمّل قوانينه والبحث العملي عن علاج لمشاكلهم. ان مثل مواطني جورجيا الذين خرجوا مطالبين بحقهم في رفض الاستبداد، ومثل المسلم الذي يدعو الله أن يولي أمور المسلمين خيارهم، كمثل المتوكل الذي أخذ بسنن الله في خلقه وكونه، والمتواكل الذي يدعو الله أن «تسقط عليه السماء ذهبا وفضة».
إننا بحاجة لإعادة ترتيب الأولويات لنجعل قيم العمل والعلم والابتكار والاتقان في المقدمة على قيم الصبر المتخاذل والتواكل الساذج ودعاء العجزة وانتظار المعجزات، اللهم أعطنا قلوب أهل الحرم وعقول أهل جورجيا.. آمين!.

* كاتب مصري مقيم في أميركا

جزيل
10/12/2003, 11:22 PM
اللهم أعطنا قلوب أهل الحرم وعقول أهل جورجيا..


آميين

صقر الخالدية
11/12/2003, 02:49 PM
حكام.. وشعوب.. ونقطة نظام!
2003/12/09

ناصر عبيدات
كان الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب يمثل ناقوس العدالة الانسانية في الدعوة الاسلامية.. وكان ابرز اسرار نجاحه قربه من الرعية والسهر علي امنهم والوقوف علي احتياجاتهم.. يصل الليل بالنهار بجهد دؤوب وقلب عطوف.. وكان اذا اعياه التعب والمسير استراح في ظل شجرة في جبت التي فيها كذا رقعة فأحبه الناس.. لان خير الناس انفعهم للناس.. وكان القدوة الخيرة.. وحلت بركات السماء.
وقبله كان الخليفة ابو بكر الصديق مثالا للكرم والخلق والسخاء فيقدم من ماله ليطعم البائس الفقير وبعده جاء الامام علي عالما عادلا وابيا عزيزا حتي قيل انه قبل ان يقاضيه يهودي امام المحكمة الاسلامية.. وجاء الخليفة الاموي عمر بن عبد العزيز فيما بعد ليحذو حذو جده عمر بن الخطاب فكان اذا اجتمع بالولاة ليلا انار شمعة بيت مال المسلمين.. واذا صادفه ان سأله احد هؤلاء الولاة عن صحته.. او مستفسرا عن احواله سارع باطفاء شمعة بيت المال واضاء شمعته الخاصة من حر ماله. رضي الله عن هؤلاء الاكرمين المهتدين.. فكانوا قدوة الخير والبركة للرعية.. وقد كان يفيض المال بالبركة فيغطي كلفة الفتوحات التي شارفت حدود الصين شرقا واوروبا الاندلس غربا.
نقطة النظام في هذه البسطة الموجزة هي الاقتراب من الرعية ثم والاهم الشوري والعدالة الاجتماعية.. حتي ان اعرابيا قال للخليفة عمر: والله يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بحد سيوفنا.
ما شاهدناه في جورجيا كان شيئا يدعو للدهشة والعجب كان شيفرنادزه قبل عقد من السنوات من غلاة الشيوعية في حقبة الاتحاد السوفييتي وربما عاصر حقبة ستالين.. ومع ذلك تنحي عن منصبه دون اللجوء لقوات الجيش او الشرطة.. حقنا للدماء.. وفي ذات المشهد تجاسر رموز الثورة علي الدخول لقاعة المجلس الوطني لخلعه وعدم السماح بالقاء خطابه.. وفي ساحة المجلس الخارجية 200000 مواطن ثائر ومعارض جاء يحمل كل منهم رأيا وفكرا.. لا سكينا او بنزينا او قنبلة.
نقطة النظام الثانية ان احدا من هذا الحشد البشري لم يحرق العربات ولم يعتد علي ممتلكات الشعب او الدولة.. ولم يجرح منهم احدا ولم ترق مقطرة دماء واحدة.. رغم انهم تقريبا وريثو شيوعية شمولية احتوائية.
ونقطة النظام الاهم ماذا لو قامت هكذا مظاهرات في دولة عربية لابد ان شرطة مكافحة الشغب ستكسر مئات الجماجم والرؤوس قبل دقائق من نزول الجيش للحصاد انا اعمي ما بشوف.. انا قطاع السيوف ثم يعلن الحاكم وقد غسل قلبه بالماء والثلج والبرد عن اكتشاف مؤامرة كبري من طراز ارهابيين كفرة.. ومؤامرة لقلب نظام الحكم.. او لصوص يريدون نهب قوت الشعب وتبديد منجزاته الخالدة.. او فتنة يدبرها الموساد الاسرائيلي الصهيوني لزعزعة الاستقرار في حياض هذا الوطن وهكذا..
ما احوجنا الي مصالحة مع انفسنا بحيث انه لو لاحت لنا فرصة حتي ولو في اطار مباراة كرة قدم بين فريقين مغمورين ان لا نحول المسيرة الرياضية الي مظاهرة سياسية تهتف بسقوط النظام وتدمر وتحرق كل ممتلكات الناس والدولة جارفة كل شيء في طريقها..
ما احوجنا ايضا الي مصالحة مع حكامنا وولاة امورنا في كل بلد عربي ان ولاة امورنا في واد.. وشعوبنا في واد اخر.. لكن ان يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما مثلا كوبا احد جزر الموز في البحر الكاريبي.. تكاد تقع جغرافيا في الحضن الامريكي.. ومع ذلك قالت للولايات المتحدة ما قاله المثل الفلسطيني لو عكا تخاف من هدير البحر ما جاورت!! .
ها هي صامدة وقيادة شريفة اقتربت من شعبها وشعبها يلتف حولها وهذه اسمي نقطة للنظام!! شعوب العرب فيها خميرة ايمانية وكرامة عربية تعودناها ورضعناها مع حليب الام اناسنا يتألمون جدا حين يطأطيء حكامنا الرؤوس والهامات لادارة بوش.. وقبولهم بدور ناعم الذيل والتبعية لهؤلاء الغرباء الذين يهددون ثقافتنا وانساننا وارضنا.. الشعوب يريدونهم قادة يقودون ولا يتقادون لكي يلتفوا حولهم في ملحمة لا تقصمها كل الاسلحة التقليدية والتدميرية.
كما يتألم المواطن العربي حين يري قدوته وقادته منهمكون في تعلية الاسوار فيما بينهم.. ويحتفظون لبعضهم بعضا بحساسيات خاصة كأنها بالتعبير البلدي حجب السمر.. وبذلك تتكرس الاقليمية الضيقة وتزدهر نزاعات الحدود السخيفة.. ولا نستثني احدا ابتداء من الانظمة اليمينية وانتهاء بالجمهوريات الراديكالية المتفجرة..
المختصر المفيد في هذا المقام هذه الـ بريطانيا التي اسبغت علينا نقمة ونكبة وعد بلفور.. ثم زادت نعمائها في معاهدة سايكس بيكو وقسموا سورية الطبيعية الي دويلات.. وقد بلغ من صفاقتهم والفرنسيين ان داس احد رموز غزاتهم علي ضريح قاهرهم صلاح الدين ليقول: ها قد عدنا يا صلاح الدين.. وعندما جلت عن دول الخليج العربي انعمت عليها بمسمي الامارات المتصالحة لتذكرهم لاحقا بفسخ الصلح ومحاربة بعضهم لكن حكمة الشيخ زايد.. فوت عليهم هذا المقلب.. وعندما قدم الانكليز للعراق في 1917 امعانا في الكيد للعرب والمسلمين فقد حاولوا الحاق العراق بالهند.. حتي جامو وكشمير.. زرعوا الفتنة فيها بتيسير تهجير الهندوس لهاتين المنطقتين مقابل نزوح المسلمين السري خارج ارضهم ووطنهم.. وعلي قارعة الطريق قطاع طرق الهندوس لقتل الذكور.
بريطانيا العجوز بها ذاكرة حاقدة علي المسلمين.. وجاء بلير الاصفر اللئيم ليبعث الحقد الدفين.. في بلاد الافغان.. والعراق وها هم يتحرشون في ايران وسورية والسعودية ولكننا امة عظيمة ستنتفض من تحت الرماد كطائر الفينيق الذي قالوا!
ان للعرب والمسلمين كبرياء وكرامة.. ودعها الله سرا فيمن خصه من الصالحين.. وسيعود الينا قادتنا ولو وهنوا.

ہ كاتب من الاردن
8

صقر الخالدية
12/12/2003, 11:16 AM
الفشل في العراق سيكون كارثة على الغرب

هنري كيسنجر *

أيا كانت وجهة النظر حول أصل الحرب في العراق، وأنا من الذين أيدوها، فنحن الآن في نقطة يصبح معها الفشل في العراق كارثة للغرب، لأن هذا سيشجع كل العناصر المتطرفة، وكل الذين يعتقدون بأن الغرب في حالة تراجع، ومن هنا تنبع أهمية التعاون بين أوروبا واميركا في العراق.
أما حول ما اذا كان حسن التخطيط والاعداد قد صاحب الحرب وما تلاها من مآزق، فالاشارة تجدر هنا الى أن أميركا ظلت دوما ومتى ما تورطت أو اشتركت في قضية عالمية على اعتقاد بأن هناك وصفة جاهزة للمشاكل. وفي هذا السياق كان هناك اعتقاد مفرط بأن ثمة مقارنة بين احتلال المانيا واليابان وبين احتلال العراق.
مع أن تلك الحالتين مختلفتان كليا، فألمانيا دولة قومية والعراق دولة سيادية ولكنها ليست قومية. ومع الحالة الالمانية لم تكن هناك هزيمة عسكرية فقط للعقيدة السياسية وانما في المقابل أيضا وعي لجهة الكارثة التي سببتها تلك العقيدة والتي لم تترك بقية. ولم يكن ذلك هو الحال مع العراق، لأن عقيدة البعث لم تكن مربوطة بصدام حسين فقط، بل بالخلاف السني ـ الشيعي، فيما لم تكن في المانيا خلافات بين مقاتلي حرب عصابات كما هو الحال مع العراق، أضف الى ذلك أن دول المحيط والجوار مع المانيا كانت تؤيد الاحتلال في حين أن العكس تماما هو ما يحدث مع العراق، لذلك فربما كان الافتراض الأساسي خاطئا. وعلى الجهة الأخرى، فإن الافتراضات الأخرى ما كان لها أن تحدث أي فرق على صعيد ما تقف عنده الأمور الآن، لأننا وبمجرد اسقاطنا لصدام يكون أمامنا أن نواجه نفس المشاكل سواء ما قارناها في أذهاننا بألمانيا أو اعترفنا بها كحالة فريدة لا مثيل لها. ومن هنا واذا فتحنا عيوننا على العراق والمشاكل الماثلة نجد أن لدينا السنة والشيعة والاكراد.. ألخ، أضف اليها موروثات القبلية، ومجمل القول أن هنا منظومة من المشاكل لم يكن هناك مناص منها حتى اذا ما وصلنا للعراق بفريق شؤون مدنية مكتمل ومدرب، ومع ذلك فبوسع المرء أن يقول اننا الآن نعيش حالة وجه لوجه مع المشاكل في العراق، ولا أعتقد أنه كان من المحتمل أن نزيد من وتيرة سرعة العملية حتى لو كنا قد قمنا بتحليل أفضل في البداية.
صحيح أنني أشرت لمسألة حرب العصابات، وأعتقد أنه كان من الممكن تفاديها. وأحسب أن الذين يقومون بها هم بقايا البعث والحرس الجمهوري وجماعات ربما تتلقى التشجيع من سوريا وايران، فلا أحد من دول الجوار له مصلحة في هدوء الأمور بالعراق، وعلى الأقل المصلحة العاجلة أو الفورية، وكل شيء يثيره وجودنا. ولا أحسب هنا أن الامور كانت ستختلف كثيرا اذا تم القبض على صدام حسين رغم أن ذلك في عداد الانجازات ذات الأثر النفسي، وقد يكون صحيحا، كما أشار السؤال، أن العراق هو الوطن الجديد للإرهابيين، ولكنهم على أية حال موجودون بالمنطقة. ولم يأتوا للوجود بسبب العراق مع أنهم يحولون استخدام العراق للقيام بمعاركهم، فهم موجودون في كل الاحوال وسيزدادون نشاطا في أمكنة أخرى.
أما حول الحرب ذاتها وأثرها على استقرار العراق، فيمكن القول انها ستجعله غير مستقر على المدى القصير، وأكثر استقرارا على المدى الطويل اذا ما تصرفنا بحكمة، بمعنى أن علينا أن نخلق تمثيلا، اذا لم يكن ذلك بحكومة ديمقراطية كاملة تقوم بسياسات تقدمية واضعة في ذهنها مصالح شعبها، لأنه وحتى اذا لم تلب كل تلك الأهداف فانها ستكون تحسنا كبيرا يتجاوز الوضع السابق وتجسيدا لدولة ينعقد الأمل لجهة مشاركتها في سياسة عالمية معتدلة.
وأحسب هنا أنه واذا لم يبق الاميركيون في العراق لوقت طويل ومعقول فان سائر المنظومة المتوقعة ستكون في مواجهة خطر كبير، ولذلك فعليهم البقاء لفترة طويلة نسبيا مع بعض الدول المعنية الأخرى.
أما حول كيفية كسب أميركا لدعم فرنسا والمانيا خاصة، والاسرة الدولية عامة، فقد أحزنني كثيرا أنه ومتى ما تحدث أي فرد وفي أي وقت عن الجهود المشتركة فان الاختيار يقع على فرنسا والمانيا كمشكلة، مع أن فرنسا والمانيا على كل حال مشاكل من نوع مختلف، ففرنسا تنفذ سياسة خارجية قومية تقليدية فرنسية، فيما يكون الحال مع المانيا متعلقا بضآلة الجيل الثالث المفقودة بعد الحرب العالمية والجيل الأول بعد الوحدة، ولا أظن أنها رغبة المانيا أن تحد أو تقتطع من النفوذ الأميركي في العالم. أنها وبالاحرى مواقف لتعريف مهمة المانية محددة في العالم، وعلينا أن نحاول اكتشاف نوع من التعقل لجهة المصير المشترك، وأنا لا أنظر لهذه المشكلة من وجهة النظر التي قد تعكس من خلالها مهام المانية محددة بعض التقييم التكتيكي. وآمل أن يتساءل القادة الالمان والاميركيون الآن عما يمكن أن يكون عليه الهدف المشترك في منطقة هي العراق بكل آثارها على الشرق الأوسط وأوروبا. وسيتطلب ذلك بالطبع بعض التكيف التكتيكي في هذه اللحظة ولكن الهدف المشترك وجب ان يكون هو المصير الاساسي.
على صعيد التقييم التكتيكي لأميركا، أحسب أن أهم المؤشرات هنا تتعلق بكم أو ما هو حجم الدور الذي يمكن أن نعطيه لألمانيا أو ذلك الذي نأتمنه عليها، وكم هو حجم المساعدة التي بوسعها أن تقدمها، وحينما نكون في فترة يعتبر فيها الطرفان أنهما جزء من مصير مشترك، فستكون هناك اختلافات كثيرة، ولكن التعاطي معها سيتم في اطار الهدف المشترك. ولكن الحال الآن هو أن هناك خطر القطع بوجود خلاف أساسي مع وجود اتفاقات تكتيكية كثيرة تدخل بنا في مشاكل العلاقات العامة في كل الدول، وآمل أن يرتفع النقاش بين الجانبين في هذا الشأن.
على صعيد ما يمكن أن تقوم به أميركا بدلا من مخاطبة الأمم المتحدة، فأيا كان ما سيحدث في مجلس الأمن، فسيكون هناك قرار ما. ولكن المشكلة ستكون اعطاء محتوى لبرنامج يكون بوسع الجانبين الايمان به حقيقة بل ودعمه. أما اذا كانت أميركا وأوروبا معا فان مشكلة مجلس الأمن ستحل نفسها، لأن روسيا ستنضم حينها، وكذلك الصين، فيما ستتنفس الدول الصغرى الصعداء بأن عبء الاختيار بين وجهتي نظر قوتين قد انزاح من على كاهلها.

* وزير الخارجية الأميركي الأسبق ـ المقال مأخوذ من مقابلة أجرتها معه ويلشام سونجتاج

الصقر الذهبي
13/12/2003, 08:02 AM
إختيارات موفقة أخي العزيز

شكرا لك

صقر الخالدية
13/12/2003, 09:08 AM
اشهرهم بيرم التونسي وشهرة عليا سبقتها الي مصر وصابر الرباعي آخر العنقود : تاريخ التوانسة في الفن المصري

2003/12/11







القاهرة ـ القدس العربي ـ من عبد الفضيل طه: هز حادث اغتيال المطربة التونسية ذكري، الاوساط الفنية في الوطن العربي خاصة في مصر وتونس (وهذا الحادث غير المبرر لم يكن احد يتوقعه خاصة وان الروابط الاخوية بين البلدين الشقيقين عميقة الجذور ترجع الي الاف السنين وزادت عمقا وترابطا مع دخول الاسلام البلدين.
والتعاون الفني بين مصر وتونس في العصور الحديثة معروف مشهور، وهناك العديد من الادباء والموسيقيين والمطربين والمطربات من ابناء تونس عاشوا في مصر وجاءوا اليها علي فترات يحيون حفلات او يقدمون انتاجهم من فن الغناء والموسيقي.

بيرم التونسي

ولعل اشهر هؤلاء الاديب الكبير محمود بيرم التونسي الذي تربي وعاش في مصر وقدم فيها اعظم انتاجه من فنون الزجل والغناء وحتي الشعر الفصيح، ولست في حاجة الي ذكر بعض ما قدم من انتاج فهو كثير ومتنوع له شهرته في كل العالم العربي. وفي هذا المجال لا ننسي شاعر الرومانسية العظيم ابو القاسم الشابي الذي كان واحدا من اهم شعراء ومؤسسي جماعة ابوللو في مصر ونشر في مجلتها العديد من القصائد الرائعة ومنها:
اذا الشعب يوما اراد الحياة
فلا بد ان يستجيب القدر
والتي شدت بها الفنانة سعاد محمد.
وكانت مصر ولا تزال هي قبلة الكثير من الفنانين من ابناء تونس الخضراء، وكثير منهم وكثيرات قدموا احلي ما عندهم من اغنيات في الاذاعة المصرية وتليفزيونها.
ولعل من اشهر مطربات تونس اللاتي جئن الي مصر ونلن الشهرة الفنانة حسيبة رشدي التي وصلت مصر في منتصف اربعينات القرن الماضي القرن العشرين وانضمت الي قافلة الفنانات العربية من الشام خاصة مثل نور الهدي وصباح ونورهان.. وهناك المطربون العرب امثال غرام شيبة ومحمد سلمان ومحمد البكار وغيرهم. وعرفت ليالي القاهرة حسيبة رشدي مطربة من الطراز الاول واشتركت في العديد من الحفلات التي كانت تنظمها الاذاعة المصرية وقد اشتهرت باغنية:
يا ام العباية.. حلوة عباتك
ثم اختارها الفنان حسين صدقي لتشاركه البطولة في فيلم طريق الشوك الذي بدأ تصويره عام 1949 ثم كان اول عرض له يوم 10 نيسان (ابريل) سنة 1950 والفيلم اخرجه حسين صدقي ولعب بطولته امام حسيبة ومعهما لولا صدقي وفريد شوقي.
وكانت حسيبة قد لعبت دور البطولة في فيلم حب الذي عرض سنة 1948 بطولتها مع محسن سرحان ومع سميحة ايوب وفريد شوقي، ثم مثلت فيلم دماء في الصحراء بطولتها مع عماد حمدي وسامية جمال وعرض في كانون الثاني (يناير) 1950 وبعد طريق الشوق مثلت انتقام الحبيب مع يحيي شاهين.
وقامت حسيبة في فيلم طريق الشوك بدور بدوية تنتمي لاسرة في الصحراء تتاجر بالمخدرات ويقوم ضابط شاب بمطاردة هذه الاسرة وتساعده البدوية (حسيبة) في الايقاع بالتجار ثم تهرب وتعمل مغنية في احدي الملاهي ويعثر عليها الضباط وتنتهي القصة بالزواج.
ونجح الفيلم نجاحا كبيرا واشتهرت اغنية ايش بتريد من قلبي يا خاين التي شدت بها حسيبة رشدي كما قامت الفنانة حسيبة بالغناء في فيلم المتشردة وقامت ببطولة فيلم اخر انتاج مشترك بين مصر وتونس اخرجه التونسي المنصف علي.
ظلت حسيبة من شهيرات المطربات حتي تركت مصر في منتصف خمسينات القرن الماضي وعادت الي تونس تحمل احلي الذكريات عن مطربة اثبتت وجودها وسط عشرات المطربات من صاحبات الاصوات الحلوة.

عليا

وعرفت مصر في سبعينات القرن الماضي المطربة الكبيرة عليا وكانت شهرتها في تونس قد سبقتها الي مصر.. وكان صاحب دعوتها الي القاهرة الموسيقار احمد شفيق ابو عوف الذي اسس فرقة الموسيقي العربية والمسرح الغنائي وكان هو ومعه المطربة شهرزاد وعدد من الصحافيين في استقبالها بمطار القاهرة وانضمت عليا الي قافلة المطربات صاحبات الاصوات الحلوة.. وتزوجت من الملحن المصري حلمي بكر وكان لها اغنيات شهيرة منها:
حبايب مصر
ما تقولش ايه ادتنا مصر
قول ندي ايه لمصر
يا حبايب مصر
ثم كان لها اغنية اخري رائعة الكلمات واللحن هي
ع اللي جري
بس اما تيجي واحكي لك.. علي اللي جري
وامسح دموعي بمنديلك.. ع اللي جري
وهي الاغنية التي عاشت في وجدان الشعب العربي حتي الان ومن حلاوة اداء المطربة الراحلة عليا رأينا عشرات المطربين والمطربات منهم اصالة وصابر الرباعي وعدد كبير من مطربي الكاسيت ويرددون هذه الاغنية باصواتهم وبعضهم سجلها في شرائط.
وعادت عليا الي تونس ثم لقيت وجه ربها بعد ان اكملت رسالتها الفنية الغنائية.

لطيفة

تعتبر المطربة لطيفة من اشهر بنات تونس اللاتي اشتهرن في مصر. ولطيفة جاءت الي مصر في ثمانينات القرن الماضي، وبدأت حياتها الغنائية في فرقة ام كلثوم للموسيقي العربية واحتضنتها يومها عميدة المعهد الاستاذة رتيبة الحفني.
ثم خرجت لطيفة من اطار الموسيقي العربية عندما قدمت اول البوم لها بعنوان ارجوك اوعي تغير وكان مؤلف الاغاني الراحل عبد الوهاب محمد قد غنت له الكثير من الكلمات الناجحة ووجد فيها عوضا عن الفنانات الراحلات اللاتي كان يقدم لهن كلماته مثل فايزة احمد.. وغيرها.
ولطيفة الآن تعتبر من نجمات الطرب الاوائل في الوطن العربي ولها في الاسواق عشرات الالبومات مثل اكثر من روحي بحبك وتركت بعدها عمار الشريعي صاحب الحان الالبومين السابقين ونفذت البوما من تلحين كاظم الساهر لكنه لم يلق النجاح.. وبعدها حدثت لها ازمة عاطفية وغنت البوم بعنوان واضح .
بعد ذلك شاركت لطيفة في اول فيلم سينمائي مع المخرج يوسف شاهين بعنوان سكوت هنصور وطرحت البوما يتضمن اغاني الفيلم.. واخر البوم لها بالاسواق حاليا بعنوان ما نروحش بعيد .
ومن المطربات اللاتي جئن الي مصر مليحة واحيت عدة حفلات بعد نجاحها في اعادة غناء بعض الاعمال القديمة من اهمها اغنية لاموني اللي غاروا مني وهي من التراث التونسي وسبقها في ادائها المطرب لطفي بوشناق. لكن مليحة نجحت اكثر في هذه الاغنية لانها قدمتها بصورة معاصرة من خلال فيديوكليب يعتمد علي التقنيات الحديثة مع جمال اللحن والاداء الصوتي.. فارتبطت الاغنية بـ مليحة اكثر.
واصدر لمليحة البوم غنائي آخر لكنه لم يرق الي مستوي ما قبله ولم يحظ بالنجاح المنشود، وقررت مليحة العودة مرة اخري الي بلدها تونس.
اما المطربون الرجال اصحاب التميز الصوتي في تونس فنعود الي الخمسينات عندما حضر المطرب علي العيادي الذي احيي عدة حفلات واشتهر بغناء المألوف وهو نوع من الغناء التقليدي التونسي.. كما جاء الي القاهرة المطرب الفذ صاحب الصوت الخلاب علي الرياحي الذي غني بدار الاوبرا القديمة وسط حشد عظيم من المشاهدين.
ومن اهم اساطين الموسيقي العرب حاليا الدكتور صالح المهدي الذي له اليد العليا في التربية الموسيقية بتونس، كما انه من كبار الملحنين والعازفين علي اكثر من الة موسيقية، الدكتور صالح المهدي له صداقات عميقة في مصر وله اسهاماته في كل مؤتمرات الموسيقي العربية التي عقدت بالقاهرة منذ عام 1969 حتي اليوم.
وقدم في هذه المؤتمرات العديد من الابحاث الموسيقية المبتكرة.. كما قدم العديد من الحفلات في مسرح محمد عبد الوهاب بمعهد الموسيقي العربية وهو لا يزال حتي اليوم علي صلة قوية برجال المغني المصري.. وهو عضو في اكثر من جمعية موسيقية عربية وعالمية مثل اللجنة الموسيقية العليا التي اسسها وكان يرأسها صديقه الحميم احمد شفيق ابو عوف ويعتبر العلامة صالح المهدي واحدا من اهم الذين يدعمون الصلة الموسيقية بين القطرين الشقيقين.
وفي اواخر السبعينات جاء الي القاهرة المطرب لطفي بوشناق واتصل بالاوساط الفنية في القاهرة وكان دائم الزيارة لمعهد الموسيقي العربية بشارع رمسيس، ثم كان ان عرفته ليالي القاهرة مطربا قوي الصوت قادرا علي غناء اصعب القوالب الغنائية مثل الدور كما كانت له جولاته مع المألوف التونسي وغني من التراث التونسي اغنية نالت شهرة في مصر والوطن العربي وهي:
لاموني اللي غاروا مني
وقالوا لي اش عاجبك فيها
قلت للي جهلوا فني
خدوا عيني شوفوا بيها
واصبح لطفي بو شناق من اشهر الفنانين الذين تستعين بهم رتيبة الحفني في احياء الحفلات علي هامش مؤتمرات الموسيقي العربية التي تقيمها كل عام في دار الاوبرا المصرية.
كما اصبح له معجبون في مصر يطالبون باغانيه في برامج ما يطلبه المستمعون في شتي الاذاعات المصرية.
ومن الذين زاروا مصر من المطربين التونسيين وكانت لهم حظوة عند المستمع المصري: احمد حمزة واشتهر باغنية:
جاري يا حمودة.. يا حمودة
يا جاري جبار عليّ يا امه
الناس تبات رجوده.. رجوده
والنوم حرم.. عليّ يا امه
ثم عرفنا مؤخرا المطرب الشاب صابر الرباعي صاحب الصوت الحلو والذي له باع طويل في الغناء العربي ومن الذين ينتظرهم الجمهور الواعي والذي يعشق الفن الاصيل.
ظهر الرباعي في التسعينات من خلال مشاركته بحفلات مهرجان ومؤتمر الموسيقي العربية ونال المركز الاول في مسابقة المهرجان وبعد هذا النجاح سعت شركات الكاسيت الي التعاقد معه لتقديم البومات غنائية طرح منها: سيدي منصور و اخلص تارك و شارع الغرام .
اهم ما يلفت النظر في البومات الرباعي حرصه الشديد علي تقديم اغنية من التراث التونسي.
ومن الاجيال الجديدة ظهر محمد الباجي.

مصريون في تونس

كما ان مصر عرفت الكثير من ابناء تونس الفنانين كان هناك من الفنانين المصريين من عاش في تونس وقدم فيها العديد من الانشطة الفنية وقضي شطرا كبيرا من ايام اعمارهم في البلد الشقيق.
من اشهر هؤلاء الفنان سيد شطا وهو من اهم رجال الموسيقي العربية قدم العديد من الالحان لكثير من المطربين المصريين كما اشتهر بتلحين التواشيح الدينية والبرامج الغنائية.
سافر سيد شطا الي تونس واصبح من اهم الموسيقيين وكانت له اسهاماته التي لا تنكر مع الوسط الفني من ابناء تونس وظل يعمل هناك حتي لقي وجه ربه.
ايضا عاش في تونس الشيخ امين حسنين الذي عرفته مصر مطربا تقليديا ممتازا ثم انتقل الي تونس ليقدم هناك عصارة فنه حتي رحل عن دنيانا في البلد الشقيق.

ذكري

وكانت الراحلة ذكري من العناقيد الحلوة التي جاءت من تونس وقدمتها مصر في ثوب قشيب من الغناء وتعهدها في بداياتها الملحن حلمي بكر والذي سبق له التعامل مع عليا.. وقدمها من خلال هاني مهني الذي انتج لها البومين هما وحياتي عندك و قصر والاخير خليجي. وحدثت مشاكل بين ذكري وهاني بسبب عقد الاحتكار الذي وقعت عليه لصالح شركته غولدن كاسيت وخلال عامين من المشاكل تدخل البعض وانهاها وانضمت ذكري بعد ذلك الي شركة ميغاستار وقدمت البوم الاسامي وهو اشهر اعمالها.. ثم قدم البوم الله غالب لصالح شركة مشاعر وكان اخر البوماتها لشركة روتانا يوم عليك .
ونظرا لحلاوة صوتها تسابق الملحنون للعمل مع ذكري وانتظروا لها مستقبلا باهرا.. لكن القدر وضع لموهبتها وشبابها نهاية مبكرة وبصورة غير متوقعة.. لكن هي الحياة نحياها ولا نعرف ماذا يخبيء لنا القدر.
رحم الله المطربة ذكري بقدر ما قدمت من فن اسعد الجماهير، وحفظ الله علاقة الشعبين المصري والتونسي من كل الشوائب.

صقر الخالدية
13/12/2003, 01:03 PM
بدأت مع عزيزة امير واحمد الشريعي: زيجات الفنانات من رجال الاعمال فاشلة
2003/12/09

فاتن حمامة وهند رستم وليلي نظمي نجحت زيجاتهن مع اطباء ورجال اعمال

القاهرة ـ القدس العربي : بعد النهاية المأساوية للمطربة التونسية ذكري علي يد زوجها رجل الاعمال ايمن السويدي اتضح للجميع ان سلسلة زيجات رجال الاعمال من الفنانات يكون مصيرها الفشل بنسبة 90% علي الاقل.. وهو ما يشير الي ان اساس العلاقة يبني بطريقة خاطئة غير قوية فيسهل انهيارها في التصادمات الاولي من الحياة الزوجية والتي تحدث مع الجميع سواء في الوسط الفني او غيره.
وخلال الرصد الذي قمنا به لظاهرة زيجات الفنانات لرجال الاعمال اتضح انها قديمة وليست حديثة العهد، وان النماذج التي استمرت كانت بين فنانات ورجال اعمال في المجال الفني ايضا خاصة الذين يعملون في جهات الانتاج الفنية.
من النماذج القديمة نجد زواج الفنانة عزيزة امير من رجل الاعمال احمد الشريعي والذي يرتبط بصلة قرابة مع الموسيقار عمار الشريعي وكان احمد من رجال الاعمال المرموقين وعندما شاهد عزيزة امير في اوج نجاحها الفني وجمالها قرر الزواج منها وليضمن استمراريتها معه انتج لها عدداٌ كبيراً من افلامها.
من الظواهر الملفتة ايضا في زيجات الفنانات من رجال الاعمال ان هناك نماذج نجحت وما زالت مستمرة ولكن الازواج ينتمون الي مهنة الطب بجانب العمليات التجارية التي دخلوا فيها والمشروعات كرجال اعمال من هؤلاء: فاتن حمامة ود. محمد عبد الوهاب الذي يشارك في عدد من المشروعات الطبية كالمستشفيات ومعامل التحاليل وعلاقته بها تجاري فقط.
والفنانة هند رستم وزوجها د. محمد فياض والذي يعد من رجال الاعمال اصحاب السمعة الطيبة وله شركات يديرها.
والفنانة ليلي نظمي التي تزوجت من طبيب امراض نساء ورجل اعمال في عدد من المشروعات التجارية.
هناك نماذج اخري لزيجات فنية مع رجال اعمال لهم علاقة فنية ايضا منها: المطربة عايدة الشاعر مع المنتج والملحن سيد اسماعيل والتي شابتها مشاكل عديدة واكثر من طلاق وقع بينهما ولكنهما نجحا في الاستمرار حتي الان.
الفنانة صفاء ابو السعود بعد تجربة زواج من رجل الاعمال مدحت الهواري.. تزوجت من الشيخ صالح كامل ووقعت بينهما حالة طلاق ثم استأنفا الزواج من جديد.
الفنانة ميرفت امين لها اكثر من زيجة من رجال اعمال منها: مع مصطفي البليدي ـ المحبوس حاليا في قضايا قروض ـ والذي تزوج ايضا من الفنانة هدي رمزي.
وتزوجت ميرفت امين من رجل الاعمال الفلسطيني حسين الفللا الذي دخل مجال الانتاج السينمائي وتخصص فيه بجانب التجارة التي يقوم بها مع احد اشقائه.
الفنانة سهير رمزي لها اكثر من تجربة زواج من رجال اعمال هم: سيد متولي رئيس النادي المصري لكرة القدم ببورسعيد حاليا، ورجل الاعمال الكويتي محمد الملا وخالد بن سعود والاخير له تجربة زواج من الفنانة المعتزلة شمس البارودي.
الفنانة نادية لطفي تزوجت من شقيق حاتم صادق زوج السيدة هدي ابنة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
الفنانة نجلاء فتحي تزوجت اكثر من مرة من: احمد عبد القدوس وخالد ابو النجا واخيرا حمدي قنديل.
ومن اكثر الزيجات نجاحا كانت بين الفنانة المعتزلة حاليا سهير البابلي ورجل الاعمال المشهور السرجاني صاحب محلات الذهب والمجوهرات والتي استمرت حتي وفاة الزوج بعدها تزوجت سهير من مقاول اسكندراني ثم انفصلت عنه.
ومن الزيجات التي لفتت الانظار وقتها ما تم بين الفنانة سميرة احمد ورجل الاعمال صفوت غطاس الذي اسلم لاتمام هذا الزواج واتجه الي الانتاج الفني بجانب اعماله التجارية التي يديرها في دول الخليج.

نجمة الجماهير

وتأتي نجمة الجماهير نادية الجندي علي رأس قائمة اطول زواج مع رجل الاعمال محمد مختار الذي ترك التجارة والاستيراد والتصدير وتخصص في الانتاج الفني واستمر زواجهما ما يقرب من عشرين سنة الي ان تم الطلاق وتزوج مختار من الممثلة الشابة رانيا يوسف وانجب منها طفلتين.
الفنانة والراقصة المشهـورة نجـــوي فؤاد تزوجت حوالي ست مرات منها رجل الاعمال سامي الزغبي واستمر حوالي عامين ثم انفصلا.
الممثلة الشــابة شيرين تزوجــــت مـرة واحـــدة من رجل الاعمال صاحب محلات الانتيــــكات محمد اسامة والذي قدم تجــــــربة سينمائية واحدة من بطولة شيـــــــرين وتولي اخراجها ثم انسحب من الحياة الفنــية بعد طلاقه لشيرين ولهما بنت واحدة تدعي ميريت.
الفنانة المعتزلة سحر حمدي تزوجت من رجل الاعمال علاء الخواجة ثم انفصلا وتزوج بعدها اسعاد يونس ثم شريهان بعد انفصالها عن رجل الاعمال السعودي علال الفاسي.
ولا احد ينسي زواج شيرين سيــف النصر والشيخ عبد العزيز الابراهيمي بعد الواقعة الشهيرة لممدوح الليثي.. ولم يستمر الزواج طويلا ثم عادت شيرين الي الفن.
من الزيجات التي لم تنجح كانت حنان شوقي مع رجال الاعمال محمد الشلقاني والتي استمرت عدة سنوات وانتهت بسبب عدم الانجاب.
كذلك حالة المطربة نجوي كرم التي تزوجت مرة واحدة من رجل الاعمال يوسف حرب ولم تستمر لاكثر من عامين بسبب المشاكل العائلية لاسرتها الرافضة ليوسف لانه مسلم ومتزوج وله ابناء.

فضيحة

اما الزيجة التي صحبتها فضيحة اخلاقية هي التي تمت بين الراقصة والممثلة دينا ورجل الاعمال حسام ابو الفتوح وظهر بعدها شريط فيديو لهما بغرفة النوم.

جزيل
14/12/2003, 02:16 AM
الاخ الفاضل / صقر الخالدية .. لو تتكرم تكتب لنا اسم الجريدة او الموقع المنقول منه المقال لاغراض التثبيت والتوثيق اكاديمياً.

صقر الخالدية
14/12/2003, 08:55 AM
الفصل الفيصل!
سعد العجمي

تسمر العالم مشدودا صوب مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية، حيث أجرى فريق من الأطباء قبل أسابيع عملية جراحية معقدة وخطيرة لتوأمين مصريين طفلين ملتصقين بالرأس هما أحمد ومحمد. قلوب العالم كله وصلوات المؤمنين في بقاع الأرض توجهت جميعا إلى الباري عز وجل أن تنجح العملية، وبالفعل استجاب الله سبحانه ـ حتى اللحظة ـ لتلك الدعوات، ونجحت العملية بفصل التوأمين عن بعضهما، وتفيد آخر الأخبار أن حالتهما مستقرة، وأنهما تجاوزا مرحلة الخطر.
أشرف على العملية خمسون من الأطباء والممرضات، وكانوا من المسيحيين واليهود، كما عاونتهم مجموعة طبية مصرية صغيرة للاستفادة من خبرة هذا الفريق الجبار الذي أجرى هذه العملية المعقدة، والتي تطلبت التعامل مع أكثر من مائة شريان دموي في كل رأس بعد فصل التوأمين.
كنت أتابع الأخبار وأستذكر كيف تجاوز الطب والعمل الإنساني كافة الفوارق الدينية واللغوية والإثنية، وكيف تجسد التلاحم الإنساني في غرفة العمليات في تكساس مرسلة أكثر من رسالة من رسائل الرحمة والتعايش، وموجهة صفعة لكل الحاقدين على الانسانية والتعايش الانساني بين جميع البشر.
لقد جاءت رسالة التعايش هذه لتوجه لطمة لكل من يحاول أن يحارب الإسلام تحت ذريعة محاربة الإرهاب، ولكل من يحارب الآخرين بحجة الدفاع عن الإسلام، فالفريق اللادني- نسبة إلى بن لادن- يحلل قتل كل المسيحيين واليهود أينما كانوا ومهما كانوا أيضا، وهذا الموقف لا يستثني أحدا بمن فيهم فريق الخمسين الطبي الذين قاموا وأشرفوا على عملية فصل محمد وأحمد المصريين المسلمين.
إن الدين الإسلامي دين تعايش وتواد وتراحم، وهو دين تقدم وعلم وخير للناس كافة، وسيبقى أهله في غالبهم أهل خير ومحبة، وسيبقى احترام الانسان كمقياس أساس لكل أعمالنا وأفعالنا مهما تشدقنا بالجميل من القول، ومهما رفعنا من براق الشعارات، ولكن الدين رسالة سماوية مجردة، وترجمتها وفهمها وممارستها يقوم بها الإنسان الذي يمكن له أن ينحرف بمبادئها ومثلها، تماما مثلما أفتى بن لادن بقتل أي مسيحي أو يهودي مهما كان وأينما وجد ومهما كان سنه أو مهنته.
تحسنت صحة التوأمين وتقابلا وجها لوجه لأول مرة في حياتهما التي يمكن أن تطول بعد إجراء العملية، وكانت المقابلة المعجزة متزامنة مع انتظار عكس حالة من الجهل والجمود في الفكر الديني وفي عالمنا الإسلامي، وأعني بذلك الهرج والمرج الذي صاحب رؤية هلال شهر رمضان المبارك، ولم يكن هذا الجدل العقيم بسبب الدين نفسه، ولكن بسبب العقول التي احتكرت تفسير الدين، وتمسكت بالنصوص، وأغلقت العقول بمفاتيح الجمود والتخلف.
كم سيكون جميلا لو أن المسلمين اتفقوا على استخدام التكنولوجيا والحساب لحسم الجدل المزمن حول رؤية الهلال لهدف نبيل يقصد منه صيام المسلمين وفرحتهم بالعيد في يوم واحد، لتتحقق وحدة هذه الأمة المتشرذمة ولو على نطاق الصوم والعيد، ولكي نثبت ـ حقا ـ بأن ديننا دين العلم والعصر... ولكن هيهات! فتسخير العلم لحسم الجدل حول مثل هذه القضايا سوف يفقد البعض ميزاته التي تراكمت عبر عصور الجهل والتخلف، وسوف تكون بداية النهاية لكل أولئك الذين استرزقوا وتاجروا بالفتاوى على حساب المعرفة والعلم والحقيقة.
كانت عملية فصل التوأمين فصلا بين الحق وبين الباطل، وفيصلا بين المحبة والكراهية، وبين التعايش والتنافر، وبين التقدم والتخلف.

الشرق الاوسط

صقر الخالدية
14/12/2003, 09:01 AM
خلافا لمسلمين.. مسيحيون ينصرون قيماً إسلامية..!
زين العابدين الركابي


هل المسلمون ـ وحدهم ـ هم الذين يفعلون «الخير» ويمارسون «النبل»،أي يحتكرون الأخلاق والفضائل؟
في عالمنا هذا.. هناك من الوقائع والقرائن والمواقف ما ينشئ سؤالاً كبيراً: جد كبير وهو: هل كل من حمل (اسما) إسلامياً هو أقرب إلى قيم الإسلام بمجرد التسمية؟ وهل غير المسلمين ـ جميعاً ـ هم ابعد عن القيم التي دعا إليها الإسلام بحكم هذه الغيْرّية؟
السؤال صاعق: يهز أو يزلزل (مسلّمة): فكرية وثقافية وأخلاقية تكاد تكون ثابتاً من الثوابت الراسخة في نظر الكثيرين.. نعم هو سؤال يجبه العقل والنفس. ولكنه سؤال حق، وعقلاني، وواقعي، يتعين: أن يُبيّن ولا يكتم، ويعلن ولا يكون سراً.. أولاً لأن(العدل) يوجب: الصدع به.. ثانياً: لأن المؤمن لا يدس نفسه، بل يزكيها بألق الحقيقة.. ثالثاً: لئلا يفتن الناس بمقولة: أن قيم التسامح والإنصاف محجوزة للمسلمين، محصورة فيهم دون العالمين.. يفتنون بهذه المقولة أو الدعوى حين يلمسون ويشاهدون: أن شرائح من غير المسلمين فيها من النبل والأخلاق ما ليس في شرائح تحمل أسماء مسلمة.. أخلاق مثل: النزاهة العلمية، والتعامل التجاري الأمين، والإنصاف الأدبي.
مسألة (الزي الإسلامي) للمرأة المسلمة (المسمى بالحجاب) ليست هي قوام هذا المقال، على الرغم من أنها مسألة أو قصة عجيبة ومثيرة.. ففي كوكبنا هذا نحو ثلاثة مليارات انثى أو امرأة لا يرتدي الزي السابغ أو المحتشم منهن إلا 7 في المائة بحكم العادة كالفلاحات والريفيات، وبحكم الديانة كالراهبات والمسلمات.. معنى ذلك: أن أكثر من 90 في المائة من النساء في هذا العالم: متبرجات أو سافرات، ومنهن من هو أكثر من ذلك.. فهل لن يستقر الكوكب، ولن تستقيم شؤونه إلا بالمزيد منهن؟ هل الانتعاش الاقتصادي، والرقي الأخلاقي، والإبداع العلمي، والسلام العالمي الوطيد.. هل ذلك كله لا يتحقق إلا بعد أن ترتفع نسبة غير المحتشمات إلى 100 في المائة.. وما علاقة هذه المسألة بالتقدم؟ ما علاقة زي المرأة بالمثلث الهندسي، أو سرعة الضوء، أو الجينوم.. وعلام هذه الضجة الكبرى؟!
قلنا: إن هذه المسألة ليست هي قوام المقال، ولكنها تصلح شاهداً ودليلاً على أن في غير المسلمين: نبلاً وفضائل وأخلاقا (وهذا هو جوهر المقال).
في فرنسا: ضجة كبرى حول الزي الإسلامي للفتيات المسلمات في المدارس الفرنسية، ولا تزال الضجة تعلو حتى تحولت إلى مشروع قانون يمنع هؤلاء الفتيات من الزي الذي يردنه ويفضلنه.
هنالك تقدمت الكنائس المسيحية ـ بمختلف مذاهبها ـ معترضة على هذا القانون، ومطالبة بحق المسلمين أو المسلمات في(حرية التدين).. نعم. الكنيسة الكاثوليكية هي التي ابتدرت هذا الموقف النبيل بادئ ذي بدء. وقال رئيس مجلس أساقفة فرنسا(المونسنيور جان بيار): «إن إصدار قانون يحظر المظاهر الدينية في مؤسسات التعليم العام هو قانون يمثل تراجعاً للحرية الدينية» بيد أن الكنائس البروتستانتية والأرثوذكسية ظاهرت الكنيسة الكاثوليكية واتخذت الموقف الأخلاقي نفسه.. ولقد دعمت هذه الكنائس موقفها أو فلسفتها بحجة عقلانية اجتماعية وواقعية تمثلت في قولها: «إن الإجراءات التي ستتخذ قد تعتبر قمعية من جانب البعض وتعزز الطائفية بدلاً من أن تضع لها حدا».
ومن قبل أذنت الشرطة البريطانية لشرطيات مسلمات بتكييف زيهن بالطريقة التي يقتضيها حقهن أو حريتهن الدينية.. في حين أن مسلمات ـ في فرنسا ـ وقعن على عرائض تؤيد قانون حظر الزي الإسلامي في المدارس الفرنسية!! وفي حين أن حكومات إسلامية (!) تفصل من العمل كل من تستر شعرها!!
إن هذه مفارقات تثبت أن أخلاق التسامح والإنصاف غير محصورة في المسلمين وحدهم. بل لن نتردد في أن نقول: إن هناك مسيحيين أكثر تسامحا ـ تجاه قيم الإسلام ـ من مسلمين يحملون أسماء إسلامية.
ومن شاء المزيد من الدلائل على (أخلاق) غير المسلمين.. فهذا شيء من المزيد:
أـ في استطلاع علمي ـ موسع وموثق ـ للرأي العام الأوروبي، قال 59 في المائة من الأوروبيين: إن إسرائيل هي المهدد رقم (1) للسلام العالمي. ولقد استند الاوروبيون في حكمهم هذا الى ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين.. وفلسطين قضية عربية ـ اسلامية لا أوروبية، ومن هنا فان دافع الشعوب الأوروبية إلى هذا الموقف الشجاع الكريم العادل، إنما هو دافع إنساني أخلاقي، منبثق من ضمير حي مستقل، لا من جهود عربية إسلامية: مفردة أو مشتركة: استهدفت الشعوب الأوروبية واستمالتها فأقنعتها.
ب ـ ان (غير المسلمين) هم الذين بادروا بل كافحوا ـ فرادى ومجتمعين ـ في سبيل صياغة اتفاقات دولية تحظر استنساخ البشر: مدفوعين إلى ذلك بدوافع دينية وأخلاقية.
نخلص من هذا إلى حقائق ثلاث:
الحقيقة الأولى هي: ان البشر مهما اختلفت أديانهم ومذاهبهم وألوانهم وألسنتهم ومواقعهم الجغرافية ومستوياتهم الثقافية، فان (فضائل أو أخلاقا مشتركة) تجمعهم.. مثلاً: بيننا وبين الرئيس الأمريكي جورج بوش فروق كبيرة من أهمها: تصور العالم، وطريقة التعامل معه، ومع ذلك لا نتردد في تأييد موقفه الأخلاقي الصلب المناهض لـ«تقنين الشذوذ» أو الزواج المثلي، لأن موقفه هذا يستند إلى أخلاقيات وقيم دينية نحن نؤمن بها.
الحقيقة الثانية: ان الصراع أو الخلاف بين عموم المسلمين وعموم المسيحيين ليس (دينياً) بيد أن هذا النفي لا يشمل غلاة مسلمين يريدونها حرباً دينية على المسيحيين كافة، ولا يشمل حفنة في الإدارة الأمريكية قد بدت البغضاء الدينية من أفواههم، ويريدونها حرباً على المسلمين كافة.
الحقيقة الثالثة هي: ان عالمنا الإنساني هنا هو(عالم ملوّن) بعدة ألوان، لا بلون واحد فحسب.
ان هذا العالم ملون، بل شديد التلون: في أجزائه المفردة والمركبة، وفي خيوط نسيجه، وفي العلاقة بين هذه الخيوط.
انه إذا كان من المريح للذات: تصور العالم في صورة واحدة، ذات لون واحد، فان هذه الراحة لا تقوم إلا على أنقاض النظرة الموضوعية، إذ هي رغبة ساذجة أو طفولية في تصور العالم: ليس كما هو. بل كما يهواه المرء ويتمناه، وكأي من أناس، ومن أنظمة ، تصوروا العالم وفق أحلامهم وأوهامهم فصعقهم الواقع فهلكوا أو تراجعوا إلى نقطة بينها وبين ما يدور في العالم: أمد بعيد.. ثم أن هذه الراحة وهمية لا حقيقة، وهمية إلى درجة أنها تتضمن نقيضها. فتصور العالم في صورة واحدة، ذات لون واحد، يشقي صاحبه أو أصحابه بمتاعب ومشاق لا آخر لها في أثناء التعامل الواقعي مع العالم.. ومن هذه المشاق: الصدمة.. والاضطراب.. وعسر الاتصال.. وحرج التكلم بلغة لا يفهمها احد.. إلى آخر ما تجلبه هذه الراحة ـ ذات اللذة الوهمية ـ من مرارة وكرب وعنت.
ان تفسير الأحداث والوقائع والمواقف البشرية: لا يصح بسبب أو عامل واحد: لا يصح ـ منهجياً ـ لأنه تجاهل عوامل موضوعية أخرى: ليس من المنهج العلمي تجاهلها. ولا يصح ـ عملياً ـ لأن ما يبنى عليه من عمل يكون قد انبنى على غير أساس، أو على أساس هارٍ.. مثلاً: من العور المنهجي: تفسير كل حدث وكل واقعة وكل أزمة بان وراءها دافعاً أو هدفاً عقدياً دينياً.. ليس يُنفى العامل الديني ـ بإطلاق ـ فمن استقرأ التاريخ البشري بفهم سديد ووعي رشيد، لا يستطيع أن يتجاهل العامل الديني أو يلغيه، لكن تفسير كل شيء بالدافع الديني وحده: تنطع لا يقتضيه المنهج العلمي ولا يطيقه.. إن حروب استغلال الدين (المعروفة في التاريخ بالحروب الصليبية) لا تخلو من بواعث دينية لدى العامة ـ في الغالب ـ لكن الثقات من المؤرخين الأوروبيين يركزون على (الأسباب الاقتصادية) وإلا فلماذا قاتلت هذه الجيوش (الصليبية) الزاحفة إخوانها في المسيحية من البيزنطيين؟
وفهم العالم المتعدد الألوان: ليس لمجرد التمتع باللوحة الملونة، وإنما الهدف: تكييف منهج التعامل معه على أسس ألصق بالواقع، فمن مقتضيات هذا الفهم: أن نعلم: أن هذا العالم البشري ليس كله شراً بل فيه من الأخلاق والفضائل والمزايا والخير ما أثبتها الدليل آنفاً.. ومن مقتضيات هذا الفهم ايضاً: ألا نفرط في المثالية فنتوقع من الغير ما لا نفعله لأنفسنا. ولقد قال الرئيس الأمريكي (جون كيندي) كلمة، صارت حكمة، وهي: «يصعب علينا أن نساعد من لا يبتدر مساعدة نفسه».. ومن مقتضيات الفهم ـ كذلك ـ : ألا نقبل من الغير مثالية أو كلاماً جميلاً ـ عن حقوق الإنسان، والعدالة الدولية، وأريج الحرية ـ تمحوه الواقعية النقيضة التي يتعامل بها مع القضايا المختلفة.
موجز الكلام: إن في العالم الإنساني حُسناً وسوءاً، وفيه تدن أخلاقي، وفيه أخلاق رفيعة.
ولربما طرح سائل سؤالاً يحسبه محرجاً ملجماً ناسفاً وهو: إذا كان عند غير المسلمين هذا القدر من الفضائل والمحامد والأخلاق، فماذا بقي للإسلام؟ لماذا جاء الإسلام ابتداء بهداه؟.. والجواب في طرف القلم، أي بدهي، وهو:
أولاً: في مجال الأخلاق، ما جاء الإسلام لينشئ الأخلاق وإنما جاء ليتممها.. جاء ليبعثها ويحييها ويجددها وينشرها ويزين للناس ارتفاقها وتمثلها وممارستها.
ثانياً: إن الإسلام يشهد للآخرين ـ بالعدل ـ بما عندهم من خير ونبل وفضل وأمانة: «ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك».. فليس الإسلام (حاسوباً) متخصصاً في إحصاء مثالب الآخرين، وتسجيل معايبهم.
وهذان المحوران من أعظم وأجمل وجوه صدق الديانة الإسلامية، ومن أعمقها جذباًَ للنفوس، وتأثيراً فيها، ومن أقوى أسباب بقاء رسالة الإسلام واطرادها في الزمن المفتوح.




المصدر جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
15/12/2003, 09:58 AM
تفجيرات الرياض: قراءة مختلفة
2003/11/12

عبد الباري عطوان



اقدم الرئيس الامريكي جورج بوش على الادلاء باعتراف نادر عندما قال في خطابه الاخير الذي تحدث فيه عن الديمقراطية في الشرق الاوسط، ان بلاده ارتكبت خطأ كبيرا بدعمها انظمة دكتاتورية فاسدة على مدى الخمسين عاما الماضية. ولكن هذه الانظمة، ما زالت تتصرف، وكأن الامر لا يعنيها، تمارس القهر، وتصادر الحريات، ويذهب بعضها الى درجة انكار وجود شعب كتبت عليه الاقدار والانقلابات العسكرية ان يكون تحت حكمها. وان هذا الشعب له حقوق، ويتابع الفضائيات ويقتني اشتراكات في شبكات المعلومات، ولم يعد مغفلا جاهلا.
تكلس الانظمة العربية، وايغالها في الفساد السياسي والمالي، هو التفسير الوحيد لموجة العنف الدموي التي تسود المنطقة العربية حاليا، وبدأت تعبر عن نفسها بشكل اصدق في المملكة العربية السعودية والعراق على وجه التحديد.
فالانفجارات التي تحدث حاليا في الرياض، والمواجهات التي سبقتها في مكة المكرمة، ما هي الا نتيجة احتقان، وبداية تنفيس لانفجار بركان الحقد والكراهية الكامن حاليا تحت عروش الانظمة، وهو انفجار كبير قادم لا محالة.
فالمواطنون السعوديون لجأوا الى ابسط وسائل الاحتجاج السلمي على مدى السنوات العشر الماضية، ابتداء من تقديم العرائض الى اولي الامر المطالبة بالاصلاح وقطع دابر الفساد، وتحقيق المساواة في الوظائف والتوزيع العادل للثروة، او التظاهر السلمي للمطالبة بحفظ الحقوق الاساسية، ولكن هذه العرائض قوبلت بالاستهتار، او ادعاءات ظاهرية بالقبول والاستماع، وبهدف كسب الوقت وامتصاص النقمة، اما المظاهرات فكان نصيبها القمع الشرس، وحملات الاعتقال، التي ترافقت مع فتاوى من وعاظ السلاطين تكفر المتظاهرين، وتعتبر عملهم هذا خروجا على تعاليم الاسلام، وتهديدا لامن المواطن وخروجا على طاعة ولي الامر.
طاعة اولي الامر واجبة، مثلما هي فرض، حماية للمجتمع وامنه وارواح ابنائه، ولكن عندما يكون ولي الامر سيدنا عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، او سيدنا علي بن ابي طالب الخليفة الرابع او الخليفة الخامس سيدنا عمر بن عبد العزيز، اما ان يكون حكامنا غارقين في الفساد ونهب المال العام واذلال الوطن والمواطن والتقاعس عن نصرة قضايا الحق في العالم الاسلامي، ومحاباة القوى الاستعمارية ومخططاتها، فلا طاعة لهؤلاء.
فعندما تضيق مساحة التعبير، وتنحصر السلطة ودائرة صنع القرار في الحاكم وابنائه واصهاره ومهرجيه، وتغيب الحريات، وينتشر القهر والجوع، وتنعدم ابسط الخدمات الاساسية، وتتحول ثروات العباد الى يخوت فارهة، وقصور فخمة، وارصدة بالمليارات في الخارج فان علينا ان نتوقع ان يلجأ البعض الى اساليب متطرفة في التعبير عن رفضهم وغضبهم، مثل التفجيرات وغيرها.
اننا هنا نفسر، ولا نبرر، نعيد الظاهرة الخطيرة التي تهددنا جميعا الى جذورها، ونحاول تشخيص المرض لتسهيل وصفة العلاج لمن يريدونها. ونحن لسنا مع العنف كوسيلة للتغيير، ولكننا نعارض ايضا كل الابواق التي تقول بعدم اللجوء الى الاسباب والمسببات وتطالب بادانة ما حدث باعتباره ارهابا منكرا ونقطة على السطر.
الولايات المتحدة الامريكية تتحمل مسؤولية كبرى ومزدوجة عن نشوء ظاهرة العنف هذه واستفحالها فهي التي احتضنت التطرف الاسلامي وشجعته، ومولت بعض منظماته عندما كانت تكافح الشيوعية والمد القومي واليساري العربي، وهي التي دعمت الانظمة الفاسدة ووفرت لها الحماية، وتسترت على اساليبها القمعية، وتحالفت معها ضد المواطن وحقوقه الانسانية المشروعة.
فواضعو السياسات الامريكية في المنطقة كانوا يرتكزون دائما على ركيزتين اساسيتين، الاولى دعم العدوان الاسرائيلي، وبقاء الدولة العبرية قوة عسكرية كبرى مهيمنة ووحيدة في المنطقة، وتحطيم اي تهديد ولو جزئي لها، اما الركيزة الثانية فهي النفط.
وعندما استسلمت الانظمة العربية لهذه السياسات الامريكية، وبدأت تتخلى عن مواجهة المشروع الاسرائيلي وتتبنى التعايش معه كحقيقة واقعة، وتقيم العلاقات معه على استحياء، وتقدم نفطها باسعار متدنية الى الولايات المتحدة وحلفائها، كان من الطبيعي ان تأخذ الراية التي اسقطتها، حركات اسلامية متطرفة، مثل حماس والجهاد في فلسطين المحتلة، والقاعدة في افغانستان، والجماعات الاسلامية المسلحة في المثلث السني العراقي.
في الماضي كان الارهاب الموجه الى اسرائيل هو الذي تطالب امريكا بمكافحته وتجعله المقياس الرئيسي لتقييم علاقاتها مع دول المنطقة وانظمتها، ولكن بعد احداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر)، وغزو العراق، جرى توسيع هذا المعيار، بحيث يشمل محاربة الارهاب الاسلامي في العراق وافغانستان والدول العربية الحليفة لواشنطن.
فالحملة الاعلامية الامريكية على الحكومة السعودية توقفت فور حدوث انفجارات الرياض في ايار (مايو)، وانهاء الهدنة غير المعلنة بين الاسرة الحاكمة وتنظيم القاعدة. وشن السعودية الحرب على الجماعات الاسلامية الجهادية بلا هوادة، ومساندة المخططات الامريكية في العراق. بينما تواصلت الحملات الاعلامية الامريكية ضد سورية لانها ما زالت تدعم حزب الله وترفض الاعتراف الجدي بمجلس الحكم العراقي.
في الماضي كانت الدول تلجأ الى اقامة العلاقات مع الدولة العبرية كمدخل الى صداقة امريكا وحمايتها ودعمها، الان لم تعد هذه البوابة على درجة كبيرة من الاهمية، لان هناك بوابة اخرى اكثر اهمية حلت محلها وهي مكافحة الارهاب، ولذلك باتت الانظمة الاسلامية تتبارى في الادعاء بمكافحة تنظيم القاعدة واقتلاع جذوره، حتى لكأن هذا التنظيم اصبح قوة عظمى اساسية، وجيوشا جرارة من الانصار، وحل محل امبراطورية الشر السوفييتية كمصدر خطر على العالم الحر، بل هو اخطر منها.
العنف الدموي في المنطقة سيتصاعد، وللأسف الشديد، لان الانظمة لا تريد الاصلاح، ولان امريكا غيرت رأيها، وعادت الى دعمها لمجرد تشديدها لحملات قمعها لشعوبها بحجة محاربة التطرف وتنظيم القاعدة.
تفجيرات الرياض هي قمة جبل الثلج، ومن يعتقد ان موجة العنف هذه ستتم محاصرتها مثلما حدث في مصر وبعدها في الجزائر يرتكب خطأ كبيرا في التقدير، فالظروف التي قمعت فيها الحكومة المصرية المد الجهادي العنفي تغيرت. والشيء نفسه يقال عن الجزائر، بل لا نبالغ اذا قلنا ان الفساد في مصر والركود الاقتصادي، والحكم البوليسي، وتفاقم حالات الفقر، كلها عوامل ستعيد العنف الجهادي الاسلامي وربما بصورة اكثر خطورة.
العامل الجديد الذي طرأ على المنطقة وسيقلب كل المعادلات هو عامل احتلال العراق، وظهور المقاومة المسلحة بقوة غير متوقعة، وهي مقاومة حققت مصالحة تاريخية بين التيارات الاسلامية ونظيرتها القومية على ارضية محاربة امريكا وقواتها. وهذه المصالحة لن تظل محصورة داخل العراق وستنتقل عدواها الى دول الجوار ان آجلا او عاجلا.

صقر الخالدية
15/12/2003, 01:45 PM
الخليج وتركيبته السكانية

عبد الباري عطوان

كان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات العربية المتحدة شجاعا في اعترافه بوجود مشكلة خطيرة تهدد امن بلاده ومستقبل اجيالها تتمثل في خلل التركيبة السكانية في البلاد.
ففي الخطاب الذي القاه امس بمناسبة العيد الحادي والثلاثين لاعلان الاتحاد الفيدرالي بين الامارات السبع التي تكون الدولة قال ان هذا الخلل ما زال يمثل حالة خطيرة تهدد استقرار المجتمع ومصير الاجيال القادمة، ودعا الى تفعيل الاجراءات والقرارات التي اتخذت لمعالجة هذا الخلل.
والخلل في التركيبة السكانية ليست مشكلة دولة الامارات وحدها، وانما معظم الدول الخليجية الاخرى، ولكن من النادر ان يتم الاعتراف بها بهذه الصورة من الشفافية، مثلما يحدث في دولة الامارات.
ولعل الخلل في التركيبة السكانية في الامارات هو الاخطر من بين دول مجلس التعاون الخليجي، فنسبة المواطنين لا تتعدى خمسة عشر في المئة من مجموع السكان، ويشكل الاجانب حوالي تسعين في المئة من القوى العاملة في البلاد، بينما تتراوح نسبة المواطنين في الـــدول الخليجية الاخرى بين ثلاثين في المئة في دول مثل قطر والبحرين وخمسة وثلاثين في المئة في دولة مثل الكويت.
ويشكل الاسيويون، خاصة من دول شبه القارة الهندية والفلبين وبنغلادش النسبة الاعظم من الاجانب، بسبب رخص هذا النوع من العمالة، وتلبيتها لاحتياجات اسواق العمل، مثل الخدمة في المنازل وقيادة السيارات، واعمال النظافة التي تتجنب العمالة العربية القيام بها. وهذا لا يعني ان هناك عمالة اسيوية تتمتع بمستويات مهنية عالية جدا، ولكن نسبة هذه العمالة محدودة ومحصورة في قطاعات برمجة الكمبيوتر والطيران والوظائف الحسابية والتقنية الاخرى.
ويرفض المسؤولون في دول الخليج الحديث عن كيفية معالجة هذه المشكلة المتفاقمة، ولكن من الواضح ان معظم هذه الدول تتجنب الحل الامثل الذي اتبعته معظم دول العالم المتقدم اي توطين العمالة الاجنبية وخاصة المدربة منها.
فالامارات تجنس حوالي خمسة الاف شخص في العام في اكثر تقدير، وتتم عملية التجنيس هذه وفق قرارات ليست محكومة بضوابط قانونية محددة، وفي اطار استراتيجية سياسية واقتصادية بعيدة المدى، بينما تعتبر دولة مثل الكويت جنسيتها بأنها جنسية مقدسة، لا يجب ان تعطى الا بعد وجود مواصفات تعجيزية لدى المتقدم للحصول عليها، ولهذا يزداد الخلل في تركيبتها السكانية تفاقما.
ہ ہ ہ
فمن غير المنطقي ان يقيم شخص في دولة مثل المملكة العربية السعودية او الكويت او الامارات اكثر من اربعين عاما متواصلة ولا يتمتع بحقوق المواطنة او حتى الاقامة الدائمة ويعامل معاملة شخص وصل الى البلاد قبل يوم او اسبوع، فهناك اسر عربية وهندية وباكستانية لم يعرف ابناؤها غير الدول التي ولدوا وعاشوا فيها، ولكن هؤلاء محرومون من التعليم والطبابة في هذه البلدان الامر الذي يخلق حالة من الاحباط لديهم قد تتطور الى تمرد واعمال عنف في المستقبل.
وما لا تدركه الدول الخليجية هو ان هناك حالة من التذمر والقلق في اوساط المجتمع الدولي من اوضاع الاجانب المقيمين فيها وعدم حصولهم على حقوقهم المشروعة، وهناك في المجتمع الغربي مؤسسات تعتبر هذا الوضع غير قانوني وانتهاكا لحقوق الانسان، ففي المجتمعات الغربية يحصل الاجنبي بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه على الجنسية بعد خمس سنوات من الاقامة والعمل.
الدول الخليجية ستجد نفسها مجبرة، فيما هو قادم من ايام على تجنيس جميع العمالة الاجنبية لديها، تماما مثلما تتعرض حاليا لضغوط مكثفة لتغيير مناهجها الدراسية، واغلاق المدارس والمعاهد الاسلامية، واعادة صياغة المواد الفقهية، وحذف كل ما يمكن ان يتعرض فيها لليهود والغرب بالسوء.
فاذا كانت الولايات المتحدة الامريكية تتدخل الان في خطب المساجد، وتضع شروطا ومواصفات معينة لها، وتجبر الحكومات العربية على حذف كلمة الجهاد من هذه الخطب، وتمنع خطيب المسجد الحرام من الدعاء للمجاهدين في فلسطين والشيشان، وتحرم على الحكومة السعودية، وكل الحكومات العربية الاخرى، دعم اسر شهداء العمليات الانتحارية، باعتبار ذلك تشجيعا للارهاب فما الذي يمنعها من ان تجبر هذه الدول على تجنيس العمالة الاسيوية، واعطائها حقوق المواطنة، واخذ نصيبها من ثروات البلاد النفطية.
ہ ہ ہ
روي عن سفير هندي حديث العهد في دولة الامارات العربية المتحدة قوله في جلسة خاصة انه يعتبر مدينتي ابو ظبي ودبي اجمل مدينتين هنديتين رأهما في حياته، الامر الذي يعكس كيف تفكر حكومة بلاده في مستقبل هذه الدول.
المشكلة ان معظم دول الخليج تسخر من الهنود والباكستانيين وتعتبرهم مواطنين من درجة عاشرة بسبب قبولهم اجورا متدنية وصبرهم على الكثير من الاهانات التي توجه اليهم، ولكن ينسي الخليجيون والعرب الآخرون، الذين يحتقرون هؤلاء ان الهند طورت قنابل وأسلحة نووية وديمقراطية عريقة وتعايشا فريدا من نوعه بين عشرات الاعراق والديانات والطوائف.
ہ ہ ہ
اننا لن نفاجأ اذا ما كان هندي يمثل احد دول الخليج في مؤتمرات قمة مجلس التعاون، لان كل المؤشرات تؤكد ان المستقبل هو للديمقراطية والتعددية السياسية والانتخابات الحرة، واجراء اي انتخابات في اي دولة خليجية في الوقت الراهن، وفي ظل الخلل في التركيبة السكانية سيؤدي الي قيام برلمانات يشكل الاسيويون الاغلبية الساحقة فيها.
الحقيقة مرة، ولكن يجب ان يوجد من يقولها، لعل بعض النيام في نعيم النفط وعوائده يفوقون من سباتهم قبل فوات الاوان.

صقر الخالدية
16/12/2003, 08:52 AM
أنقذوا الاسلام من اصحاب الطرابيش والعمائم
2003/12/09

د. محمد صالح المسفر


قبل ان يكثر المترجمون والمحللون وكتبة التقارير السرية للغاية والعلنية من تناول محتويات هذه الزاوية بالتحليل، اؤكد القول باني ضد العبث والعابثين بأمن الاوطان، ضد الارهاب بكل اشكاله ومصادره، ضد التدخل الاجنبي في شؤون امتنا العربية والاسلامية، ضد الهيمنة الامريكية او اي قوة اخري. ارفض فتاوي فقهاء السلطة والسلطان الساعية الي ارضاء الحاكم او استرضائه حتي ولو كان مخالفا لاحكام الدين الحنيف.
ما دفعني الي هذا القول هو ان شوارع العواصم العربية ومقاهيها وردهات فنادقها تعج بجيش رهيب من المجندين من ابناء امتنا مهمتهم استراق السمع ومتابعة وسائل الاعلام بكل فروعها وترجمة ما يسمعون وما يقرأون للأعداء مع ذكر الاسم والمركز. ولم يعد سرا بان دولة الاستكبار العالمي قد جندت جيشا من المترجمين برواتب مغرية لهذا الهدف. فالكاتب يقطع الطريق علي هؤلاء المرتزقة ويعلن موقفه بكل وضوح فيما يجري وما سيجري في منطقة الخليج والجزيرة العربية.
اعود الي موضوعنا وتكاثر فتاوي شيوخ الازمات، خرج علينا شيخ الازهر من شاشة احدي المحطات الفضائية الناطقة باللغة العربية ليفتينا بجواز التطبيع مع العدو الصهيوني ووصف الرافضين للتطبيع بأنهم جهلاء وجبناء لم يقف عند هذا الحد بل ذهب ليعلن احتجاجه علي امر البابا شنودة بمنع اتباع الكنيسة القبطية من الذهاب الي اسرائيل لاداء طقوس الحج المسيحي الي الارض المقدسة ـ بيت لحم ـ فلسطين طالما هي واقعة ـ فلسطين ـ تحت الاحتلال الصهيوني.
يا للهول! شيخ الازهر يدعو الي التطبيع مع العدو وبابا الكنيسة القبطية يحرم التطبيع. حقا الاول يريد متاع الدنيا والثاني يريد العزة والكرامة في الدنيا ونصيبه من الاخرة لانه عمل عملا صالحا في هذا السياق.
شيخ الازهر يروض الاسلام والسيرة النبوية الشريفة لكل مناسبة فهو روض الاسلام لفتواه حول تحليل الفوائد البنكية ولا استبعد ان يروض الاسلام لتسهيل انتقال السلطة من الأب الي الولد في مصر. يقوم الشيخ الازهري في شأن التطبيع ان الرسول عليه السلام كان يرسل الصحابة لبلاد الاعداء حتي يتعرفوا علي سلاحهم.. .
واسأل الشيخ طنطاوي ما علاقة المتاجرة مع العدو والتطبيع معه بمعرفة اسرار السلاح عنده.
هل يعلم شيخنا الجليل سيد طنطاوي اننا في علاقة مميزة ـ نحن العرب ـ مع امريكا وخاصة الدول النفطية واننا سددنا معظم فواتير حروبها وحتي هذه الساعة لم نستطع الحصول علي وصفة صناعة البيبسي كولا لانها من اسرار التجارة وحتي سلاحنا الذي نشتريه منهم وفي معظمه بهدف مساعدة امريكا لانقاذ صناعة السلاح من الانهيار والحد من ارتفاع معدلات البطالة هناك علما بان كفاءة هذا السلاح تقل بكثير عن السلاح المصدر لعدونا اسرائيل.
هل نسي الشيخ طنطاوي انه قال في مقابلات سابقة ان اليهود الذين يقتلون ويفجرون ويدمرون ويفسقون نحن ضدهم. ونحن لهم بالمرصاد فنحن ندافع عن ديننا وعن اوطاننا وعن كرامتنا دفاعا مستميتا ولن نلين امامهم .
اقول لقد بلغ شيخ الازهر من الكبر عتيا فلم يعد قادرا علي استيعاب المتغيرات الدولية ولم يعد يتذكر ما كان يقوله سابقا وبهذا يكون عبئا علي الاسلام وخطرا عليه.
بارك الله في البابا شنودة وفي اعماله الصالحة ونفع به الامة.
(2)
شيخ آخر في ريعان شبابه خرج علينا ايضا من شاشة محطة فضائية ناطقة باللغة العربية ليفتينا بتحريم خروج شباب الاسلام للقتال في العراق ضد القوات الغازية التي هتكت العرض وعبثت بالارض واستبدلت بالثروات وما برحت تعيث الفساد في ارض الرافدين. فبأي حق ايها الشيخ تجيز لنفسك ذلك القول وعلي اي قاعدة دينية مستمدة من القرآن والسنة تستند عليها في فتواك، وراح صاحب عمامة سوداء في بغداد يفتي باعطاء الغزاة الامان لفترة من الزمان!
لقد انفتح القمقم في عالمنا العربي واندفع الي الساحة الاعلامية وغيرها فقهاء يحللون ويحرمون كما شاؤوا وشيء لهم فأجازوا تحديث المناهج في التعليم وهي كلمة حق يراد بها غير ذلك وذلك الغير هو المساس بقواعد ومحددات اسلامنا وتاريخ امتنا بالحذف والاختصار والانتقاء. لكنهم لا يتحدثون عن تحديث الممارسات السياسية والاهتمام بحقوق الانسان في الثروة وحرية الرأي والمشاركة في صناعة القرار. لقد فشلت كل قوي الشر في العالم في اجهاض عقيدة الاسلام وافراغها من محتواها فعمدوا الي الاختراق من الداخل وهكذا يفعلون.
لقد غاب عن هؤلاء الفقهاء او ارادوا ان يغيب عنهم ان الكيان الصهيوني يعج بالمدارس الدينية الصهيونية وانها تمارس نفوذا كبيرا في الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية للكيان والجيش الصيهوني وهناك العديد من هذه المدارس منها المدارس الدينية الرسمية، وهي تحت اشراف وتمويل الحكومة والتبرعات الاهلية وهي مركز تخريج حاخامات وكهنة الجيش الاسرائيلي.
المدارس التوراتية تابعة للاحزاب الدينية ومعظمها مدارس داخلية وهي مصنع لتفريخ العقول المتطرفة المحشوة بالحقد والعنف ومن طلبتها نشأت معظم حركات التطرف الديني مثل حركة غوش امونيم التي اقامت المستوطنات في الضفة والقطاع وكوادرها الذين احرقوا المسجد الاقصي وقتلوا المصلين عند صلاة الفجر واغتالوا القيادات السياسية الفلسطينية ومدارس اخري من بقايا المدارس الدينية المتطرفة ابرزها مدارس حزب شاس وهو ثالث حزب حاكم في اسرائيل وراعي هذه المدارس الحاخام عوفاديا رئيس حزب شاس وهو الذي قال عن دين الاسلام والمسلمين ما يصعب علي ترديده.
فلماذا لا يثار عن هذه المدارس ما يثار عن مدارسنا ومناهج تعليمنا. اقول: انهم متحدون ضدنا وضد ديننا ونحن مشتتون مرتجفون خائفون فاتحدوا يا علماء الاسلام قبل ان يأتيكم الطوفان.


المصدر جريدة القدس العربى

صقر الخالدية
16/12/2003, 12:23 PM
ولادة أقلامٍ بالواسطة


بقلم: فريد أحمد حسن
















كاتب عربي كتب ذات مرة أن الأقلام الجديدة لا تولد بالدعوات ولا تنطلق وسط قرعات الطبول ولا تأتي من خواء وليست نباتاً شيطانياً. لكن البعض في هذا الزمن لا يهتم فيسعى معتمداً على ما يمتلك من أموال أو جاه أو منصب كي يكون ابنه شاعراً أو قاصاً أو كاتباً أو فناناً. بل إن البعض لا يتردد عن التصريح بالقول أنه لماذا ابن فلان صار كذا وليس ابني؟

هذه المشكلة نعاني منها في الخليح العربي مهما قررنا مخاصمة الحقيقة، فهناك من يعتقد أنه يمكن أن تولد أقلام جديدة بالمال أو استناداً إلى الجاه والشهرة والمنصب، وهناك من يرفض حقيقة أن الأقلام التي تعاني والتي هي صاحبة قضية, هي فقط التي تستطيع أن تبدع وتواصل المسير.

ليس بالضرورة أن يكون ابن الفنان فناناً, أو ابن الشاعر شاعراً, كما ليس بالضرورة أن يكون ابن الكاتب كاتباً كما يريد هو, لأن ابن صديقه نجح في هذا المجال، ولم يحدث أبداً أن صنع المال من أحد مبدعاً. بإمكان المرء أن يكون نجاراً باكتسابه المهارة والتعلم, وبإمكانه أن يصبح حداداً ومبرمج كمبيوتر, لكنه لا يستطيع أن يكون شاعراً أو أديباً أو فناناً مهما صرف من الأموال ومهما كانت عائلته أو قبيلته تريد ذلك. الأقلام الجديدة المولودة بقرار أو بإرادة فرد مقتدر مالياً لا تستطيع أن تقدم شيئاً أو تضيف شيئاً لأنها لم تخرج من معاناة ولم تعش أحوال الإبداع وآلامه وأهواله.

أعرف أشخاصاً قرروا أن يصيروا كتّاباً مسرحيين, فصاروا. لكن تبين بعد حين أن آخرين كانوا يكتبون لهم بمقابل. وأعرف أشخاصاً قرروا أن يصيروا كتّاباً صحفيين, فصاروا, لكن تبين بعد حين أنهم "يلملمون" ما كتبه الآخرون ويعيدون صياغته بأسلوب هزيل أو أن آخرين يكتبون لهم، تماماً كما قد يعرف البعض أن أسماءً بعينها تفوز في مسابقات معينة لأنه في الأساس لا يجرؤ أحد على تعديها.

مشكلة أو مأساة صرنا نعيشها في الخليج العربي تجاوزت مشكلة السرقات الأدبية إلى سرقة الموهبة في الأدب والفن، وهي مشكلة تحتاج إلى المتخصصين في المجالين الاجتماعي والنفساني لدراستها وتحليلها، فالمال لا يصنع الموهبة، والأقلام التي تولد وفي فمها ملعقة من ذهب لا تدوم مهما حقنت بالمال وبالذهب.

أحد الظرفاء علّق على هذا الموضوع بالإشارة إلى مثال في موضوع آخر ولكنه قريب منه، حيث قال إن بعض الدول تمنح جنسيتها إلى بعض الذين أكدوا تفوقهم في المجالات الرياضية بهدف جلب البطولات والكؤوس والشهرة حتى لو أدى ذلك إلى تغيير أسمائهم. وذكر –الظريف- قصة متخيلة عن دولة ما منحت الجنسية لأحد عشر لاعب كرة قدم وعندما لعبوا المباراة اعتقد الجمهور والفريق المنافس أنهم يلعبون مع منتخب الأمم المتحدة.

ومع هذا يظل موضوع منح الجنسية للاعب أو كاتب أو فنان أو شاعر أمراً مقبولاً إلى حد ما، لكن غير المقبول وغير الممكن هو أن يصنع البعض كتّاباً وشعراء وفنانين لم يخلقوا لهذه المجالات ولسبب بسيط هو أن الإبداع معاناة، والأقلام التي لم تعاني ولم تحترق من الداخل لا تستطيع الصمود ولا العطاء لأن فاقد الشيء لا يعطيه.


المصدر مجلة الازمنه العربيه

صقر الخالدية
17/12/2003, 10:01 AM
بقلم احمد اميرى ـــــــ مجلة الازمنة العريه





















الإنسان بفطرته يتأذى من رؤية أخيه الإنسان حين يتعرض للأذى. وحتى العدو حين تراه يتلوى ألماً فإن الفطرة تدفعك إلى الانزعاج من ذلك. لكن طبقات معدتي ترقص فرحاً عندما يختار الثور أحد معذبيه الإسبان فيحجزه في زاوية ضيّقة لا منفذ لها ويبدأ في رفسه بقدميه، وأزداد حماساً كلما تيقنت أن الثور الهائج يمسك بزمام الأمور، ولا تهدأ أعصابي المشدودة إلا إذا علمت أن الرجل قُتل أو أصيب، ففطرتي لا يحق لها أن تشعر بهؤلاء الأوغاد الذين لا يرحمون المخلوقات الضعيفة. لكن الثيران ترد الصاع صاعين أحياناً، فبينما يقتل الإسبان عشرات الآلاف منها سنوياً في مهرجاناتهم اللاثورية، فإن الثيران لا تقتل ولا تجرح منهم إلا العشرات. وفي هذا عزاء للثائرين لصالح الثيران، لكن هنالك حيوانات أخرى لا تتمكن من الثأر لنفسها من البشر العابث بها.

حيث تجري بعض القبائل الباكستانية مسابقات بين الديكة في قتل بعضها البعض وسط تصفيق الجمهور وحماسة أصحابها، ومسابقات أخرى للكلاب التي يتفطر قلب الإنسان لحالها المزري، حيث يدربها أصحابها على عضّ ونهش لحوم بعضها بعضاً، بينما الدماء والدموع تسيل منها، بل خصص هؤلاء ****** –أقصد البشر- طبيباً بيطرياً لإسعاف ****** المصابة إصابات بليغة حتى تتمكن من مواصلة اللعب وإمتاع الجماهير الملعونة، وقد قال (ص) حين رأى حماراً وُسّم: "لعن الله الذي وَسَمه". وللأسف فإن هذه الديكة الحمقاء والكلاب الوفية لا تعرف الانتقام ولا تهجم على هؤلاء البشر ولا تشفي صدور قوم مؤمنين كما تفعل الثيران البطلة. ومسابقات المصارعة بين الحيوانات تجرى في الكثير من بلدان العالم كأمريكا وبعض الدول العربية بل وفي الإمارات أيضاً، فتباً لهم جميعاً وكسر الله أيديهم.

التعذيب برأيي لا يقتصر على تلك المسابقات, بل إن حيوانات السيرك هي الأخرى تعذّب و"تبهدل" على يد مدربيها، وإن بشكل آخر ولكن لذات السبب: إمتاع الإنسان الذي لا يحسّ بجمال الكون لبلادة شعوره فيلجأ إلى الحيوان ويعذبه ويستمتع بذلك. وحسناً فعل ذلك الفيل الأبي الذي هجم على مدربه وحطّمه وكسر عظامه، والأسد الشجاع الذي قضم رأسه مدربه وأدخله جهنم بإذن الله.

وحتى لو كان مدربو السيرك يعاملون الحيوانات بالحسنى ويطعمونها جيداً ويلبسونها "الهيلاهوب"، فإن مجرد مطاردتها ونصب الشراك والفخاخ لصيدها واقتناصها من غاباتها وأجماتها ومراعيها وجحورها ووجارها وأعشاشها وأوكارها, وإبعادها عن قطعانها وأسرابها وصغارها, ثم تقييد حريتها ووضعها في أقفاص صغيرة وإجبارها على التنطط على الأقماع البلاستيكية والحلقات الدائرية وسط النيران والأشواك، هذا كله عذاب وهوان للحيوان، وقد أكون متطرفاً حيوانياً إذا قلت أن حدائق الحيوانات لا معنى لها أيضاً، لأنها تتضمن حبساً للحيوان ومنعه من الانطلاق والتحرك بحرية على فطرته كما خلقه ربه. والأسوأ من ذلك ما يفعله بعض أصحاب المقاهي من وضع الطيور الجميلة في أقفاص صغيرة وتعليقها في سقف المقهى حيث الجو قذر ومشبع بالدخان النتن والضوضاء عالية وقهقهات المدخنين لا تتوقف، بينما العصفور قابع في القفص مقهور يرفرف جناحيه محاولاً الطيران فيعجز فيشعر بغصة في حوصلته، أما صاحبه الإنسان فمنهمك بجمع النقود من الدخان الذي يبيعه على شاكلته من البشر.

والإنسان –غير السوي- الذي سُخِّر له الحيوان والنبات والجماد وخُلِّف في الأرض لا يستأهل ذلك التسخير وتلك الخلافة، بل هو أولى أن يُستعبد من قِبل الحيوان، وحبذا لو رأينا الثيران تضع رجلاً على رجل وتأكل "الفراخ" وتشاهد الإنسان حين يفرّ من بين قرون الثيران في الحلبة، وليت صاحب المقهى يقبع في القفص يوماً واحداً بينما الدخان يغطيه من أعلى قمته إلى أخمص قاعدته ويدخل في تجويفاته جميعها، أما صاحبه العصفور فيضع ريشاً على ريش مرحباً بإخوانه العصافير.

وهذا التبديل في الأدوار بين الحيوانات والبشر غير الأسوياء منطقي، لأن ميزة الإنسان على باقي المخلوقات العقل، وإذا ثبت أن الإنسان لا يستخدم عقله، فلا يعود مميزاً عن أخونا البعير وأصحابنا الحمير والأخوات المسامير، بل تتفوق هذه المخلوقات على الإنسان درجةً لفضيلة الأخلاق التي لا أثر لها في الإنسان. فنحن لا نرى أسداً يدخّن السجائر مثلاً لأنه بفطرته يكره الدخان الضار بصحته، بينما الإنسان يدخن رغم أنه مهلك لصحته وماله، بل إنك تجد رؤساء دول -وهم الصفوة- يحششون. فإذا كانت عقول الرؤساء لا ترتقي إلى مستوى فطرة الأسد، فكيف لا يكون الأسد ملكاً للغابة وللعالم أجمع؟ ولم لا يعمل هؤلاء خادمات و"بشاكير" في عرين الأسد؟ والكثير من الناس تضر نفسها قصداً وبعلم ويقين، فهي تشرب الخمر وتسرق وتنهب وتحتال وتزني وهي أفعال لا تأتيها البغال، فكيف لا تصير البغال أسياداً على هؤلاء؟

والمعروف في عالم الحيوان أنها لا تقتل بعضها بعضاً إلا لتأكل أو لتدافع عن نفسها أو للمنافسة على الأنثى، بينما الإنسان يقتل أخاه الإنسان لاستعباده أو لسرقة ماله أو بدافع الحسد أو الغرور أو اللهو، أولم نسمع عن القناصة الصرب الذين كانوا يقتلون المارة في الشوارع بدافع الاستمتاع؟ أولم نسمع أن عدياً –شهيد نزواته- كان يطلق الأسود على خصومه بقصد اللهو؟

ومقولة أصدقاء السوء تدخل في العلاقة بين الإنسان والحيوان، لأنني أعرف طيطاراً (سحلية) كانت تسكن في غرفة رجل يدخن الأفيون وتطل برأسها كلما قعد الرجل للتدخين، ولما مات الرجل هوت السحلية من فوق منتحرة لأنها أدمنت الأفيون ولم تعد تستطيع البقاء من دونه. ولولا صداقة التيوس معنا لما ساءت طبائعها فتركت العشب الأخضر واتجهت لقضم الصحف والكراتين، فهي تقلدنا حين نأكل الهمبرجر ونترك الطعام الصحي النظيف. وفي الغرب المتحضر تدرّب ****** والخنازير والخيول والحمير أحياناً على ممارسة الجنس مع البشر، فما الذي يجعل هذه الحيوانات تخرج من فطرتها وتقترب من البشر لولا صداقتها للإنسان السيئ الذي يُفسد من حوله؟

والإنسان يحقن الحيوان بالهرمون للإسراع في نموه، ويغذيه بأعلاف حيوانية مركبة من لحوم وعظام بقرية مطحونة لتزداد وزناً، ثم نبكي على أنفسنا حين نصاب بالسرطان وجنون البقر جراء تناول تلك اللحوم رغم عدم اضطرارنا لأكلها، لكننا لا نشعر بحال الحيوان وما يلاقيه من ألم نتيجة حقنه بالهرمون وتغذيته بلحوم بني جنسه.

وأخطأ من يسمّون بالداروينية الجديدة حين قالوا بنشوء وارتقاء الإنسان من القرد، فالعكس هو الصحيح، فالإنسان غير السوي ينحط إلى مستوى القرود، بل قد ينحدر أكثر، "أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا".

صقر الخالدية
20/12/2003, 09:33 AM
الوعّاظ يلعنون الظلام


بقلم: جعفر البحراني




















يعتبر علماء الدين إلى جانب شريحة كبيرة ممن ينتمون للجماعات والتيارات الإسلامية أكثر الناقمين على كثير من برامج الفضائيات في الوقت الراهن، نظراً لما يتم عرضه في تلك القنوات من إثارة واستفزاز سافر لغرائز الشباب المرهفة، فضلاً عن تبعيتها وتقليدها لبرامج لا تنتمي لثقافتنا.

ولقد اكتفى علماء الدين ومن ينتمون للجماعات والتيارات الإسلامية من خطباء ووعاظ؛ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خلال التوجيه والإرشاد والوعظ ولصق الفسق والفجور بتلك البرامج وتلك القنوات من دون أن يحركوا ساكناً في المنحى الإيجابي من خلال إيجاد بدائل من شأنها أن تضع منابراً ومنائراً مشتعلةً تنير درب الأجيال الصاعدة. وهم لا زالوا يتحدثون بكثير من الأسى والنقمة على مروّجي الأغاني وخصوصاً أغاني الفيديو كليب, كما يتهجمون على القائمين على الفضائيات الشبابية.

أليس الأجدى والأجدر بهم أن يتحركوا بصورة منظمة وأكثر شمولية وبصورة تحاكي العصر لإيجاد قنوات إسلامية ترسخ جميع المبادئ التي يحملونها؟ ألم يحن الوقت لكي يصمتوا قليلاً ويعملوا كثيراً لخلق بدائل تسد فراغ الجيل القادم؟

أتذكر أنني تابعتُ خلال العامين السابقين مسلسلاً إيرانياً مترجماً عن أهل الكهف, ومسلسلاً آخراً عن مريم العذراء ومسلسلات أخرى عديدة يطول الكلام في ذكرها. تلك المسلسلات رغم التزام الممثلين فيها بالمبادئ والتقاليد والعادات والضوابط الإسلامية؛ لم نشعر فيها بأي خلل يمكن أن يفقد العمل الدرامي أو التمثيلي قيمته الفنية أو الدرامية أو حتى قيمته المعنوية، بل على العكس تماماً، فبالإضافة إلى ما قدمته تلك المسلسلات من إمتاع ومادة تاريخية تنبع من صميم أد بياتنا -وإن كانت برؤية معينة- إلا أنها تشعرنا بكثير من الارتباط والتوجه نحو الخالق سبحانه وتعالى، وهي ميزة أخرى مهمة تضاف لرصيد هذه الأعمال.

السؤال: لماذا يعزف كثير من المحسوبين على التيارات الإسلامية عن المشاركة في إعداد برامج تلفزيونية غير البرامج الدينية أو الوعظية المباشرة؟ ولماذا لا يعملون على كتابة مسلسلات أو إعداد برامج ثقافية أو أن ينخرطوا في سلك التمثيل؟ وإذا لم نرغب في مطالبة هؤلاء بأن يكونوا كذلك -وهو أمر متروك لهم– فإننا نرغب في أن يعملوا بشكل مباشر وغير مباشر وبجهود مضاعفة للعمل أو تشجيع إيجاد قنوات تلفزيونية وفق الضوابط الإسلامية وبدون تشدد، وأن لا تقتصر تلك القنوات على بث البرامج الدينية المباشرة فقط، بل تنطلق بشكل شمولي ومتنوع.ولا أعلم لماذا لا يتم استغلال بعض الأموال الشرعية في هذا الجانب الذي يشكل جانباً كبيراً من الأهمية في عصرنا الراهن؟

كنت أناقش بعض الإخوة الذين ينتمون للتيارات الإسلامية حول هذه الفكرة فحكموا بفشل استمرارية تلك القنوات لعدم وجود دخل مالي لها، وكنت أقول أن الإعلان سيساهم بدرجة كبيرة في حل هذه المعضلة من خلال إعلانات مشروطة بضوابط شرعية، إضافة إلى إعلانات هي في الأساس تقدم دعوات ومواعظ وتأمر بالمعروف كما هو موجود حالياً في الإعلانات التي تدعو لإقامة الصلاة.

عندما شعر الإخوة الهنود في ولاية كيرلا الهندية أنهم محاصرون بخمس قنوات تلفزيونية غير إسلامية بادر أحد الوزراء المسلمين الذي ينتمي لنفس الولاية للعمل على إنشاء قناة إسلامية، من خلال دعوة مجموعة من الهنود المسلمين العاملين في الخارج للمساهمة في إنشاء القناة، ويعلق صديقي الهندي -وهو أحد المساهمين في القناة- قائلاً: "هكذا نبث كل ما يوافق الشريعة الإسلامية، وكل ما نريد بثه للعالم"، وعقّب قائلاً: "اكتتبنا في القناة قبل عام وبعد أن تضاعفت أرباح القناة ها نحن نشهد افتتاح قناة أخرى إخبارية".

إن ما يؤسف له في عالمنا العربي الإسلامي -وخصوصاً في دول الخليج- افتقادنا إلى المشاريع والمؤسسات القائمة على المشاركة والمساهمة الشعبية سواء في المؤسسات التجارية أو المؤسسات الحكومية، حيث لا توجد المشاركة الشعبية إلا بشكل نسبي في بعض المؤسسات.

في الخليج مؤسسات الدولة تديرها الأسرة الحاكمة، والمؤسسات الخاصة تديرها الأسرة المالكة، ولا توجد لدينا مؤسسات أهلية إلا بالقدر اليسير. إننا نتطلع إلى أن يأخذ رموز التيارات الإسلامية زمام المبادرة لإنشاء قنوات تلفزيونية بمشاركة ومساهمة شعبية، من شأنها أن تكون منابراً ومنائراً تضيء درب الأجيال الصاعدة.

المصدر :::: مجلة الازمنة العربيه.....

صقر الخالدية
21/12/2003, 09:05 AM
التلفزيونات العربية: مديح الحكومات وأغاني الكباريهات !
2003/12/15


الطاهر الطويـل


تبدو القنوات الفضائية العربية ـ في معظمها ـ أبعد ما تكون عن مواكبة الواقع العربي وعن تجسيد أحواله المختلفة. فهي إما أنها غارقة في تمجيد الحكام وتقديم البلاد علي أنها ترفل في النعيم الكامل؛ أو أنها منشغلة بالأغاني المسماة شبابية وأغاني الفيديو كليب ، حيث تتنافس كل قناة عن الأخري في تقديم آخر صرعات الإثارة، من خلال التركيز علي الجسد الأنثوي شبه العاري، واستغلال صورة المرأة للتغطية عن رداءة الأغاني وضعفها.
ولا شك في أن المتتبع الأجنبي للقنوات العربية سيصاب بحيرة واندهاش كبيرين، حين يقف علي هول المفارقة بين أوضاعنا السياسية والاجتماعية وبين ما تعكسه فضائياتنا من أوضاع افتراضية. لقد كان مطلوبا أن تمثل الفضائيات ضميرنا الجمعي الحي، وأن ترصد التحولات الخطيرة التي تجري في المنطقة العربية، وخاصة سياسة الإبادة المتبعة من لدن الكيان الصهيوني بالأراضي الفلسطينية، وكذا الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان الممارسة من قبل قوات الاحتلال الأمريكية بالعراق، وغيرها من القضايا الأخري الموجودة في أكثر من بلد عربي وإسلامي (المجاعة، الحرب الأهلية، الهجرة السرية، أزمة الحريات الخ...) ولكن القائمين علي القنوات العربية يعتبرون أنه لا يجدر بهم تقديم هذه الصورة الرمادية أو السوداء . ومن ثم، فالمطلوب ـ في نظرهم ـ صورة وردية بديلة. وهُمْ، في هذا النهج، إنما يترجمون رغبة رؤسائهم وسادتهم الذين يصرّون علي أن تظل الشعوب العربية معزولةً عن محيطها المحلي والإقليمي والقومي، منجذبةً إلي الأغاني الصاخبة الراقصة والمسلسلات المكسيكية والبرازيلية ومقالب الكاميرا الخفية التافهة وأوهام مسابقات الملايين ونشرات الأخبار المملة المليئة بمباركة مشاريع الحكومة ومنجزاتها وهلمّ جرا.

كيف يمكن لنا، إذنْ، أن نُـقْـنِعَ الآخَـر بعدالة قضيتنا، ونحن لا نخصص لهذه القضية سوي بضع دقائق في نشرات الأخبار؟ يضاف إلي ذلك أننا نقدم مستجدات الأوضاع في العراق وفلسطين بالطريقة نفسها التي تقدمها بها وكالات الأنباء الغربية، أي بحياد بارد وبلغة جافة رتيبة، مثلما لو أننا لسنا أصحاب القضية والمكتوين بمآسيها اليومية. كما أننا لا نخصص لها ـ غالبا ـ البرامج التحليلية والوثائقية التي بإمكانها أن تضيء جوانب عدة من قضايانا وتساهم في توعية المتلقين، سواء كانوا عربا أم أجانب، بمشروعيتها وعدالتها.
إننا نجهل أو نتجاهل أن الحرب الحقيقية الأساسية في عالم اليوم هي حرب الإعلام، ولا سيما السمعي البصري. والظاهر أن الغرب ـ وخاصة الموالي للأطماع التوسعية الأمريكية ـ نجح في توظيف هذه الوسيلة من أجل توجيه الرأي العام العالمي وتضليله، بقلب الحقائق والتستر علي حقائق أخري في الميدان، وهو هنا العراق وفلسطين وأفغانستان. وقد وقعت جل التلفزيونات العربية في الفخ، بمجاراتها الرؤية الإعلامية الغربية، واستنادها علي الوكالات الأجنبية في الأخبار والصور، دون تكليف نفسها جهد انتداب مراسلين لها بعين المكان، حتي تمتلك رؤيتها الخاصة للأوضاع وتستطيع تقديمها بالكلمة والصورة.
الكثيرون يتذرعون بقلة الإمكانات في هذا المجال: انتداب مراسلين عملية مكلفة، وحجز (الساتيلايت) لإرسال المواد الإخبارية واستقبالها أكثر كلفة، ولا يمكن أن نضحي بميزانية التلفزيون كلها لنقل أخبار منطقتين أو ثلاث مناطق . ولكن هذه الحجّة سرعان ما تسقط عندما نري كيف تتصرف التلفزيونات العربية ببذخ وكرم مع أنشطة الحكام وتنقلاتهم في داخل البلاد وخارجها، وأيضا كيف تكون سخية عندما يتعلق الأمر بنقل مباريات كرة القدم أو التنس أو منافسات العدو الريفي أو سباق الخيل! فهذه الأشياء أهم عندها مما يقع في فلسطين أو العراق.
الأدهي والأمر، أنه في الوقت الذي يستعمل فيه اللوبي الصهيوني الكثير من القنوات الغربية أداة للهجوم علي العرب والمسلمين وتسفيه قضاياهم وتأليب الشعوب ضدهم، نجد بعض المليارديرات العرب يصرفون جزءا من ثرواتهم لإنشاء قنوات مخصصة بالكامل للـ هـز يا وز و للعيطة والزمبريطة و رقصني يا جدع ولكل سفاسف الغناء والرقص. وكنا نتمني لو أنهم جعلوا تلك القنوات ذات بث محدود منحصر في قصورهم وقصور أصدقائهم، عوض أن يجعلوها متاحة للجميع؛ اللهمّ إلا إذا كان هدفهم يتماشي مع أهداف المناوئين لقضايا الأمة ومصالحها الحقيقية. وإلا، ما معني أن تكون قناة منوعات ذات تمويل عربي تبث أغان كلها مرح ورقص ودعابة وإثارة، في الوقت نفسه الذي يُقتل فيه العشرات من الأبرياء ببعض المناطق العربية نتيجة ظلم الصهاينة والأمريكيين. أليس في ذلك قمة الاستهتار بالمواطن العربي وبالنفس البشرية ككل؟
لقد كان الأجدي أن يُحوَّل المال العربي الضائع هدرا في أغاني العلب الليلية نحو تأسيس قنوات عربية تجسد الهوية القومية أصدق تجسيد.


نحن لسنا أبدا ضد الفن الرفيع الراقي، الذي يتغني بالقيم الإنسانية النبيلة. كما أننا لسنا ضد قنوات المنوعات، من منطلق نظرة سوداوية أو متشائمة. ولكننا ننتقد منحي التهريج والابتذال والتخدير الذي تسير فيه قنوات المنوعات العربية، مما يحولها إلي كباريهات رخيصة يرقص فيها الثمالي علي إيقاع الدم العربي الذي يسيل غدرا في بلاد الحضارات.
كما أننا، إذ ننتقد طريقة تعامل القنوات العربية مع القضايا القومية وندعو إلي تصحيح هذه الوضعية، لا نريد من تلك القنوات أن تصير كلها قنوات إخبارية، لا مكان فيها سوي لأخبار الحروب والمجازر والمجاعات. ولكننا نأمل في أن توظف الإمكانات العربية، المادية منها والإعلامية، بقنوات متنوعة (ثقافية، تراثية، فنية، علمية، سياحية...) تعيد الثقة إلي المواطن العربي في نفسه وقيمه وحضارته وإبداعاته الحقيقية، وتظهر للأخر ـ أيضا ـ أن العرب ليسوا أُمّة إرهاب كما يُروَّج لذلك، وليسوا مجرد بدو تحركهم الغرائز، وإنما هم أبناء حضارة عريقة ومساهمون في تطور البشرية علي الأصعدة كافّةً.



كاتب صحافي من المغرب
tahartouil@hotmail.com

المصدر جريدة القدس العربى

صقر الخالدية
21/12/2003, 10:20 AM
ما قيمة المجلس إذا جاءت منظمة التجارة؟
عبد الرحمن الراشد

المجتمعون في الكويت من قادة دول الخليج العربية يلتقون اليوم في موعدهم المعتاد، وسيناقشون القضايا المعروفة، وسيصدرون البيان إياه. ولو سألت أيا من المراقبين من الذين يتسكعون خارج مقار الاجتماعات لقال لك ان العراق هو الموضوع الحيوي، لكن هذا ليس صحيحا البتة. المسائل الداخلية هي أهم للخليجيين من قضايا العراق وفلسطين والسلام وغيرها. السبب ان دولا أكبر واكثر تأثيرا عجزت عن فعل شيء تجاه هذه الملفات وبالتأكيد لن تفعل دول الخليج أكثر من دول كفرنسا والمانيا واميركا.
حتى الشؤون الداخلية لهذه الدول بقي فيها القليل الذي يمكن ان تصلحه حيث اقترب موعد تفعيل منظمة التجارة العالمية التي ستفرض علينا دوليا كل ما عجزنا عن فرضه محليا واقليميا، عجزنا عن اقناع انفسنا واقناع بعضنا البعض. ستفتح الاسواق بيننا وستكسر الحواجز الجمركية وسترفع القيود المحلية وستقرب التشريعات وستوحد المحاكم او قواعدها، وهذه كلها انجازات مقبلة لمنظمة التجارة العالمية. اذاً لماذا تصر دولة خليجية على وضع مصائد الفئران في قائمة صناعاتها التي تطالب بحمايتها من الصادرات الخليجية الأخرى وهي التي ستفتح الباب غدا لمشتريات الصلب العملاقة بلا حماية؟ لماذا تماطل دولة أخرى في فتح فروع لبنوك خليجية صغيرة وهي التي ستفتح بأمر الـ«دبليو تي أو» اسواقها لبنوك عالمية عظمى من اميركا واوروبا؟ لماذا ترفض فتح الاجواء بين شركات طيرانها المحدودة وهي التي ستجبر غدا على انتهاج سياسة الاجواء المفتوحة لشركات طيران العالم كله؟
لهذا على الجميع ان يفيقوا من وهم السيادة المحلية الشاملة ويثبتوا انهم ينتمون الى منظمة مفيدة وفعالة، مهما داخلها من اشكالات سياسية بين الاعضاء تعتبر مقبولة، سريعا ما تغتفر وتنسى. فمنظمة عالمية ستحقق لشعوب المنطقة ما عجزت عنه حكومات الدول الست ومجلسهم الخليجي. بأمر منظمة التجارة سيصبح لباعة مصائد الفئران الباب مفتوحا وباعة المياه المعلبة وباعة التقنيات البسيطة التي نقول اننا نخاف عليها ونحافظ عليها كما لو كانت صناعات طائرات البوينج. لماذا تنصاع الحكومات الخليجية لثلة من البيروقراطيين الذي لا يتخيلون العالم بلا عقد قانونية او لحفنة من التجار الذين يريدون تقديم مصالحهم على مصالح كل المواطنين؟ الحقيقة اننا لا نناقشهم بالمنطق لأن منظمة التجارة العالمية قطعت قول كل خطيب بوصولها الى أرضنا وشواطئنا التي لن تجامل مصالح البعض، وستقول لنا قولة بوش الشهيرة اما معها او في الشارع.
المجلس بشيء من الوعي للآتي دوليا يستطيع ان يسبق ويمنح مواطنيه أكثر مما سيحصلون عليه من منظمة التجارة العالمية إن شاءوا التميز واستباق الاحداث المقبلة بسنتين او ثلاث، قادر على توحيد المعاملات الداخلية للمواطنين كالبطاقات والجوازات والعملة، وقادر على فتح السوق الخليجية بلا استثناءات البتة.



المصدر جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
22/12/2003, 01:14 PM
البلاد عربية والرطانة إنكليزية


العداء ضد اللغة العربية في المؤتمرات والندوات



بقلم: خلفان عبدالله






















زار صديق دولة أوروبية غير ناطقة باللغة الإنكليزية. وحين كان يبحث عن عنوان لأحد المطاعم سأل سيدةً عجوزاً باللغة الإنكليزية عن مكان المطعم, ردت عليه السيدة باللغة الإنكليزية قائلة: "آسفة لا أستطيع أن أخبرك, أنت في بلدي ويجب عليك أن تتعلم لغة بلدي لتسألني", وتركته ورحلت.


قد يمثل هذا الموقف من تلك السيدة العجوز حالة مبالغة في الاعتزاز باللغة والوطن. نحن أصبحنا أيضاً في حالة مبالغة, ليس في فرض لغتنا على ضيوفنا, بل في فرض لغاتهم علينا, فصرنا نلهث لتعلم كل لغات الوافدين إلى وطننا بدل أن نشجعهم على تعلم لغتنا. وقد وصل الأمر إلى أن السفارات الأجنبية الموجودة في الدولة تخاطب وزاراتنا ومؤسساتنا الحكومية بغير اللغة العربية. ومن سخرية القدر أن بعض مؤسساتنا الحكومية يخاطب بعضها البعض ويخاطب موظفيه بغير اللغة العربية.

لكن العداء المستفحل ضد اللغة العربية نجده على أشده في المؤتمرات والندوات. وتنفق الدولة والمؤسسات الحكومية والخاصة على هذه الأنشطة العلمية المزعومة ملايين الدراهم من تحضير وإعداد واستضافة للخبراء والمستشارين من شتى بقاع الأرض, والهدف المعلن أن هذه الأنشطة تخدم أغراض التنمية في الدولة.

لكن الملاحظ أن أغلب هذه المؤتمرات والندوات والأوراق العلمية المقدمة لا تمتّ إلى واقع الدولة بصلة, بل لا تقدم للبلد أي شيء يذكر, والغاية منها في الغالب ليس أكثر من الضجيج الإعلامي وملء صفحات الصحف وشاشات التلفزيون.

وأبرز ما يلاحظ غياب العنصر المواطن عن أغلب تلك المؤتمرات والندوات, حيث نلاحظ أن المواطنين قلة بين المشاركين والحاضرين, حتى يكاد يخيّل للمرء أنها مؤتمرات أجنبية تعقد في وطننا. ويلاحظ أيضاً غياب صنّاع القرار أو من يعنيهم الأمر في مثل تلك المؤتمرات والندوات إلا في جلسات الافتتاح والولائم. ويتعذر على أي مؤسسة أو وزارة أن تحدد مدى الاستفادة التي تم تحقيقها سواء للمؤسسة أو العاملين فيها أو الدولة من هذه المؤتمرات والندوات. ومن المشكوك فيه أن يطلع صنّاع القرار على التوصيات والنتائج التي تم التوصل إليها من قِبَل المشاركين في هذه الندوات ناهيك عن تحقيق الاستفادة بتنفيذ التوصيات.

والأمر الخطير الذي يمس الهوية الوطنية للدولة ومكتسباتها وأجيالها هو سياسة التقليد الأعمى عند بعض المسؤولين عن هذه الأنشطة التي تجعل العديد من المؤسسات تقوم بعقد تلك المؤتمرات والندوات وتقديم الأوراق العلمية والمناقشات بغير اللغة العربية.

إذا كانت هذه المؤتمرات والندوات هي من أجل خدمة الوطن والمواطن, فلِمَ لا تكون باللغة العربية؟ أما أن يكون البلد عربي (الإمارات) والمتحدث عربي والمستمع والمناقش عربي والحديث بغير اللغة العربي‍ة فهذا من غرائب بلادنا التي صارت بلاد العجائب لكثرة ما فيها من ممارسات ليست موجهة لمصلحة أهلها. فهل يعقل أن يتحول النقاش بأكمله بغير لغة الدولة الرسمية من أجل من لا يتقن العربية من الحضور, أم أن الرطانة باللغة الإنكليزية هي موضة علينا تحملها كما علينا تحمل كل الصرعات والموضات التي تأتينا من الخارج؟ أولا يفترض بأن تكون طبيعة المحافل العلمية أكثر رصانة وجدية من أجواء التقليعات والصرعات؟

ألا يدرك القائمون على هذه المؤتمرات والندوات أنه من المسيء لهم ولمواطنيهم أن يتجاهلوا لغتهم العربية؟

وهذه المؤتمرات التي لا تحقق فائدة للوطن سوى هدر الموارد, أليس من الأفضل إذا عجز القائمون عليها عن عقد ندوات ذات جدوى أن يتم صرف تلك الملايين على المواطنين الباحثين عن فرص عمل أو مسكن أو علاج أو تعليم؟

متى ستفهمون؟ عفواً:

When will you understand?

صقر الخالدية
23/12/2003, 01:22 PM
الفصل الفيصل!



سعد العجمي





تسمر العالم مشدودا صوب مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية، حيث أجرى فريق من الأطباء قبل أسابيع عملية جراحية معقدة وخطيرة لتوأمين مصريين طفلين ملتصقين بالرأس هما أحمد ومحمد. قلوب العالم كله وصلوات المؤمنين في بقاع الأرض توجهت جميعا إلى الباري عز وجل أن تنجح العملية، وبالفعل استجاب الله سبحانه ـ حتى اللحظة ـ لتلك الدعوات، ونجحت العملية بفصل التوأمين عن بعضهما، وتفيد آخر الأخبار أن حالتهما مستقرة، وأنهما تجاوزا مرحلة الخطر.أشرف على العملية خمسون من الأطباء والممرضات، وكانوا من المسيحيين واليهود، كما عاونتهم مجموعة طبية مصرية صغيرة للاستفادة من خبرة هذا الفريق الجبار الذي أجرى هذه العملية المعقدة، والتي تطلبت التعامل مع أكثر من مائة شريان دموي في كل رأس بعد فصل التوأمين.كنت أتابع الأخبار وأستذكر كيف تجاوز الطب والعمل الإنساني كافة الفوارق الدينية واللغوية والإثنية، وكيف تجسد التلاحم الإنساني في غرفة العمليات في تكساس مرسلة أكثر من رسالة من رسائل الرحمة والتعايش، وموجهة صفعة لكل الحاقدين على الانسانية والتعايش الانساني بين جميع البشر.لقد جاءت رسالة التعايش هذه لتوجه لطمة لكل من يحاول أن يحارب الإسلام تحت ذريعة محاربة الإرهاب، ولكل من يحارب الآخرين بحجة الدفاع عن الإسلام، فالفريق اللادني- نسبة إلى بن لادن- يحلل قتل كل المسيحيين واليهود أينما كانوا ومهما كانوا أيضا، وهذا الموقف لا يستثني أحدا بمن فيهم فريق الخمسين الطبي الذين قاموا وأشرفوا على عملية فصل محمد وأحمد المصريين المسلمين.إن الدين الإسلامي دين تعايش وتواد وتراحم، وهو دين تقدم وعلم وخير للناس كافة، وسيبقى أهله في غالبهم أهل خير ومحبة، وسيبقى احترام الانسان كمقياس أساس لكل أعمالنا وأفعالنا مهما تشدقنا بالجميل من القول، ومهما رفعنا من براق الشعارات، ولكن الدين رسالة سماوية مجردة، وترجمتها وفهمها وممارستها يقوم بها الإنسان الذي يمكن له أن ينحرف بمبادئها ومثلها، تماما مثلما أفتى بن لادن بقتل أي مسيحي أو يهودي مهما كان وأينما وجد ومهما كان سنه أو مهنته.تحسنت صحة التوأمين وتقابلا وجها لوجه لأول مرة في حياتهما التي يمكن أن تطول بعد إجراء العملية، وكانت المقابلة المعجزة متزامنة مع انتظار عكس حالة من الجهل والجمود في الفكر الديني وفي عالمنا الإسلامي، وأعني بذلك الهرج والمرج الذي صاحب رؤية هلال شهر رمضان المبارك، ولم يكن هذا الجدل العقيم بسبب الدين نفسه، ولكن بسبب العقول التي احتكرت تفسير الدين، وتمسكت بالنصوص، وأغلقت العقول بمفاتيح الجمود والتخلف.كم سيكون جميلا لو أن المسلمين اتفقوا على استخدام التكنولوجيا والحساب لحسم الجدل المزمن حول رؤية الهلال لهدف نبيل يقصد منه صيام المسلمين وفرحتهم بالعيد في يوم واحد، لتتحقق وحدة هذه الأمة المتشرذمة ولو على نطاق الصوم والعيد، ولكي نثبت ـ حقا ـ بأن ديننا دين العلم والعصر... ولكن هيهات! فتسخير العلم لحسم الجدل حول مثل هذه القضايا سوف يفقد البعض ميزاته التي تراكمت عبر عصور الجهل والتخلف، وسوف تكون بداية النهاية لكل أولئك الذين استرزقوا وتاجروا بالفتاوى على حساب المعرفة والعلم والحقيقة.كانت عملية فصل التوأمين فصلا بين الحق وبين الباطل، وفيصلا بين المحبة والكراهية، وبين التعايش والتنافر، وبين التقدم والتخلف.

جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
24/12/2003, 09:59 AM
أنج زيد فقد هلك عمرو!!
القذافي يعترف ويتراجع
السبت 20 ديسمبر 2003 14:20
محمد عبدالله ناب





القذافي وجهٌ آخر من وجوه القومية العربية، الذين يرفعون شعار الوحدة والحرية، ويتلاعبون بآمال الجماهير، ويعِدونهم بالمن و السلوى، وبقوة ومنعة بني يعرب، إن هُم إتبعوهم، وصفقوا لهم، وساروا وراءهم كما تسير الأنعام خلف الراعي. وفي النهاية لا منّ ولا سلوى، ولا وحدة ولا حرية؛ بل قتل وسحل وسجون وتعذيب ونهب أموال، وفقرٍ مدقع، وتسلط لأقارب الزعيم الأوحد، متقذُ بني يعرب، على البلاد والعباد..

والقذافي واحدٌ من بقية الرؤساء العروبيين، الثوريين شكلاً، والفئران موضوعاً؛ فهو أقرب الحكام العرب الأحياء إلى منهج أبوعدي المقبوض عليه الآن بعد أن أخرجه الأمريكيون من جُحره، وأودعوه في قفصٍ، ينتظرُ مصيره كفأرٍ ذليل ..

الفرق بين القذافي وصدام أن القذافي رأى ما يمكن أن ينتهي به مصيره إن هو عاند وكابر وراوغ وغالط، رأى ذلك جلياً في صدام حسين و منظر "الجُحر" الذي كان بديلاً عن القصر؛ بينما لم يرَ ـ للأسف ـ صدام تجربة مماثلة ليتعظ كما اتعظ القذافي، فتشدد وتحدى؛ فانتهت به ممارساته الغبية إلى جحر العنكبوت !..

والقذافي كان ممثلاً بارعاً؛ يحرصُ على أن يبدو بشَعرِهِ المنفوش، ونظراته المتعالية، وخطاباته الثورية، وتلك اللفائف القماشية ذات الألوان الفاقعة، كغيفارا زمانه تارة، وتارة أخرى كعمر المختار. غيرَ أن غيفارا بني يعرب، أو عمر مختار العصر، بعد أن رأى ما حل بزميله صدام مؤخراً، ظهرَ أذلُ من نعامة فتخاء تصفرُ من صفير الصافر ِ !.. نسيَ الأخ القائد الثورية، نسيَ غيفارا، شطبَ عمر المختار من ذاكرته، وأعلن على رؤس الأشهاد بالأمس، طائعاً مختاراً وخائفاً حتى الرعب، أن لديه برنامجاً لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، وأنه تخلى عنه كما يتخلى الكافر عن كفره وطغيانه، يعني إلى غير ِ رجعة.. وما على بني الأحمر إلا أن يأتوا لبلاده، وقتما يشاؤون، وكيفما يشاؤون، ليسلمهم كل ما يمتلكه من آلات ومن وثائق ومن مواد خام لها علاقة ببرنامج أسلحة الدمار الشامل الذي كان يُخفيه ويرفض الإفصاح عنه سابقاً.. كما أكدَ لهم أن قلمَه جاهزٌ في يده سيوقعُ به كل ما يريدون من اتفاقيات، تعطيهم الحق كل الحق في أن يُفتشوا كل ليبيا من صحرائها وحتى سواحلها، وإن أرادوا غرفة نومه، وغرف نوم أبنائه وبناته وزوجاته، فعلى الرحبِ والسعة، فالقذافي وأهله الضيوف، والأمريكان منذ اليوم هُم أرباب المنزل الحقيقيين. المهم ألا يكون مصيره كمصير صدام. والأحمقُ من لم يتعلم من غيره !..

تبخرت "شجاعة" الأخ العقيد بمجرد أن رأى صدام وما حل به، وظهرَ على حقيقته؛ فقائد ثورة سبتمبر المجيدة، كان في كل ماضيه "يمزح" مع الأمريكان، و يلعب معهم؛ أما تلك "الشجاعة، والخطب النارية،" و " اللاسة النايلون" التي يلتفُ بها، و"الخيمة" التي يعيشُ فيها البطل الثوري المجيد،، فلم تكن سوى مجرد ضرورياتٍ لمشهد من مشاهد مسرحيةٍ للدمى على خشبة مسرحٍ للعرائس، ليس إلا !..

وكما يُشجَعُ الصبي المشاغب عندما " يُقسم بالله العظيم " ألا يعودُ إلى شغبه، طبطبَ على ظهره بوش، وصفقَ له بلير، ووعداه بقطعٍ من "الشوكولاتا" نظيرَ اعترافاته، وتخليه عن مشاغباته مع معلميه وزملائه، وتعهده بأن يكونَ مستقبلاً طالباً نجيباً مؤدباً مطيعاً لكل ما يُمليه عليه أساتذته..

ولكن..

ماذا عن شعبَ ليبيا، وماذا عن ضحاياه؛ بل ماذا عن أقبية التعذيب الرهيبة، ومقابره الجماعيه، واغتيالاته لمعارضيه، وكل من قالَ في وجهه : لا ؟. إن تاريخ بطلنا العروبي المجيد ليسَ ببعيد ٍ أبداً عن تاريخ صدام؛ فيداه ملطختان بالدماء، فكان لا يتردد في اغتيال وقتل ليسَ مواطنيه فحسب، وإنما كل من اختلفَ معهم في الخارج، وما قصة إخفائه الإمام موسى الصدر عنا ببعيد !..

إن تمرير كل جرائم القذافي، وتاريخه الدامي، وتبذيره لثروات بلده دونما حساب خدمة لمغامراته السياسية المجنونة، سيشجع بلا شك كثيرٌ من طغاة العالم من أجل البقاء لدفع أي فاتورة تضعها أمامهم أمريكا، تماماً كما دفعَ القذافي فواتير جريمة لوكربي، وأخيراً إعلانه عن برنامجه لإنتاج أسلحة الدمار الشامل الذي كلف ليبيا بلا شك المليارات. فهل ستذري الرياح كل هذه الجرائم كثمن لمليارات لوكربي، ولاعترافاته الأخيرة ؟..

ثم أي أمة عربية تلك التي يصلُ بها واحدٌ من رؤسائها أو زعمائها إلى هذا المستوى من الذلة والمسكنة واللعب بالمقدرات، ناهيك عن جرائمه الدموية الشنيعة، ثمَ لا تُـثير ساكناً ؟. والسؤال : هل ما نزال بَعدُ خيرَ أمة أخرجت للناس ؟..


موقع ايلاف

صقر الخالدية
24/12/2003, 02:03 PM
طوفان ايران... اسس مجلس التعاون وزلزال العراق يهدده
2003/12/24

د. سعيد الشهابي


لم يبتعد عن الحقيقة من اعتقد ان القمة الخليجية الرابعة والعشرين التي عقدت بالكويت هذا الاسبوع هي الاهم منذ تأسيس مجلس التعاون لدول الخليج العربية في 1981. كما لم يجانبها من اعتقد ان نتائجها كانت أقل كثيرا مما كان متوقعا. تعود هذه الاهمية الي عدد من الامور. فكما ان مجلس التعاون تأسس بعد قيام الثورة الاسلامية في ايران بهدف تأمين وضع خليجي جديد يحافظ علي الكيانات التي تشكل العديد منها قبل عشرة اعوام من ذلك الوقت، فان قمة الكويت عقدت هي الاخري بعد حدوث اكبر تغيير اقليمي خلال الاعوام الاثنين والعشرين التي هي عمر المجلس، متمثلا بسقوط نظام صدام حسين وحدوث تغير جوهري في نظام الحكم العراقي. وكما ان الهاجس الامني الذي هيمن علي حكومات المنطقة في مطلع الثمانينات بسبب تداعيات الثورة كان من اهم عوامل تأسيس المجلس، فان الهاجس الامني فرض نفسه مجددا علي اجواء القمة الاخيرة، وأصبحت القضية الامنية محورية في نقاشات المجلس باعتبارها العنوان الاكبر لهموم الزعماء المشاركين.
وكما ان الولايات المتحدة كانت القوة الكبري الداعمة لقيام المجلس عند تأسيسه، فانها هي نفسها تفرض وجودها علي اجواء القمة الخليجية بشكل اكبر من خلال وجودها العسكري المكثف والسياسي في الخليج والعراق.
اما الاوضاع الاقتصادية التي تعيشها دول المجلس، فكانت هي الاخري، أحد عناوين القلق الخليجي في القمة الحاضرة، اذ تداعت الاقتصادات بدرجة كبيرة خلال العقدين الماضيين، بينما بقيت دول المجلس بقرة حلوبا يراد منها تمويل الحروب الامريكية في افغانستان والعراق، تماما كما حدث آنذاك عندما طلب منها تمويل الحرب ضد ايران.
اما علي صعيد الشعوب وتطلعاتها، فما يزال الركود العنوان الاوسع للازمة، فبعد مرور تلك الفترة الطويلة علي قيام المجلس وانتظام قممه التي بلغت اربعا وعشرين، فالشعوب ما تزال بعيدة عن آلية اتخاذ القرار في بلدانها، وما تزال مهمشة بشكل مقلق جدا.
وما بين تأسيس المجلس والقمة الاخيرة حدثت تداعيات كبيرة في الدولة التي تأسس المجلس علي اساس اقتراحات مهمة قدمتها لبقية الدول. فالكويت شهدت فترات من التوتر منذ الايام الاولي للمجلس، اذ استهدفت مصالح امريكية فيها آنذاك، وشهدت لاحقا تعليق الممارسة الديمقراطية بقرار اميري في 1986، ثم تعرضت للاجتياح العراقي في 1990 وهو الاجتياح الذي كان السبب الاول لاعادة العمل بتلك الممارسة. قمة الكويت الاخيرة اذن لا تقل اهمية عن القمة الاولي، وربما كانت ظروفها اخطر. فالمنطقة تعيش علي مرجل من نار برغم ما يبدو من استقرار نسبي بعد سقوط نظام صدام حسين. وقد طغي التوتر الامني علي اجواء القمة، وكما كانت الاتفاقية الامنية الهاجس الاكبر للذين اجتمعوا في الكويت في قمتهم الاولي، فهذه الاتفاقية ما تزال مطروحة للنقاش والتفاوض. ومع ذلك يمكن القول انه في النصف الاول من عمر المجلس كان الهاجس الامني منطلقا من مصدرين اساسيين: ايران واعمال العنف التي ترتكبها بعض المجموعات، وفي النصف الثاني كان للهاجس الامني مصدران، عراق صدام حسين ومجموعات اسلامية متشددة نشطت بعد ازمة الكويت.
اما اليوم فلم تعد ايران او العراق مصدرا للهاجس الامني، بل اصبح متمثلا بما اصبح مصطلحا علي تسميته بـ الارهاب . ولم تعد الكويت او البحرين هي المستهدفة بالعنف السياسي او الامني فحسب، بل اصبحت الدولة الكبري في المجلس تتعرض لمصدري خطر اساسيين: اولهما اعمال العنف المنطلقة من مجموعات تنسب اليها (اي مواطنين يحملون جنسيتها ويتواجدون علي اراضيها) وثانيهما السياسة الامريكية في مرحلة ما بعد صدام حسين، التي تعتبر السعودية احد مصادر الارهاب.
في البداية كانت ايران المصدر الاساسي المتهم بذلك الارهاب، وفي منتصف الطريق اضيف العراق اليها كمصدر للارهاب، واخيرا اضيفت السعودية اليهما. لقد اصبح بعبع الارهاب المدخل الاكبر للولايات المتحدة في شؤون الشرق الاوسط. في البداية كانت اعمال العنف موجهة ضد المصالح الامريكية بالمنطقة (الكويت ولبنان بشكل خاص)، ثم توسعت دائرتها الجغرافية لتصل الي افغانستان والصومال وكينيا وغيرها، حتي وصلت الي الاراضي الامريكية بشكل يتجاوز في حجمه ومخاطره واسبابه المباشرة كل اعمال الارهاب السابقة. بل ان واشنطن اصبحت تتهم العائلة السعودية، او عناصر متنفذة فيها، بالضلوع في تمويل ذلك الارهاب، وهي تهمة خطيرة وقد لا تمتلك ادلة حقيقية عليها. ومع ذلك فقد اصبحت مشكلة الارهاب ومكافحته عنوانا عريضا لقمة الكويت، سواء بدفع امريكي ام بشعور غريزي لدي حكومات الخليج بضرورة التصدي لتلك الاعمال لمنع آثاره المباشرة علي الانظمة نفسها وغير المباشرة التي تتمثل بالضغوط المتواصلة من قبل الولايات المتحدة عليها. وثمة ملاحظة مهمة لا بد من تسجيلها وهي حالة الشيخوخة التي اصيبت بها قيادات مجلس التعاون، والتي تجسدت في قمة الكويت الاخيرة. فقد غاب عنها كل الزعماء الذين شاركوا في تأسيس المجلس، في ما عدا امير الكويت. وكان التغيب اما بسبب الوفاة (كما في حالة امير البحرين السابق) او الاقصاء عن الحكم (كما هو الحال مع امير قطر السابق) او الشيخوخة المانعة من الحضور (السعودية والامارات). وحتي السلطان قابوس اكتفي بارسال نائب رئيس مجلس الوزراء، فهد بن محمود آل بوسعيد. هذا التغير في تركيبة الحاضرين لا يعني تغيرا جوهريا في اجندة القمة، كما لا يقلل من اهميتها وقدرتها علي اتخاذ القرارات التي اتخدت فيها. وبرغم بطء عملية اتخاذ القرارات، فقد تمكنت القمم الخليجية من تحقيق عدد من الامور. فقد انعقدت بشكل منتظم منذ تأسيس المجلس (قمة عادية واخري تشاورية كل عام)، وهو انتظام يحسب للمجلس وان كان لا يخلو من منغصات تمثلت بمقاطعة القمة احيانا من قبل بعض الزعماء خصوصا بسبب المنازعات السابقة بين قطر والبحرين. وحققت القمة بعض الانجازات اهمها تشكيل قوة عسكرية عرفت باسم درع الجزيرة لم تثبت حتي الآن قدرتها علي توفير درع واقية لدول المجلس، وشيئا من التفاهم الامني، وقدرا كبيرا من التعاون العملي فيه، وحققت كذلك اتفاقية جمركية وتعرفة جمركية وضعت موضع التنفيذ العام الماضي، بالاضافة الي اتفاقات اخري حول التبادل الثقافي والتعاون السياسي في المحافل الدولية، بالاضافة الي اتفاقات حول تنقل المواطنين بين دول المجلس بالبطاقة الشخصية.
وطرحت في القمة الاخيرة مشاريع طموحة اهمها العملة المشتركة وجواز السفر المشترك والسوق المشتركة، علي ان يتحقق اغلبها في غضون سبعة اعوام. واذا تحققت هذه الطموحات فسوف تكون تطورات كبيرة بدون شك. اما علي الصعيد الاقليمي فهناك الآن نقاشات متواصلة حول عضوية المجلس، وهي مسـألة شائكة طرحت منذ زمن، وبقي الموقف الرسمي ينص علي الاكتفاء بالشكل الحالي علي اساس تقارب الانظمة الحاكمة في دول المجلس الحالية. ومع ذلك فما تزال اليمن تطالب بالانضمام، وقد كتبت الصحافة اليمنية قبيل القمة الاخيرة وعدد من المثقفين اليمنيين مقالات يطالبون فيها مجلس التعاون بالسماح بانضمام اليمن الي المجلس. وقد طرح ساسة العراق الجدد، من اعضاء مجلس الحكم، مسألة انضمام العراق الي منظومة مجلس التعاون الخليجي. ولكن يبدو ذلك مستبعدا، ويتوقع حدوث معارضة شديدة من حكومات دول المجلس اذا حدث ضغط امريكي بذلك، خصوصا اذا قام في بغداد نظام ديمقراطي حقيقي. فدول المجلس تصر علي خصوصية انظمة الحكم فيها، وعدم رغبتها في توسيع العضوية. فاليمن بلد كبير قادر علي التأثير علي سير المجلس وسياساته، وكذلك العراق.
ويستبعد جدا موافقة السعودية علي السماح بعضوية اي من هذين البلدين نظرا للعلاقات التاريخية المتأرجحة معهما، والحجم السكاني والسياسي لهما. ومع ذلك يمكن القول ان مجلس التعاون استطاع عبور محطات خطيرة اعترضت تاريخه منذ التأسيس بجدارة برغم المؤاخذات التي تسجل علي مسيرته وتعثر جهود التعاون الحقيقي بين الدول الاعضاء. وتجدر الاشارة الي ان المجلس لم يستطع حل اية مشكلة حقيقية في هذا المجال. فلم يستطع حل مشاكل الحدود، وان كان اغلبها قد هدأ الآن اما نتيجة الاحتكام الدولي او التراضي البيني. وسوف تبقي المشكلة الحدودية بين الامارات وايران مصدر ازعاج بين ضفتي الخليج، خصوصا مع اصرار المجلس علي الاحتكام الدولي. وقد تكررت الاشارة الي هذه المشكلة في البيانات الختامية للقمم السابقة، ولم يخل منها بيان القمة الاخيرة. وألقت قضية العراق بثقلها علي القمة، فالقلق يساور المشاركين بدون استثناء، برغم ان الامريكيين هم الذين يهيمنون علي الوضع العراقي. وبقدر ما تمثل هذه الحالة باعثا لاطمئنان الحكومات الخليجية، فانها تمثل ايضا هاجسا سياسيا، لاسباب عديدة منها تراجع الاهمية الاستراتيجية للتحالف الامريكي مع مجلس التعاون ودوله، والقدرة النفطية الهائلة للعراق، والشعور بعدم الاستقرار الداخلي بسبب تصاعد المطالبة الشعبية بالاصلاح السياسي. الامر المؤكد ان زعامات القمة عجزت عن التعاطي الجاد مع ما يتصل باوضاعها الداخلية. وقد تمني اغلب صحف الدول المشاركة ان تصل القمة الي قرارات تتناسب مع التحديات وتلبي طموحات المواطنين . وبرغم ضبابية هذه المصطلحات فلم يعد غريبا عن التصور وجود حالة من عدم الاستقرار النفسي والسياسي لدي هذه الشعوب. المشكلة ان تنامي ظاهرة الارهاب لم يحظ حتي الآن بتفسير واقعي لدي القيادات السياسية، واستمر القاء اللوم علي المجموعات المتطرفة. فصحيفة الرياض السعودية حذرت من خطورة ترك الشباب في الانجراف وراء تيارات الغلو والتطرف الديني والانسلاخ عن المجتمع بتراثه وتقاليده الي الانحرافات الاخلاقية وتقليد المجتمعات الخارجية . وقد يكون في هذا قدر كبير من الصواب ولكن النظام الرسمي الخليجي ما يزال يرفض الاعتراف بان الاستبداد السياسي واحد من اهم دوافع التطرف لدي الشباب، وان الحل يتطلب توجها حقيقيا للاصلاح الداخلي.
وكما قال مدير مركز الخليج للتنمية القطري محمد صالح الكواري فان مجلس التعاون يحتاج الي نقلة بعد نضج التجربة مضيفا: ان اول ما نطالب به كشعوب ومتابعين للتجربة ان المرحلة تحتاج الي تغيير في نظام التصويت فيجب ان ننتقل الي القرار بالاغلبية لان قرار الاجماع لا ينفع مع المرحلة ويؤدي الي ابطاء آلية العمل في المجلس . وقال الكواري ان الامر الثاني الذي تتطلع اليه شعوب دول المجلس من قادتها وهم في قمتهم في الكويت هو الاسراع في تبني رافد شعبي يتيح لهم المشاركة في صنع القرارات التي تخص منطقتهم وليس بالضرورة ان يتم ذلك الان او بعد فترة بل المهم هو العزم علي تبني هذا الموضوع . مسألة التطوير الديمقراطي ما تزال غائبة عن اهتمامات زعماء مجلس التعاون، وهذه مشكلة جوهرية لم تحظ باهتمام يذكر، مع انها من القضايا الاساسية التي تشغل بال المهتمين بشؤون المنطقة من ابنائها وغيرهم. ان من الصعب استشراف اوضاع منطقة الخليج بشكل واضح، ومدي قدرة مجلس التعاون الخليجي علي التعاطي مع التطورات الحالية والمتوقعة في غياب ارضية للتفاؤل علي اساس من الاعتراف الرسمي بضرورة الاصلاح.
وقد وعت قمة الكويت بعض حقائق الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي في المنطقة، ولكنها قصرت عن تقديم تصورات عملية للتعاطي مع هذا الواقع. وفيما تعاطت بشيء من الجدية مع الوضع العراقي، فانها لم تأت بجديد علي مستوي اوضاعها الخاصة سواء بالتصالح الحقيقي بين حكومات دول المجلس، ام طرح ارضية مشتركة ملزمة للجميع للعمل السياسي المحلي والدولي، ام التعاطي بقدر من الاستيعاب والجدية مع مطالب شعوب المنطقة وفق دراسات علمية واستقراءات كاشفة للرأي العام. فسقوط نظام صدام حسين ربما أحدث شيئا من الارتياح لدي النفسية الكويتية مثلا، ولكن يجب النظر اليه باعتباره زلزالا سياسيا قد يفوق في آثاره الثورة الاسلامية في ايران التي دفعت حكومات دول الخليج لانشاء مجلس التعاون. ولا تبدو القمة مستوعبة لهذه الحقيقة، وزاولت جدول اعمالها بحالة اللامبالاة التي طبعت القمم السابقة، والتركيز علي القضايا الاجرائية والتعاونية التي تحسم عادة قبل تقديمها للقمة للمصادقة عليها. مطلوب من القمة الخليجية ان تكون اكثر استيعابا للواقع الذي تعيشه المنطقة، وأكثر استعدادا لاتخاذ القرارات التاريخية التي تطور النظام السياسي لينسجم مع عالم محكوم بالديمقراطية وحقوق الانسان.


المصدر القدس العربى

صقر الخالدية
26/12/2003, 09:54 AM
حجاب المسلمات في فرنسا

2003/12/18


عبد الباري عطوان


خيب الرئيس الفرنسي جاك شيراك أملنا، ومئات الملايين من المسلمين والمدافعين عن الحريات المدنية والدينية في العالم، عندما ايد اصدار قانون يمنع الرموز الدينية الظاهرة وخاصة ارتداء الحجاب في المدارس والثانويات العامة.
الذريعة التي استند اليها الرئيس الفرنسي، في تأييده توصيات لجنة الحكماء التي شكلها في هذا الخصوص، هي الحفاظ علي الوجه العلماني للدولة الفرنسية، وتأكيد الفصل الكامل بين الدين والدولة.
مؤيدو القانون في اليمين الفرنسي، يقولون ان التاريخ الفرنسي حافل بالانقلابات الدموية التي قادها رجال دين للاطاحة بالانظمة العلمانية واحكام سيطـــــرة الكنيسة علي سدة الحكــــم، ولذلك لا يرون ان يعيد التـــــاريخ نفسه، ولا بد من تحصين العلمانية الفرنسية الحالية بالقوانين التي تمنع تكرار مثل هذه الانقلابات. ويؤكد هؤلاء ان الدين الاسلامي ليس هو المستهدف، ولذلك سيمنع القانون، في حال صدوره، القلنسوة اليهودية والصلبان المسيحية الكبيرة .
وهذا الكلام مردود عليه، ومن السهل تفنيده، وهذه هي حجتنا ضده:
أولا: المستهدف بهذا القانون هو الحجاب الاسلامي علي وجه التحديد، لأن التفكير باصداره جاء بسبب تزايد ظاهرة الحجاب في المدارس الفرنسية، وقيام بعض مدراء المدارس الفرنسية بطرد طالبات مسلمات يرتدينه، ولم نسمع مطلقاً ان مدرسة فرنسية طردت طالبا يهوديا يرتدي القلنسوة، او نزعت صليبا من علي صدر فتاة.
ثانياً: المسلمون يشكلون اقل من خمسة في المئة من تعداد سكان فرنسا، ومعظمهم من دول المغرب العربي، ولا نعتقد ان هؤلاء يمكن ان يقلبوا نظام الحكم في فرنسا، ويرفعوا راية الخلافة الاسلامية فوق قصر الإليزيه.
ثالثا: نسبة المحجبات بين التلميذات المسلمات لا تزيد عن عشرة في المئة، بينما الغالبية الساحقة هن من غير المحجبات. وغالباً ما تكون هؤلاء التلميذات من ابوين وصلا حديثا الي فرنسا.
رابعا: ارتداء الحجاب، او بالأحري غطاء الرأس، لا يمنع الانصهار في المجتمع الفرنسي، ولا يمكن ان يشكل عقبة في طريق التعايش والاندماج للمهاجرين الجدد او القدامي الذين اكتسبوا او يريدون اكتساب الجنسية الفرنسية، فهو رمز ثقافي علاوة علي كونه رمزا دينيا. ومن الخطأ الوقوع في التعميم والقول ان جميع التلميذات المحجبات هن من اسر متطرفة اسلاميا.
ان العلمانية لا تتناقض مطلقاً مع غطاء الرأس، ولا نعرف لماذا تشذ فرنسا عن جميع انظمة الحكم العلمانية الاوروبية الاخري التي لم تتطرف في هذا الميدان وتصدر قوانين تحظر الحجاب، وتفرض قيوداً علي الديانات الاخري.
هناك اكثر من عشرة ملايين مسلم في كل اوروبا، وباتوا مواطنين صالحين، يساهمون في بناء مجتمعاتهم، واستطاعوا بثقافاتهم المتعددة ان يعطوا نكهة خاصة للمجتمـــــعات الاوروبية، تخرجها من اللون الواحد، وتدمجها في عالم العولمة والالوان الثقافية المتعددة.
اوروبا، وبسبب ازدهارها الاقتصادي، وانخفاض عدد المواليد فيها، باتت بحاجة الي مهاجرين يتمتعون بالخبرة والكفاءة، ويسدون العجز في الايدي العاملة. اي ان المهاجرين العرب والمسلمين في اوروبا باتوا ضرورة وليس عبئاً علي الدول المضيفة لهم.
والدول الناجحة والمستقرة هي تلك التي تؤمن بالتعددية الثقافية والعرقية والدينية. والولايات المتحدة وكندا واستراليا ونيوزيلنده هي ابرز الامثلة في هذا الخصوص. حتي بريطانيا التي تعتبر من اكثر دول العالم نفورا تجاه المهاجرين، باتت تؤمن بالتعددية الثقافية، وتخرج من قوقعتها الثقافية والعرقية، وباتت الدجاج بصلصة المسالا الطبق الوطني في بريطانيا رغم اصولها الهندية.
ان هذا القانون ينطوي علي نزعة عنصرية واضحة، واستسلام لليمين العنصري وافكاره البغيضة، ويستهدف المسلمين، وهذا ما يفسر صدوره في هذا الوقت بالذات الذي تتصاعد فيه الهجمة علي الاسلام.
نشعر بالأسف لانجرار فرنسا، المعروفة بايمانها المطلق بالحريات الدينية، والشخصية، الي هذا المنزلق الخطير، واصدارها مثل هذه القوانين التي لن تحل المشكلة التي صدرت من أجلها، بل علي العكس ستخلق العديد من المشاكل الاخري، ومن بينها تشويه صورتها، واحداث انقسامات اجتماعية ربما تنعكس سلبا علي امنها واستقرارها.
فاختيار غطاء الرأس هو خيار شخصي، ورمز ثقافي وديني، ويأتي من صلب الحريات العامة والشخصية، وتحريمه بقانون، او نزعه من قبل شرطة الدولة، هو اعادة للمكارثية ومحاكم التفتيش، ولكن في القرن الواحد والعشرين.
اذا كان هناك آباء يفرضون علي بناتهم ارتداء الحجاب بالقوة، مثلما يجادل البعض، فان هؤلاء البنات يستطعن اذا اردن اللجوء الي الشرطة والشكوي لرفع هذا الفرض، تماما مثلما يلجأ ابناء المهاجرين الي الاتصال بمخافر البوليس اذا تعرضوا للضرب او الاعتداءات الجنسية من قبل ذويهم.
اننا نستغرب التناقض الكبير في مواقف الحكومة الفرنسية، ففي الوقت الذي تعتبر ارتداء الفتيات ملابس قصيرة جدا، وسراويل ضيقة مخالفة للاداب العامة، والسباحة شبه عاريات، من الحريات الشخصية التي يجب ان تحترم، نراها تعتبر غطاء بسيطاً علي الرأس عيباً كبيرا وخطرا علي العلمانية والهوية الفرنسية. فكيف يكون من حق الفتاة التدخين، وتعاطي المخدرات، والسهر حتي الصباح واقامة علاقات جنسية محرمة، ولا يكون من حقها وضع غلالة خفيفة علي رأسها؟
ان هذا القانون في حال صدوره سيكون انتكاسة للحريات العامة والشخصية في فرنسا، علاوة علي كونه سيفسر علي انه استهداف للاسلام والمسلمين، وممارسة التفرقة ضدهم، الأمر الذي قد ينعكس سلبا علي علاقات فرنسا ومصالحها في اكثر من ستين دولة اسلامية علي الاقل.

صقر الخالدية
27/12/2003, 11:00 AM
أوروبا وظاهرة الحجاب
2003/12/06

يحي أبوزكريا



تحول الحجاب الإسلامي في الغرب إلي ظاهرة حقيقية أصبحت تؤرق الكثير من صناع القرار السياسي والإجتماعي والثقافي في الغرب، وموقف هذه العواصم الغربية من الحجاب يتشعب إلي ثلاثة توجهات، التوجه الأول وهو الرافض لظاهرة الحجاب جملة وتفصيلا وتقف فرنسا في طليعة الدول الغربية المؤيدة لهذا التوجه، والتوجه الثاني وهو الذي يعتبر الحجاب مسألة شخصية تتعلق بحرية الشخص وقناعاته الذاتية وهذا التوجه سائد في العديد من الدول الأوروبية وتحديدا في أوروبا الشمالية، وتوجه ثالث يعتبر الحجاب مسألة خاصة لكن يحرم المحجبة الكثير من الحقوق، كحقها في العمل في كثير من القطاعات المتاحة.
وتتوافق هذه التوجهات الغربية الثلاثة علي أن للحجاب علاقة كبيرة بالإسلام الذي بدأت ملامحه تتجلي بوضوح في الغرب، ولذلك وضعه الإستراتيجيون الغربيون تحت دائرة الضوء والتشريح لمعرفة مستقبله وتأثيره علي المعادلة الإجتماعية وحتي الثقافية والسياسية في الغرب، خصوصا بعد أن تبين لهؤلاء الإستراتيجيين أن أبناء المرأة المسلمة غير الملتزمة هم أسرع في الإندماج في المجتمع الغربي بكل تفاصيله مسلكا ولغة وثقافة ومعتقدا، أما أبناء المرأة المسلمة المحجبة فمن الصعوبة بمكان إدماجهم في المجتمع الغربي وإذابة قيمهم وتوجهاتهم.
ويربط الإستراتيجيون الغربيون الحجاب في الغرب بالإسلام ويعتبرون تنامي هذه الظاهرة تناميا للظاهرة الإسلامية في حد ذاتها بإعتبار أن الإسلام يتحرك في الواقع الغربي بمصاديق متعددة أبرزها الحجاب والمدارس الإسلامية والمساجد والجمعيات الإسلامية وغير ذلك من مفعلات العمل الإسلامي في الغرب.
ويعود عدم إقدام الكثير من الدول الغربية علي محاصرة الحجاب إلي القوانين المعمول بها في هذه الدولة وتلك والتي تقدس إلي أبعد الحدود الحرية الإيمانية والدينية للشخص، وهي القوانين التي تم التوافق عليها بين مواطني هذه الدولة الغربية وتلك، ومن الصعوبة بمكان تغيير هذه القوانين التي جاءت إستجابة للتطورات الحاصلة في الغرب علي مدي قرون.
و تدشين فرنسا حملة إعلان الحرب علي الحجاب مرده إلي أن فرنسا يتواجد علي أراضيها أربع ملايين مسلم وهذا الكم الهائل من المسلمين جعل الحجاب الذي تلتزم به الفتيات المسلمات في فرنسا مسألة ملفتة إلي أبعد الحدود إلي درجة أن فرنسا بدأت تخشي من ضياع صورتها الماجنة أمام منظر الحجاب وما يمثله من عفة وطهر والذي له وجود كبير في كل المحافظات الفرنسية.
ويتوافق أصحاب التوجهات الثلاثة المذكورة علي أن ظاهرة الحجاب الإسلامي في الغرب ظاهرة مقلقة وقد تصبح خطيرة علي المدي المتوسط والبعيد لأسباب عديدة منها وجود الحجاب في الشارع الأوروبي يشير إلي فشل سياسة الإندماج التي سعي من خلالها الإستراتيجيون الغربيون إلي تذويب الإنسان المسلم في الواقع الغربي منعا من قيام إثنية دينية في الخارطة الأوروبية في المستقبل المنظور، بالإضافة إلي أن الملازمة الأكيدة بين الإسلام والحجاب تجعل الإسلام ودائما حاضرا في الشارع الأوروبي من خلال الحجاب، وهذا ما يجعل الإنسان الأوروبي يتساءل عن الإسلام الماثل أمامه وقد يكون ذلك مدخلا لإسلامه كما حدث مع كثيرين، وفي كثير من المدارس الغربية وعندما تتواجد فيها فتاة مسلمة محجبة تطلب المعلمة الغربية من هذه الفتاة أن تتقدم إلي مقدمة القسم وتشرح سبب إرتدائها للحجاب ولماذا الإسلام أوصي البنت بالحجاب وهذا قد يكون مدخلا أيضا بإتجاه أسلمة عقول بعض الناشئة الغربيين، وما زلت أتذكر عندما توجهت إبنتي بحجابها إلي المدرسة السويدية طلبت منها المعلمة أن تلقي كلمة عن الإسلام في القسم السويدي، بل دعت المعلمة أمها المحجبة أيضا لتقدم شرحا مستفيضا عن ثقافة الإسلام والمرأة وقد لاقي شرحها إستحسان الحضور، إلي درجة أنه وبعد ذلك أصبح هناك تفهم كامل من قبل المعلمات السويديات والتلميذات السويديات لظاهرة الحجاب.
ولم يصبح حجاب المرأة المسلمة في الغرب مجرد قطعة قماش تستر به مفاتنها بل أصبح محفزا للمرأة المسلمة لتدافع عن حجابها وإسلامها في الوقت ذاته، فلأنها تعيش في خضم مجتمع يرمقها صباح مساء ويعتبرها مظلومة، فإنها تضطر أن تدافع عن نفسها وخيارها الإسلامي في المدرسة والشارع والحافلة والمستشفي، وقد أدي كل ذلك إلي تكريس قناعاتها بالإضافة إلي إقناع الأوروبيات بعظمة الإسلام ومن ثم اسلمت الكثير من الأوروبيات وأرتدين الحجاب تماما كالمرأة المسلمة.
وقد صادف أن أسلمت فتاة سويدية تعمل في محل لبيع الثياب النسائية فطردت من عملها ورفعت دعوي علي رب العمل، فأنصفتها المحكمة السويدية وردتها إلي عملها مقرة بحقها في إرتداء الحجاب وإعتبار حجابها ذلك لا يتنافي مع العمل.
و أشد ما يخشاه الإستراتيجيون الغربيون هو حجاب المرأة المسلمة المولودة في الغرب والتي تجيد اللغة الغربية في هذه الدولة وتلك بطلاقة، حيث كان المعول أن يكون هؤلاء بحكم المولد الغربي وبحكم الدراسة في المدارس الغربية غربيات، خصوصا إذا علمنا أن الكثير من الدول الغربية فتحت باب الهجرة للعرب والمسلمين ليس طمعا في الكهول المشربين بالعادات والتقاليد الإسلامية ولكن طمعا فيمن هم في أصلابهم من الجيل الذي سيولد في الغرب فيكثرون به النسمة الغربية ويخضعونه لعملية غسيل دماع حضاري حتي يكون النسيج الإجتماعي والثقافي والحضاري في الغرب بعد خمسين سنة واحدا من وحي التركيبة الفكرية والثقافية والحضارية الغربية.
وقد أصبح هذا الجيل من المحجبات المسلمات المولودات في الغرب يشاركن في التظاهرات والنقاشات السياسية والثقافية التي تدور في وسائل الإعلام الغربية، ومثلما يثرن الدهشة فإنهن يثرن التساؤل لدي المهتمين الغربيين حول تبدد المشاريع الإندماجية في الغرب التي لم تستطع أن تزحف بإتجاه معتقد المرأة المسلمة المحجبة الذي يردف هذه المرأة بكثير من معاني القوة والإندفاع.
كما لاحظ هؤلاء الإستراتيجيون أن أبناء المرأة المحجبة الملتزمة يظلون محافظين علي قيمهم الدينية ومبادئهم الإسلامية وهو الأمر الذي يعتبره هؤلاء عقبة في وجه إنجاح سياسة الإندماج بشكل كامل.
وفوق هذا وذاك فإن المنظومة الإقتصادية الغربية التي تقدس المادة إلي أبعد الحدود وتعتبر الربح هدفا في حد ذاته، تعتبر أن الحجاب منافس لكثير من صناعات الملابس في الغرب، وقد يشكل إنتشاره بين الفتيات المسلمات والأوروبيات إلي حرمان هذه الشركات المنتجة للملابس والخليعة منها علي وجه التحديد من الرواج المطلوب حيث أن الحجاب بات يصدم أصحاب الفكر المادي ماديا وروحيا.
و يبقي القول أن الإستراتيجيين الغربيين يخشون أن تكون فريضة الحجاب المنتشرة في أوروبا والتي تلتزم بها المحجبات المسلمات منطلقا بإتجاه تكريس الفرائض الأخري، وهو ما تخشاه أوروبا وبدأت تدق لأجله الدوائر المعادية للإسلام في الغرب نواقيس الخطر.




كاتب جزائري

صقر الخالدية
28/12/2003, 09:31 AM
البعض يفضلونها من على الإنترنت:اختفاء اخلاقيات" دخول البيوت من ابوابها " في البحث عن الحب والزواج وشريكة الحياة


محيط : عواطف عبد الحميد·

زوجتي، الوصل العربي، راسين في الحلال ، الزفاف، طلبات الزواج في موقع المنار ،زواج المسلمين، الإسلامي المهاجر، خدمات صالح للزواج الإسلامي، مكتب الفرح للزواج ، موقع زهرة فلسطين، مكتب زواج المسلمين .




أسماء لآلاف المواقع العربية علي الإنترنت والتي تهدف إلي الإسهام في حل مشكلة تفاقمت داخل الوطن العربي وطفت علي السطح في الآونة الأخيرة بشكل بات يفزع الآباء والأمهات ، وهي مشكلة العنوسة فهذه المواقع أصبحت تسهل عملية البحث لراغبي الزواج و تحميهم في نفس الوقت من التردد والخجل أو الخوف من رفض الجنس الآخر. وهذه النوعية من المواقع تنتشر في العديد من المجتمعات حول العالم التي تساعد الشباب من الجنسين في الوصول إلى نصفهم الآخر،بعدما اختفت الخاطبة التقليدية كما اختفت أشياء كثيرة اتسم بها الزمن الغابر حلت محلها خاطبة آخر الزمان أو الخاطبة الإلكترونية وذاك وجه أخر للإنترنت .فليس كل ما فيه سئ وقبيح ، برغم أن للإنترنت وجه آخر ملئ بالمشكلات والتعقيدات الضارة إنسانيا وعائليا واجتماعيا ،إلا أن ذلك لا يمنع وجود وجه آخر أليف نبيل قد يتمكن من حل بعض المشكلات الكبيرة الجاثمة فوق صدر الوطن العربي وهي مشكلة العنوسة وسواء نجح الإنترنت في ذلك أو لا ونجحت الفكرة أو فشلت فهي علي أية حال فكرة جديدة تستحق الدراسة. شاب يبحث عن نصفه الاخر عبر مواقع الانترنت والسؤال الآن هل يمكن للإنترنت أن يتحول أيضا إلى خاطبة العصر الإلكتروني ويكون وسيطا ملائما وسريعا بين الشباب والفتيات عبر المحادثات المرئية قبل الزواج ، خاصة في المجتمعات المحافظة كمجتمعاتنا العربية التي تحظر الاختلاط.وهل يسهم في حل هذه المشكلة التي تقول عنها الإحصاءات:-في الأردن علي سبيل المثال دراسة قامت بها مؤخراً جمعية العفاف الإسلامية تؤكد ارتفاع عدد النساء اللواتي لم يسبق لهن الزواج في الأعمار 30 - 49 سنة من (6690) فتاة عام 1979 إلى 60 ألفاً عام 2000، .ودفعت هذه الأرقام الكثير من المهتمين بالقضايا الاجتماعية ووسائل الإعلام إلى التأكيد على أن قضية تأخر سن الزواج أو ما يعرف بالعنوسة أصبحت ظاهرة في المجتمع الأردني.وأجمع العديد من المهتمين في هذا الموضوع على أن صعوبة الوضع الاقتصادي وارتفاع تكاليف المعيشة هي أهم أسباب العنوسة بين الجنسين بالإضافة لأسباب اجتماعية أخرى مرتبطة بالعائلة والمجتمع بشكل عام.ودعت رئيسة جمعية النساء الجامعيات في الأردن نهى المعايطة الشباب من الجنسين التفكير بواقعية من أجل التغلب على الوضع الاقتصادي والمالي المتدهور.وحسب نفس الإحصاءات ترتفع العنوسة بين الفتيات أكثر من 10% سنوياً.والعنوسة مشكلة تواجه الشباب من الجنسين الذي قد يتعرض لها اختيارياً أو إجبارياً بحكم الظروف المختلفة وفي الحالتين تكون نتائجها ضارة وتشكل عامل هدم للبناء الاجتماعي..



احدى المواقع المتخصصة في الزواج
وفي مصر أعلن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن ارتفاع نسبة العنوسة حيث وصلت إلى 9 ملايين شاب وفتاة تجاوزوا سن الخامسة والثلاثين من دون زواج في حين بلغت عدد وثائق الطلاق التي صدرت في العام الماضي 75 ألف وثيقة طلاق. الطريف أن الإحصائية شملت وجود نحو 5 آلاف مصري متزوج من 4 سيدات ومن هؤلاء الأزواج من يحمل درجة الدكتوراه أو درجات علمية مرتفعة وليس أصحاب المهن أو التجار وحدهم في حين زاد عدد من يجمعون بين زوجتين فقط إلى قرابة مليون مصري.وفي المجتمعات الخليجية تتضح مشكلة العنوسة للفتيات وعزوف الشباب عن الزواج في قضية اجتماعية مزدوجة مرتبطة بالمغالاة في المهور والعادات والتقاليد الاجتماعية المقيدة وعجرفة أولياء الأمور ومبالغة الفتاة في فتى الأحلام الذي تنتظره حتى يفوت القطار ومبالغة الشباب في المواصفات والمقاييس دون أن يطالع مواصفاته أولاً. ويطالب عدد من الفتيات السعوديات بالمساواة بالرجل الذي يحصل على ترخيص بالزواج من الخارج دون السماح للفتاة بالزواج من الأجنبي. ومن خلال آخر دراسة أعدتها وزارة التخطيط السعودية أن نسبة الطلاق في المملكة ارتفعت عن الأعوام السابقة بنسبة 20% . كما أن 65 % من الزيجات عن طريق الخاطبة تنتهي بالطلاق حيث سجلت المحاكم والمأذونين أكثر من 70 ألف عقد زواج و 13 ألف صك طلاق خلال العام الماضي. وأوضحت الدراسة أنه يتم طلاق 33 امرأة يومياً في السعودية لتبلغ حالات الطلاق في العام 12192 حالة. ففي مدينة الرياض وحدها طلقت 3000 امرأة من أصل 8500 حالة زواج. وأشارت الدراسة إلى العنوسة من خلال عدد الفتيات اللواتي لم يتزوجن حيث بلغن سن الزواج 1529418 فتاة وكانت مكة المكرمة قد شكلت النسبة الكبرى بوجود 396248 فتاة ثم منطقة الرياض بوجود 327427 فتاة وفي المنطقة الشرقية 228093 فتاة ثم منطقة عسير بوجود 130812 فتاة تليها المدينة المنورة بـ 95542 فتاة ثم جازان 84845 فتاة ثم منطقة القصيم 74209 فتيات ثم الجوف 5219 فتاة وحائل 43275 فتاة ثم تبوك 36689 فتاة والمنطقة الشمالية 21543 فتاة. احدى المواقع المتخصصة في الزواج وكشفت الدراسة أن عدد الفتيات المتزوجات في السعودية بلغ مليونين و638 ألفا و574 امرأة من مجموع عدد الإناث البالغ أربعة ملايين و572 ألفا و231 أنثى. كما أن هناك ما بين عشر وخمس عشرة حالة زواج سعوديين من إندونيسيات شهرياً، وتبلغ أحياناً 25 زيجة. ويتضح من ذلك ارتفاع نسبة العنوسة في المجتمع السعودي إلى أكثر من مليون ونصف المليون فتاة عانس في السعودية ومثل هذا العدد وأكثر من الشباب عاجزون عن دخول الحياة الزوجية والحاجة إلى ضرورة البحث عن حلول سريعة للشباب والفتيات. بينما دول أوضحت الدراسة التي أعدها مركز سلمان الاجتماعي بالرياض نتائج سيئة تنذر بخطر كبير عن حالات الطلاق والعنوسة في دول الخليج.حيث أشارت الدراسة أن نسبة الطلاق في قطر وصلت إلى 38% من حالات الزواج في حين بلغت نسبة العنوسة إلى 15%.و في الجزائر كشفت أرقام رسمية أن أكثر من نصف نساء الجزائر يواجهن خطر العنوسة وأن أربعة ملايين فتاة لم يتزوجن رغم تجاوزهن الرابعة والثلاثين عاما .وقال الديوان الجزائري للإحصاء إن عدد العزاب بالجزائر تخطى 18 مليونا من عدد السكان البالغ 30 مليون نسمة. وأضاف الديوان أن الإقبال على الزواج زاد عام 2000 بنسبة تسعة بالمائة مقارنة بالعام السابق لكنه أشار إلى أن هذه الزيادة ضئيلة عند مقارنتها بعدد الشباب في سن الزواج، ويمثل الشباب نحو 60 بالمائة من السكان. وأظهرت بيانات الديوان أن 51 بالمائة من النساء في سن الإنجاب يواجهن العنوسة وأعاد الظاهرة إلى عدم توافر السكن وانتشار البطالة وغلو المهور ولم تشمل الإحصاءات عام 2001. .



زواج الانترنت لا يخلو من الغرام
رأي علم النفس ويطرح الدكتور محمد حسن غانم - أستاذ علم النفس بجامعة حلوان - رؤيته حول العنوسة مؤكدا أنها تمثل ظاهرة خطيرة في المجتمعات النامية والعربية تحديدا ، حيث يعد الزواج سترة للبنت ، وحفظا لكرامة أسرتها ، لأن تقدم الفتاة في السن وعدم زواجها قد يثير العديد من الأقاويل التي تمس سمعة الفتاة وسمعة الأسرة ، من قبيل أن البنت ( بارت ) أو غير صالحة للزواج ، وبعض الأسر - خاصة في المناطق الشعبية - تلجأ للعرافين والدجالين ظنا بأن ابنتهم ( معمول لها عمل ) يحول دون زواجها ويوقف حالها.ويؤكد أنه ليس في الأمر بعد خفي ؛ فالواقع يشير إلى وجود العديد من التغيرات التي أدت إلى تفشى ظاهرة العنوسة.ويرصد هذه التغيرات في:أولا - عامل خاص بالفتاة من قبيل عدم التزامها مما ينفر الكثير من الشباب من الاقتران بها.ثانيا - أسرة الفتاة ومدى التزامها بالأخلاقيات وتفهمها لظروف من يتقدم لابنتها.ثالثا - ظروف الشاب الذي يريد الزواج ولا يملك النفقات خاصة أن فئة من الناس تنزع إلى المظهرية والمبالغة في نفقات الزواج وإقامة حفلات الزفاف ؛ مما يصيب من يريد المحاكاة والتقليد باللجوء لأساليب منحرفة إما للحصول على المال أو إقامة علاقة دون ارتباط شرعي .أما الدكتور حسن عبد اللطيف فيقول:"مشكلة العنوسة لها خلفيات عديدة قد تكون أهمها التغييرات التي طرأت على مجتمعاتنا واحتلال النظرة المادية لتفكيرنا ونظام الحياة بشكل عام حتى أصبحت تحكم اختيارات الزواج...ويضيف قائلاً "اليوم الفتاة لم تعد تحلم بالفارس الذي يحملها على الحصان الأبيض ولم تعد تهتم بقوة الرجل أو الشكل بل الأقوى هو القادر على توفير حياة مرفهة...من جهة أخرى أصبح من الضروري أن تتم الفتاة تعليمها ومن الواضح أنه كلما كبرت ونضجت الفتاة تدقق بشكل أكبر في اختيارها وقد لا ترضى إلا بالصورة الكاملة بعكس نظرة طالبة المدرسة الصغيرة التي لا يهمها سوى ارتداء الطرحة البيضاء والفرحة بليلة العمر...إضافة إلى وجود تضارب كبير في المفاهيم فنجد أن المجتمع أصبح متخبطاً بين عاداته وتقاليده وبين مفاهيم الحضارة وهذا ينعكس بشكل أو بآخر على الزواج وتأسيس الأسرة"...وعن الحل لهذه المشكلة يقول الدكتور حسن"لابد أن يساهم المجتمع بأكمله لحل هذه المشكلة والتوعية بأهداف الزواج الحقيقية بعيداً عن الأحلام والماديات التي قد تضر مستقبل الشباب وتضع أمامهم عوائق كبيرة...إلى جانب تنبيه الفتاة كي لا يتسبب تركيزها على مستقبلها العلمي أو الوظيفي وحاجة المجتمع إلى عملها سبباً مباشرة بحرمانها من التفكير في الجانب الأهم من حياتها....لابد أن يكون هناك نوع من الموازنة كي لا يطغى جانب على الآخر وتقع الفتاة فريسة للندم على قطار العمر الذي يفوتها". حــاجــة ملـــحـة من كل ما سبق جاءت فكرة مواقع الزواج علي الإنترنت لتلبية حاجة ملحة وحل أزمة داخل مجتمعنا العربي بل في العالم كله أيضاً والغريب أنها تلقي إقبالاً كبيراً. وبسبب الإقبال الجماهيري أصبحت المواقع على شبكة الإنترنت تتبارى في توفير خدمات البحث عن الحب والزواج. ويرى لويس كانجانيس المدير التنفيذي لموقع " نيرفير كوم" أن إعلانات الزواج على شبكة الإنترنت أصبحت فعالة في حياة الشباب باختلاف أعمارهم وشجعت الكثير منهم على التخلص من الخجل والبحث عن شريك حياته أو على أصدقاء عبر الشبكة. كما فتحت أفاقا جديدة أمام الشباب للانخراط في العلاقات الاجتماعية والبحث عن الحب كامتداد طبيعي للحياة البشرية بدلا من الانعزال. .



شاب يبحث عن نصفة الاخر عبر مواقع الانترنت
ويضيف كانجانيس أن قاعدة البيانات تتباين حسب اهتمام المواقع ببيانات التعارف الخاصة بالذكور والإناث فبعض المواقع تهتم بصور الباحثين عن الزواج ويعتبرونه مهماً جداً لاستكمال بياناتهم. والبعض الآخر لا يهتم بها.وأيضا فيما يتعلق بطرق الاتصال حيث يرسل بعض المواقع رسائل تأكيد ويجرون اتصالات هاتفية بالباحثين عن الزواج لتأكيد صحة بياناتهم قبل نشر إعلاناتهم بالمواقع وذلك بهدف المحافظة على المصداقية بعكس بعض المواقع التي لا تهتم بتأكيد البيانات مما يفتح مجال للنصب باسم الحب الزواج. وعن أطرف البيانات التي تلقاها الموقع كانت بعض الصور المثيرة من الفتيات الباحثات عن الزواج مثل صورهن بلباس البحر. ويشير ناطق بلسان موقع " تيكيتاستر كوم" الأميركي إلى قاعدة بيانات الموقع التي تضم ما يزيد عن ثلاثة ملايين شاب وفتاة يبحثون عن الحب ويدلون بكافة تفاصيلهم الشخصية وملامحهم ومميزاتهم مثل الشعر ولون العين والانتماء العرقي والدين والدخل والرغبة في إنجاب أطفال. كما أن العمر هو المعيار الحقيقي في العلاقات عبر شبكة الإنترنت فبعيدا عن المواصفات الأخرى، التي غالبا ما تكون مبالغ فيها أو مبهمة، بالإضافة إلى المهنة التي تلقى اهتماما كبيرا خاصة من الفتيات بينما باقي المواصفات لا يهتم بها أحد لأنها غالبا مواصفات غير معبرة عن الحقيقة.أسلوب جديد للتقريب زواج الانترنت لا يخلو من الغرام يذكر أن بعض المواقع الخاصة بالزواج على شبكة الإنترنت تتبع أسلوب جديد لتقريب الشباب والفتيات من خلال غرف الدردشة التي ترفع شعار أسأل حبيبك كل يوم خمسة أسئلة وأجب عليها بمنتهى الصدق لتتعرف على نصفك الآخر!.كل ذلك برغم وجود دراسة بريطانية قامت بها منظمة ريليت، أكبر جمعية لتقديم النصائح الزوجية في بريطانيا، أن الإنترنت هو أحد الأسباب الرئيسية لانهيار العلاقات الزوجية في بريطانيا. وتقول المنظمة أن نحو 10 في المائة من تسعين ألف زوج وزوجة يسعون سنويا لاستشارة المنظمة حول الزواج سنويا، أن الإنترنت هو إحدى المشكلات التي يواجهونها. وقالت المنظمة في تقرير لها أن أحد عوامل ذلك هو أن الهوس بالإنترنت يمكن أن يستنفد جزءا كبيرا من الوقت ولا يترك سوي وقت ضئيل للشخص للتفاعل مع شريك حياته، ولكن هناك عوامل أخرى من بينها أن الشبكة تتيح للمرء إمكانية الاتصال بسهولة مع "شركائه" السابقين، حتى مع زملائه في مرحلة الدراسة. ويتمثل عامل آخر في إمكانية مشاهدة صورة إباحية بسهولة والدخول على مواقع الدردشة التي تدور حول الجنس على الإنترنت. وتقول منظمة ريليت أن العلاقات الزوجية بين أولئك الذين تتراوح أعمارهم بين 25 إلى 35 عاما هي الأكثر عرضة للخطر بسبب الإنترنت، وذاك هو الوجه الآخر له. .



زواج الانترنت
هذا عن الغرب أما في بلادنا فكأي فكرة جديدة لها مؤيدوها ومعارضوهاومن المعترضين آمنة محمد التي تري أنها لا تقبل أن تتزوج عن طريق الإنترنت فالزواج علي حد قولها مشاعر وأحاسيس فكيف يمكن أن أختار زوج المستقبل بهذه الطريقة ، وأعتقد أنه مهما قدم الكمبيوتر من معلومات عن شخصية الطرف الآخر ، فلن تكفي أبدا ، ولا يمكن الحكم علي شخص من خلالها ، ولابد أن يقتصر استخدام الإنترنت علي المعلومات المفيدة ودون التدخل في الأشياء التي تمس المشاعر والأحاسيس. المحاسب ماهر عبد الله أحد المتخصصين في مجال الكمبيوتر فيقول عن مواقع البحث على شبكة الإنترنت كوسيط في الوصول إلى شريك العمر أصبحت منتشرة بصورة كبيرة فمن السهل على أي فتى أو فتاة الدخول على المواقع التي تحتوى العديد من طلبات الزواج للجنسين على الإنترنت وهذا عن طريق الدخول مباشرة على الـ kelh . ma-matc أو القيام بعمل hing searc على الشبكة ثم الدخول إلى الـ make match وهنا تفتح مواقع طلبات الزواج لاتصفحها وأختار منها ما يناسبنى أو لأضع بياناتي أيضا وما اطلبه في شريك العمر وكل هذا يتم بشكل مجاني دون أي مقابل مادي إلا في حالة اختيار شخص محدد للزواج والرغبة في الاتصال به بشكل مباشر ومعرفة بيانات أكثر عنه .أما حنان عبد الله فتري - علي العكس - أن استخدام الإنترنت في الزواج أمر جيد ، ويمكن أن يساعد علي حل مشكلة العنوسة حيث أن مجتمعنا محافظ ولا يسمح بالاختلاط أو تعارف الفتاة بالشاب ولكن إذا تم التعارف عبر الإنترنت يمكن أن يتناقش الطرفان وهو أفضل من أن تخطب الفتاة أو تتزوج ثم لا يحدث تفاهم وتفسخ الخطبة أو يتم الطلاق المبكر ، ولذلك فإنني أوافق علي الزواج عبر الإنترنت بشدة ، والذي سيقوم بدور الخاطبة في الوقت الحاضر.ويختلف سعيد هادي فيرفض الزواج بهذه الطريقة ويري أن الفتاة التي تقبل أن تتحدث مع شاب لا تعرفه من خلال الإنترنت أو تراسله ، لا يمكن الوثوق فيها لأنها قد تتحدث مع شباب آخرين بهدف التسلية ولكن عند اختيار زوجة المستقبل فلابد من العودة للوسائل التقليدية ودخول البيوت من أبوابها وليس من شبكات الإنترنت. ويري البعض أن مثل هذه المواقع يمثل فرصة جيدة بالنسبة لغير المتزوجين الناضجين من العرب والمسلمين مؤكدين أن زيادة شعبية الزواج عن طريق الإنترنت هو نتيجة للتغيرات التي طرأت على أسلوب حياتنا في الوقت الراهن، فالشباب غير المتزوج يودون بشكل متزايد توسيع دائرة اختياراتهم فيما يخص الزواج حيث أن الكثيرين منهم يعملون لساعات طويلة في أعمال مضنية قد تتطلب منهم السفر إلى جميع بقاع العالم.ويعتبر البعض أن فكرة الزواج عن طريق الإنترنت هي واحدة من أفضل الأفكار التي ظهرت في القرن الواحد والعشرين، ومما لاشك فيه أن أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى في بحثهم الدائم عن صفقات ساخنة يعولون على هذه الخدمة وذلك بوضع أموالهم في مجال قريب من قلوب البشر. وسواء نجحت الفكرة أو فشلت ،عارضها البعض وأيدها البعض الآخر أو اعتبروها فكرة دخيلة علي مجتمعاتنا الشرقية أو لاعتبار أن في الزواج بهذه الطريقة نوع من تزييف الحقائق فالفكرة جد مثيرة تستحق الدراسة وتستأهل منا وقفة نري فيها إلي أين تسير هل هي مجرد موضة وتختفي هل هي مجرد فقاعة هواء لن تلبث لأن تتلاشى أم أنها فكرة مدروسة مخطط لها بشكل جيد تسعي فعلياً لحل مشكلة ما. ***

صقر الخالدية
29/12/2003, 01:59 PM
الإنسان أولاً... فالإنسانية صنو الدين
تركي الحمد

حين ينتفي الحب ومشاعر التسامح من القلوب، فإن الإنسانية لا تعود هي بوصلة الاتجاه، ويصبح كل شيء ممكنا، وكل شيء جائزا، وكل شيء مبررا، حتى باسم ذات الحب وباسم ذات التسامح والإنسانية. جرائم كثيرة وكبيرة على مر العصور ارتكبت باسم أجمل المبادئ وأجل القيم، وهي بريئة كل البراءة من تلك الجرائم. فلا يمكن أن تكون الجريمة مبررة تحت أي مسمى جميل، أو من أجل تحقيق غاية نبيلة، حتى وإن قيل ذلك. نعم قد تأخذ الأمور مساراً محموداً بعد هذه الجريمة التاريخية أو تلك، ولكن الفضل في ذلك لا يعود لذات الجريمة، ولكن كنوع من التكفير عن تلك الجريمة. فالجريمة تبقى جريمة تحت أي مسمى، وبأي لون اتصفت.
هناك بعض أبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية، فقد مورست تحت راية الدين وباسم الرحمن الرحيم، والدين من كل ذلك براء، فلا يمكن أن يكون الدين مناقضاً للقيم الجميلة في الحياة، فالله جمال وعدل ومحبة وتسامح، وليس سوطاً من عذاب مسلطاً على كل من عجنت يده، حتى وإن أراد البعض أن يجعله كذلك. فجوهر الدين، أي دين وكل دين حين يبقى الدين ديناً، هو الحب والرحمة وتلك العلاقة المنسية من التسامح بين الإنسان وأخيه الإنسان. وكما أن الحب والرحمة والتسامح هي جوهر الإنسانية، بمثل ما أن الإنسانية هي مزيج كل ذلك، فإن ذلك كله يمثل جوهر الدين حين يكون نابعاً من القلوب، كما بشر به الأنبياء والرسل، وكما فهمه عظماء الإنسانية وبسطاء القلوب من الناس، لا كما سار به التاريخ وترجمته أهواء البشر ومصالح الخلق الضيقة، الآني منها والبعيد. هذا الجوهر في الدين هو الذي يُنسى على مر التاريخ، ولا يبقي البعض من الدين إلا نصوصاً أفرغت من معناها، أو رجالاً فقدوا مكامن الإنسان في ذواتهم، أو مؤسسات فقدت بوصلة الاتجاه، وهنا تكمن كارثة الإنسان في كل مكان.
ففي الماضي مثلاً، استخدم الرومان الدين واجهة ومبرراً لقتل المسيحيين دون رحمة، وهم من كان ينادي بالمحبة والتسامح ودين الإنسان. ولم يلبث الرومان، ومن بعدهم الأوروبيون، أن استخدموا ذات المسيحية المضطهدة، دين المحبة والرحمة والتسامح المطلق، واجهة لنزع الرحمة من القلوب، وسفك الدم الحرام على مذابح الرب، والرب من كل ذلك براء. وكان الفريسيون من اليهود أيام المسيح عليه السلام، يأخذون بنصوص التوراة بدون أن ينفذوا إلى روحها، فكانوا الأكثر تديناً بين اليهود، رغم أنهم في حقيقة الأمر لا يمتون إلى الدين بأي صلة. هؤلاء الفريسيون هم من وشى بمكان المسيح ليلة القبض عليه، ومن ثم صلبه في الرواية المسيحية، أو رفعه كما يخبرنا القرآن الكريم. وهؤلاء الفريسيون هم من كانوا أعداء رسالة المحبة والسلام التي كان ينادي بها المسيح، وهم أصحاب السبت الذين مسخوا قردة خاسئين، رغم أنهم كانوا لا يخالفون النصوص قيد أنملة. واليوم ها هو الدور يأتينا، وإن كان قد اتانا من قبل، فيقوم رجال باسم الدين، وتحت ظل راية الرب الرحمن الرحيم، بتدمير كل ما هو جميل وأصيل وجوهري في الدين. الدماء تُسفك، والنساء ترمل، والأطفال ييتمون، والرؤوس تجز وتحز، وعمارة الأرض تُدمر، باسم جنة عالية يدعي هؤلاء زورا انهم يتسابقون اليها، وكأن الدم والدمار هو مهر تلك الجنة، وهم في كل ذلك عن الحقيقة غافلون، بعد أن اسودت منهم القلوب، فما عاد للنور منفذ وسط كل ذلك الديجور. فالجنة أعدت للمتقين، والتقوى محلها القلب، ولا تقوى مع دياجير النفس والعنف والقسوة واسترخاص الدم الغالي في عين فاطره ومجريه في العروق. فإذا كانت الدنيا وما احتوت لا تساوي في نظر الكريم قطرة دم واحدة مسفوكة بغير حق، فكيف يكون الدم هو ما يرضي الرب ويكون مهراً لجنة عالية، لا تسمع فيها لاغية، ربما لو كانت بيد هؤلاء، ممن انتزعت المحبة من قلوبهم، وانتفت الإنسانية من سلوكهم، ما ادخلو إليها أحداً من خلق خالق الخلق.
قيل لرسول الله، صلى الله عليه وسلم،: «أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب، صدوق اللسان. قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد». وفي حديث آخر، قال الرسول الكريم: «أتدرون ما المفلس؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقض ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار». العلاقة الإنسانية، ومشاعر الرحمة والحب والتسامح هي جوهر الإنسان، والتي لا يمكن للإنسان أن يكون إنساناً بدونها. والإنسانية صنو الدين، وبالتالي فإن من لا مشاعر من إنسانية غامرة تملأ شغاف قلبه، فإن الدين منه براء، حتى لو كان من أشد المتدينين في ظاهره. فالدين في النهاية هو أن يكون الله مستقراً في القلوب، ومن كان الحق المطلق، والجمال المطلق، والحب المطلق مستقراً في قلبه، فإنه لا يمكن أن يرى حيواناً يتألم، فكيف بإنسان يراق دمه، وهو أكرم مخلوقات الخالق على الخالق، منذ أن نُفخت الروح الإلهية في تجاويف الجسد الآدمي.
ورد في الأثر أن بغياً دخلت الجنة بسبب *** كاد أن يموت عطشاً أسقته، ودخلت امرأة النار بسبب هرة حبستها فهلكت، فلا هي التي أطعمتها، ولا هي التي تركتها حرة تبحث عن رزقها في خشاش الأرض. دخلت إحدى المرأتين الجنة رغم كل ذنوبها وخطاياها الظاهرة، فقد كان قلبها عامراً بالرحمة والحب والحنان، فيما لم تنتفع الأخرى من تقواها الظاهرة، فقد كان قلبها كالحجارة أو أشد قسوة، فدخلت النار بسبب هرة لا قيمة لها في عين تلك المرأة، وهي لا تدرك كم كانت قيمة تلك الروح في عين خالقها، حين نزعت الرحمة من قلبها، فنزعت بذلك الإنسان من داخلها، ومن ثم العروة الوثقى مع الرحمن الرحيم، فلم تعد في النهاية إلا شيئاً من جماد لا إحساس فيه، وبذلك استحقت أن تكون مجرد جمرة من جمرات نار تتلظى، كما كان ذات وضعها في الحياة الدنيا، فمن لا يرحم لا يُرحم، ومن كان عديم الإحساس في الدنيا، فهو لا يستحق جنة تقوم على الإحساس بالحب والخير والجمال في الآخرة. وبذات هذا المعنى، يروي الفيلسوف الهندي راما كريشنا (1836 - 1886) قصة مشابهة في مغزاها. يقول كريشنا: كان هناك رجل متنسك يقضي نهاره كل يوم تحت ظل شجرة يُعلم الناس الفضيلة والتقوى. كما أنه كان يعيش حياة زهد فلا يشرب إلا الحليب ولا يأكل سوى الثمار. وكان يعتقد بينه وبين نفسه أنه بهذا الأسلوب من الحياة الذي ينتهجه قد بلغ حداً كبيراً من القداسة والكمال. وكانت امرأة مومس تعيش معه في نفس القرية وقد اتخذت من الزنى مهنة تكسب منها قوتها اليومي، فكان الناسك يأتي إليها كل يوم ويؤنبها على سلوكها المتهور ويحذرها من أن مصيرها في النهاية إلى جهنم، فكانت المسكينة بعد انصرافه تذرف الدموع وتبتهل إلى الله طالبة منه أن يخلصها من هذه الحياة التعيسة التي اضطرتها ظروف فقرها لأن تحياها. وبعد ردح من الزمن توفي الرجل الناسك والمرأة الزانية، فحضرت الملائكة لتأخذ المرأة إلى الجنة، والناسك إلى جهنم. فاحتج الناسك على هذا التصرف المجحف وخاطب الملائكة بحدة قائلاً: كيف تصنعون بي هذا؟! ألم أقض حياتي وأنا أُعلم الناس الطهارة واجتناب الخطيئة. فبأي منطق أساق أنا إلى النار بينما تُقاد هذه المرأة الخاطئة إلى الجنة؟! فأجابته الملائكة: صحيح أن هذه المرأة قضت حياتها في الخطيئة، ولكنها كانت تتجه دائماً إلى الله طالبة منه الخلاص مما هي فيه. وها هي الآن قد حصلت على ما كانت تطلبه. أما أنت فقد قضيت حياتك وأفكارك متجهة دائماً نحو خطايا الآخرين، فكنت لا ترى أمامك سوى الخطيئة، لذلك جئنا لنأخذك إلى المكان المخصص للذين لا يرون سوى الخطيئة..
الحكمة واحدة في أي مكان وكل زمان، إذا كانت الحكمة هي الغاية، بعيداً عن أهواء الذات وعصبيات الجماعة وأسر المذهبيات. فما يقوله كريشنا وغيره من أناس كانت الحكمة الخالصة غايتهم، هو ذاته ما تقوله الأديان وفلسفات الإنسان في كل زمان ومكان. وعندما يكون الإنسان إنساناً من داخله، أي أن الرحمن قد هيمن على كل قلبه، فإن النتائج لا تختلف، فجوهر الإنسان واحد منذ بدء الخليقة وحتى نهايتها، ولكن هناك من يطمس كل ذلك فلا يرى رغم أنه يرى. فالناسك في القصة السابقة غرته نفسه، وأعتقد أنه أقرب إلى الله من تلك المومس الخاطئة المنكسرة الفؤاد، فظن أن الجنة ملك يمينه، غير عالم بأن معايير الرب غير معايير البشر، وإن ادعى البعض معرفة مطلقة بتلك المعايير، فكانت النار مصيره رغم النسك. فلقد كان زاهداً في دنياه، ورعاً في تقواه، ولكن نفسه كانت أكبر من الدنيا كلها كبراً وغروراً، فلم يفده الظاهر حين أصبح في حالة تناقض مع الباطن. وفي هذا المعنى يقول ابن قيم الجوزية: «رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً فأدخلت صاحبها الجنة، ورب طاعة أورثت صاحبها عجباً وكبراً فأدخلته النار». ومن الأقوال المأثورة لعلي بن أبي طالب في هذا الشأن: «يا عبد الله: لا تعجل في عيب أحد بذنب فلعله مغفور له، ولا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلك معذب عليه». وفي حديث شريف للمصطفى عليه السلام: «شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره». نعم.. شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره.. هنا يكمن المعنى..وهنا تكمن حقيقة التقوى.. الخير والحب والجمال.. وشر الناس من هجرت هذه القيم روحه، وتركت قلبه قطعة من ليل مدلهم السواد لا فجر بعده..

صقر الخالدية
30/12/2003, 11:57 AM
التجمل بالإصلاح السياسي يحوله إلى إصلاح سياحي

فهمي هويدي



فكرة مناقشة اصلاح الوضع العربي في مؤتمر القمة العربية المرتقبة في تونس تستحق الحفاوة لا ريب. لكن المرء لا يستطيع أن يخفي شعورا قويا بالقلق بداخله حتى يكاد يفسد السرور الذي ينتابه، حين يطالع الخبر لأول وهلة. ذلك ان المشكلة في العالم العربي ليست في خطوات الاصلاح وانما هي في جدية ارادة الاصلاح، لاننا من تجارب عديدة ومريرة سمعنا كلاما كثيرا وجميلا عن الاصلاح، وصادفنا ما لا حصر له من القرارات والاجراءات التي رفعت راية الاصلاح، لكننا اكتشفنا بعد حين ان عنصر الجدية لم يكن متوفرا، وأن الحرص على التجمل كان اكثر من السعي للاصلاح، وأن الاهتمام بالطلاء صرف الاهتمام عن ترميم البناء.
خذ مثلا قريبا، الكلمات العربية التي القيت في القمة العالمية للمعلومات التي عقدت قبل اسبوعين في جنيف، وكيف أنها اعربت عن الحماس المفرط لكل عناوين مجتمع المعرفة والمعلومات.
واسهبت في وصف الجهود التي تبذل على المستوى الوطني لبناء المجتمع العصري واستخدام تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات لمواجهة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحقيق النهضة الشاملة و...و... الخ.
لم اكن هناك. ولست في موقف يسمح لي بالحديث عن صدى الكلمات التي القيت في محفل جنيف، الذي شهدته وفود 174 دولة وحضره 67 رئيس دولة وحكومة، ونحو 850 منظمة وهيئة حكومية واهلية. لكني ازعم انني قريب من تجارب المجتمعات التي جرى الحديث عنها «بفخر واعتزاز» كما قيل في واحدة من تلك الكلمات. وكمواطن يعيش داخل تلك المجتمعات ويراقب احوالها، فان أول ما خطر لي حين وقعت على تلك الكلمات أن اصدر تكذيبا لما تضمنته من ادعاءات ومعلومات، وأن اعلن على الملأ أن مجتمع المعرفة لا يمكن ان يقوم حقا الا اذا كان المجتمع ديمقراطيا، وان الحديث عن مجتمع المعرفة لا يستقيم اذا تم بمعزل عن الدعوة الى اشاعة الديمقراطية. واذا ما ركزنا على الاولى دون الثانية فاننا بذلك نضع العربة امام الحصان، الامر الذي لن يتيح لنا امكانية التحرك خطوة واحدة الى الامام، ومن ثم سيغدو حديثنا عن «النهضة» المنشودة مجرد ادعاء أو حلم غير قابل للتطبيق.
اكثر من ذلك فإنني أزعم ان توفير تكنولوجيا المعلومات في مجتمع تغيب عنه الديمقراطية ربما كان فيه من الضرر اكثر مما فيه من النفع، لان التكنولوجيا في هذه الحالة سوف تستخدم ضد المجتمع ومن اجل قمعه وليس لصالحه، من حيث انها ستوفر لاجهزة السلطة فرصة التنصت على الناس ومراقبتهم واختراق خصوصياتهم، دون ان يكون بمقدورهم حماية انفسهم من تغول السلطة وعدوانها على خصوصياتهم.
وبعد ان صار مصطلح «مجتمع المعرفة» احد شعارات الموسم وهتافاته التي يرددها كثيرون هذه الايام ـ حتى اشعار آخر على الاقل ـ فانه من المهم للغاية ان نتفق على مضمونه أو ما نتصوره اطارا صحيحا له. ثمة تعريف لمجتمع المعرفة ورد في تقرير التنمية الانسانية الذي صدر عن الامم المتحدة هذا العام ـ ركز على هذه القضية ـ ورد فيه ان مجتمع المعرفة هو ذلك المجتمع الذي يقوم اساسا على نشر المعرفة وانتاجها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي: الاقتصاد والمجتمع المدني والسياسة والحياة الخاصة وصولا للارتقاء بالحالة الانسانية باطراد. وهذا التعريف المجهل لا اجده وافيا لانه يخلط فيما بين الوسائل والأوعية والمقاصد، على نحو قد يؤدي الى الالتباس، وربما يفتح الباب للعبث بالمصطلح وابتساره. فكل ما يدخل ضمن تكنولوجيا الاتصالات هو من الوسائل، وكذلك تعليم الناس القراءة والكتابة، اما مجالات الاقتصاد والمجتمع المدني والثقافة والسياسة فهي من الأوعية التي توظف فيها تلك الوسائل. والقصد من ذلك كله هو الارتقاء بالانسان والمجتمعات والديمقراطية شرط تحقيق الارتقاء المنشود ببساطة لانها اذا اخذت على محمل الجد ـ وليس على سبيل الهزل كما في بعض تجاربنا العربية ـ فان المعرفة في ظلها ستصبح حقا، وليس مجرد واجب يؤدونه بشكل آلي في مجالات حياتهم المختلفة.
ان مجتمع المعرفة ينبغي ان يعترف بحق الناس في أن يعرفوا، وليس فقط ذلك الذي يعلم الناس القراءة والكتابة أو الذي يوفر للخلق اجهزة الكمبيوتر ووسائل الاتصال الرقمية المختلفة وما لم يتوفر للناس ذلك الحق الذي اشرت اليه فإن البشر في هذه الحالة لن يكونوا افضل كثيرا من قطيع الغنم، لا يتجاوز دورهم حدود التلقي والاستقبال، ويسيرهم الراعي في أي اتجاه، وحق الناس في المعرفة له شرط جوهري هو اطلاق حرية الصحافة بحيث تتمكن من ان تطلع الناس على الحقائق لكي يعرفوا كيف والى اين تسير السفينة بهم. وتلك الحرية في الاخبار لا يمكن لها ان تتحقق الا في ظل أجواء ديمقراطية لا تتحول فيها السياسة الى كهنوت واسرار لا يطلع عليها سوى صناع القرار، ليس ذلك فحسب، وانما حيث يعترف بحق الناس ان يعرفوا، فان ذلك يحول المجتمع الى طرف آخر في المعادلة السياسية، بحيث يؤدي اشاعة المعرفة في هذه الحالة ليس فقط الى اخبار الناس، وانما ايضا الى اتاحة فرصة رصد صدى تلك الاخبار لدى الرأي العام، ووضعه بالتالي في الاعتبار. الامر الذي يخرج المجتمع في حالة التلقي ويحوله الى شريك في صناعة القرار السياسي بدرجة أو اخرى.
من هذه الزاوية فلا مفر من الاعتراف بأن ما تحقق حتى الان في العالم العربي من خطوات على طريق اقامة مجتمعات المعرفة والمعلومات ما يزال يقف عند حدود توفير الوسائل، ولست واثقا من دور تلك الجهود وتأثيرها في الاوعيه المختلفة، لكن القدر المتيقن ان شيئا من المقاصد التي اشرت اليها لم يتحقق بعد، ببساطة لانه لم يثبت ان حق الناس في المعرفة جرى التسليم به وهم ما يزالون يعاملون كرعايا لا كمواطنين، الامر الذي فرض عليهم ان يظلوا متلقين، يستقبلون فقط ولا يرسلون وهو ما يفرغ مجتمع المعرفة من وظيفته ومضمونه، بحيث ان ما يمارس في اطاره يظل يتحرك في حدود التجمل واستجلاب رضى الآخرين، وهو ما وصفته في مقام آخر بأنه بمثابة اصلاح «سياحي» مقطوع الصلة بما تنشده من اصلاح سياسي.
ليس هذا المشهد جديدا ولا هو مفاجىء في الزمن العربي، الذي ازعم ان من سماته الالتفاف حول الديمقراطية والتمسح فيها، مع القطيعة معها في ذات الوقت.
ذلك ان هناك قيما ومؤسسات تمثل منتجا للديمقراطية وافرازا لها، بمعنى ان الدول الغربية الحديثة بعد ان قطعت شوطا في تطبيق النظام الديمقراطي وكفلت لسكانها حق المشاركة وحق المساءلة، فعلا عن حق الكرامة، وجدت ان ثمة انظمة وهياكل يتعين اقامتها سواء لضمان استمرار تلك المسيرة أو لرفع كفاءة وتعزيز عافية مجتمعاتها. وكانت مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان في مقدمة تلك الهياكل، كما ان حق الناس في معرفة ما يجري في اوطانهم صار قيمة معترفا بها، وغير قابلة للمنازعة.
وحين لجأت اغلب الانظمة العربية الى تحديث مجتمعاتها، واتجهت الى التنمية السياسية التي يفترض ان تواكب التنمية الاقتصادية، فانها قفزت فوق قيم الممارسة الديمقراطية، وتجاهلت استحقاقاتها الاساسية المتمثلة في حقي المشاركة والمساءلة، ثم اتجهت الى منتجات الديمقراطية وافرازاتها وسعت الى التعامل معها بصورة مباشرة. وكان ذلك بمثابة اقصاء للاصل وتركيز على الفرع، وهو ما عبر عنه البعض بقولهم انه تفريغ للديمقراطية من مضمونها الليبرالي.. ماذا كانت النتيجة؟
كما ان الديمقراطية العربية اختزلت في بعض الموسسات والهياكل التي توفر الشكل بينما تعجز عن اداء الوظيفة، فان ما يسمى بالمجتمع المدني ومجتمع المعرفة ومنظمات حقوق الانسان، صارت بدورها عناوين فارغة المضمون، اعطت انطباعا وهميا بالانخراط في مجرى الحداثة والديمقراطية، في حين انها تؤدي دور القناع الذي يغطي وجه الممارسات الاستبدادية.
ذلك وضع محزن وبائس لا ريب، لكن الاسوأ من وجوده ان من شأن استمراره على تلك الوتيرة ان يصيب الشباب بالاحباط، واليأس من أي ممارسة ديمقراطية، ومن ثم من أي تطور سلمي ايجابي في المجتمعات العربية، وحين يبلغ منهم القنوط مبلغه فان العنف يطل برأسه كأحد خيارات التغيير المطروحة، ان لم يكن الخيار البديل الاكثر رجحانا، ولكي تكتمل فصول المشهد المأساوي فاننا لا نفعل شيئا لعلاج المشكلة من جذورها، ولكننا نسارع الى قمع الشباب وسمعتهم دون ان نفكر في محاسبة انفسنا فيما اقترفناه حتى اوصلناهم الى تلك النتيجة.






المصدر جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
31/12/2003, 09:15 AM
الشورى.. مبدأ اساسي للحياة بكل جوانبها



عقيل عبدالخالق ابراهيم اللواتي

ان فكرة الديمقراطية في وقتنا الحاضر تغزو العالم عبر مساحات واسعة من النشاطات الاعلامية والثقافية سواء على مستوى الندوات او المحاضرات او اللقاءات المرئية او صفحات الجرائد، او بالحملات العسكرية لغزو البلدان العربية والاسلامية لنشر ( الديمقراطية) في هذه البلاد او تلك!
ويبدو للعالم اليوم ان الديمقراطية هي التطور السياسي للنظم السياسية وانها النموذج المثالي الذي يمكن اتباعه من قبل كافة الشعوب... وجهة النظر الغربية.
ولا شك ان في هذه الفكرة بريقا قويا.. ويتجلى ذلك عندما نرى كثيرا من الباحثين في السياسة الشرعية يقدمون (الشورى) كمرادف للديمقراطية.. فالديمقراطية اذن لا تنافي بينها وبين الاسلام وانما هي (ترجمة معاصرة) للشورىاو ان الشورى هي التعبير الاسلامي عن الديمقراطية، وذلك على اساس ان الاعتراض انما هو على المصطلح ولا يتجاوزه الى المضمون. في حين يرى بعضهم ان هناك فرقا كبيرا بين الآليتين تسمية ومضمونا، بينما ذهب آخرون الى محاولة التوفيق بينهما فاقترح استعمال لفظ (الشوراقراطية لتدلّك على تمسكنا بجوهر قيم الشورى).
وهنا، فان المسألة بحاجة الى بحث مستفيض عن الاسس الفلسفية او الفكرية التي تنطلق منها الديمقراطية و الشورى والانتباه الى ان لكل مفهوما خاصا ربما يتقاطع مع الآخر ولا يلتقي معه بالضرورة.
فالديمقراطية تقترن دراستها اساسا بالنظم السياسية وهي خاصة بها كمنهج في الحكم يضع حدا لثنائية الحاكم والمحكوم التي سادت تاريخ اوروبا القديم والوسيط، واقترنت بانتشار الحكم الفردي وسيطرة الكنيسة وغياب القانون. ويهدف هذا المنهج الى استبدال هذا الوضع القديم بآخر جديد هو وضع الدولة الحديثة التي يحكمها القانون باعتبارها معبرا عن ارادة الشعب، الذي له حق كل سلطة وتشريع، و يكون ملزما للرئيس والمرؤوس معا. ولا شك ان الديمقراطية تحمل بعض الايجابيات وخصوصا اذا قورنت مع مساوئ الدكتاتورية، الا انها تجاوزت الكثير من الحدود المشروعة والمعقولة في كثير من الجوانب في مقدّمتها انها بشرية النظام، وهي مجرّد تجربة بشرية في افكارها ومضامينها واساليب تطبيقها، وهي ايضا دنيوية الاهداف فتأتي تشريعاتها ناقصة مبتورة تزخر بالنظرة المادية العلمانية التي تضيع فيها الاخلاق والقيم وتكون فيها قيمة المال ومقدار الربح فوق كل شيء.. حتى الانسان.
اما الشورى فان اقتران دراستها بالنظم السياسية لا يعني بالضرورة انها خاصة بها، بل هي عامة تشمل جميع مناحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية. ويمكن ان نستوحي من قوله تعالى: ( والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) - هذه الآية التي نزلت قبل قيام الدولة الاسلامية في المدينة المنورة - بأن وضع الشورى اعمق في الحياة الاسلامية من مجرد ان تكون نظاما سياسيا للدولة.. وان الشورى هي الطابع الذي تتطبع عليه الجماعة ويقوم عليه امرها كجماعة، ثم ينتقل من الجماعة الى الدولة بوصفها افرازا طبيعيا للجماعة.
ومن هنا نجد التناغم واضحا بين شكل الحكم السياسي، وطبيعة الحالة الاجتماعية. فاعتماد الشورى كمبدأ عام للحياة وكسلوك وممارسة اجتماعية، ابتداء من الاسرة والمدرسة والمصنع والمؤسسة والنشاط الديني والاجتماعي، تنطلق من فهم ورؤية دينية ثقافية، كل ذلك يفترض ان يؤدي الى التزام الشورى في المجال السياسي. وهذا هو مصداق الحديث الشريف الذي يقول: (كما تكونوا يول عليكم ).
ومن هنا.. فان الشورى عنصر مهم من عناصر العقيدة الاسلامية، فقد جاءت فريضة بين اشهر فريضتين من فرائض الاسلام وهما الصلاة والزكاة، وهي المرة الوحيدة التي جاء فيها فاصل بين الصلاة وايتاء الزكاة معا وبالترتيب وبدون فاصل بينهما، وهي المرة الوحيدة التي جاء فيها ذكر الشورى مع الصلاة والزكاة ليؤكد رب العزة على انها عبادة يمارسها المسلم في كل موقع، وينبض بها قلب المجتمع في كل حدث، لا حياد عنها ولا مجال فيها لاي عذر شأنها شأن الصلاة والزكاة.
ان الطبيعة الاجتماعية للشورى تفرض علينا التعمق في دراستها كأساس وقاعدة لبناء المجتمع في كل ميادين الحياة وذلك باستيعاب مفهوم الشورى وجذوره الفلسفية والفكرية، وتطبيقاته الاجتماعية، لنضمن بذلك حماية مجتمعنا واجيالنا من الانبهار بديمقراطية الغرب، والعيش ضمن اجواء بعيدة عن نهج الشورى.
فالطريقة المتبعة في مجتمعاتنا لا تزال قائمة على الرأي الفردي، والارادة الاحادية لم يطرأ عليها التطوير فتأخذ بنهج الشورى فما زال رب الاسرة في عوائلنا هو السيد وصاحب القرار في كل شيء، لا يتخذ الحوار منهجا للتواصل مع زوجته واطفاله .. ولا يعود ابناءه على كيفية تقبل الرأي الآخر دون مصادرة.
والوجاهة في القبيلة لا تزال خاضعة في مجتمعاتنا للعصبية والسيطرة متمثلة في اسر عريقة او غنية ترى او يرى لها البعض انها احق لهذا الدور لما لها من وضع ومكانة خاصة. ولو اخذنا بنهج الشورى في ذلك لحققنا وحدة مجتمعاتنا وتفاعلها مع الوجاهة للبناء والتطوير يدا بيد.
والمؤسسات التعليمية لو بادرت واعطت لطلابها مزيدا من الثقة ومنحتهم الفرصة في اثبات الذات والشراكة في التخطيط والتنسيق والاعداد والتنظيم في جميع فعالياتها، واخذت برأيهم واستشارتهم في حل المشاكل التي تواجهها وتصحيح الافكار الخاطئة .. لساهمت فعلا في تنمية تفاعل الطلاب وتشجيعهم على تنمية التعبير عن الرأي ومهارات الحوار البناء وقبول الرأي الآخر.
والمؤسسات الاجتماعية تكون بيد افراد من الاهالي يتم تعيينهم لاعتبارات خاصة ايضا.. فلا ترى الا والفساد يسري في روحها في كثير من الاحيان.. تارة بعدم الكفاءة او الاهمال، واخرى بالتلاعب.. ولو ان هؤلاء تم انتخابهم بالشورى لعادت هذه المؤسسات للوطن والمجتمع بالخير الكثير.
والنشاط الديني والثقافي تشرف عليه وجوه شبه مجمدة في مواقعها.. ولو ان المعنيين قاموا بتفعيل المشاركة لضخ دماء جديدة لانتجوا فكرا جديدا.. في ظل الشورى .. يشعر افراد المجتمع بكرامتهم، واحترام ارادتهم ورأيهم، فتبدع العقول، وتتطور الافكار، وتظهر الكفاءات والمواهب، وتتوفر فرصة التعبير عن الرأي، ويتحمل المجتمع بجميع افراده مسؤولية القرارات التي تتخذ لاسهامه في صنعها .. وفي ظلها ايضا .. باعتمادها كمبدأ عام للحياة وممارسة اجتماعية.. فان المجتمعات تعد نفسها لممارسة الشورى في نطاقها الاوسع وذلك في سياق المشاركة الشعبية في صناعة القرار الوطني.
ويرى بعض المفكرين ان من اهم اسباب فشل تجارب المشاركة الشعبية في صناعة القرار في العديد من دول العالم الثالث او عزوف الناس عن ممارسة حق الانتخاب هو ان هذه المجتمعات لم تتعود على المشاركة اساسا، وتشكلت تركيبتهم الذهنية والنفسية وفق نمطية معينة لا تتحمل اي رأي مخالف ولهذا تفشل عندما تتاح لها الفرصة.
نحن في امس الحاجة لنمارس الشورى في دواخلنا، في اسرنا، ومدارسنا، وفي العمل، وفي الطريق.. من هنا تنبع الشورى، وليس من انتخابات برلمانية او بلدية وغيرها او من لجنة لحماية حقوق الانسان.. ونحن بحاجة لان نحترم ذاتنا، ومواطننا وانساننا، ومن هذا الاحترام والتقدير ينبع نهج الشورى، فالشورى لا تتجزأ، وهي كل متكامل يجب التعامل معه وفق هذه الرؤية.



المصدر جريدة عمان

صقر الخالدية
03/01/2004, 11:19 AM
قضايا و اراء
42757 ‏السنة 127-العدد 2003 ديسمبر 30 ‏6 من ذى القعدة 1424 هـ الثلاثاء


عــــــام الوهــــــن

بقلم: فهمـي هـويـــدي



هو عام الوهن بامتياز‏..‏ ولو كان للهوان نوط لألقيته الآن في وجهه دون تردد‏.‏ لم لا‏,‏ وقد تجمع في ذلك العام الذي نطوي صفحته الأخيرة خلال ساعات كم من دلائل الانكسار في عالمنا العربي علي نحو لا اعرف له مثيلا في تاريخه المعاصر علي الأقل‏,‏ الأمر الذي يكاد يستعيد مشهد انهيار الدولة العباسية امام زحف المغول‏,‏ الذي وصفه ابن كثير في البداية والنهاية قائلا انه‏:‏ اجتمع علي الناس فيه البلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون‏!‏

‏(1)‏
رب قائل يقول أن عام النكسة‏(1967)‏ بالهزيمة المنكرة التي تخللته يناطح عامنا غير المأسوف علي رحيله‏,‏ وقد يتفوق عليه في المهانة والإيلام‏,‏ لكني أزعم ان هذه قراءة ليست دقيقة وتحتاج إلي مراجعة‏.‏ لان الزلزال الذي وقع آنذاك كان بمثابة لحظة انكسار رهيبة اهتز لها وجدان الامة لاريب‏,‏ لكن الفرق كبير في التداعيات والنتائج بين ماجري آنذاك والحاصل الآن في بلادنا‏,‏ حتي ازعم ان محصلة هذا العام‏(2003)‏ اسوأ بكثير منها عام‏67‏ ـ لماذا؟ لان صدمة‏67‏ هزم فيها مشروع ونظام لكن الامة ظلت علي ثباتها وصمودها‏,‏ بدليل ما أعقبها من حرب استنزاف مهدت الطريق للعبور الذي تم في عام‏73‏ ـ وقبل الاثنين تنادي زعماء العرب لاجتماع قمة في الخرطوم التي أعلنت فيها اللاءات الثلاث الشهيرة‏(‏ لاصلح ـ لا اعتراف ـ لاتفاوض‏)‏ وكان ذلك دليلا علي أن الهزيمة لم تنته لا بالتسليم ولا بالانبطاح‏,‏ وان ما انكسر لم ينل من العزم والإرادة‏,‏ وهو مايسوغ لنا أن نقول بأنه رغم ماحدث في عام‏67‏ فقد ظلت الامة حاضرة ومستنفرة‏,‏ أما في ختام عام‏2003‏ فقد التبس الأمر واستبدت الحيرة بالجميع حتي اصبح كثيرون يتساءلون أين هذه الامة‏,‏ بل سمعنا اصواتا لنفر من اليائسين في اكثر من عاصمة عربية شككت في وجود الامة من الأساس‏.‏
ليس ذلك فحسب‏,‏ وإنما بوسعنا ان نقول ايضا انه في أعقاب هزيمة‏67‏ صدمت مجتمعاتنا وعبرت عن غضبها علي النحو الذي نعرف‏,‏ لكنها ظلت صامدة ومتماسكة‏,‏ ومعتصمة بالثقة والأمل‏,‏ وهو ما اختلف كثيرا في نهاية عام‏2003,‏ حيث لانكاد نري أثرا للغضب‏,‏ كما تبدد رصيد الثقة والأمل فيما هو قائم‏,‏ وحدث الانفصال النكد بين بعض شرائح النخبة وبين المجتمع‏,‏ فما عاد الأولون تعبيرا عن ضمير المجتمع أو حلمه‏,‏ وحين انفرط عقد الامة تآكلت في خرائطها أشياء كثيرة‏,‏ حتي صرنا مع نهاية العام اقرب إلي فتات الامة وأنقاضها‏.‏

‏(2)‏
التآكل الذي حدث أصاب خرائطنا السياسية والثقافية ايضا‏,‏ وحل بالواقع كما ان الاحلام لم تسلم منه‏,‏ واذا نظرنا إلي ما حل بخرائطنا السياسية في ذلك العام المنصرم فسنجد انه شهد نوازل عدة أبرزها ما يلي‏:‏

‏*‏ التوحش الاسرائيلي الذي بلغ ذروته‏,‏ سواء في الاجتياحات شبه اليومية التي شملت الضفة الغربية والقطاع‏,‏ او في اقامة السور الوحشي الذي ابتلع الاف الأراضي وشرد وقطع أرزاق عشرات الالاف من الفلسطينيين‏.‏ الأمر الذي حول الأرض المحتلة إلي سجن كبير‏,‏ وأحال مدنها وقراها إلي زنازين أو مسالخ متجاورة‏,‏ لاتسير في شوارعها سوي جنازات الفلسطينيين ومجنزرات الاسرائيليين‏.‏
المدهش في الأمر أن القيادة الاسرائيلية وهي تمارس هذا كله تواجه من النخبة العربية بردود أفعال متباينة‏,‏ كل منها أكثر عبثية من الآخر‏,‏ من ناحية فان تلك النخب صارت تخاطب إسرائيل عبر الولايات المتحدة التي لم تتوقف عن إعلان تأييدها للممارسات الاسرائيلية وتبريرها لكل مايتخللها من وحشية‏,‏ بحجة أن ماتلجأ إليه هو من قبيل الدفاع الشرعي عن النفس‏,‏ ومن ناحية ثانية فان الهدف الجوهري للمساعي العربية ظل يدور حول مطلب واحد هو‏:‏ العودة إلي طاولة المفاوضات من ناحية ثالثة فان الطرف الفلسطيني وهو يتلقي تلك الضربات يوما بعد يوم لم يتوقف عن تقديم التنازلات للاسرائيليين واحدا تلو الآخر‏,‏ فمرة يستجيبون للضغط ويصفون المقاومة بأنها ارهاب‏,‏ وفي مرة ثانية يوافقون علي تفكيك منظمات المقاومة ونزع سلاحها وتصفية بنيتها التحتية‏,‏ وفي مرة ثالثة هذا العام وافقوا علي بقاء المستوطنات في الارض المحتلة‏,‏ وأخيرا قبل شهر في جنيف‏,‏ رأينا بعض الفلسطينيين يتنازلون عن حق العودة‏,‏ كل هذا يدفعه الفلسطينيون ـ أحيانا وسط حفاوة عربية مفرطة ـ دون أن يحصلوا من اسرائيل علي أي مقابل‏.‏ واذا كان هناك من رد فانه يأتي علي النحو الذي رأينا هذا الأسبوع في غزة ونابلس‏:‏ مزيد من الاجتياحات بما تستصحبه من قتل وترويع وتدمير‏.‏

‏*‏ غزو العراق واحتلاله بعد تدميره‏,‏ ثم الاعلان صراحة عن استمرار الوجود الأمريكي فيه‏,‏ اقله في قواعد عسكرية‏,‏ مع الإصرار علي الحاق العراق بعجلة السياسة الأمريكية‏,‏ وفتح أبوابه لاسرائيل‏,‏ وإعادة صياغته من جديد‏,‏ ضمن خطة أمريكية طموحة استهدفت تغيير خرائط الشرق الأوسط‏.‏
هذا الاحتلال الأمريكي لدولة عربية يحدث لاول مرة في التاريخ العربي‏,‏ ويعد خطوة علي طريق تنفيذ المشروع الامبراطوري الأمريكي‏,‏ الذي وجد في العالم العربي منطقة رخوة مهيأة للتقدم السهل صوب تحقيق ذلك الهدف‏,‏ وبتمام الاحتلال دخلت المنطقة العربية طورا جديدا تماما‏,‏ تجاوزت واشنطون كل الحدود‏.‏ حتي ان وزير الدفاع الامريكي نحدث مؤخرا عن الانتقال الي حرب الأفكار في المنطقة‏,‏ التي تستهدف تغيير عقول الناس ومداركهم‏.‏
صدي الاحتلال ونتائجه جاء مذهلا بكل المقاييس‏.‏ فما جري كان كفيلا بأن يشعل حرائق الغضب في كل مكان بحيث يقيم الدنيا ولايقعدها في العالم العربي‏,‏ لكن شيئا من ذلك لم يحدث‏,.‏

‏*‏ في أجواء الانبطاح والامتثال المخيمة‏,‏ انفتحت الشهية الأمريكية لممارسة المزيد من محاولات تركيع دول المنطقة‏,‏ فأصدر الكونجرس بأغلبية ساحقة قانون محاسبة سوريا الذي وقعه الرئيس الأمريكي قبل أسبوعين‏,‏ وهو الذي جاء بمثابة انذار فج لسوريا يتذرع بحكاية دعم الارهاب وتطوير أسلحة الدمار الشامل وتأمين الحدود مع العراق والانسحاب من لبنان‏,‏ ويطالبها بالانصياع للإرادة الأمريكية خصوصا في علاقة دمشق بالمقاومة الفلسطينية‏(‏ التي أغلقت مكاتبها‏)‏ وبحزب الله‏,‏ وإذا لم يتحقق لواشنطون ماتريد‏,‏ فان سوريا مهددة بالحصار الاقتصادي وبتجميد أموالها في البنوك الأمريكية‏,‏ وبغير ذلك من العقوبات التي يراد لها ان تؤدي إلي كسر الإرادة والتركيع‏,‏ ويعد النجاح الذي تحقق في اصدار القانون وتوقيعه من قبل الرئيس الأمريكي فان شهية البعض ازدادت اتساعا وسمعنا عن قانون اخر لمحاسبة دولة خليجية يجري الآن اعداده لتقديمه إلي الكونجرس‏,‏ وفيما يحدث ذلك في واشنطون فان العالم العربي يظل محتفظا بهدوئه المدهش‏,‏ حتي يبدو وكأن كلمة الغضب قد سقطت من قاموسه‏.‏

‏(3)‏
إذ بدا العالم العربي وكأنه سفينة تائهة بلا ربان‏,‏ او مقطورة حائرة بغير قاطرة‏,‏ فان هذه الأجواء كان لها صداها السلبي البعيد في المحيط الثقافي‏,‏ الذي تجلي في ظواهر عدة بينها مايلي‏:‏

‏*‏ شيوع ثقافة العزلة والانكفاء‏,‏ الذي اختزلها شعار نحن أولا الذي رفع تباعا في عدة عواصم عربية‏,‏ وبدا كأنه دعوة إلي نفض الأيدي من استحقاقات الانتماء العربي‏,‏ التي هي في حقيقة الأمر جزء لا ينفصل عن الامن القومي العربي‏,‏ وقد عبر آخرون عن هذا الموقف من خلال تهوينهم من شأن الرابطة العربية‏,‏ وازدرائهم لمخلتف صور العمل العربي المشترك‏.‏

‏*‏ الجرأة المدهشة علي ماتعارفنا علي اعتباره ثوابت للامة‏,‏ وفي مقدمتها الانتماء العربي والاسلامي باعتبارالاستقلال ركيزة للكرامة الوطنية‏,‏ والوحدة هدفا للعمل العربي المشترك‏,‏ والحل العادل لقضية فلسطين مفتاحا لاستقرار المنطقة وشرطا لاقامة أية علاقات مع اسرائيل‏,‏ ومن أسف أن ذلك كله جري العصف به‏,‏ فقد أصبحت الثوابت موضعا للسخرية والازدراء حتي انه في الجزائر التي قدمت اكثر من مليون شهيد لاسترداد هويتها ودفاعا عن عروبتها واسلامها‏,‏ اصبح الانتماء العربي والاسلامي في إعلامها مهمشا‏,‏ كما أن مفهوم الاستقلال صار ملتبسا بعدما اصبح البعض يصف احتلال العراق بأنه تحرير‏,‏ ولايجد غضاضة في اقامة القواعد العسكرية الأمريكية علي الاراضي العربية‏,‏ اما مسألة الوحدة العربية ـ حتي في كونها هدفا بعيد المدي ـ ومسألة مقاطعة اسرائيل للمساعدة في استخلاص الحق الفلسطيني‏,‏ فقد أصبح كل منها جزءا من ثقافة السلفية السياسية التي عفا عليها الزمن‏,‏ كما روجت كتابات هذا الزمان‏.‏

‏*‏ الجرأة علي الثوابت العربية استصحبت جرأة موازية في ارتكاب العديد من الفواحش الفكرية‏,‏ من الجهر بضرورة الالتحاق بالغرب واحتذائه نموذجا‏,‏ إلي الدعوة الصريحة للاستعانة بالولايات المتحدة لتغيير الأوضاع الداخلية في العالم العربي‏,‏ إلي التباهي بالانتماء إلي حزب أمريكا والدفاع المخزي عن الاختراق السياسي والاعلامي للساحة العربية‏,‏ إلي ازدراء النضال الوطني والشعبي والمقاومة الفلسطينية خصوصا‏.‏

‏*‏ الامتثال المستغرب لكل ماتطلبه أمريكا‏,‏ سواء لما اعتبرته من متطلبات حملتها لمكافحة الارهاب‏,‏ أو حتي لما أرادت ان تتجمل به للايحاء بأن لها دورا رساليا في المنطقة‏,‏ لاتبتغي من ورائه سوي النهوض بها واخراجها من الظلمات إلي النور‏,‏ فحين طلبت الادارة الأمريكية تغيير مناهج التعليم في العالم العربي‏,‏ فان الشعار صار مرفوعا في كل العواصم العربية‏,‏ وحين طلبت اخضاع التعليم الديني لاشراف الحكومات وتقليص مناهج الثقافة الدينية‏,‏ فقد تم لها ما أرادت‏,‏ وحين تجملت الولايات المتحدة بحكاية تمكين المرأة وحماية حقوق الانسان‏,‏ تحولت القضيتان إلي برنامج عمل للانشطة الأهلية في عالم العرب من أقصاه إلي أقصاه‏,‏ وحين أدانت واشنطون العمليات الفدائية ووصفت ابطالها بأنهم قتلة وليسوا شهداء‏,‏ فان الخطاب الاعلامي تغير في العديد من المنابر التي دأبت علي وصف أولئك الشبان والشابات بانهم انتحاريون وليسوا شهداء‏.‏

وحين أصبحت كلمة الجهاد تستفز أصحاب القرار في واشنطن فانها غيبت من قاموس الخطاب‏,‏ وصارت تذكر علي استحياء في سياق الحديث عن جهاد النفس إلخ‏.‏

‏(4)‏
إننا اذا حولنا البصر عن الأفق المعتم الذي يتراءي لنا طول الوقت‏,‏ ونظرنا إلي الشارع العربي وهو يموج بالجماهير التي يجري حقنها يوما بعد يوم بجراثيم البلبلة واليأس والانبطاح‏,‏ فسنجد ان جذوة الامل لم تنطفيء بعد‏,‏ وسندرك ان المراهنة علي القابعين في السفح لها مردودها الذي لايخيب‏,‏ اذا ما قورن بعبثية المقارنة علي الجالسين علي القمة‏.‏
النظر المدقق لما يجري في فلسطين يشهد بما نقول‏.‏ إذ رغم كل جبروت ووحشية الممارسات الاسرائيلية‏,‏ ورغم أن شارون وصحبه ركبوا أعلي خيولهم‏,‏ فانهم فشلوا في اخضاع الفلسطينيين وحل المشكلة عسكريا‏,‏ في ذات الوقت نجحت المقاومة الفلسطينية في اسقاط القناع الذي اخفي طويلا مدي قبح الوجه الاسرائيلي‏,‏ حتي اعتبرت شعوب الاتحاد الأوروبي انها تمثل الخطر الأول علي السلام العالمي‏,‏ ليس هذا فحسب وانما كشفت المقاومة عن عمق الشروخ والشقوق في المجتمع الاسرائيلي حتي كتب واحد من أبرز سياسييها ـ ابراهام بورج ـ مقاله الشهير الذي نعي فيه انتهاء الحلم الصهيوني‏,‏ وهو الموقف الذي أيده فيه آخرون‏,‏ وكان له صدي الصدمة داخل إسرائيل‏.‏

صحيح أن مهمة المقاومة صارت أصعب بكثير‏,‏ والثمن الذي يدفعه الفلسطينيون يفوق طاقة الاحتمال‏,‏ ولكنه لم يذهب هباء‏,‏ وليس فقط لما ترتب عليه من صدي داخل اسرائيل ذاتها‏,‏ ولكن لان صمود وثبات ذلك الشعب البطل ومقاومة شبابه الباسلة‏,‏ أصبحت دليلا علي ان الشعب الفلسطيني هو الذي لايقهر‏,‏ وان الامة العربية لم تمت بعد‏.‏
في العراق شهادة أخري تؤجل إعلان وفاة الأمة‏,‏ فهذا الشعب الذي عاش تحت القهر لاكثر من ثلاثة عقود‏,‏ يعبر كل يوم عن رفضه لمذلة الاحتلال من خلال مقاومة شبابه التي تفجرت في مختلف المدن‏,‏ رغم محاولات التشويه والآسي والفتنة التي يبذلها الحزب الأمريكي هناك‏.‏

ما أريد أن أقوله ان كثيرين سقطوا في الامتحان حقا في اختبارات عام‏2003‏ لكن شعوبنا بفطرتها السليمة التي لم تتلوث ما دخلت امتحانا إلا وصمدت فيه وتحقق لها النجاح في نهاية المطاف‏.‏

‏(5)‏
في الحديث النبوي قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعي الأكلة علي قصعتها‏.‏ قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ ـ قال‏,‏ لا بل انتم يومئذ كثير‏,‏ ولكنكم غثاء كغثاء السيل‏,‏ وقد أذهب الله المهابة لكم من قلوب عدوكم‏,‏ وقذف في قلوبكم الوهن‏,‏ قالوا‏:‏ وما الوهن يارسول الله قال حب الدنيا وكراهية الموت‏.‏


كل عام وانتم بخير


جريدة الاهرام

صقر الخالدية
04/01/2004, 09:56 AM
بقلم الدكتور:: محمد حسين اليوسفى







مجلة الازمنة العربية



























تهدف هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على بعض الظواهر المتعلقة بالجنسية والمواطنة والسياسات المتبعة في دول مجلس التعاون في التعامل مع التمتع بالجنسية بصفة أصلية فضلاً عن سياساتها نحو عملية التجنيس ووضع المتجنس ذاته وأبنائه الراشدين والقصر والذين ولدوا بعد اكتسابه للجنسية. وتتطرق الورقة إلى ظاهرة انعدام الجنسية أو ما يعرف باللغة الاجتماعية بظاهرة البدون، إذ تناقشها الورقة من حيث حجمها كظاهرة ومن حيث الخلفية الاجتماعية لهؤلاء البدون وما هو مطروح حلاً لمشكلتهم.

أخيراً، سيكون التركيز على نظرة قوانين الجنسية للمواطنة الخليجية المتزوجة من أجنبي وبالذات فيما يخص بجنسية أبنائها والمشكلات الناجمة عن ذلك. والورقة تنطلق من اهتمامات علم الاجتماع القانوني الذي يركز -فيما يركز- على القوى الفاعلة في وضع القوانين، ومدى نجاحها في التطبيق العملي أو تعثرها، وآثار ذلك على الحياة الاجتماعية وغيرها. لذا فهي لن تخوض في المسائل القانونية إلا بالقدر الذي يوضح الصورة الاجتماعية لتأثير تلك القوانين.

ولا بد من القول أن المعلومات المتعلقة بموضوع البحث شحيحة، إذ هي شذرات تم تجميعها من هنا وهناك كيما نخرج بصورة عامة هي أبعد ما تكون عن الصورة المتكاملة. وتتباين دول الخليج العربي في هذا الخصوص. ففي حين نرى بأن البيانات المتعلقة بالجنسية والمواطنة وفيرة عن الكويت، نجد أن تلك البيانات نادرة عن بلدان أخرى كعمان وقطر والإمارات.

أولاً: الجنسية بصفة أصلية

إن الجنسية بصفة أصلية حق يؤخذ بقوة القانون. لكن هذا المبدأ في الواقع التطبيقي يخضع لاعتبارات اجتماعية وسياسية، من حيث التوسع في التمتع بهذا الحق، أو التشدد في الشروط الواجب توافرها إثباتاً لهذا الحق. فنرى أن المجتمعات الخليجية تنقسم في ذلك إلى قسمين: 1- مجتمعات تتشدد في هذا الحق، كالكويت والبحرين والإمارات وقطر. 2- مجتمعات تتساهل بذلك، كالمملكة العربية السعودية. أما المجتمعات الأولى فقد مرت بمرحلة التساهل، كالكويت في الستينيات وذلك لضبط نتائج العملية الانتخابية، حيث لا زالت ذيول تلك العملية قائمة بوجود مطالبات كثيرة أمام اللجنة العليا للجنسية التي تشكلت في أواخر السبعينيات، إذ حصل من خلالها1000 شخص الجنسية بصفة أصلية منذ العام 1992 1. والبحرين وقطر والإمارات في السبعينيات، لاستكمال مقومات الدولة وعهد الاستقلال. وفي الإمارات حظيت القبائل العربية وأبناء "قبائل بر فارس العرب" والحضارم بمعاملة خاصة.2 ثم ما لبثت أن تشددت هذه الدول في حق التمتع بالجنسية بصفة أصلية.

أما المملكة العربية السعودية، فقد واصلت سياستها في التساهل حول حق التمتع بالجنسية بصفة أصلية وبالذات تحت ما يسمى "باستعادة الجنسية الأصلية"، حيث استفاد كثير من أفراد القبائل التي هاجرت من الجزيرة العربية في فترات تاريخية مختلفة واستوطنت في العراق والشام والتي لا زالت لها امتدادات قبلية قوية في المملكة العربية السعودية، كقبائل الظفير وعنزة وشمر، أو ما يطلق عليها "القبائل الشمالية". وقد كانت تبعية هذه القبائل، وما تنطوي عليها تلك التبعية، موضع خلاف في مؤتمر العقير في العام 1922 بين الوفدين السعودي والعراقي. وقد تم في ذلك المؤتمر تخطيط الحدود النجدية العراقية3 .

وهذه السياسة تنطبق أيضاً على بعض الامتدادات القبلية لبعض المناطق الحدودية، كقبائل محافظة المهرة في اليمن، حيث تسهل السلطات السعودية لهم الحصول على جنسيتها كما ذكر عدد من هؤلاء للباحث. ومن الجدير بالذكر أن الكويت تضم جالية من المهرة منذ الخمسينيات، وقد خرج هؤلاء من الكويت إبان الغزو العراقي، وكانوا يحملون الجوازات اليمنية الجنوبية، ثم رجع من هؤلاء بعد التحرير من رجع وهم يحملون جوازات سعودية4 .

وفي هذا الإطار، عاملت الحكومة السعودية "النجديين" القاطنين في العراق وبالذات من أهالي مدينة الزبير، الذين أسسوا تلك المدينة قبل ثلاثة قرون، فأصدرت مرسوماً في العام 1973(7/12/1393) توافق فيه على "منح النجديين المقيمين في العراق فرصة العودة إلى جنسية بلادهم الأصلية"5 . وقد أدى ذلك إلى هجرة أهالي الزبير ولم يبقَ من أهلها الأصليين أحد.6

وربما يفسر هذه السياسة اتساع رقعة المملكة العربية السعودية، وبالتالي حاجتها إلى مواطنين "من نفس النسيج الاجتماعي" القائم في المجتمع السعودي فضلاً إلى رؤية أصحاب القرار في بناء دولة قوية. ولا شك أن المواطن بصفة أصلية يتمتع بحقوق لا يتمتع بها المتجنس إلا ضمن شروط معينة تختلف من بلد خليجي لآخر؛ كحق التعيين في المناصب العليا ذات الطابع السيادي أو حق الترشيح والانتخاب للمجالس النيابية والبلدية.

ثانياً: التجنس والمتجنسون

إن السياسة المتبعة في المجتمعات الخليجية هي عدم الأخذ بالتجنيس كآلية لتعديل التركيبة السكانية، وهي عكس تلك السياسة التي اتخذتها الدول الأوروبية الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، تعويضاً عن النقص في قوة العمل الناجمة عن الحرب. فبعض هذه المجتمعات قد أغلق باب التجنيس بشكل كامل (حالة الكويت منذ أواسط الستينيات)، وبعضها يجنس ولكن بأعداد متواضعة (كحالة المملكة العربية السعودية). ومن المعروف أن اكتساب الجنسية عن طريق التجنس هو منحة وليس حقاً, وأن هذه المنحة يرجع تقديرها إلى الدولة7 .

وتشير الأرقام إلى أن البحرين قد قامت في الفترة من 1950 إلى مايو 2001 بتجنيس 42997 شخصاً بينهم 9749 عربياً. والعدد الإجمالي للمتجنسين يشمل "الشخص المتجنس وزوجته وأبناءه وأبناء أبنائه وزوجاتهم فضلاً عن الزوجات العربيات المتزوجات من بحرينيين بالولادة". وهؤلاء جميعاً (أي المتجنسون جميعاً) لا تتجاوز نسبتهم 10 في المائة من عدد المواطنين.8 وكان المتجنسون يمثلون ثلث المواطنين الكويتيين قبل تعديل القانون واعتبار أن أبناء المتجنسين الذين ولدوا بعد حصول آبائهم على الجنسية مواطنون بصفة أصلية. ففي العام 1992 كان إجمالي عدد المتجنسين 188017 شخصاً، منهم 64368 متجنساً و29529 عدد الزوجات و94120 عدد الأبناء9 .

أما بالنسبة للملكة العربية السعودية، التي تقوم بعملية تجنيس منظمة فإنها قامت في الفترة ما بين 1386 هـ. الموافق 1966م إلى 1413هـ. الموافق 1993 بتجنيس ما مجموعه 15650 شخصاً. وهذا العدد لا يشمل زوجات هؤلاء وأولادهم، أو زوجات السعوديين الأجنبيات. كان منهم 10903 شخصاً من الجنسيات العربية و 4747 شخصاً من الجنسيات الأجنبية. والواقع أن هؤلاء -عرباً وأجانب- ينتمون إلى جميع الجنسيات المعروفة تقريباً.

فيما يخص دول الخليج العربي الأخرى قطر والإمارات (فيما عدا سلطنة عمان)، فإننا نلاحظ إشارات هنا وهناك تدل على وجود عمليات تجنيس، لكن حجمها غير معروف.

ولعل مرجع رفض المجتمعات الخليجية في اتخاذ التجنيس سياسة لتعديل التركيبة السكانية هو الكلفة الاقتصادية الباهضة التي ستتحملها كون مواطنيها يتمتعون بخدمات مجانية في ظل سياسة "دولة الرفاه" المتبعة. وهذه سياسة قصيرة النظر، فتعديل التركيبة السكانية أمر ضروري لهذه المجتمعات إن أرادت الاستقرار الاجتماعي الحقيقي. وعملية التعديل تلك لا يمكن أن تتحقق دون وضع خطة لتجنيس بعض الوافدين من ذوي الكفاءة، علماً بأن بعضهم قد أمضى أكثر من أربعة عقود في هذه الدول.

ويمثل المتجنسون شريحة مهمة من المواطنين في المجتمعات الخليجية، وينتمون إلى نفس الأصول القبلية والطائفية والجهوية التي ينتمي إليها المواطنون بصفة أصلية (فيما عدا حالة بعض المتجنسين في المملكة العربية السعودية الذين ينتمون إلى مجتمعات بعيدة عن المجتمع الخليجي). وهذه الشريحة تتباين في تمتعها بحقوق المواطنة، منها تسنم المناصب العليا (ذات الطابع السياسي) فضلاً عن حقوق الانتخاب والترشيح وغيرها، فيما عدا حالة البحرين إذ نجد أن قانون الانتخاب رقم 14/2002 قد ساوى بين المتجنس والمواطن بصفة أصلية من حيث التمتع بحق الانتخاب والترشيح. وهذا المرسوم بقانون يتناقض مع المادة السادسة الفقرة الثالثة من قانون الجنسية البحرينية 8/1963 وتعديلاته والتي نصت على وجوب انقضاء عشرة سنوات قبل تمتع المتجنس بحقوقه السياسية، مما يثير الشك في مرامي المرسوم المذكور فضلاً عن عمليات التجنيس التي حصلت قبل الانتخابات الأخيرة وعمليات التجنيس التي تمت في الثمانينيات من القرن الماضي.

والمتجنسون ينقسمون إلى: المتجنس ذاته، وأبنائه القصر وقت تجنسه، وأبنائه الراشدين، ثم أبناء المتجنس الذين ولدوا بعد اكتساب أبيهم الجنسية. وتتعامل قوانين مجتمعات الخليج العربي مع هذه الفئات بصور مختلفة على الصعيد القانوني أو على الصعيد العملي. وقد تولدت عن ذلك مشكلات ستحاول الورقة مناقشتها.

فابن المتجنس الراشد لا يكتسب الجنسية كأخيه القاصر، إذ لا بد له هو ذاته أن يتقدم لطلب الجنسية، إن أراد التجنس بجنسية أبيه. ولما كانت عملية الجنسية وتنظيم المواطنة جديدة على المجتمعات الخليجية في أول انطلاقتها، ولما كان القاطنون في هذه المنطقة لم يكونوا على دراية بشكليات القانون، فإن بعض هؤلاء لم يتمكنوا من الحصول على الجنسية دون أن تكون لهم جنسية معروفة. فأصبح هؤلاء ضمن فئة البدون. ولعل تجربة الكويت في هذا الإطار واضحة. إذ حرم مجموعة من أبناء المتجنسين الذين كانوا راشدين عند كسب آبائهم الجنسية الكويتية، ولم يجنس هؤلاء لأن باب التجنس أقفل في العام 1966، فانتظر هؤلاء إلى العام 1998 لكي يضاف إلى المادة السابعة من قانون الجنسية فقرة لتشمل هؤلاء (قانون11/98). وبلغ أعداد هذه الفئة 581 حصلوا على الجنسية الكويتية في العام 2001.

وتنص قوانين الجنسية لكل من الكويت والسعودية وقطر وعمان على أن ابن المتجنس الذي ولد بعد اكتساب أبيه الجنسية مواطن بصفة أصلية. في حين يعتبره قانوني الجنسية لكل من البحرين والإمارات متجنساً. وخطورة قانوني البحرين والإمارات –دون الدخول في جدل قانوني مفصل- أنهما سيخلقان فئة من المجتمع تتوارث التجنس جيلاً بعد جيل دون أن يكون لها أمل في التمتع بالمواطنة الكاملة!.

ترى، هل تعامل البلدان الخليجية التي تنص قوانينها –كما يفهم من منطوق قوانينها– أبناء المتجنس الذي ولد بعد اكتساب أبيه للجنسية مواطناً بصفة أصلية؟ هذا ما لا نعلمه، ولكن تجربة الكويت -التي نمتلك معلومات كافية عنها- تشير عكس ذلك. إذ عاملت السلطة التنفيذية هؤلاء كمتجنسين، وذلك بغية حصر العملية الانتخابية في أضيق حدود للتحكم بنتائجها. واستمر الحال إلى ما بعد الغزو العراقي للكويت، حيث تغيرت الأجواء السياسية وزادت الوحدة الوطنية، فتم تنظيم تحرك شعبي أثمر عن صدور قانون 44 لسنة 1994 الذي اعتبر هؤلاء مواطنين بصفة أصلية. وقد شمل القانون المذكور 34 ألف مواطن.

ثالثاً: ظاهرة عديمي الجنسية أو البدون

إن كل المجتمعات الخليجية تعاني من ظاهرة وجود فئة عديمي الجنسية، بهذا القدر أو ذاك، ولعل المجتمع الكويتي أوضحها في هذا الإطار. وهناك معلومات عن وجود هذه الفئة في المملكة العربية السعودية. وكان عدد البدون في البحرين حوالي 10000 شخص ينتمون في مجملهم إلى الأصول الإيرانية. وقد اتخذت الحكومة البحرينية خطوات جادة لإنهاء المشكلة.

وتظهر المشكلة أيضاً في دولة الإمارات العربية المتحدة، إذ يؤكد سعيد بن حفيظ المزروعي، عضو المجلس الوطني الاتحادي على أهمية "متابعة قضية بدون حاملي الجنسية (البدون) وحصر هذه الحالات ومسك سجلات لها ومن ثم اقتراح إجراءات معالجة أوضاعها". ولا نمتلك أعداداً لهؤلاء الذين أخذوا يظهرون في بعض الإحصائيات كالتقرير الأمني السنوي لشرطة الشارقة، والذي يبين فيما يبين أن البدون يحتلون المرتبة الرابعة من مرتكبي الجرائم وعددهم 26852 شخصاً بنسبة 15%، علماً بأن هذا العدد يشمل مرتكبي "جرائم السير والمرور". ويبدو أن دولة الإمارات تعيد نفس الخطأ الذي ارتكبته الكويت بتوظيفها البدون في الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية. فقد ذكرت جريدة البيان أن تعليمات قد صدرت -في الشارقة- بتعيين 200 شخص من الذين لا يحملون جنسية الدولة في الشرطة. أما أصول البدون فتشير المعلومات الصحفية المنقولة عن مسؤولين أنهم ينتمون إلى الأصول الإيرانية.

أما الكويت، فإنها تشكو من ظاهرة البدون التي أخذت تتشكل منذ أواخر الستينيات، حيث وصل عددهم في يونيو 1990 إلى 220 ألفاً. وقد انخفض هذا العدد بعد الغزو إلى 138370 فرداً، كان من بين هؤلاء 42557 فرداً لم يغادروا الكويت أثناء الاحتلال، مقابل 95813 فرداً كانوا من المغادرين. أما البقية والبالغ عددهم 80000 ألفاً تقريباً، فقد غادروا الكويت أثناء الاحتلال إلى مواطنهم الأصلية ومعظمهم كان من الأصول العراقية. ويوجد الآن حوالي 70000 ألفاً من البدون، يدخل ضمن إحصاء 1965 حوالي 30000 ألفاً منهم. وهذا الإحصاء هو الحد الأدنى الذي وضعته الحكومة بالاتفاق مع مجلس الأمة للنظر في تجنيس هؤلاء. وحلاً للمشكلة، فقد أنشأت "اللجنة التنفيذية لشؤون المقيمين بصورة غير قانونية" في العام 1996 مهمتا حصر هؤلاء البدون وفرز الذين تنطبق عليهم شروط التجنيس. كما أصدر مجلس الأمة قانوناً أعطى فيه الحكومة إمكانية تجنيس 2000 من هؤلاء سنوياً. وإلى 7 مايو 2002 فقد تم تجنيس 3517 فرداً من البدون. ولا شك أن هذا العدد لن يحل المشكلة، وهناك تردد كبير في مسألة تجنيس هؤلاء.

رابعاً: المواطنات الخليجيات المتزوجات من أجانب

وتتركز مشكلة هذه الفئة في أن قوانين الجنسية في دول مجلس التعاون تعتد بجنسية الأب أساساً لجنسية الأبناء إلا في حالات معينة كأن يكون مجهول الوالدين، أو صعوبة إثبات نسبته إلى أبيه. وهذا يعني فيما يعني اعتبار أبناء المواطنات المتزوجات من أجانب بحكم الأجانب مما يفقدهم التمتع بالميزات التي يتمتع بها المواطن كالتعليم والعلاج المجانيين؛ فضلاً عن اضطرارهم إلى طلب الإقامة وتجديدها وغيرها من الأمور.

ولعل التقلبات السياسية -في كثير من الأحيان- تكون ذات تأثير سيئ على المواطنة المتزوجة من أجنبي. فكلنا يتذكر ما حدث لأزواج وأبناء الكويتيات من فئة البدون أو من الجنسيات التابعة لما سمي "بدول الضد". فقد كان هناك قرابة الـ3000 كويتية أزواجهن من البدون، ويقارب هذا العدد أزواجهن من الجنسيات الأردنية والسودانية واليمنية والعراقية.

والواقع أن الاتجاه العالمي الآن هو اعتبار جنسية الأم كجنسية الأب من حيث آثارها على الأبناء، بمعنى أن يتمتع أبناء المواطنة بجنسية أمهم بغض النظر جنسية أبيهم، إن رغبوا في ذلك. وهذا يتماشى مع اتفاقية القضاء على جميع مظاهر التمييز ضد المرأة الصادرة من هيئة الأمم المتحدة سنة 1989. وهناك دولة عربية واحدة ينص قانون جنسيتها صراحة على ذلك وهي تونس. إذ تنص المادة 6/3 على أنه "يعتبر تونسياً الطفل المولود من أم تونسية وأب أجنبي". وأعلنت الأردن مؤخراً، في المؤتمر الثاني لقمة المرأة العربية، الذي انعقد في نوفمبر 2002 نفس التوجه.

الخلاصة:

لا بد من القول أخيراً أن نظرة جديدة لمشكلات الجنسية والمواطنة في مجتمعات الخليج والجزيرة العربية يجب أن تطرح للنقاش والمداولة، ليس فقط بين النخب المثقفة، بل وأيضاً في الأوساط الشعبية، على أن يرتكز ذلك النقاش على أفكار عملية تراعي مصالح هذه المجتمعات من جهة، وتساير الاتجاه العالمي في هذا الموضوع من جهة أخرى.

ولعل حساسية هذا الموضوع نابعة من أن مواطني مجتمعات الخليج والجزيرة العربية يرغبون في المحافظة على المستوى المعيشي الذي يتمتعون به، وبالتالي نجدهم يعارضون أي عملية تجنيس واسعة، رغماً عن اختلال التركيبة السكانية، والتي لا يمكن أن تتعدل بالزيادة الطبيعية للسكان الأصليين. لذا فإن سياسة التجنيس لا بد أن ترتكز على تجنيس الكوادر المهنية التي تحتاجها تلك الدول فضلاً عن تجنيس أولئك الذين أمضوا سنوات طويلة وامتزجوا بهذه المجتمعات وأصبحوا من نسيجها الاجتماعي.

ولا بد أيضاً من حل مشكلة البدون حلاً عادلاً يراعي واقع أن كثير من هؤلاء قد أمضوا مدداً طويلة (بالمقاييس الدولية) في هذه المجتمعات، وأن كثيراً منهم عملوا ولا زالوا يعملون في أجهزتها الأمنية والدفاعية، وبالتالي فإذا كانت هذه الدول قد ائتمنت هؤلاء على أمنها والذود عنها، فحري بها أن تمنحهم جنسيتها. ولا بد أيضاً من تجنب بروز ظاهرة البدون من الأساس، وحل القضية في المهد، وبالذات لبعض المجتمعات الخليجية التي كثر الحديث فيها عن وجود هذه الفئة.

صقر الخالدية
05/01/2004, 11:28 AM
دفاعا عن صدام.. كل شعب يستحق زعيمه

سيد نصار*


ما بين فرحة اميركا وانجلترا واسرائيل بالقبض على صدام والصدمة التي أحدثها ذلك في الشارع العربي هناك الكثير من النقاط اريد أن أطرحها أمام القارئ، أولها أن القبض على صدام حسين بهذه الصورة المهينة يضر بمصالح وصورة الوطن العربي ودوله والانسان العربي نفسه، وعلينا أن نتصور أن مثل هذه الصورة يمكن أن تتكرر في دول أخرى اذا لم تمتثل للأوامر الاميركية وتدخل في بيت الطاعة الاميركي، ولو نظرنا لما فعله صدام في العراق، لوجدنا أنه فعل الكثير فقد حول بغداد من قرية موحشة الى واحدة من أهم عواصم الوطن العربي، كما أنه أقام الكثير من الجامعات وأعد جيشا قويا يدافع به عن بلاده، ولم يجره الى هذه النهاية سوى خطأه الوحيد الذي ارتكبه بغزو الكويت، واعطاء الاكراد أكثر من حقوقهم وهم لا يمثلون سوى نسبة قليلة من الشعب العراقي، وعلينا أن ننظر الى مسألة غزوه للكويت، وسرقة الكويت للبترول العراقي وهي قد اعترفت بذلك، وننظر في الجانب الآخر، الى اليمن الشمالي الذي غزا اليمن الجنوبي ولم يتحرك أحد، من أوروبا أو اميركا أو حتى الوطن العربي. ولم ينظر أحد لليمن الجنوبي على أنه دولة مستقلة وذات سيادة ولم يحق لليمن الشمالي أن يغزوها ويعتدي عليها.
ان تصوير صدام حسين بهذه الصورة المهينة مخالف لمعاهدة جنيف لحقوق الأسرى، فهل ما فعلته أميركا بعد أسر الممرضة الاميركية في بداية حربها ضد العراق، لا ينطبق على صدام حسين وهو زعيم عربي ورئيس لدولة. ألا نساوي بين صدام حسين على الأقل وبين هذه الممرضة التي أقامت أميركا الدنيا ولم تقعدها بعد عرض صورها على شاشات التليفزيون، ان ما حدث في العراق ويحدث الآن هو سيناريو سوف تطبقه أميركا في دول اخرى، ولعل ما يحدث ضد سوريا حاليا بداية لذلك، ان العرب ظلموا صدام والعراق حينما تخلوا عنه، وأنا أعرف ذلك، ولقد اتاحت لي فرصة اللقاء به التعرف على الكثير من الأسرار التي سوف اضمنها في كتاب اصدره قريبا، خاص بعلاقة صدام بأميركا وما حدث مع السفيرة الاميركية ابريل جلاسبي التي التقاها صدام قبيل غزوه الكويت بثلاثة أيام، ولعل من نافلة القول ان اميركا خططت لجر العراق الى غزو الكويت ثم ضربه بعد ذلك.
أما عن اتهام أو وصف صدام بالديكتاتورية فإنه قول يحتاج الى الكثير من البحث، فكل شعب يستحق زعيمه، وأنا مع رفضي للديكتاتورية أعتقد انا صدام اختار ان يتخذ مجموعة من السياسات التي حاول من خلالها حكم الكثير من الطوائف والقوميات التي يتكون منها الشعب العراقي، ولولا ذلك ما كان يمكنه أن يحكم العراق ويسير أمور شعبه، ثم انه من هذه الطوائف اتخذ الكثير من الوزراء، منهم طه ياسين رمضان وأمه كردية ومحيي الدين معروف وهو كردي الأصل وهما اثنان من ثلاثة نواب اتخذهم صدام، والصحاف الشيعي، وسعدون حمادي رئيس المجلس الوطني العراقي وغيرهم.
أما تصوير اميركا للقبض على صدام بأنه أدى الى فرحة الشعب العراقي فهذا يحتوي على الكثير من المغالطة، فهناك قطاعات كبيرة من الشعب العراقي، ترفض الغزو الاميركي وترى ان الأوضاع زمن صدام كانت أفضل بكثير مما يحدث الآن في العراق المحتل، وسوف يؤدي هذا على خلاف ما يعتقدون الى تأجج المقاومة العراقية وزيادة العمليات العسكرية ضد الوجود الاميركي والبريطاني.

* كاتب وصحافي مصري وآخر من التقى صدام قبل سقوط بغداد
إبحث في مقالات الكتاب


المصدر جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
06/01/2004, 09:05 AM
من المهم أن نتعلم.. ولكن الأهم ماذا نتعلم؟
تركي الحمد
لم يكن الكثير من أهل الجزيرة العربية، وقبل فترة ليست بعيدة، من العالمين أو المتعلمين، بل كانوا أمة أمية بشكل يكاد يكون كاملاً، كان فيها من «يفك الخط» نادرة من النوادر. كانوا، بادية وحاضرة، يتعلمون من مدرسة الحياة مباشرة، ومدرسة المجتمع فقط، فلم يكن هنالك مؤسسات حقيقية تكفل لهم التعليم، على نحو ما نعرفه اليوم. ولكن، ورغم هذه الأمية و«الجهل»، لم يكونوا حقيقة من الجاهلين، بل كانوا في الكثير من نواحي حياتهم أقدر من أجيال اليوم المتعلمة على التعامل مع الحياة ومع غيرهم من أفراد وجماعات. كان تجار «العقيلات» مثلاً، يذهبون إلى كل مكان يستطيعون الوصول إليه، فيتعاملون مع أهل تلك الديار تعاملاً حضارياً بكل ما في الكلمة من معنى، ويعودون إلى أوطانهم محملين بالثروات التي صنعوها، وهم الذين كانت تنقصهم كل المعارف، مقارنة بأهل البلاد التي يذهبون إليها. أجيال الأمس كانت أكثر إيماناً بقيمة العمل وأخلاقه، وكانت أكثر تسامحاً وانفتاحاً، وأقل حساسية في كثير من أمورها من أجيال اليوم، التي يفترض أن تكون أفضل بكثير من أجيال الأمس «الجاهلة».
لم يكن النصراني أو اليهودي أو الغربي أو الشرقي يعني لتلك الأجيال شيئاً، سوى أنه مختلف عنهم، ولكن هذا الاختلاف لم يكن يعني أكثر من الاختلاف، ولا يستدعي أموراً أخرى مؤثرة في الموقف أو السلوك، كالقول بولاء وبراء في غير محله، أو بغضاء مصطنعة لأي أحد ما أنزل الله بها من سلطان، أو ما شابه ذلك من اصطناع لأمور لا تحتمل التصنع، كما هو الحال مع قطاعات واسعة من أجيال اليوم. والسؤال الذي يفرض حقيقة هو: ما الذي جرى؟ كيف وصلنا إلى هذه الحالة بالرغم من انتشار العلم والتعليم، وتلك الجحافل الجرارة من المتعلمين، وبعد أن أصبحنا نعيش في جوف العالم والعالم يعيش في جوفنا؟
الجواب يكمن في التعليم والعملية التعليمية، ففيها الداء والدواء، وهي الخصم والحكم في ذات الوقت. فالتعليم في هذه الحالة أشبه ما يكون بسكين حادة، يمكن أن تستخدم في تقطيع الطعام، ويمكن أن تُستخدم في جريمة قتل، واليد التي تمسك بالسكين يقف وراءها عقل معين هو من يحدد إلى أين تتجه السكين. من أجل ذلك نجد أن التعليم مثلاً يشكل العمود الفقري لجمهورية أفلاطون المثالية. فتلك الجمهورية المثالية المفترضة، تعتمد على معرفة المؤهلات الفطرية التي يتمتع بها الأفراد، وعلى ذلك فإن التعليم والعملية التعليمية هي الوسيلة الوحيدة لفرز الأفراد وفقاً لمؤهلاتهم الفطرية الطبيعية، ومن ثم وضعهم في الموقع المناسب الذي يخدم الجمهورية ووظائفها الثلاث: الحكم، الدفاع، والإنتاج. بطبيعة الحال ليس من المفروض أن نتفق مع أفلاطون في طبيعة جمهوريته المثالية، أو في فهمه لطبيعة الحقيقة، أو في مخرجات التعليم المبنية على فلسفته في الطبيعة البشرية، فهذه الأمور غير متفق عليها بين الفلاسفة والمفكرين. ولكن ما أعتقد أنه من غير المختلف عليه هو أهمية العملية التعليمية في إنتاج الفرد القادر على النفع الخاص والعام معاً من ناحية، والقادر على التعامل مع الآخر، فرداً كان أو جماعة، دون إفراط أو تفريط، ودون غلو أو غلواء، ودون إقصاء أو احتكار للحقيقة المعرفية والاجتماعية معاً. وفوق هذا وذاك، فإن أهم غاية للعملية التعليمية تكمن في محاولة إنتاج تلك الشخصية المتوازنة القادرة على مواجهة الحياة وإضافة شيء ايجابي إليها.
فعندما قام أفلاطون بتصنيف جمهوريته، فإنه حدد دوافع السلوك الإنساني بثلاث مناطق في الجسم: العقل والقلب والشهوة، والشخصية المتوازنة هي تلك التي تتوازن فيها الدوافع والمؤثرات، وهنا يكون الانسجام في الذات البشرية. وفي الدولة، فإن هنالك ثلاث وظائف هي الحكم والدفاع والإنتاج، ولا يحكم إلا من كان العقل لديه هو الأبرز «الملوك الفلاسفة»، ولا يدافع إلا من كان القلب لديه هو الغالب، أما البقية، أي من كانت الشهوة هي الغالبة لديهم، فهم للإنتاج يصرفون. وكما أن توازن الفرد لا يكون إلا بتوازن دوافع السلوك الثلاثة لديه، فإن توازن الدولة لا يكون إلا بقيام كل طبقة من هذه الطبقات بوظيفتها على أتم وجه، وأن لا يحكم أو يدافع من كانت الشهوة هي أساس سلوكه مثلاً. هذا هو معنى الفضيلة لدى أفلاطون، وهو ذات المعنى الذي أخذه عن أستاذه سقراط، وتأثر به لاحقاً تلميذه أرسطو: أن يقوم كل موجود بما هو مهيأ له، وهنا تتحقق الفضيلة. لم يكن الجيش هو الأهم ولم يكن الإنتاج أو الحكم عند أفلاطون وغيره، بقدر ما هي كيفية تحديد من يقوم بكل ذلك، وهنا تكمن خطورة التعليم. والسؤال الذي يُطرح هنا، وبالنسبة إلى مجتمعاتنا بالذات هو: هل نحن نتعامل مع العملية التعليمية، على خطورتها، تعاملاً جاداً، وخاصة في ظروف عالمية ومحلية كالتي نعيشها، أم أن أخطر الأشياء في حياة الفرد والجماعة تلقى أقل اهتمام، هذا إن كان هنالك اهتمام من الأساس؟
كما يبدو، فإن العملية التعليمية هي الأقل اهتماماً من قبل متخذي القرار في شؤوننا العامة، رغم أنها يجب أن تُعتبر جزءاً من الأمن القومي أو الوطني، حيث أن العقل المشكل من خلال هذه العملية هو في النهاية من يحدد درجة انسجام الفرد مع المجتمع، وانسجامه مع العالم الخارجي، وهذا هو أساس كل أمن واستقرار في عصر كالذي نعيشه. الجميع يتسابقون لإنشاء الجيوش الجرارة، والحصول على أفضل الأسلحة، وتدريب الجندي كأفضل ما يكون عليه التدريب، وكذلك الأمر في بقية القوى الأمنية المسؤولة عن حماية الوطن والمجتمع، ولكن لا أحد يهتم كثيراً بعملية صناعة العقل، التي هي خط الدفاع الأول بالنسبة للوطن والمجتمع. ترك العملية التعليمية لكل يد وأي يد في كثير من مجتمعاتنا، مكن عناصر معينة من النفاذ من هذه الثغرة، وتشكيل العقول وفق ما تراه من رؤى هي بالنسبة لها عين الحق ولا حق سواها. مثل هذه العناصر، وإن كانت إقصائية وذات هوس فكري لا تقبل بأحد إلا من كان على شاكلتها، إلا أنها بارعة في التخطيط بعيد المدى من ناحية، ومعرفة من أين تؤكل الكتف من ناحية أخرى. فالعملية التعليمية تعني منهجاً ومعلماً وطالباً، وقد قامت هذه العناصر، وفي غفلة تامة من متخذ القرار السياسي والاجتماعي، وربما حتى بنوع من المكر معه، بتشكيل المنهج، وتدريب المعلم، ومن ثم تشكيل العقل الغض للطالب وفق مقتضيات الزاوية المعرفية الإقصائية للمشرف على المنهج، والقائم بتلقين المنهج معاً.
ومن هنا خرجت لنا أجيال متعلمة شكلاً، ولكنها في غاية الجهل فعلاً، مقارنة بأجيال سابقة كانت جاهلة شكلاً، ولكنها في غاية العلم فعلاً. أجيال أُنشئت على قيم يرتكز الكثير منها على الكره والبغضاء، ورفض كل ما هو «غريب»، أو ما يبدو أنه غريب، حتى أصبح كل شيء غريباً، وأصبحنا نحن أنفسنا غرباء في عالم لا يدري كيف يتعامل معنا، ولا ندري كيف نتعامل معه. أدمغة محشوة بأشتات مجتمعات من مختلف المعارف والعلوم، ولكنها غير قادرة على التفكير، بعد أن عُطل العقل لديها. أدمغة معبأة بكل قيم المقت والرفض والبغضاء، على حساب قيم الحب والتسامح والصفاء. لم تكن أجيالنا السابقة تملك العلم، ولكنها كانت تملك شيئاً من العقل والكثير من قيم الإنسان، وبذاك العقل وتلك القيم، استطاعت أن تتعامل مع عالم متفوق عليها في كل النواحي، وتتفاعل معه وتضيف إليه. ففي نهاية المطاف ليس المهم أن نتعلم فقط، ولكن الأهم هو ماذا نتعلم. فأن يبقى الإنسان على فطرته التي فطره الله عليها دون تعليم، خير ألف مرة من تعليم هو أقرب في حقيقته إلى التجهيل.
يجب أن يكون التعامل مع العملية التعليمية بكل تفاصيلها مثل التعامل مع قوى الأمن، من حيث الأهمية ووضع استراتيجيات بعيدة المدى لغاية هذه العملية وما يراد منها، وأهم غاية في هذا المجال هي زرع تلك القيم التي تنتج فرداً حضارياً واعياً بأنه إنسان قبل أي شيء آخر، ومن هنا تنمو بقية القيم الجوهرية للتعامل مع الذات والآخر دون مشاكل أو إشكالات. من دون وضع مثل هذا الإطار القيمي، فإن كل شيء آخر لا قيمة كبيرة له، فتتراكم المعارف دون أن يكون هنالك وعي لقيمة المعرفة، وتتكاثر المعلومات دون أن يكون هنالك عقل لبناء شيء من هذه المعلومات، وذلك مثل كومة أحجار متراكمة لا ينتظمها مخطط لتحويلها إلى منزل. والأهم من ذلك كله، فإنه من دون ذلك تتحول العملية التعليمية ومؤسساتها إلى نوع من حقل مشاع، لكل أحد وأي أحد، وهنا تكمن الخطورة..هنا تكمن الخطورة.







المصدر جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
06/01/2004, 08:44 PM
كــبوة الإمـــام الأكــــبر
بقلم: فهمـي هـويـــدي



بقدر ما أدهشنا موقف الرئيس الفرنسي في انحيازه إلي تقنين منع الحجاب‏,‏ فإن تعليق شيخ الأزهر علي الموضوع فاجأنا وصدمنا‏.‏ وإذا كان بوسعنا أن نفهم الملابسات التي دفعت الرئيس الفرنسي إلي التورط في ذلك الموقف‏,‏ إلا أن ما صدر عن شيخ الأزهر يستعصي علي الفهم‏,‏ ولايمكن أن يفسر إلا بحسبانه زلة لسان من العيار الثقيل لم يحالفه فيها التوفيق من أي باب

‏(1)‏
لقد عبرت انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية عن انتقادهما لموقف الرئيس الفرنسي‏,‏ باعتباره عدوانا علي الحريات‏(‏ وليس غيرة علي الإسلام بطبيعة الحال‏),‏ ولكن شيخ الأزهر الذي يفترض انه احد رموز الغيرة علي الدين لم ينطق بكلمة نقد واحدة لذلك الموقف‏,‏ ولم تكن هذه هي المفارقة الوحيدة‏,‏ لأن الشيخ حين تحدث في الموضوع معتبرا القرار الفرنسي شأنا داخليا كان يجلس إلي جواره وزير الداخلية الفرنسي شخصيا‏,‏ الذي جاء إلي القاهرة خصيصا لكي يستأنس برأي مشيخة الأزهر مدركا لأهميته‏,‏ ومتجاوزا الحدود التي وصفها الشيخ لتحصين القرار الفرنسي ضد النقد‏.‏
أما المفارقة الأكبر فهي أن وزير الداخلية الفرنسي أعلن في اكثر من حديث صحفي انه كان معارضا لتقنين حظر الحجاب‏,‏ ولكنه تبني موقف التقنين بعد أن انحاز إليه الرئيس شيراك‏,‏ واصبح سياسة لحكومة هو عضو فيها‏,‏ ولأن الوزير الفرنسي نقولا ساركوزي له تطلعاته السياسية وطموحه إلي الترشيح لرئاسة الجمهورية مستقبلا‏,‏ فإنه يعتبر أصوات المسلمين الفرنسيين‏(6‏ ملايين نسمة‏)‏ رصيدا يريد ان يكسبه إلي صفه‏,‏ وذلك عامل اخر يشجعه علي معارضة القرار‏,‏ الذي يعلم أنه يستفز المسلمين ويثير غضبهم‏..‏ أعني أن معارضته ليست منطلقة من اقتناع شخصي فحسب‏,‏ ولكنها متأثرة ايضا بحساباته السياسية المستقبلية‏.‏

ازاء ذلك فإن زيارة الوزير الفرنسي للقاهرة بدت خطوة في غاية الذكاء‏..‏ لأنه كان قد سمع من شيخ الأزهر انتقادا قويا لفكرة تقنين حظر الحجاب‏,‏ فذلك سيقوي موقفه الشخصي لاريب‏,‏ وقد يكون عنصرا مساعدا علي اعادة النظر في الفكرة خصوصا ان مشروع القانون لم يعد بعد وفي هذه الحالة فإنه سيقابل بتعاطف وتأييد من جانب المسلمين الفرنسيين‏,‏ وهي الورقة المهمة التي يسعي للاحتفاظ بها‏..‏ أما اذا اتخذ شيخ الأزهر موقفا لينا يشجع الحكومة علي المضي في عملية التقنين وهو ماحدث فإنه سيكون بوسع وزير الداخلية في هذه الحالة أن يغسل يديه من الموضوع ويبريء ذمته امام المسلمين الفرنسيين‏,‏ ملقيا بالمسئولية علي مشيخة الأزهر التي سهلت مهمة الحكومة‏,‏ وسوغت لها أن تتقدم بمشروعها‏.‏
اذا صح ذلك التحليل فإنه يستدعي سؤالا ليس بوسعنا أن نجيب عليه الآن‏,‏ وربما تتضح اجابته مستقبلا هو‏:‏ هل كان يمكن حقا أن يتراجع الرئيس الفرنسي عن قراره أو يعدل فيه لو أن شيخ الأزهر اتخذ موقفا صريحا معارضا لفكرة تقنين منع الحجاب‏,‏ خصوصا انه أوفد وزيرا في حكومته إلي القاهرة للقائه بخصوص الموضوع‏,‏ والي أي مدي يتحمل ما أعلنه الشيخ المسئولية عن تشجيع الحكومة الفرنسية علي المضي فيما عزمت عليه؟

‏(2)‏
في اليوم التالي لإعلان الرئيس شيراك تأييده لتقنين حظر الحجاب في المدارس نشرت صحيفة الجارديان البريطانية‏(‏ عدد‏12/17)‏ مقالا لإحدي كاتباتها ـ مادلين بونتنج ـ انتقدت فيه القرار بشدة‏,‏ ووصفته بأنه تعبير عن جنون العلمانية‏,‏ وهو وصف علي شدته يخفف من تشخيص الحالة الفرنسية‏,‏ إذ ليس صحيحا ان للعلمانية موقفا واحدا من الدين‏,‏ باستثناء الاتفاق علي تهميش دوره في الحياة العامة‏.‏ ذلك ان ثمة علميانية متصالحة مع الدين كما في انجلترا التي تتولي فيها الملكة رئاسة الكنيسة‏,‏ وهناك علمانية مخاصمة للدين انطلقت من فرنسا‏,‏ التي قامت ثورتها في عام‏1789‏ اساسا ضد الملكية وضد طغيان الكنيسة الكاثوليكية وسلطانها‏.‏
اذا كان ذلك هو موقف الثقافة الفرنسية التقليدية من التدين بوجه عام‏,‏ فإن التدين الإسلامي كان ولايزال له وضعه الخاص‏,‏ من حيث انه يستعصي علي عملية التذويب بأكثر من غيره لأسباب يطول شرحها‏,‏ وان قبل بالاندماج والتفاعل‏,‏ وبسبب ذلك الاستعصاء فإن الحملة عليه شديدة وتعبئة الغلاة للجماهير ضده لاتتوقف‏,‏ وفي سياق هذه الحملة كان اصرار نخبة الغلاة شديدا علي تخلي المسلمين عن أية خصوصية لهم والانخراط فيما سمي بـ الإسلام الفرنسي الذي اصبح الالتحاق به يقاس بمقدار استعداد المسلم للتخلي التدريجي عن شعائر دينه‏,‏ وهو ما اصبح معيارا وحيدا للاعتدال في نظرهم‏..‏ ومن الثابت أن قضية الحجاب أثيرت في فرنسا بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران التي الزمت النساء بعدم الظهور سافرات في الأماكن العامة‏..‏ الأمر الذي كان له صداه الاحتجاجي والغاضب في فرنسا‏..‏ سواء بسبب حساسية موضوع المرأة في الثقافة الفرنسية‏,‏ أو بسبب العلاقات التاريخية الخاصة بين طهران وباريس‏(‏ لاتنس أن الفرنسية كانت لغة البلاط الشاهنشائي‏,‏ وان الأمام الخميني اختار فرنسا منفي له حين أبعد من العراق وان باريس ظلت احد معاقل المعارضة الإيرانية‏)..‏ منذ ذلك الحين اعتبر الحجاب رمزا للعداء للغرب في الخطاب الإعلامي المبسط مادام انه كذلك في إيران‏,‏ وجري تسويق الفكرة حتي رفضت مدرسة حكومية في سيال قرب باريس قبول تلميذتين مسلمتين في منتصف الثمانينيات لأنهما ارتدتا حجاب الرأس‏,‏ وثارت ضجة آنذاك اضطر إزاءها وزير التعليم العالي إلي احالة الأمر لمجلس الدولة‏,‏ الذي قرر أن الرموز الدينية لاتتعارض مع العلمانية‏,‏ ما لم تكن مصحوبة بأي شكل من أشكال الوعظ او الاستفزازات العرقية ولكن التعبئة المضادة استمرت‏,‏ وتكررت حالات طرد المحجبات من المدارس بل وأعلن المدرسون العاملون بإحدي المدارس الثانوية خارج باريس اضرابا عن العمل لمدة أسبوع احتجاجا علي اعادة قبول تلميذة كانت قد فصلت في السابق لارتدائها الحجاب‏..‏ وفي هذه الأثناء كان اليمين الفرنسي‏(‏ حزب الجبهة الوطنية‏)‏ يصعد حملته ضد الأجانب عموما‏,‏ والمحجبات خصوصا‏.‏ وظلت حملته تلك تكسبه أصواتا وأرضا جديدة كل حين‏,‏ وفي ظل تلك الضغوط شكل الرئيس شيراك لجنة ستاسي لدراسة الموضوع في شهر سبتمبر الماضي التي خلصت إلي عدة توصيات في صدده بينها انها أيدت اصدار قانون يحظر الحجاب في المدارس والمعاهد‏,‏ وكان مدهشا ان الرئيس الفرنسي أيد مطلب تقنين الحظر‏,‏ وطلب من الحكومة اعداد مشروع قانون بهذا المعني‏..‏ كأنما صدق الزعم بأن الجمهورية الفرنسية بكل هيبتها وجلالها يمكن ان يهدد أركانها حجاب ترتديه بعض التلميذات المسلمات‏,‏ ولم يفت بعض معارضي شيراك أن يلفتوا النظر إلي انه بخطوته تلك كان متطلعا إلي انتخابات البلديات التي ستجري في شهر مارس المقبل‏,‏ وأراد ان يسحب من حزب الجبهة الوطنية ورقة مهمة كان يستخدمها في كسب الأصوات‏,‏ ومنهم وصف موقفه انه بمثابة ضربة استباقية ـ اذا استخدمنا قاموس المفردات الأمريكية ـ يفوت بها علي الجبهة الوطنية فرصة المزايدة عليه بتبني الدعوة لمنع الحجاب‏.‏

اذا صح ان عين الرئيس شيراك كانت علي انتخابات البلديات فإن تركيزه علي هذا الجانب افقده الكثير‏,‏ حتي ازعم أن فرنسا خسرت بسبب موقفه هذا ثلاث مرات‏:‏ فقد خسرت سمعتها في العالم الإسلامي كبلد يجسد الالتزام بالحرية وحقوق الإنسان ـ وخسرت ثقة مسلميها بملايينهم الستة الذين خرجت مظاهراتهم رافعة لافتات تقول إن القانون المقترح حرب ضد الإسلام وليس ضد الحجاب ـ وضيعت فرصة اندماج وتفاعل المسلمين مع المجتمع الفرنسي‏..‏ حيث من الطبيعي أن يتوجس المسلمون وينعزلوا عن ذلك المجتمع الذي يحرمهم من الالتزام بشعائر دينهم‏.‏

‏(3)‏
حين تطرق شيخ الأزهر إلي الموضوع في المؤتمر الصحفي الذي حضره وزير الداخلية الفرنسي‏,‏ فإنه وقع في خطأين كبيرين أولهما انه كان محايدا ازاء الموقف الفرنسي وغير متحفظ عليه من أي باب‏,‏ وثانيهما انه بدا غير مدرك لخلفيات وملابسات وابعاد الموضوع‏.‏
كان بعض الغيورين والمعنيين بالشأن الإسلامي قد توجسوا خيفة مما يمكن أن يصدر عن الشيخ بعد لقائه مع الوزير الفرنسي‏,‏ وبعد اتصالات تمت في هذا الصدد‏,‏ فإنه تلقي ثلاثة نماذج مكتوبة تضمنت نقاطا مقترحة للتركيز عليها في تحديد موقف متوازن وحازم ازاء القضية منها مثلا ان الزي الذي ترتديه الفتيات المسلمات ليس شعارا للتميز او الدعاية ولكنه شعيرة دينية كالامتناع عن شرب الخمر او اكل لحم الخنزير او الامتناع عن العمل يوم السبت بالنسبة لليهود‏,‏ وهو في هذه الحالة يختلف عن طاقية اليهود او الصلبان التي يعلقها بعض المسيحيين‏,‏ وهي التي لا يؤثم المتدينون اذا لم يرتدوها‏,‏ بعكس حجاب المسلمات‏,‏ ومادام انه شعيرة شخصية تمارس في حدود النظام العام‏,‏ ولاتتصادم مع مصلحة جماعية للشعب الفرنسي‏,‏ فلا محل لتقييدها من جانب نظام دستوري وقانوني يحمي حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية من هذه الزاوية فإن القانون المقترح في فرنسا يخص المسلمين بقيد علي ممارسة شعائرهم لايوضع علي اتباع الديانات الأخري‏,‏ وهو أمر من شأنه أن يكرس عزلتهم وغربتهم في فرنسا‏.‏

اضافة إلي ذلك ـ أشارت الأوراق التي اقترحت علي شيخ الأزهر ـ فإن حظر الحجاب بقانون‏,‏ يتعارض مع العلمانية‏,‏ اذا فهمت بحسبانها فصلا للكنيسة عن الدولة وعدم اعتماد دين معين عقيدة رسمية للدولة‏,‏ وما يقتضيه ذلك من حقوق للمساواة بين مختلف الأديان‏,‏ في حين انه يخص المسلمين دون غيرهم بقيد علي شعائرهم‏..‏ الخ‏.‏
فيما بدا فإن شيخ الأزهر نحي جانبا ماقدم اليه من مقترحات وقال كلامه الذي احدث الزوبعة حيث ركز علي ثلاث نقاط‏:‏ الأولي ان الحجاب تكليف شرعي ليس لأحد أن يتحلل منه‏,‏ والثانية أن الدولة غير المسلمة ـ مثل فرنسا ـ لايلزمها هذا التكليف‏,‏ واذا ما اختارت أن تتخذ موقفا يتعارض معه فهذا حقها‏(‏ كرر ثلاثا‏!)‏ والثالثة أن المسلمة التي تعيش في ظل تلك الدولة عليها أن تمتثل لما يصدر فيها من قوانين علي اعتبار انها تصبح في حكم المضطر الخاضع لاستثناء الضرورة‏.‏

فوجيء اعضاء مجمع البحوث الإسلامية الذين شهدوا المؤتمر الصحفي بكلام الشيخ‏,‏ فسجلوا اعتراضهم عليه ونقدهم له‏,‏ علي النحو الذي سجلته وبثته علي الهواء قناة الجزيرة وكانت نقطة الاتفاق بينهم ان الشيخ بما اعلنه عبر عن رأيه الشخصي‏,‏ لا عن رأي الأزهر او مجمع البحوث‏,‏ كما جاء علي لسان الدكتور عبدالصبور مرزوق أمين المجلس الأعلي للشئون الإسلامية‏.‏ وقد حاول الدكتور علي جمعة ـ مفتي مصر ـ إنقاذ الموقف عبر اعادة تركيب كلام شيخ الأزهر علي نحو يتدارك ما اعتراه من ثغرات وماشابه من قبول ضمني بموقف الحكومة الفرنسية‏,‏ لكن ذلك لم يغير كثيرا من الموقف‏,‏ وهو ما أبرزته القناة الخامسة الفرنسية التي بثت تسجيلا للمؤتمر الصحفي ونقلت آراء بعض المواطنين المصريين‏,‏ وهو مابين أن شيخ الأزهر يقف في جانب‏,‏ بينما أغلب علماء المسلمين وعامتهم يخالفونه فيما ذهب إليه‏.‏

‏(4)‏
في الإعلام الفرنسي‏,‏ قدم الأزهر بحسبانه معادلا للفاتيكان عند الكاثوليك‏,‏ ومن ثم اعتبروا كلام شيخه صكا يطلق يد الحكومة في تقنين حظر الحجاب‏,‏ رغم اجماع الأغلبية الساحقة من علماء المسلمين علي معارضته سواء في مجمع البحوث الإسلامية او المجلس الأوروبي للإفتاء الذي يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي‏,‏ ورغم أن معادلة الأزهر للفاتيكان لاتخلو من افتعال وتغليط‏,‏ ورغم أن دور الأزهر تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة لأسباب يعلمها الجميع‏,‏ إلا أن موقف شيخه من موضوع الحجاب يبدو انه سيفتح الباب لتعميم الحظر في دول غربية أخري‏,‏ والتقرير الذي نشره الأهرام في‏12/30‏ لمراسلها في ألمانيا الزميل مازن حسان‏,‏ ينعي إلينا ذلك الخبر‏..‏ حيث جاء عنوانه دالا ومختزلا الموقف هناك في عبارة تقول‏:‏ سباق بين الولايات‏(‏ الألمانية‏)‏ لسن قوانين تحظر ارتداء الحجاب‏(!)‏
لا أعرف كيف تعالج المشكلة الآن وربما كانت الفكرة التي طرحت لدعوة مجمع البحوث الإسلامية للاجتماع لمناقشة الموضوع وصياغة موقف اكثر صوابا وتوازنا‏,‏ تمثل مخرجا مناسبا‏,‏ ولست متأكدا من إمكانية عقد ذلك الاجتماع‏,‏ الذي يبدو أن ثمة عقبات تحول دونه‏,‏ خصوصا ان شيخ الأزهر رفض فكرة اصدار بيان توضيحي لتصريحاته‏.‏

ولكن إلي أن يتحقق المراد ويأذن الله بفرج من عنده‏,‏ فإن الجميع مدعوون لأن يتوجهوا إلي الله بالدعاء كي يغفر للإمام الأكبر كبوته‏.‏

صقر الخالدية
08/01/2004, 04:52 PM
Originally posted by صقر الخالدية
كــبوة الإمـــام الأكــــبر
بقلم: فهمـي هـويـــدي



بقدر ما أدهشنا موقف الرئيس الفرنسي في انحيازه إلي تقنين منع الحجاب‏,‏ فإن تعليق شيخ الأزهر علي الموضوع فاجأنا وصدمنا‏.‏ وإذا كان بوسعنا أن نفهم الملابسات التي دفعت الرئيس الفرنسي إلي التورط في ذلك الموقف‏,‏ إلا أن ما صدر عن شيخ الأزهر يستعصي علي الفهم‏,‏ ولايمكن أن يفسر إلا بحسبانه زلة لسان من العيار الثقيل لم يحالفه فيها التوفيق من أي باب

‏(1)‏
لقد عبرت انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية عن انتقادهما لموقف الرئيس الفرنسي‏,‏ باعتباره عدوانا علي الحريات‏(‏ وليس غيرة علي الإسلام بطبيعة الحال‏),‏ ولكن شيخ الأزهر الذي يفترض انه احد رموز الغيرة علي الدين لم ينطق بكلمة نقد واحدة لذلك الموقف‏,‏ ولم تكن هذه هي المفارقة الوحيدة‏,‏ لأن الشيخ حين تحدث في الموضوع معتبرا القرار الفرنسي شأنا داخليا كان يجلس إلي جواره وزير الداخلية الفرنسي شخصيا‏,‏ الذي جاء إلي القاهرة خصيصا لكي يستأنس برأي مشيخة الأزهر مدركا لأهميته‏,‏ ومتجاوزا الحدود التي وصفها الشيخ لتحصين القرار الفرنسي ضد النقد‏.‏
أما المفارقة الأكبر فهي أن وزير الداخلية الفرنسي أعلن في اكثر من حديث صحفي انه كان معارضا لتقنين حظر الحجاب‏,‏ ولكنه تبني موقف التقنين بعد أن انحاز إليه الرئيس شيراك‏,‏ واصبح سياسة لحكومة هو عضو فيها‏,‏ ولأن الوزير الفرنسي نقولا ساركوزي له تطلعاته السياسية وطموحه إلي الترشيح لرئاسة الجمهورية مستقبلا‏,‏ فإنه يعتبر أصوات المسلمين الفرنسيين‏(6‏ ملايين نسمة‏)‏ رصيدا يريد ان يكسبه إلي صفه‏,‏ وذلك عامل اخر يشجعه علي معارضة القرار‏,‏ الذي يعلم أنه يستفز المسلمين ويثير غضبهم‏..‏ أعني أن معارضته ليست منطلقة من اقتناع شخصي فحسب‏,‏ ولكنها متأثرة ايضا بحساباته السياسية المستقبلية‏.‏

ازاء ذلك فإن زيارة الوزير الفرنسي للقاهرة بدت خطوة في غاية الذكاء‏..‏ لأنه كان قد سمع من شيخ الأزهر انتقادا قويا لفكرة تقنين حظر الحجاب‏,‏ فذلك سيقوي موقفه الشخصي لاريب‏,‏ وقد يكون عنصرا مساعدا علي اعادة النظر في الفكرة خصوصا ان مشروع القانون لم يعد بعد وفي هذه الحالة فإنه سيقابل بتعاطف وتأييد من جانب المسلمين الفرنسيين‏,‏ وهي الورقة المهمة التي يسعي للاحتفاظ بها‏..‏ أما اذا اتخذ شيخ الأزهر موقفا لينا يشجع الحكومة علي المضي في عملية التقنين وهو ماحدث فإنه سيكون بوسع وزير الداخلية في هذه الحالة أن يغسل يديه من الموضوع ويبريء ذمته امام المسلمين الفرنسيين‏,‏ ملقيا بالمسئولية علي مشيخة الأزهر التي سهلت مهمة الحكومة‏,‏ وسوغت لها أن تتقدم بمشروعها‏.‏
اذا صح ذلك التحليل فإنه يستدعي سؤالا ليس بوسعنا أن نجيب عليه الآن‏,‏ وربما تتضح اجابته مستقبلا هو‏:‏ هل كان يمكن حقا أن يتراجع الرئيس الفرنسي عن قراره أو يعدل فيه لو أن شيخ الأزهر اتخذ موقفا صريحا معارضا لفكرة تقنين منع الحجاب‏,‏ خصوصا انه أوفد وزيرا في حكومته إلي القاهرة للقائه بخصوص الموضوع‏,‏ والي أي مدي يتحمل ما أعلنه الشيخ المسئولية عن تشجيع الحكومة الفرنسية علي المضي فيما عزمت عليه؟

‏(2)‏
في اليوم التالي لإعلان الرئيس شيراك تأييده لتقنين حظر الحجاب في المدارس نشرت صحيفة الجارديان البريطانية‏(‏ عدد‏12/17)‏ مقالا لإحدي كاتباتها ـ مادلين بونتنج ـ انتقدت فيه القرار بشدة‏,‏ ووصفته بأنه تعبير عن جنون العلمانية‏,‏ وهو وصف علي شدته يخفف من تشخيص الحالة الفرنسية‏,‏ إذ ليس صحيحا ان للعلمانية موقفا واحدا من الدين‏,‏ باستثناء الاتفاق علي تهميش دوره في الحياة العامة‏.‏ ذلك ان ثمة علميانية متصالحة مع الدين كما في انجلترا التي تتولي فيها الملكة رئاسة الكنيسة‏,‏ وهناك علمانية مخاصمة للدين انطلقت من فرنسا‏,‏ التي قامت ثورتها في عام‏1789‏ اساسا ضد الملكية وضد طغيان الكنيسة الكاثوليكية وسلطانها‏.‏
اذا كان ذلك هو موقف الثقافة الفرنسية التقليدية من التدين بوجه عام‏,‏ فإن التدين الإسلامي كان ولايزال له وضعه الخاص‏,‏ من حيث انه يستعصي علي عملية التذويب بأكثر من غيره لأسباب يطول شرحها‏,‏ وان قبل بالاندماج والتفاعل‏,‏ وبسبب ذلك الاستعصاء فإن الحملة عليه شديدة وتعبئة الغلاة للجماهير ضده لاتتوقف‏,‏ وفي سياق هذه الحملة كان اصرار نخبة الغلاة شديدا علي تخلي المسلمين عن أية خصوصية لهم والانخراط فيما سمي بـ الإسلام الفرنسي الذي اصبح الالتحاق به يقاس بمقدار استعداد المسلم للتخلي التدريجي عن شعائر دينه‏,‏ وهو ما اصبح معيارا وحيدا للاعتدال في نظرهم‏..‏ ومن الثابت أن قضية الحجاب أثيرت في فرنسا بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران التي الزمت النساء بعدم الظهور سافرات في الأماكن العامة‏..‏ الأمر الذي كان له صداه الاحتجاجي والغاضب في فرنسا‏..‏ سواء بسبب حساسية موضوع المرأة في الثقافة الفرنسية‏,‏ أو بسبب العلاقات التاريخية الخاصة بين طهران وباريس‏(‏ لاتنس أن الفرنسية كانت لغة البلاط الشاهنشائي‏,‏ وان الأمام الخميني اختار فرنسا منفي له حين أبعد من العراق وان باريس ظلت احد معاقل المعارضة الإيرانية‏)..‏ منذ ذلك الحين اعتبر الحجاب رمزا للعداء للغرب في الخطاب الإعلامي المبسط مادام انه كذلك في إيران‏,‏ وجري تسويق الفكرة حتي رفضت مدرسة حكومية في سيال قرب باريس قبول تلميذتين مسلمتين في منتصف الثمانينيات لأنهما ارتدتا حجاب الرأس‏,‏ وثارت ضجة آنذاك اضطر إزاءها وزير التعليم العالي إلي احالة الأمر لمجلس الدولة‏,‏ الذي قرر أن الرموز الدينية لاتتعارض مع العلمانية‏,‏ ما لم تكن مصحوبة بأي شكل من أشكال الوعظ او الاستفزازات العرقية ولكن التعبئة المضادة استمرت‏,‏ وتكررت حالات طرد المحجبات من المدارس بل وأعلن المدرسون العاملون بإحدي المدارس الثانوية خارج باريس اضرابا عن العمل لمدة أسبوع احتجاجا علي اعادة قبول تلميذة كانت قد فصلت في السابق لارتدائها الحجاب‏..‏ وفي هذه الأثناء كان اليمين الفرنسي‏(‏ حزب الجبهة الوطنية‏)‏ يصعد حملته ضد الأجانب عموما‏,‏ والمحجبات خصوصا‏.‏ وظلت حملته تلك تكسبه أصواتا وأرضا جديدة كل حين‏,‏ وفي ظل تلك الضغوط شكل الرئيس شيراك لجنة ستاسي لدراسة الموضوع في شهر سبتمبر الماضي التي خلصت إلي عدة توصيات في صدده بينها انها أيدت اصدار قانون يحظر الحجاب في المدارس والمعاهد‏,‏ وكان مدهشا ان الرئيس الفرنسي أيد مطلب تقنين الحظر‏,‏ وطلب من الحكومة اعداد مشروع قانون بهذا المعني‏..‏ كأنما صدق الزعم بأن الجمهورية الفرنسية بكل هيبتها وجلالها يمكن ان يهدد أركانها حجاب ترتديه بعض التلميذات المسلمات‏,‏ ولم يفت بعض معارضي شيراك أن يلفتوا النظر إلي انه بخطوته تلك كان متطلعا إلي انتخابات البلديات التي ستجري في شهر مارس المقبل‏,‏ وأراد ان يسحب من حزب الجبهة الوطنية ورقة مهمة كان يستخدمها في كسب الأصوات‏,‏ ومنهم وصف موقفه انه بمثابة ضربة استباقية ـ اذا استخدمنا قاموس المفردات الأمريكية ـ يفوت بها علي الجبهة الوطنية فرصة المزايدة عليه بتبني الدعوة لمنع الحجاب‏.‏

اذا صح ان عين الرئيس شيراك كانت علي انتخابات البلديات فإن تركيزه علي هذا الجانب افقده الكثير‏,‏ حتي ازعم أن فرنسا خسرت بسبب موقفه هذا ثلاث مرات‏:‏ فقد خسرت سمعتها في العالم الإسلامي كبلد يجسد الالتزام بالحرية وحقوق الإنسان ـ وخسرت ثقة مسلميها بملايينهم الستة الذين خرجت مظاهراتهم رافعة لافتات تقول إن القانون المقترح حرب ضد الإسلام وليس ضد الحجاب ـ وضيعت فرصة اندماج وتفاعل المسلمين مع المجتمع الفرنسي‏..‏ حيث من الطبيعي أن يتوجس المسلمون وينعزلوا عن ذلك المجتمع الذي يحرمهم من الالتزام بشعائر دينهم‏.‏

‏(3)‏
حين تطرق شيخ الأزهر إلي الموضوع في المؤتمر الصحفي الذي حضره وزير الداخلية الفرنسي‏,‏ فإنه وقع في خطأين كبيرين أولهما انه كان محايدا ازاء الموقف الفرنسي وغير متحفظ عليه من أي باب‏,‏ وثانيهما انه بدا غير مدرك لخلفيات وملابسات وابعاد الموضوع‏.‏
كان بعض الغيورين والمعنيين بالشأن الإسلامي قد توجسوا خيفة مما يمكن أن يصدر عن الشيخ بعد لقائه مع الوزير الفرنسي‏,‏ وبعد اتصالات تمت في هذا الصدد‏,‏ فإنه تلقي ثلاثة نماذج مكتوبة تضمنت نقاطا مقترحة للتركيز عليها في تحديد موقف متوازن وحازم ازاء القضية منها مثلا ان الزي الذي ترتديه الفتيات المسلمات ليس شعارا للتميز او الدعاية ولكنه شعيرة دينية كالامتناع عن شرب الخمر او اكل لحم الخنزير او الامتناع عن العمل يوم السبت بالنسبة لليهود‏,‏ وهو في هذه الحالة يختلف عن طاقية اليهود او الصلبان التي يعلقها بعض المسيحيين‏,‏ وهي التي لا يؤثم المتدينون اذا لم يرتدوها‏,‏ بعكس حجاب المسلمات‏,‏ ومادام انه شعيرة شخصية تمارس في حدود النظام العام‏,‏ ولاتتصادم مع مصلحة جماعية للشعب الفرنسي‏,‏ فلا محل لتقييدها من جانب نظام دستوري وقانوني يحمي حرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية من هذه الزاوية فإن القانون المقترح في فرنسا يخص المسلمين بقيد علي ممارسة شعائرهم لايوضع علي اتباع الديانات الأخري‏,‏ وهو أمر من شأنه أن يكرس عزلتهم وغربتهم في فرنسا‏.‏

اضافة إلي ذلك ـ أشارت الأوراق التي اقترحت علي شيخ الأزهر ـ فإن حظر الحجاب بقانون‏,‏ يتعارض مع العلمانية‏,‏ اذا فهمت بحسبانها فصلا للكنيسة عن الدولة وعدم اعتماد دين معين عقيدة رسمية للدولة‏,‏ وما يقتضيه ذلك من حقوق للمساواة بين مختلف الأديان‏,‏ في حين انه يخص المسلمين دون غيرهم بقيد علي شعائرهم‏..‏ الخ‏.‏
فيما بدا فإن شيخ الأزهر نحي جانبا ماقدم اليه من مقترحات وقال كلامه الذي احدث الزوبعة حيث ركز علي ثلاث نقاط‏:‏ الأولي ان الحجاب تكليف شرعي ليس لأحد أن يتحلل منه‏,‏ والثانية أن الدولة غير المسلمة ـ مثل فرنسا ـ لايلزمها هذا التكليف‏,‏ واذا ما اختارت أن تتخذ موقفا يتعارض معه فهذا حقها‏(‏ كرر ثلاثا‏!)‏ والثالثة أن المسلمة التي تعيش في ظل تلك الدولة عليها أن تمتثل لما يصدر فيها من قوانين علي اعتبار انها تصبح في حكم المضطر الخاضع لاستثناء الضرورة‏.‏

فوجيء اعضاء مجمع البحوث الإسلامية الذين شهدوا المؤتمر الصحفي بكلام الشيخ‏,‏ فسجلوا اعتراضهم عليه ونقدهم له‏,‏ علي النحو الذي سجلته وبثته علي الهواء قناة الجزيرة وكانت نقطة الاتفاق بينهم ان الشيخ بما اعلنه عبر عن رأيه الشخصي‏,‏ لا عن رأي الأزهر او مجمع البحوث‏,‏ كما جاء علي لسان الدكتور عبدالصبور مرزوق أمين المجلس الأعلي للشئون الإسلامية‏.‏ وقد حاول الدكتور علي جمعة ـ مفتي مصر ـ إنقاذ الموقف عبر اعادة تركيب كلام شيخ الأزهر علي نحو يتدارك ما اعتراه من ثغرات وماشابه من قبول ضمني بموقف الحكومة الفرنسية‏,‏ لكن ذلك لم يغير كثيرا من الموقف‏,‏ وهو ما أبرزته القناة الخامسة الفرنسية التي بثت تسجيلا للمؤتمر الصحفي ونقلت آراء بعض المواطنين المصريين‏,‏ وهو مابين أن شيخ الأزهر يقف في جانب‏,‏ بينما أغلب علماء المسلمين وعامتهم يخالفونه فيما ذهب إليه‏.‏

‏(4)‏
في الإعلام الفرنسي‏,‏ قدم الأزهر بحسبانه معادلا للفاتيكان عند الكاثوليك‏,‏ ومن ثم اعتبروا كلام شيخه صكا يطلق يد الحكومة في تقنين حظر الحجاب‏,‏ رغم اجماع الأغلبية الساحقة من علماء المسلمين علي معارضته سواء في مجمع البحوث الإسلامية او المجلس الأوروبي للإفتاء الذي يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي‏,‏ ورغم أن معادلة الأزهر للفاتيكان لاتخلو من افتعال وتغليط‏,‏ ورغم أن دور الأزهر تراجع كثيرا في السنوات الأخيرة لأسباب يعلمها الجميع‏,‏ إلا أن موقف شيخه من موضوع الحجاب يبدو انه سيفتح الباب لتعميم الحظر في دول غربية أخري‏,‏ والتقرير الذي نشره الأهرام في‏12/30‏ لمراسلها في ألمانيا الزميل مازن حسان‏,‏ ينعي إلينا ذلك الخبر‏..‏ حيث جاء عنوانه دالا ومختزلا الموقف هناك في عبارة تقول‏:‏ سباق بين الولايات‏(‏ الألمانية‏)‏ لسن قوانين تحظر ارتداء الحجاب‏(!)‏
لا أعرف كيف تعالج المشكلة الآن وربما كانت الفكرة التي طرحت لدعوة مجمع البحوث الإسلامية للاجتماع لمناقشة الموضوع وصياغة موقف اكثر صوابا وتوازنا‏,‏ تمثل مخرجا مناسبا‏,‏ ولست متأكدا من إمكانية عقد ذلك الاجتماع‏,‏ الذي يبدو أن ثمة عقبات تحول دونه‏,‏ خصوصا ان شيخ الأزهر رفض فكرة اصدار بيان توضيحي لتصريحاته‏.‏

ولكن إلي أن يتحقق المراد ويأذن الله بفرج من عنده‏,‏ فإن الجميع مدعوون لأن يتوجهوا إلي الله بالدعاء كي يغفر للإمام الأكبر كبوته‏.‏



بـل كبــــوة الكــاتب الأكـــبر


بقلم‏ : فضيلة الإمام الأكبر



د‏.‏ محمد سيد طنطاوي
شيخ الأزهر الشريف




كتب السيد الأستاذ فهمي هويدي بجريدة الأهرام بتاريخ‏2004/1/6‏ مقالا تحت عنوان‏:‏ كبوة الإمام الأكبر‏..‏
وهذا المقال يقع في أكثر من مائتي سطر‏,‏ وفي أربعة أعمدة‏,‏ وتحت أربعة أرقام‏,‏ وفي عدد كبير من الفقرات‏..‏

ونظرا لأن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضا‏,‏ فسيكون ردي علي كل فقرة من كل رقم‏,‏ فماذا قال تحت رقم‏1..‏
قال في الفقرة الأولي‏:‏ لقد عبرت انجلترا والولايات المتحدة الأمريكية عن انتقادهما لموقف الرئيس الفرنسي باعتباره عدوانا علي الحريات‏[‏ وليس غيرة علي الإسلام بطبيعة الحال‏],‏ ووضع سيادته هذه الجملة بين قوسين‏.‏ ثم قال‏:‏ ولكن شيخ الأزهر الذي يفترض أنه أحد رموز الغيرة علي الدين لم ينطق بكلمة نقد واحدة لذلك الموقف‏..‏ إلخ‏.‏

وردي علي هذه الفقرة بإيجاز‏:‏ انجلترا والولايات المتحدة ينقدان موقف الرئيس الفرنسي باعتباره عدوانا علي الحريات ـ كما يقول السيد فهمي هويدي ـ فما شأني أنا كشيخ أزهر أو كمسلم؟
إن جوابي علي هذا أنني متعمد ألا أنطق بكلمة واحدة‏,‏ لأنهم كلهم ليسوا مسلمين‏.‏

ثم قال في الفقرة الثانية‏:‏ أما المفارقة الأكبر فهي أن وزير الداخلية الفرنسي أعلن في أكثر من حديث صحفي أنه كان معارضا لتقنين حظر الحجاب‏,‏ ولكنه تبني موقف التقنين‏,‏ بعد أن انحاز إليه الرئيس شيراك‏,‏ وأصبح سياسة لحكومة هو عضو فيها‏,‏ ولأن الوزير الفرنسي نقولا ساركوزي له تطلعاته السياسية وطموحه إلي الترشيح لرئاسة الجمهورية مستقبلا‏,‏ فإنه يعتبر أصوات المسلمين الفرنسيين‏6‏ ملايين نسمة رصيدا يريد أن يكسبه إلي صفه‏..‏ إلخ‏..‏
وردي علي هذه الفقرة‏:‏ وزير داخلية فرنسا‏..‏ تبني موقف التقنين‏,‏ لأنه يتطلع إلي ترشيح نفسه لرياسة الجمهورية مستقبلا‏,‏ ويريد أن يكسب أصوات ستة ملايين نسمة من المسلمين‏,‏ فما شأن شيخ الأزهر بذلك؟ هذه مناورات سياسية‏,‏ وحركات انتخابية بين وزير داخلية فرنسا وبين رئيس جمهورية فرنسا فما دخل شيخ الأزهر في ذلك؟ وهل من وظيفة شيخ الأزهر أن يتدخل في شئون دولة غير مسلمة كفرنسا أو غيرها؟ وإذا كان عدد المسلمين في فرنسا ستة ملايين ـ كما يقول الأستاذ فهمي هويدي ـ فهل شيخ الأزهر هو الذي يرشدهم إلي الشخص الذي ينتخبونه؟ إنه لو سألني واحد منهم عن هذه المسألة لقلت له‏:‏ انتخب أنت من ترتاح إليه لأنك تعيش في بلد أنا لا أعيش فيه‏.‏

وقال سيادته في الفقرة الثالثة‏:‏ إزاء ذلك فإن زيارة الوزير الفرنسي للقاهرة بدت خطوة في غاية الذكاء‏,‏ لأنه كان قد سمع من شيخ الأزهر انتقادا قويا لفكرة تقنين حظر الحجاب‏,‏ فذلك سيقوي موقفه الشخصي لا ريب‏..‏ إلخ‏..‏
وجوابي علي هذه الفقرة‏:‏ هذا كله تحليل من شخص سياسي‏,‏ وأنا لا شأن لي بالسياسة‏,‏ ولا ألتفت ولا أشغل نفسي بزيارة الوزير الفرنسي‏,‏ ولا أشغل نفسي بكون كلامي يقوي مركزه الانتخابي‏,‏ أو يسقطه‏,‏ ولن يستطيع لا هو ولا غيره أن يلقي أية مسئولية علي شيخ الأزهر‏.‏

وقال سيادة الأستاذ فهمي هويدي في الفقرة الرابعة والأخيرة من رقم‏1‏ من كلامه‏:‏ إذا صح ذلك التحليل فإنه يستدعي سؤالا ليس بوسعنا أن نجيب عليه الآن‏,‏ وربما تتضح إجابته مستقبلا هو‏:‏ هل كان يمكن حقا أن يتراجع الرئيس الفرنسي عن قراره أو يعدل فيه لو أن شيخ الأزهر اتخذ موقفا صريحا معارضا لفكرة تقنين منع الحجاب‏,‏ خصوصا أنه أوفد وزيرا في حكومته إلي القاهرة للقائه بخصوص الموضوع‏..‏
وجوابي علي هذه الفقرة‏:‏ سواء صح هذا التحليل الذي قاله سيادة الأستاذ فهمي هويدي أم لم يصح‏,‏ فلا يهمني ذلك ولا أعيره أي التفات‏..‏

وكذلك لا يهمني أن يتراجع الرئيس الفرنسي عن قراره أم لم يتراجع‏,‏ وأقول للأستاذ فهمي الذي يستطيع أن يجيبك علي هذا التحليل وزير الخارجية وليس شيخ الأزهر‏.‏
ثم تأتي الفقرة الأولي من رقم‏2‏ فماذا قال الأستاذ فهمي هويدي؟

قال‏:‏ في اليوم التالي لإعلان الرئيس شيراك تأييده لتقنين حظر الحجاب في المدارس نشرت صحيفة جارديان البريطانية عدد‏12/17‏ مقالا لإحدي كاتباتها ـ مادلين بونتنج ـ انتقدت فيه القرار بشدة‏,‏ ووصفته بأنه تعبير عن جنون العلمانية وهو وصف علي شدته يخفف من تشخيص الحالة الفرنسية‏..‏ إلخ‏..‏
وردي علي هذه الفقرة‏:‏ كون جريدة جارديان نشرت ما نشرت مدحا أو ذما للرئيس شيراك‏,‏ أمر يهم الرئيس شيراك ولا يهمني‏,‏ وليتهم جميعا يزدادون في كل يوم نقدا أو مدحا‏,‏ وعلي أية حال فأنا أقول للأستاذ فهمي‏:‏ وجه كل هذه التحليلات إلي وزير الخارجية أو وزير السياحة أو وزير الإعلام أو وزير الداخلية أو غيرهم أما شيخ الأزهر فلا شأن له بهذا الكلام السياسي‏!!‏

وقال سيادة الأستاذ فهمي في الفقرة الثانية من رقم‏2‏ وهي فقرة تصل إلي خمسين سطرا تقريبا‏:‏ إذا كان موقف الثقافة الفرنسية التقليدية من التدين بوجه عام‏,‏ فإن التدين الإسلامي كان ولا يزال له وضعه الخاص‏,‏ من حيث إنه يستعصي علي عملية التذويب بأكثر من غيره‏..‏
ثم يقول‏:‏ ومن الثابت أن قضية الحجاب في فرنسا أثيرت بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران التي ألزمت النساء بعدم الظهور سافرات في الأماكن العامة‏,‏ الأمر الذي كان له صداه الاحتجاجي والغاضب في فرنسا‏,‏ سواء بسبب العلاقات التاريخية الخاصة بين طهران وباريس‏..‏

ثم وضع سيادته جملة طويلة قال فيها‏[‏ لا تنس أن الفرنسية كانت لغة البلاط الشاهنشائي‏,‏ وأن الإمام الخميني اختار فرنسا منفي له حين أبعد عن العراق وأن باريس ظلت أحد معاقل المعارضة الإيرانية‏]‏ منذ ذلك الحين اعتبر الحجاب رمزا للعداء للغرب في الخطاب الإعلامي المبسط مادام أنه كذلك في إيران‏,‏ وجري تسويق الفكرة حتي رفضت مدرسة حكومية في سيال قرب باريس قبول تلميذتين مسلمتين في منتصف الثمانينيات لأنهما ارتدتا حجاب الرأس‏..‏
ثم ذكر سيادته كلاما طويلا خلاصته أن هناك قضايا ومعارك كلامية دارت بين الفرنسيين أنفسهم علي اختلاف أحزابهم واتجاهاتهم‏..‏ إلي أن يقول‏:‏ كأنما صدق الزعم بأن الجمهورية الفرنسية بكل هيبتها وجلالها يمكن أن يهدد أركانها حجاب ترتديه بعض التلميذات المسلمات‏..‏

ثم ينتقل سيادته إلي الفقرة الثالثة فيقول‏:‏ إذا صح أن عين الرئيس شيراك كانت علي انتخابات البلديات‏,‏ فإن تركيزه علي هذا الجانب أفقده الكثير‏,‏ حتي أزعم أن فرنسا خسرت بسبب موقفه هذا ثلاث مرات‏..‏ إلخ‏..‏
وردي علي هاتين الفقرتين‏:‏ أن معظم هذا الكلام يتعلق بالمناورات الانتخابية التي تدور بين الأحزاب الفرنسية‏,‏ وأي هذه الأحزاب يستطيع أن يكسب أصوات أكبر عدد من المسلمين المقيمين في فرنسا‏,‏ وهذا أمر لا علاقة لشيخ الأزهر به‏,‏ لأنه أمر داخلي في فرنسا‏,‏ وعلي المسلمين وهم يبلغون ـ كما يقول الأستاذ فهمي ـ ستة ملايين‏,‏ أن يقدروا الأمور علي حسب مصالحهم‏.‏

ولذلك فأنا أري أن هذا الكلام الطويل الذي تبلغ مساحته أكثر من ثلثي المقال‏,‏ لا علاقة لشيخ الأزهر به‏,‏ أما الكلام الذي يستحق المناقشة فهو في رقم‏3‏ فماذا قال الأستاذ فهمي هويدي في هذا الرقم؟
قال سيادته في الفقرة الأولي‏:‏ حين تطرق شيخ الأزهر إلي الموضوع في المؤتمر الصحفي الذي حضره وزير الداخلية الفرنسي‏,‏ فإنه وقع في خطأين كبيرين‏:‏
أولهما‏:‏ أنه كان محايدا إزاء الموقف الفرنسي‏,‏ وغير متحفظ عليه من أي باب‏.‏
وثانيهما‏:‏ أنه بدأ غير مدرك لخلفيات وملابسات وأبعاد الموضوع‏.‏
وجوابي علي هذا الاتهام أنه اتهام أقل ما يقال فيه أنه غير صحيح لأسباب من أهمها‏:‏

‏1‏ ـ أن شيخ الأزهر لم يكن محايدا أمام الموقف الفرنسي‏,‏ بل كان مهاجما‏,‏ عملا بالحكمة القائلة‏:‏ خير وسيلة للدفاع الهجوم‏,‏ فقد أصررت علي أن أتكلم أنا أولا‏,‏ وأن أوضح بكل صراحة أن الحجاب بالنسبة للمرأة المسلمة البالغة فرض إلهي‏..‏ وأن لكل دولة غير مسلمة أن تقرر من القوانين ما يتناسب مع مصلحتها‏,‏ وأن المرأة المسلمة التي تعيش في دولة غير مسلمة‏,‏ ولا تستطيع مخالفة هذه القوانين التي تقررها تلك الدولة غير المسلمة كفرنسا ـ مثلا ـ تكون في حكم المضطرة‏,‏ وذكرت الآية الكريمة التي تدل علي ذلك‏,‏ وهذا نص كلمتي‏.‏
الأزهر الشريف يرحب بالسيد وزير الداخلية بدولة فرنسا والوفد المرافق له‏,‏ وأرجو أن تبلغ تحيات الأزهر الشريف إلي السيد الرئيس شيراك وإلي الشعب الفرنسي‏.‏
ويسعدني أن أعطيك بعض الحقائق عن شريعة الإسلام‏.‏
الحقيقة الأولي‏:‏ أن شريعة الإسلام تقوم علي إعطاء كل ذي حق حقه‏.‏

الحقيقة الثانية‏:‏ أن مسألة الحجاب بالنسبة للمرأة المسلمة البالغة فرض إلهي‏,‏ وإذا قصرت في أدائه حاسبها الله ـ تعالي ـ علي ذلك‏,‏ ولا يستطيع مسلم سواء أكان حاكما أم محكوما أن يخالف ذلك‏,‏ ولا نسمح لغيرنا أن يتدخل في شئوننا كدولة مسلمة‏.‏
هذا إذا كانت المرأة المسلمة تعيش في دولة مسلمة‏,‏ أما إذا كانت المرأة المسلمة تعيش في غير دولة مسلمة كدولة فرنسا ـ مثلا ـ‏,‏ وأراد المسئولون فيها أن يقرروا قوانين تتعارض مع مسألة الحجاب بالنسبة للمرأة المسلمة‏,‏ فهذا حقهم الذي لا أستطيع أن أعارض فيه أنا كمسلم‏,‏ لأنهم غير مسلمين‏.‏

وفي هذه الحالة عندما تستجيب المرأة المسلمة لقوانين الدولة غيرالمسلمة‏,‏ تكون من الناحية الشرعية الإسلامية في حكم المضطرة‏.‏
والقرآن الكريم الذي هو دستور الأمة الإسلامية يقول لأتباعه‏:‏ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله‏,‏ فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم‏[‏ سورة البقرة‏:173].‏
والخلاصة‏:‏ أنني باسم شيخ الأزهر أقول‏:‏ كما أني لا أسمح لغير المسلم أن يتدخل في شئوني كمسلم‏,‏ فإنني في الوقت نفسه لا أسمح لنفسي أن أتدخل في شئون غير المسلم‏.‏

‏2‏ ـ بعد أن انتهيت من كلمتي قلت للوزير الفرنسي‏:‏ بعد هذا الترحيب أنا قلبي مفتوح للاستماع إلي سيادتك‏:‏
فقال بعد أن ظهر عليه الاضطراب ما ملخصه‏:‏ أشكر شيخ الأزهر‏..‏ وإن مسلمي فرنسا مثلهم مثل غيرهم‏..‏ وفرنسا تعتبر من الدول التي تحترم حقوق الأقليات‏..‏ وكما تعلمون أنه ليس هناك حقوق بلا واجبات‏,‏ وإذا كان للمسلمين في فرنسا حقوق فعليهم باقي الواجبات التي يتبعها باقي الأديان الأخري‏..‏ وهذا نص كلمته‏:‏

أشعر بسعادتي للقاء فضيلة شيخ الأزهر الذي يرأس الأزهر الشريف‏,‏ وأعرب عن تقديري للدور الذي يقوم به‏,‏ والحكمة التي يبادر بها دوما‏.‏
وإن الحوار بين الحضارات والثقافات أمر ضروري‏..‏ وإن عددا لا بأس به من مواطني فرنسا مسلمون‏.‏
والإسلام في فرنسا أصبح من أكبر الديانات التي يؤمن بها مسلمون‏.‏

وأستطيع أن أؤكد لكم أنه ما من دولة في أوروبا قامت بما قامت به فرنسا من أجل الحرية‏,‏ وبالتالي فإن مسلمي فرنسا مثلهم مثل الكاثوليك والبروستانت واليهود‏.‏
وإن مسلمي فرنسا يحرصون علي ممارسة شعائر دينهم‏,‏ ولهم حقوقهم مثل مواطني فرنسا‏.‏

والرئيس شيراك قال‏:‏ إن الإسلام دين من الأديان في فرنسا‏,‏ ومن حقهم ممارسة شعائر دينهم مثلهم مثل باقي الأديان في فرنسا‏.‏
وكما تعلمون أنه ليس هناك حقوق بلا واجبات‏,‏ وإذا كان للمسلمين في فرنسا حقوق فعليهم باقي الواجبات التي يتبعها باقي الأديان الأخري‏.‏

فنحن متمسكون بمبدأ العلمانية وهي نوع من الحياد في التعليم في المدارس الحكومية في فرنسا‏,‏ وهو يطبق علي كافة الأديان‏,‏ ولا نقصد المسلمين‏,‏ ولكن كل الأديان‏.‏
والواقع أن العلمانية تطبق علي الجميع وليس علي المسلمين‏,‏ فهي تطبق علي الكاثوليك واليهود بعدم وضع أية علامات تميز دينا عن غيره‏.‏
وهذا ليس من قبيل عدم احترام الدين الإسلامي‏,‏ بل ينبغي أن يفهم الجميع أن العلمانية هي أحد تقاليد فرنسا‏..‏ وشكرا‏.‏

‏3‏ ـ ما عبر عنه الأستاذ فهمي بالخطأ الثاني وهو أني بدأت وأنا غير مدرك لخلفيات وملابسات وأبعاد الموضوع‏,‏ فردي عليه‏:‏
أنني لست في حاجة إلي إدراك خلفيات وملابسات وأبعاد الموضوع‏,‏ لأنها كلها خلفيات وملابسات وأبعاد سياسية وانتخابية ومناورات بين الأحزاب الفرنسية‏,‏ والمسلمون الذين يعيشون في فرنسا يعرفون مصلحتهم‏.‏

وأنا أسير علي المبدأ الذي سار عليه الإمام الشيخ محمد عبده ـ رحمه الله ـ والذي يقول فيه‏:‏ قاتل الله السياسة وما اشتق منها كلفظ سائس ومسوس وسوس‏..‏ إلخ‏.‏
وقال سيادته في الفقرة الثانية من رقم‏3:‏ كان بعض الغيورين والمعنيين بالشأن الإسلامي قد توجسوا خيفة مما يمكن أن يصدر عن الشيخ بعد لقائه بالوزير الفرنسي‏,‏ وبعد اتصالات تمت في هذا الصدد‏,‏ فإنه تلقي ثلاثة نماذج مكتوبة تضمنت نقاطا مقترحة للتركيز عليها في تحديد موقف متوازن‏..‏ إلخ‏.‏

وجوابي علي هذه الفقرة‏:‏ أن هذا الكلام لا أساس له من الصحة‏,‏ لأنه لم تتم معي أية اتصالات في هذا الصدد‏,‏ ولم أتلق أية نماذج مكتوبة تضمنت نقاطا مقترحة أو غير مقترحة‏.‏
وقال سيادته في الفقرة الثالثة‏:‏ فيما بدا فإن شيخ الأزهر نحي جانبا ما قدم إليه من مقترحات‏..‏ وفوجئ أعضاء مجمع البحوث الإسلامية الذين شهدوا المؤتمر الصحفي بكلام الشيخ فسجلوا اعتراضهم عليه ونقدهم له‏,‏ وكانت نقطة الاتفاق بينهم أن الشيخ بما أعلنه عبر عن رأيه الشخصي لا عن رأي الأزهر أو مجمع البحوث‏..‏ إلخ‏.‏

وردي علي هذه الفقرة‏:‏ أنني كما سبق أن قلت لم أتلق أية مقترحات من أحد لا من أعضاء مجمع البحوث ولا من غيرهم‏.‏
والذي حدث بعد أن انتهي الوزير الفرنسي من كلامه‏,‏ طلب بعض الصحفيين توجيه أسئلة فرحبت أنا بذلك‏,‏ أما الوزير الفرنسي فاعتذر‏,‏ وطلب القيام فقمت معه إلي داخل المكتب لبضع دقائق‏..‏

ثم حضر السادة الذين كانوا يجلسون معي والذين هم من أعضاء مجمع البحوث ومنهم‏:‏ الدكتور صوفي أبو طالب والدكتور طه أبو كريشة والدكتور عبدالله النجار‏,‏ والدكتور رأفت عثمان‏,‏ والدكتور عبدالصبور مرزوق‏,‏ والدكتور علي جمعة‏,‏ والدكتور جمال الدين محمود‏,‏ والشيخ فوزي الزفزاف‏,‏ والدكتور نصر فريد‏,‏ ولم يحصل من أحدهم أي اعتراض أو نقد بل قال الدكتور صوفي أبو طالب‏:‏ ما قاله فضيلة شيخ الأزهر هو المتن‏,‏ وما قاله الدكتور علي جمعة هو التفصيل‏.‏
ومع كل ذلك فمجمع البحوث سيجتمع في مشيخة الأزهر في الساعة الواحدة من بعد ظهر اليوم الموافق الثامن من شهر يناير‏,‏ وأنا أدعو الأستاذ فهمي هويدي لحضور هذه الجلسة التي سنتعرض فيها لمسألة الحجاب في فرنسا‏.‏

قال سيادة الأستاذ فهمي هويدي في الرقم‏4‏ من مقاله الطويل‏:‏ في الإعلام الفرنسي قدم الأزهر بحسبانه معادلا للفاتيكان عند الكاثوليك‏,‏ ومن ثم اعتبروا كلام شيخه صكا يطلق يد الحكومة في تقنين حظر الحجاب‏,‏ رغم إجماع الأغلبية الساحقة من علماء المسلمين علي معارضته سواء في مجمع البحوث الإسلامية‏,‏ أو المجلس الأوروبي للإفتاء الذي يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي‏..‏
وردي علي هذه الفقرة‏:‏ لا شأن لي بما يقوله الإعلام الفرنسي عن الفاتيكان أو غيره‏,‏ ولا يستطيع الفاتيكان أو غيره أن يتدخل في أمر يتعلق بالأزهر‏,‏ ولا ألتفت إلي اعتباره أو غير اعتباره‏.‏

وقول الأستاذ فهمي‏:‏ رغم إجماع الأغلبية الساحقة من علماء المسلمين‏..‏ لا أدري من أين جاء بهذه الأغلبية الساحقة؟
وقوله‏:‏ والمجلس الأوروبي للإفتاء الذي يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي‏..‏ أنا شخصيا لا علم لي بهذا المجلس‏.‏

ومع هذا فالأستاذ الدكتور دليل أبو بكر عميد المعهد الإسلامي لمسجد باريس أرسل إلي شيخ الأزهر خطابا يثني فيه علي رأي شيخ الأزهر في مسألة الحجاب في فرنسا وهذا نصه‏:‏ إلي صاحب المقام العالي والفضيلة شيخ الأزهر الشريف‏..‏
إنه لمن عظيم الشرف أن تتاح لي هذه الفرصة الطيبة للاتصال بشخصكم الكريم‏,‏ عبر هذه الكلمات الأخوية‏,‏ التي تفيض تقديرا وامتنانا ومودة‏,‏ مستهلا بالحمد والثناء لله الواحد الجليل‏,‏ ومهنئا بمطلع عام جديد‏,‏ نرجو أن يكون فاتحة عهد جديد للمسلمين‏,‏ يرقي فيه فكرهم وسلوكهم إلي مستوي دينهم الحنيف‏.‏

صاحب الفضيلة‏:‏ إنكم بحق تقودون أعلي سلطة دينية في عالمنا الإسلامي‏.‏ قيادة مؤسسة علي الأصول والحكمة والاعتدال وبعد النظر‏,‏ ومواقفكم في مختلف المسائل الكبيرة ذات دلالة علي هذا المقام‏.‏
إن رأيكم الديني في مسألة الحجاب في فرنسا‏,‏ قد كان له أثر طيب في كل الأوساط والمستويات لأنه مبني علي الشرع أولا‏.‏ ومراع للمصلحة العامة من جهة أخري‏.‏ فالعلماء موجهون ينيرون السبيل للذين يقودون‏..‏ وما أجمل أن تكون القيادة من جنس التوجيه‏.‏

سيدي الفاضل وشيخي المبجل‏..‏ فباسمي وباسم العاملين معي في مسجد باريس‏,‏ وباسم الجالية المسلمة بفرنسا أزف لكم لطائف المودة‏,‏ ومعالي التقدير‏,‏ وخالص التحية‏,‏ متمنيا أن نحظي خلال هذه السنة الجديدة بزيارتكم لمسجد باريس الكبير‏.‏
والله أسأل أن يحيطكم دوما بلطفه وعنايته‏,‏ وتقبلوا فائق التقدير‏.‏
أخوكم الدكتور دليل أبو بكر
عميد المعهد الإسلامي لمسجد باريس
والأستاذ الدكتور عبدالحميد الأنصاري‏..‏ العميد السابق بكلية الشريعة والقانون ـ جامعة قطر ـ أرسل خطابا إلي شيخ الأزهر يؤيد فيه رأي شيخ الأزهر وهذا نصه‏:‏
سماحة الإمام الأكبر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف حفظه الله‏..‏
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
نؤيدكم كل التأييد في موقفكم الصائب من قضية الحجاب في فرنسا‏.‏

وكما ذكرتم حقا وصدقا‏:‏ إذا كنا لا نسمح لغير المسلمين بالتدخل في شئوننا كمسلمين‏,‏ فكذلك لا نسمح لأنفسنا بالتدخل في شئون الآخرين‏.‏
وهؤلاء الذين عارضوكم يريدون تسييس القضية لأغراض معينة لا غير‏.‏

هذا الموقف الحق يضاف إلي سلسلة مواقفكم الحقة‏.‏ فجزاكم الله خيرا وسدد خطواتكم‏,‏ وحفظكم‏,‏ ومتعكم بالصحة والعافية وطول العمر‏.‏
‏.‏د‏.‏ عبدالحميد الأنصاري
الأستاذ بكلية الشريعة والقانون
جامعة قطر ـ والعميد السابق للكلية
‏2004/1/1‏
بعد كل ذلك أقول للأستاذ فهمي هويدي الذي يقول في مقاله الطويل وفي ختامه‏:‏
لا أعرف كيف تعالج المشكلة ـ أي‏:‏ مشكلة الحجاب في فرنسا ـ الآن‏..‏ إلخ‏.‏

أقول لسيادته‏:‏
أولا‏:‏ هذه مشكلة صغيرة أخذت أكبر من حجمها بكثير‏,‏ لأن الذي أثار المشكلة ـ كما تقول أنت في مقالك في العمود رقم‏2‏ ـ جري تسويق الفكرة حتي رفضت مدرسة حكومية في سيال قرب باريس قبول تلميذتين مسلمتين في منتصف الثمانينيات لأنهما ارتدتا حجاب الرأس‏,‏ وثارت ضجة آنذاك‏..‏
وقد سمعت أن من وسائل حل هذه المشكلة‏:‏ أن تذهب التلميذتان المسلمتان إلي المدارس الخاصة الأخري غير الحكومية فهي لا تمنع أن تدخل التلميذتان المسلمتان وغيرهما بالحجاب المتمثل عندهم في غطاء الرأس‏.‏
فإذا لم يستطيعوا ذلك فعلي المسلمين الذين يعيشون في فرنسا وهم ستة ملايين أن ينشئ أغنياؤهم مدارس إسلامية خاصة‏,‏ يدخلها من يريد من التلميذات المسلمات ارتداء الحجاب‏,‏ وسمعت أن المسئولين في فرنسا لا يعارضون في ذلك‏.‏

ثانيا‏:‏ سمعت أن فرنسا تبيح ارتداء الحجاب للمسلمات في الشارع وفي الجامعات وفي غير ذلك من الأماكن‏,‏ ولا تعترض علي ذلك إلا بالنسبة للمدارس الحكومية في المرحلة الإعدادية أو الثانوية‏..‏
بينما بعض الدول الإسلامية ـ كتركيا مثلا ـ تمنع ما هو أكثر من ذلك‏,‏ فهي تمنع الحجاب في الجامعات‏,‏ بل أكثر من ذلك بلغني أن نائبة بالبرلمان عندما ارتدت الحجاب في المجلس البرلماني حوسبت علي ذلك‏.‏
والسؤال‏:‏ لماذا كل هذه الضجة بالنسبة لفرنسا التي تقول بأعلي صوتها أنا دولة علمانية أفصل الدين عن نظام الدولة فصلا تاما‏,‏ وأطبق ذلك علي المسلمين وعلي المسيحيين وعلي اليهود؟

ثالثا‏:‏ إن الحجاب الشرعي في شريعة الإسلام معناه‏:‏ أن تستر المرأة المسلمة البالغة جميع بدنها إلا الوجه واليدين‏..‏
والمعروف أن المسئولين في فرنسا يريدون من الحجاب بالنسبة للتلميذتين المسلمتين عدم استعمال غطاء الرأس‏,‏ كما يريدون من المسيحيين عدم استعمال الصليب‏,‏ وكما يريدون من اليهود عدم استعمال الطاقية الخاصة بهم‏.‏

والسؤال‏:‏ هل لو استعملت التلميذتان المسلمتان غطاء الرأس فقط‏,‏ مع ترك الساقين عاريتين ـ مثلا ـ تكونان قد قامتا بالحجاب الإسلامي الذي اتفق جميع الفقهاء المسلمين علي أن الحجاب الشرعي إنما يتمثل في ستر جميع البدن سوي الوجه واليدين؟
أرجح أن الجواب الذي لا يختلف عليه عاقلان هو أن التلميذتين المسلمتين عندما تغطيان الرأس وتتركان السيقان عارية لا تكونان قد استعملتا الحجاب الشرعي‏.‏

ومادام الأمر كذلك فلماذا هذه الضجة بالنسبة لمسألة لا تمثل الحجاب الشرعي الصحيح عند كافة علماء المسلمين‏.‏
هذه بعض الحلول التي أراها يا سيادة الأستاذ فهمي هويدي وأختتم كلامي بقوله ـ تعالي ـ‏:‏ وإنا أو إياكم لعلي هدي أو في ضلال مبين‏.‏

صقر الخالدية
10/01/2004, 09:05 AM
فقدان الهوية المزعوم

عبد الرحمن الراشد


«لا شك ان هناك بلدانا عربية فقدت الكثير من الهوية بسبب فتنتها ببريق الحضارة الغربية الى ان اكتشفت ان البريق ما هو الا سراب».
هذا رأي احد المسؤولين في الخليج في حديث له نشر قبل ايام مفاخرا بالتحصين ضد الغزو الثقافي، ولاعنا العولمة ومدعيا ان احدا لن يغير مناهجه.
اعتدنا على ترديد المسؤولين اسطوانات مشروخة لا اظن انهم يسمعون صداها او يدققون في معانيها: غزو ثقافي، العولمة، التحصين... الخ. ولو سألنا احدهم عن معنى العولمة لاهدانا جملة مطاطة عامة.
وما اتهام المسؤول التربوي دولا عربية بانها فقدت الكثير من هويتها بسبب غرامها بالحضارة الاجنبية إلا مثال صارخ على الكلام الشعبي الاستهلاكي، ليس فارغ المعنى فحسب بل هراء يوجع الرأس كذلك.
فأين هي البلدان العربية المنزوعة الهوية، واين هي البلدان العربية الكاملة الهوية؟
ولو اردنا ان نقيس نجد ان الخليج ليس افضل المناطق العربية.
وان كان المعني هنا لبنان مثلا، أليس هو منبع الطروحات العروبية ومنه صدرت دواوين العربية ومعاجمها.. اليس هو الافضل في مستويات تعليمه وتطوره النوعي؟
وان كان المقصود الاردن، اليس هو مصدر المعلمين والمهندسين والمحاسبين الذين تراهم بكثرة في الخليج؟ وان عني التربوي تونس، هل يعرف دولة عربية اكثر انسجاما في تطورها مع تراثها وامكانياتها؟ وبالتأكيد لا اظنه يرمي مصر بالدولة المنزوعة الهوية!
ولا يحق للخليج أن يفاخر بتراثه فقط لانه يعتمر الغترة ويلبس الثوب. نعم الخليج محظوظ بثروته واستقراره لكن له من العيوب ما لا يقل عن احد في محيطه العربي. ويعرف المربي الكبير ان اكثر الدول العربية استقبالا وانصهاراً مع «العولة» هي الخليجية، ربما لا اراديا.
في الخليج يعمل بحر من الجنسيات بثقافاتها من 120 دولة، وهي عولمة واختلاط لا تجده حتى في الغرب. وعدد المدارس المتعددة الاصول والجذور تجدها في الخليج اضعاف عما هي في الاردن او لبنان او تونس. وتزدحم السوق بالبضائع والعمالة من عوالم الدنيا كذلك. واكثر دول المنطقة استقبالا وارسالا للثقافات العالمية هي دول الخليج كونها اكبر مستخدم للانترنت والبريد الالكتروني.
فالاختلاط الثقافي ليس بنقيصة، وان كان هذا تفسير كلمة «العولمة» الغامضة، ولا الانفتاح الاقتصادي بكارثة بل يعبر عن ثقة ونجاح داخلي.
واذا كان التقوقع هو في نظره انجازاً محلياً عظيماً فعليه ان يعيد قراءة حساباته الداخلية باشكالاتها الارهابية والضعف العلمي والنقص الابداعي والعجز التوظيفي.
لهذا فمحاولة تمجيد التخلف باسم التحصين تجاوز للحقائق كما هي على الارض. واذا كان للخليج ان يفخر فليفخر بانفتاحه على العالم وقدرته على التأقلم بثقافته مع الثقافات الاخرى، فهو يلبس الثوب العربي ويتحدث اللغات العالمية ويسافر اكثر من غيره الى ارجاء الدنيا.

صقر الخالدية
11/01/2004, 11:53 AM
النظام القيمي والانتماء للقائد والوطن

د. حامد بن شظا المرجان
\

مستشار الاعلام التنموي


وزارة الاعلام




في حديث لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله وأبقاه - مع صحيفة الخليج في 11 يناير 1986 أي قبل 17 سنة "شروطنا للمشاركة هي تحقيق الوعي الكامل، لأن نصف الوعي مثل نصف التعليم" بما معناه أن الوعي الكامل لدى الناس يجب أن يكون بالمستوى الملائم بحيث يضعون نصب أعينهم حب وطنهم وليس ما يمكن أن يتأثرون به من أمور خارجية ولا بأموال ولا بتهريج ولا بشعارات ولا ولا... وبهذا تكون المصلحة القومية فوق كل الاعتبارات.
ففي هذا المجال يصبح تعريف الوعي الكامل أن يكون المواطن إينما كان موقعه حاساً بمسؤوليته أمام ربه ووطنه وأن يكون كل ما يفكر فيه هو المصلحة العامة. ويمكن أن تقوم التوعية بدور إيجابي في هذا الصدد وذلك حتى تنضج الممارسات العامة، لأن هذا سبب معاناتنا في عالمنا العربي ولا يجب أن تكون التجربة في السلطنة على ذات النمط.
ولنا هنا وقفة موضوعية أمام ما يمر به مجتمعنا اليوم من تجاوزات سلوكية تعوق جهود التنمية الشاملة. إن إصلاح النظام القيمي هو من الجوانب المهمة في أي مجتمع، فلقد حبانا الله تعالى بقيم سامية ومبادئ أخلاقية رفيعة جعلتنا (خير أمة أخرجت للناس) كما أنه وهبنا قدرة فريدة على تحدي الزمن وتخطي العقبات واجتياز المحن ولم تكن تلك القدرة قائمة على ما تملكه من أسباب القوة المادية بل تعود إلى القيم الروحية الراسخة و الخصال الطيبة التي يتميز بها العمانيون وفي مقدمتها الصدق والأمانة والإخلاص في العمل والإعتزاز به والجدية والاستقامة والرضا و القناعة والروابط الأسرية المتينة و الشعور بالتكافل والتضامن الاجتماعي والبعد عن الحقد والضغينة والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع وتجنب التطرف والتعصب ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء هذه القيم.
والمتتبع لخطب صاحب الجلالة منذ توليه مقاليد الحكم وبدء بناء نهضة عمان تجلى خطاب مولانا - حفظه الله وأبقاه - في المناداة بالتمسك بهذه القيم إيمانا من جلالته بان البناء الحقيقي والوعي الصحيح يبدآن بالأخلاق والقيم والسلوك وتعميق الإنتماء للوطن في نفوس المواطنين وخاصة النشء من خلال الاعتزاز بالوطن ورموزه.
في كل جماعة هناك مجموعة من القيم يشترك فيها الناس تنظم سلوكهم الاجتماعي ويطلق على هذا النظام القيمي القائم في الجماعة أو المجتمع والذي يختلف في مجموعة عن نظم القيم في الجماعات الأخرى وأن اشترك معها في بعض نواحيه .
وتكون القيم جزءاً لا يستهان به في الإطار المرجعي للسلوك في الحياة العامة
ويعرّف أحد أساتذة علم الاجتماع أن القيم "تعبير عن دوافع الإنسان وتمثل الأشياء التي توجه رغباتنا واتجاهاتنا نحوها ومن أمثلة القيم العامة: العلم والإيمان والقوة والثروة والنظافة... وتقترب القيم من المثل. والمثل تمثل الحوافز الطويلة الأمد أو الغايات التي يسعى أي مجتمع لتحقيقها".
ويمكن أن ننظر إلى القيمة على أنها اهتمام أو اختيار وتفضيل أو حكم يصدره الإنسان على شيء ما مهتدياً بمجموعة المبادئ والمعايير التي وضعها المجتمع الذي يعيش فيه والذي يحدد المرغوب فيه و المرغوب عنه من السلوك.
والقيم نتاج اجتماعي حيث يتعلم الفرد القيم ويكتسبها ويتشربها ويستمدها تدريجياً ويضيفها إلى إطاره المرجعي للسلوك، ويتم ذلك من خلال عملية التنشئة الاجتماعية وعن طريق التفاعل الاجتماعي يتعلم الفرد أن بعض الدوافع والأهداف تفضل غيرها ويفضلها على غيرها أي أنه يقيمها أكثر من غيرها.
ويلاحظ أن القيم جميعها توجد لدى كل فرد غير أنها تختلف في ترتيبها من فرد إلى آخر ومن جماعة إلى أخرى قوة وضعفاً.
ويتضح لنا مما تقدم أن ما يعانيه مجتمعنا العماني من بعض ظواهر اللامبالاة والاستهتار من جانب بعض الشباب بالقيم والواجب وما هو ما يوحي بخلل جسيم في النظام القيمي وبافتقادهم لبعض من معاني الانتماء والإخلاص الواجب لعماننا الحبيبة.
إن الجميع يتساءل ماذا جرى لأبنائنا هذه الأيام.....
إننا نعاني صراحة من سلوك بعض أبناء هذا الجيل السلبي. وعدم الوعي الكافي بقضاياه ومشاكله والإحساس بالفردية والاغتراب.
ومن بين المظاهر التي بدت واضحة في سلوك بعض الأفراد وما يتمثل في بعض مظاهر اللامبالاة حيث ترتكب بعض الأخطاء مثل الأخطاء التي ترتكب في الطريق العام أو ضد بعض المرافق العامة وغيرها ولا يتحمس أحد لتلقين أو توجيه من يرتكب خطأ أو يفسد مرفقاً دفاعاً عن القيم والمبادئ أو المحافظة على المرافق العامة التي يستفيد منها الجميع.
إن القضاء على تلك المظاهر وغيرها كثير وإبداله بالانتماء في إطار نظام قيمي إيجابي يتطلب إجراء سريعاً لتعديل الاتجاهات نحو حب الوطن وتقوية القيم الروحية، وهذا فضلاً عن اتخاذ الأساليب العلمية السليمة التي تنمي لدى هؤلاء البعض الإحساس بالانتماء.
لا يمكن أن يكون الشباب منتمياً لبلده بعقله وقلبه ووجدانه إلا إذا كان عالماً بتراثه ، وهذا ما رعته حكومة صاحب الجلالة من خلال اهتمامها بالتراث بناء على تعليمات باني وراعي النهضة المباركة.
إن من واجبات المواطن العماني هو عطاء الانتماء لعمان ورمزها فلا يحمي عمانيتنا سوى أن نكون أشد انتماء في تصرفنا وفي سلوكنا اليومي لجلالة القائد ولهذا البلد العريق وأرضه وحضارته وأن ندرك أن حب عمان قابوس يستوعب أضعاف الطاقة التي نبذلها اليوم في ساحة العطاء.
إن دعوة تعميق الانتماء يجب أن تصل إلى كل بيت لأنها دعوة من أجل عمان.
علينا أن ندعو دون ملل إلى مضاعفة الجهد والالتزام في كل أعمالنا وأقوالنا فلا نستخف بالواجبات العامة فيجب على أجهزة التوعية بكافة تشكيلاتها سواء التربوية أو المجتمعية أن تقوم ببناء جسور الثقة والتكيف بين المجتمع ونظامه القيمي وأن تصلح ما هو قائم منه وأن تبني وترشد سلوكيات إيجابية جديدة في تجاه قيم المشاركة وغيرها من القيم البناءة للمجتمع.
وأخيراً فان علينا القول أن الإعلام ليس وحده المسؤول ، وإن كان يلعب دوراً مؤثراً ، عن مجابهة السلبيات بالمجتمع وعلاجها بما فيها قضايا الانتماء والنظام القيمي وان هناك تنميات عديدة اقتصادية واجتماعية وواجب كل المختصين في هذه النواحي أن يضعوا الخطط اللازمة لتسيير كل تنمية في مسارها السليم ويسير الإعلام معها في نفس الطريق.



--------------------------------------------------------------------------------

صقر الخالدية
12/01/2004, 11:29 AM
النص الشعري الحداثي لا يجد الناقد الذي يتعامل معه بصبر لكي تتكشف له جماليته!2003/11/11

الناقد المصري محمد عبد المطلب:الرباط ـ القدس العربي :


في هذا الحوار الممتع والمفيد مع الدكتور محمد عبد المطلب أستاذ النقد الادبي بكلية الاداب بجامعة عين شمس بالقاهرة، يؤمن محاورنا بالمقولة التراثية الشعر ديوان العرب ويؤكد أن هذا الزمن هو زمن الشعر وسيظل، لأنه هو المعبر الحقيقي عن الانسان وطالما يوجد الشعر يوجد الانسان. إنه بتعبيره هو فن اللغة الاول.والدكتور محمد عبد المطلب الذي حاز علي جائزة مؤسسة البابطين في النقدي الادبي (1990) وعلي وسام فارس من فرنسا علي دوره الثقافي في النقد الادبي (1999)، له أكثر من عشرين مؤلفا في النقد الدبي والبلاغة منها عشرة كتب في نقد الشعر.هل في رأيك مازال الشعر ديوانا للعرب؟مازال وسيظل الشعر ديوانا للعرب. أنا أفهم معني الديوانية هنا بأنها الذاكرة العربية. وطالما هناك ذاكرة عربية، فهناك شعر وطالما هناك شعر، فهناك ذاكرة عربية.حقيقة، أن هناك أجناسا أدبية كثيرة ظهرت، تنافس الشعر مثل القصة والرواية والمسرحية والتراجم إلخ...، لكن، في رأيي الخاص، أن هذه الاجناس تنتمي إلي الدرس الاجتماعي بالدرجة الاولي ثم تنتمي بعد ذلك إلي الدرس الادبي. أما الشعر، فإنه ينتمي للأدبية أولا وأخيرا. ومن ثم مهما حاولت الرواية أو القصة أن تقدم تحولات الواقع العربي وتقلبات المجتمع العربي، فإن هذه التحولات ستظل في الاطار الخارجي، أما التحول الداخلي للذات العربية وللشخصية العربية، فسيظل الشعر هو الحامل لهذه المهمة بالدرجة الاولي. وأنا أقول إن الشعر مازال ديوان العرب بالرغم ما قاله الدكتور جابر عصفور علي أن الرواية ديوان العرب وما قاله الدكتور عبد القادر القط علي أن الدراما التلفزيونية أصبحت ديوان العرب، فمازلت أقول إن الشعر هو ديوان العرب. هل حقيقة أن الشعر العربي مازال محتفظا بمكانته حتي يومنا هذا. أسأل وأجبيب، المهرجانات التي تقام في العالم العربي كله، جلها يحتفل بالشعر، الجوائز التي تقدم في العالم العربي تقدم احتفاء بالشعر.. ما يطبع وينشر علي الناس أغلبه شعر. ثم ألا نتصور عظمة الشعر في أنه حافظ علي وجوده منذ أن ظهر قبل امرئ القيس حتي يومنا هذا. بالرغم من أن هناك أجناسا كثيرة ظهرت واختفت. أين هي المقامة، أين الرسائل أين التوقيعات.. إلخ، كلها ذهبت وحلت محلها أجناس مثل القصة والرواية، لكن الشعر العربي بالرغم من تحولات المجتمع العربي الدائمة التي لم تتوقف، فإنه ظل كما هو. كلمة شعر ظهرت، ومع ذلك مازالت تعيش حتي يومنا هذا، أين أن الشعرية هي شعرية تراكم الزمن الذي ينقطع. الاروع والاعظم، أن الشعرية العربية بالرغم من أنها حافظت علي وجودها لأكثر من 1500 سنة تقريبا، مع ذلك لم تجمد علي حالة واحدة، بل مرت بمراحل تطورية تتابع التغير الاجتماعي والثقافي العربي. منذ الشعر العربي، ظهرت الشعرية العربية مع امرئ القيس ومدرسته وجاء صدر الاسلام وتحولت الشعرية العربية هذا التحول، ثم العصر الاموي فتحولت تحولا آخر، ثم جاء العصر العباسي فدخلت في مرحلة تطويرية من حيث البناء الشعري والمضمون، وكانت هناك ثورة قادها أبو تمام علي الشعر العربي، ثم جاء العصر الاندلسي وظهرت الموشحات وجاء العصر المملوكي والعثماني، ثم جاء العصر الحديث بتحولاته الاحيائية ثم الرومانسية ثم التفعيلة وصولا إلي قصيدة النثر.هذه الشعرية الخصبة، لم تتجمد عند مرحلة بعينها ولم تتوقف عند صورة شكلية بعينها، بل تطورت. مما يؤكد أنها ستظل حية إلي ما شاء الله. أما كيف ستكون عليه الشعرية العربية فيما يتلو مرحلة قصيدة النثر، فهذا في علم الغيب.هذا يحيلنا علي التساؤل حول مدي تأثير الشعر في يومنا هذا، خاصة مع الظروف العصيبة التي يمر منها العالم العربي والاسلامي. أين موقع الشعر من قضايا مثل فلسطين والعراق...؟الشعر حاضر، لكن نحن نريد أيضا أن نعود بالشعر إلي مسألة الاغراض، وهذه مسألة لم تعد مهمة في الشعر العربي في رأيي. الشعر العربي هو فن اللغة بالدرجة الاولي. كيف يوظف الشعر لغته لكي ينقل إلي المتلقي جماليات هذه اللغة. يأتي الغرض في الدرجة الثانية، أما الدرجة الاولي فهي اللغة. أنت لو بحثت حتي في أعظم القصائد الشعرية، فتجد المعني، مألوفا، قدم لي أي نموذج شعري، ستجد أن المعني مألوف، إنما ألفته أنه قدم بطريقة غير مألوفة. ومع ذلك، فالشعرية العربية مازالت تحمل هموم الواقع العربي، محمود درويش، ماذا صنع في الشعرية العربيةشعر محمود درويش حاليا ليس هو شعره ماضيا!أنا أتكلم عن الهم العربي عموما، ولا أحب أن أتحدث عن قضية واحدة. نحن نعيش الزمن العربي الرديء. فالشعر جزء من هذا الزمن العربي الرديء الرواية لم تنفصل عن هذا الزمن والمسرحية كذلك بل كل الثقافة. نحن للأسف نعيش مرحلة تفرغ فيها الذاكرة العربية من ثقافتها تماما ويقود هذه العملية للأسف بعض كبار المثقفين في العالم العربي. واعتبروا جنة الحداثة، تحتاج إلي جواز الدخول، هذا الجواز هو ضرب الثقافة العربية في أعماقها. وأنا أقرأ الان بعض الكتب الثقافية لكبار المثقفين العرب، فأصاب بالذهول. الركائز الثقافية العربية تضرب في أعماقها. للأسف هناك محرمات ثلاثة في الثقافة:الدين، الجنس، السياسة. السياسة عقوبتها الدنيوية فورية والجنس عقوبته الدنيوية فورية. الدين عقوبته أخروية مؤجلة. كيف بالمثقفين العرب يتهربون من العقوبة الفورية مع السياسة والجنس ويدخلون إلي العقوبة المؤجلة الدين، وأصبح المثقفون العرب يعتبرون الدين هو ركيزة التخلف في الواقع العربي الحالي.هذا ما وقع مؤخرا في مؤتمر المثقفين العرب بالقاهرة.أنا أتحدث عن الواقع الثقافي العام، الشعر جزء من هذه الثقافة، ولأن الشعر يحمل الذاكرة العربية، حاول بعض المثقفين أن ينقلوا الشعر من الدرجة الاولي إلي الدرجة الاخيرة. أنا أقرأ نصوصا تعبر عن الهم العربي تعبيرا لا تستطيعه الرواية. ولا يستطيعه أي جنس أدبي آخر. لكن الظروف جعلت هذا الشعر معظمه رموز.الواقع العربي الكئيب أو الرديء يدفع بعض المثقفين العرب إلي تفريغ الذاكرة العربية من ركائزها الاساسية وشحنها بالوافد المدمر للبقية الباقية.أنا لا أقول إن كل الثقافة العربية صالحة، أستبعد ما فقد شرط الصلاحية وأستبقي ما انطبقت عليه شروط الصلاحية. يعني هل يمكن أن ألغي في يوم من الايام فضيلة الصدق في الثقافة العربية وفضيلة الكرم، لكن هناك بعض الركائز مثلا تحتاج إلي تطوير مثلا سلطة الخلافة. شروط الصلاحية لم تنطبق عليها، يمكن أن نطورها، لا أن نلغيها نطورها إلي الانتخاب مثلا. هناك ركائز في الثقافة العربية فقدت شرط الصلاحية أستبعدها، وركائز حافظت علي شرط الصلاحية أستبقيها وهناك ركائز تحتاج إلي تعديل، أعدلها، لكن لا أفرغ الذاكرة العربية من ثراثها الثقافي. وللأسف ما أقرأ الان، من أن بعض من مصائب سببه الثقافة العربية القديمة. وأنا أسأل هؤلاء سؤالا: ألم تكن هذه الثقافة العربية هي هي يوم أن ساد العرب العالم كله؟ إذن العيب ليس في الثقافة، بل في المثقفين أنفسهم. هؤلاء يبحثون عن جواز الدخول إلي جنة العولمة. وجواز الدخول هو ضرب الثقافة العربية في أعماقها وجذورها ومن ضمنها الشعر. الان يحملون الشعر كل أوزار الحاضر. إذن الشعر العربي، ليس فقط جزءا من الثقافة، بل هو الثقافة كلها. وبعض المؤلفات تنسب مقولة: الشعر ديوان العرب إلي الرسول صلي الله عليه وسلم، وكأن الرسول وعي منذ القديم أن هذا الجنس الادبي الابداعي هو الذي سيحمل الهوية والشخصية العربية عبر المراحل الزمنية حتي يومنا هذا ولم نتوقع أن تجمد الشعرية العربية، بل في رأيي إنها في أخصب مراحلها. لماذا؟ الان الخطاب الشعري العربي في العالم العربي كله: القصيدة العمودية حاضرة وتكتب ولها شعراء أسماؤهم لامعة، والقصيدة التفعيلية تكتب ولها أسماء لامعة وكذلك الشأن بالنسبة لقصيدة النثر، فهذا أكبر دليل علي حيوية الواقع الثقافي الحالي في استقبال الشعر العربي، بالرغم من التباين الشديد بين هذه الاجناس. هذا كله يؤكد، أن الشعرية العربية شعرية التراكم لا شعرية الانقطاع، شعرية التواصل لا القطيعة. بعض شعراء الحداثة، يقولون إننا شعراء بلا آداب، وأننا نبتنا من لا شيء، وأن القديم ليس شرطا في الجديد. أنا أسأل هؤلاء، إذا كنتم لا تنتمون للقديم كما تقولون، لماذا تضعون علي ديوانكم كلمة شعر. ضع إسما آخر يا أخي! هذا الاسم، إسم تراثي ظهر قبل امرئ القيس وإذا كنت لا تحب أن تكون علي صلة بالماضي سم هذا شيئا آخر. فلأنك تصر علي تسميته شعرا، فإنك تنتمي إلي هذا التراث القديم.الان مثلا تتصل بي بعض الجامعات العربية تقول لي نحن نريد أستاذا في البلاغة لغته الاولي الانكليزية، فإذا كان هذا حال الاهتمام باللغة، فلابد أن يقل ويضعف مستقبل الشعر العربي، ثم، يجب أن ندرك أنه منذ أن ظهر الشعر العربي إلي يومنا هذا الشعر للخاصة وليس للعامة.في الندوات المهرجانات يقال شعر، الشعر ليس قضية عامة وهذا مرافق لتاريخ الشعر العربي، في مجلس الخليفة، في مجلس الوالي. فلم يكن الشعر يقال في الاسواق. كما يتصور البعض.ننتقل إلي مسألة أخري تهم ثنائية الرديء والجيد في مجال الشعر...هذا مرافق لتاريخ الشعر العربي. أنا، كلفت من المنظمة العربية بإنجاز موسوعة للشعر العربي ولأسماء الشعراء. بدأت أحصي شعراء العصر الجاهلي، فوجدت أن شعراء هذه المرحلة يزيدون عن 500 شاعرا، أين ذهب هؤلاء، لم يبق منهم إلا عشرة أو عشرون الزمن سيصفي، يبقي الجيد وينفي الرديء. تاريخ الرداءة مرافق للشعرية العربية، منذ أن ظهرت حتي يومنا هذا. أنا أعجبني جدا مرة أبو تمام قال قصيدة جميلة جدا. فأجد النقاد قال له يا أبا تمام، هذه قصيدة جيدة، لكنها تحتوي علي بيت رديء، ألا يستحسن أن تبعده عنها، فرد عليه ردا من أجمل ما يمكن، قال له: شعري كأبنائي، فيهم الذكي وفيهم الغبي، فيهم الجميل وفيهم القبيح. هل تتصور يوما أنني أحب أن يموت لي ابن منهم.فالشعر مولود. أنا أحصيت 1900 شاعر عربي من الذين ماتوا خلال القرنين 19 و20. من منهم أصبح يذكر في الشعر العربي، شوقي، حافظ، الجواهري، أين الباقون. الرديء لا ينفي الجيد إطلاقا ولا يقضي عليه. الرديء لايخيفنا، في كل أنواع القصائد يوجد الرديء والجيد.كيف تقيم حركة النقد الادبي في العالم العربي؟بكل أسف، الجيل الاول من النقاد، كان الخطاب الشعري أمامهم محدودا، ويقرأونه كله، يعني ما قاله شوقي وحافظ والجواهري والرصافي وجبران، ومطران، قرأوه لأنه كان محدودا، وكان النقد سهلا، كان معظمه حوارا لغويا، خطأ نحوي مثلا، فتقريبا كان هناك استيعاب من النقد للخطاب الشعري. في منتصف القرن 20 ظهر جيل آخر، هذا الجيل أيضا واجه المرحلة الرومانسية وبدايات شعر التفعيلة فاستوعب هذا الشعر وناقشه وتوقف عند هذه المرحلة وزرع في المؤسسة الاكاديمية هذه الكارثة، وهي أنك ـ في المؤسسة الاكاديمية في العالم العربي كله ـ يكاد النقد يتوقف عند منتصف القرن 20. يخرج الطالب من المؤسسة الجامعية، يعرف المتنبي، وامرئ القيس وأبو تمام وشوقي والجواهري وسليمان العيسي، بعد ذلك يخرج الطالب مفرغا تماما من أي شيء عن النصف الثاني من القرن العشرين . لماذا؟ لأنه، في النصف الثاني ظهرت تحولات في الشعرية العربية، يبدو أن أدوات النقد لم تكن مهيأة لاستقبالها، فتوقف هؤلاء النقاد عن نقد الشعر. ولم يرفضوه خوفا من أن يتهموا بأنهم متخلفون. في المرحلة الثانية، جاء الجيل الثالث من النقاد، لكن للأسف، هذا الجيل انقسم إلي قسمين: قسم انغلق علي التراث تماما ورأي أن كل شيء فيه يصلح، واعتبر بعضهم أن قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، نوع من الخروج علي الاسلام.القسم الثاني، انفتح علي الغرب انفتاحا ورأي فيه كل الخير، فبدأ يتعامل مع هذا الشعر بهذا المنهج الذي استجلبه من الغرب دون أن تدرك بأنه يرتكب جريمة فظيعة جدا، لماذا؟ لأنه يستخلص أدوات نقدية من نص غير عربي، ويريد أن يرغم النص العربي علي تقبله. كما لو أنك تزرع عضوا غريبا في جسد، سينتهي الجسد. إذا قبله سيشوه. بين هذين، ظهرت طائفة ثالثة توازن بين الامرين، تأخذ من القديم ما يصلح وتأخذ من الجديد، بمعني لا تنغلق علي القديم وحده ولا تخضع للجديد وحده، وإنما تفيد من هذا وتفيد من ذاك.لم يعد النص الحداثي يجد الناقد الذي يصبر عليه ويتعامل معه بحب وحنان حتي يفصح لـه عن جماليته ويفهم معناه. أنا أبحث عن جماليات النص.لا أقول ماذا قال هذا النص عن قضية فلسطين ولكن أقول كيف عبر هذا النص عن قضية فلسطين أو عن كارثة العراق مثلا.بخصوص المدارس الادبية، هل تتفق مع ما يقوله الشاعر محمد شمس الدين من أن الشعر أكبر من المدارس وأكبر من الاشكال؟هذه قضية مفروغ منها، ليس الشعر وغير الشعر: النقد تابع والادب متبوع، لا يمكن أن أتابع شخصيا كل هذا الكم الهائل من الدواوين، غير الروايات والقصص والمقالات والدراسات. أنا أنتقي ديوانا أو ديوانين وأتكلم عنهم.كيف أتعامل مع النص العربي بهذا المنهج هذا النص الذي يلغي المرجعية اللغوية تماما، وهذا معناه إلغاء الثقافة. كيف أتعامل مع منهج يقول بموت المؤلف، أنا عندي نص لا يمكن أن يموت مؤلفه أبدا، النص القرآني لا يموت مؤلفه أبدا، إذا كان عندي أعظم نص أدبي في العربية لا يمكن أن يموت مؤلفه، كيف يمكن لي أن أتعامل مع هذه المقولة. إجمالا، ليس كل ما يأتينا من الغرب صالحا للتعامل به مع النص العربي.أنا أقول، نحن بحاجة إلي ثلاث قراءات:الاولي، القراءة الاستحضارية، أي أستحضر فيها المنجز الغربي في آخر ما وصل إليه وأقرأه بانفتاح.الثانية، أسميها القراءة الاسترجاعية أي أعود إلي التراث وأقرأه بحب وتسامح.الثالثة، وأسميها القراءة الاستنتاجية أي التي تجمع بين هذا وذاك جمع توفيق لا جمع تلفيق، وأستخلص الادوات التي يمكن أن أتعامل بها مع النص. هنا يكون النقد صحيا، لأنني تعاملت مع النص بأدوات تلائمه وتناسبه... ويكون في النهاية، النقد تابعا للإبداع، لا متبوعا للإبداع.دار و مازال يدور نقاش حاد حول من له أسبقية التأثير في الاخر المشرق أم المغرب، علي المستوي الثقافي بصفة عامة.لو جئنا إلي أشهر ناقد في المغرب العربي، نجد حازم القرطاجني، وحازم هذا بني ثقافته النقدية علي ما قرأه في المشرق العربي وبخاصة علي مؤلفات عبد القاهر الجرجاني، أفاد من أرسطو، نعم، من اليونان نعم، لكن أساس ثقافته النقدية هي ثقافة مشرقية، في العصر الحديث، القضية انعكست بعض الشيء، لماذا؟ لأنه في بداية القرن 20 كانت الثقافة المصرية قامت بمهمة نقل المنجز الغربي إلي التراث العربي أو إلي الثقافة العربية. في منتصف القرن، انحسر كبار المترجمين المصريين والشوام أيضا، وبدأ المغاربة هم من يقومون بمهمة نقل الثقافة الغربية الحالية إلي التراث العربي. نحن الان بعد أن قرأنا المنجز الغربي واستعدنا التراث، بدأنا منذ سنة 1990 نقرأ الثقافة العربية المنتجة حديثا، وأنا الان، بدلا من أقول قال: بارث، قال باختين، أقول قال عبد الله الغذامي، قال جابر عصفور، قال صلاح فضل، قال المسدّي، قال حمادي سمود.. إذن هؤلاء هم أركان مرحلة نقل الثقافة وهم الان أركان مرحلة إنتاج الثقافة. أيضا، أعتقد أن الجيل الجديد سيواصل عملية إنتاج الثقافة ولن يمضي وقت طويل حتي تكون عندنا ثقافة جديدة، لكنها عربية الهوية وهذا الاساس



.التقاه: مصطفي زيان

صقر الخالدية
13/01/2004, 12:05 PM
فوائض مالية خليجية
أحمد الربعي

زاد دخل دول مجلس التعاون الخليجي في عام 2003 اكثر من ثلاثين مليار دولار بسبب الارتفاع الكبير في اسعار النفط، وهذه فرصة نادرة لاعادة توظيف هذه الاموال بشكل رشيد وحكيم وذلك يتطلب التوقف عن بعض سياسات البذخ والمشاريع غير الانتاجية والتقليل من سياسة التسلح لصالح التنمية وخاصة في مجال التعليم والخدمات والاستثمار.
دول مجلس التعاون حققت الكثير مع الطفرة النفطية في الثمانينات عن طريق تأسيس بنية تحتية من الطرق والموانئ والمطارات وغيرها، ولكنها اضاعت تلك الفرصة التاريخية عن طريق تبديد كثير من الاموال على مشاريع غير منتجة، وخلقت الفورة المالية انذاك شعورا بالاستمرار في سياسة الصرف غير الرشيد، ولم يستفد التعليم الذي كان يمكن ان يشهد ثورة حقيقية في المناهج والمباني المدرسية وتدريب واعادة تدريب المدرسين. وخلقت الطفرة النفطية حالة من عدم الانضباط، وتم صرف اموال كثيرة على التسلح دون تنسيق بين دول المجلس، وغابت الى حد كبير آليات مراقبة الاموال العامة والتأكد من انها تصرف بطريقة رشيدة وحكيمة.
تأتي الفرصة الجديدة التي شهد العام المنصرم نموذجا لها لتطرح قضايا جوهرية تتطلب اعادة استثمار الفوائض في مشاريع تنموية تساعد على تخفيف الاعتماد على النفط كسلعة متقلبة وغير مأمونة، وتوفر فرصا للعمالة الوطنية في ظل تحول البطالة الى ظاهرة مقلقة لها تأثيراتها السياسية والاجتماعية الخطيرة على المجتمع. وتتطلب ضبط وترشيد الدخل القومي وتفعيل آليات الرقابة المالية لخلق حالة من الاطمئنان العام، ولضمان الاستفادة القصوى من الفوائض المالية.
لقد حاول الارهاب ان يضرب استقرار المجتمعات الخليجية، وما زال يحاول زعزعة الاستقرار ووقف عجلة التنمية، ولذلك فان الرد على الارهاب وطروحاته يتطلب تحسين ظروف حياة المجتمع ومواجهة قضايا التعليم والبطالة والحريات العامة والمشاركة الشعبية من اجل تجفيف منابع الارهاب، وخلق حال من الشعور العام بأن القانون له احترامه، وان المال العام له احترام، وان الناس واجتهاداتهم لهم احترامهم. ولا شك ان الفوائض المالية اذا تم التعامل معها بالانضباط والحكمة يمكن ان تغير الكثير وتكون عامل استقرار كبير.

صقر الخالدية
13/01/2004, 01:09 PM
مخطط التوريث في مصر كان حقيقة ولم يكن وهما
2004/01/10

محمد عبدالحكم دياب
نفي الرئيس حسني مبارك للتوريث، في التصريح الذي أدلي به الاسبوع الماضي للاذاعة المصرية، ساعدنا في فتح ملف أوضاع مصر، بما فيه من معلومات عن موضوع الخلافة، المطروح في كافة الأوساط بإلحاح شديد. وهو ما أثار قلق هذة الأوساط، فما جري، في اليوم التالي لوصولي إلي القاهرة، هو أن الرئيس مبارك أصيب بوعكة صحية زادت مشاعر القلق في ظروف فراغ سياسي تعيشه البلاد، وفراغ دستوري محتمل في حالة غياب الرئيس لسبب من الأسباب. لقد كتبت عن معايشتي للحدث من القاهرة فور وقوعه، وحال مصر عشية الوعكة التي ألمت بالرئيس مبارك، والوضع الصعب بين خيبة الأمل في التوريث وحدة الأزمة الاقتصادية (القدس العربي 29 / 11 / 03)، ولم يتسع الحيز وقتها لتفسير هذا القلق الذي انتاب مصر حينها.
لم يكن مصدر القلق هو مصير النظام، إنما كان من المجهول، ليس لأفضلية الحاضر، ولا ازدهار الواقع، إنما بسبب ما يمكن أن يفرزه الفساد من خطر علي البلاد ومستقبلها، وبسبب ما يمكن أن تواجهه مصر من مخاطر داخلية وخارجية، من جراء توابع سياسة الافقار المتعمدة، وتداعيات ما يجري علي حدود مصر الشرقية، في فلسطين، وناتج العجز عن توفير إمكانيات الدفاع عنها، ومما يمكن أن يحدث إذا ما فرض التغيير بالقوة الأمريكية والآلة العسكرية الصهيونية، وسط حالة عدم الاكتراث باعداد الشعب لمواجهة هذا الاحتمال، عن طريق التغيير الديمقراطي الوطني المطلوب والملح، والاحتكام إلي الشعب في انجاز هذه المهمة، واعداده للدفاع عن نفسه، لأن ذلك يقطع الطريق علي الادارة الأمريكية ويمنعها من تكرار سيناريو العراق، ولهذا فإنه في مجال المقارنة بين استبداد الرئيس المخلوع صــــدام حســــين واستبداد الرئيس حسني مبارك، يشيع في مصر رأي يقول بأن صدام وزع المواد الغذائية التي تكفي العراقيين ما بين ستة شهور إلي سنة، ودرب المواطنين عسكريا، وأعطاهم سلاحا يكفيهم لسنوات من المقاومة. بينما نظام مبارك لم يستطع توفير الخبز اليومي للمصريين، فضلا عن غياب أي إمكانية، شعبية، للمقاومة.
وهذا ما جعل موجبات التغيير، المصحوبة مع ما أصاب الرئيس من مرض، أكثر الحاحا من أي وقت مضي، وتكون المفاجأة عند استطلاع رأي رجل الشارع، فتجده غير قانع بتغيير مسؤول بمسؤول، أو جماعة بجماعة، ولا أن تحل شلة التجديد التي يقودها جمال مبارك محل خُشُب سلطة شاخت وتيبست.. فالشارع يأمل في إزاحة الموجود واستبداله بكيان آخر، لم يلوث، ولم يفسد، ولم يرتش، ولم يسرق، ولم ينهب، ولم يتخم، ولم يستغل، ولم يظلم، ولم يكذب، ولم ينافق، ولم يخرب، ولم يتصهين، ولم يتأمرك، ولم يخن، ولم يتجسس، وعدم الرهان علي أي من هذا، مجتمعا أو منفردا.
وقد لوحظ أن السخط المتفشي في مصر أتي مصحوبا باحساس فادح بالظلم، ومن المعروف أن الظلم وحده لا يولد السخط الذي يشعل الثورات، ما دامت هناك محاولات جادة تخفف منه، إنما يولد من رحم الشعور الحقيقي به، الذي يتعمق بغياب هذه المحاولات. هذه سنة الحياة علي مر القرون، والعصور، والدهور، والحقب، والأجيال.. المصريون الساخطون ينتظرون التغيير ويتوقعونه مع كل طلعة شمس.
ولعب انكسار حاجز الخوف، والصراحة الزائدة في نقد السياسات القائمة دورا في تفشي السخط، مما سهل كثيرا التعرف علي الاتجاهات العامة للمصريين، ففضلا عن غياب التأييد الحقيقي، فإن التأييد المصطنع والمزيف اختفي وانعدم تقريبا، وترك ذلك أثره واضحا علي سلوك رجال الدولة والحكم، فهم في خوف وتخبط وارتباك وتوتر وضعف، ويعوضون كل هذا بمظاهر سلطة وهمية وهيبة مصطنعة، علي شكل حراسات، وتعذيب وحشي لا يتوقف في أقسام ومراكز الشرطة والأمن.
وفي محاولة التعرف علي ظاهرة زيادة البطش والتعذيب لنظام يعاني سكرات الموت، وجدت أن هذه الظاهرة أصبحت المظهر الوحيد الباقي لسلطة مكروهة وملفوظة. نجحت فقط في بناء دولة بوليسية شديدة التوحش والوطأة. ويستغرب المراقب لمدي السخط المنتشر، الذي يجمع الفقراء والأغنياء، علي حد سواء، وإن كان الغلاء والبطالة، ومستوي المعيشة المتردي، وعداء الدولة للفقراء، وهضمها لحقوقهم، بجانب خطر الجوع الكافر الذي يتهددهم هو أساس السخط، فإن سخط الأغنياء مرده إلي عدم الأمان، وتفشي ظاهرة الابتزاز الرسمي لهم، والانقلاب عليهم، إذا ما رفضوا الخدمة في بلاط الرئاسة.
هذه الحالة ولّدت ظاهرة أخري، هي ظاهرة الطمع في وراثة الحكم، من داخل أروقة الحكم ذاته، وهو ما أضعف موقف الابن الطامح فيه، وأدي إلي انقسام واضح أصاب دائرة رجال الرئيس، وانعكس في صراع معلن وخفي بين جمال مبارك وصفوت الشريف، وبين جمال مبارك ويوسف والي، فصفوت الشريف، كأمين للحزب الحاكم، يعمل علي قطع الطريق علي الابن بالمناداة بتحويل الحزب الحاكم ليكون حزب كل المصريين، مع اتباع سياسة الاغداق التي يمارسها في وزارة الإعلام، مقابل ذلك يقصر جمال مبارك العضوية علي المستفيدين ، من مجموعته، ويعتمد علي المال وتوزيع الوظائف المرموقة، في الحزب والحكومة والشركات الخاصة، والمؤسسات الأجنبية لنيل التأييد.
أما يوسف والي يتولي اجهاض قرارات ومشروعات جمال مبارك خاصة تلك التي سمحت بالبناء علي الأراضي الزراعية، مع حرق رجل وذراع جمال مبارك الأيمن، أحمد عز لاحتكاره صناعة وتجارة الحديد، ويأتي ذلك مصحوبا بحملة تشنها صحيفة أخبار اليوم الأسبوعية، تطالب بمحاكمة عز وتتهمه بتهريب 70 مليون دولار شهريا إلي الخارج، ومن جانبه يستغل جمال مبارك المخالفات والانحرافات في مجالات الزراعة، واستصلاح الأراضي، والثروة الحيوانية، للتخلص من يوسف والي عن طريق النيابة والقضاء. لكن يوسف والي، في مجال دفاعه عن نفسه، يلوح بمسؤولية الرئيس مبارك عن القرارات، التي صدرت في مجالات الزراعة واستصلاح الأراضي والثروة الحيوانية، ويدعي أنه لم يكن يتصرف في شيء دون موافقة رسمية من الرئيس، أي أن مخطط صهينة قطاع الزراعة، واستيراد المواد المسببة في انتشار السرطان والأوبئة الفتاكة، لم تكن بعيدة عن توجيهات الرئيس وتعليماته.
هذه الملابسات وغيرها أضعفت مخطط التوريث وترد علي نفي الرئيس مبارك، ووصفه للمخطط بأنه شائعة روجها مغرضون. وبذلك يحدث القفز علي دور الرئيس مبارك في تنفيذ المخطط وتمريره بقرارات جمهورية وسيادية.. فمن الذي أصدر قرار تعيين جمال مبارك وزيرا برئاسة الجمهورية، مسؤولا عن إدارة الاقتصاد؟، ومن الذي وضعه في الأمانة العامة للحزب الحاكم؟، ولو كان الحزب يأخذ بقاعدة الانتخاب لشغل مواقعه لكان هناك كلام آخر.. ومن الذي أصدر قرارات تشكيل لجنة السياسات أم اللجان ، التي خصخصت الحزب والدولة، ومكنت الإبن من السيطرة علي كل شيء؟.. من الذي أقر المجلس الأعلي للسياسات ، ضاربا بالدستور عرض الحائط ليحل محل كل المؤسسات السياسية والتنفيذية والتشريعية؟.. من الذي منح الإبن هذه الصلاحيات التي لا تقل عن صلاحيات رئيس الدولة؟، ومن هو الذي مكنه من تعويم الجنيه المصري، ومن تدمير الاقتصاد الوطني؟ وما هي القوة التي سمحت لجمعية أهلية.. اسمها جمعية جيل المستقبل لتلغي دور الحزب والدولة في اعداد الكوادر السياسية والإدارية للاستيلاء علي مناصب الحزب والدولة؟، هل كل هذه شائعة ؟ ما أضخمها حتي تتيح لجمعية أهلية كل هذه الصلاحيات لأن رئيسها إبن رئيس الجمهورية، ومتي كان اعداد القيادات السياسية والإدارية يوكل للجمعيات أهلية وللقطاع الخاص؟.
من الذي سمح للإبن بأن يرأس وفدا رفيعا يذهب للولايات المتحدة، مرتين في أقل من ستة شهور؟ ولماذا اهتمت به الإدارة الأمريكية حتي يلتقيه ديك تشيني، نائب الرئيس الأمريكي، في اجتماع مغلق، لم يحضره غير السفير المصري في واشنطن؟، ولماذا حرص الإبن علي الاتصال بقادة المنظمات اليهودية، ليقول لهم انه من محبي السلام ومناصر للتطبيع؟.. هل شائعة تصنع كل هذا ونحن غافلون؟!!
إذا كان الرئيس يريد أن يتراجع، فلا عيب في هذا إلا مع المستبدين.. كان عليه أن يقول هذا صراحة، فالنفي بهذه الطريقة ما هو إلا استخفاف بعقول الناس، وإذا كان ما حدث تم بطلب من قيادات الحزب الحاكم، منذ ثلاث سنوات، فهل لا يستجيب الرئيس إذا ما تكرر الطلب؟ ونحن الذين ألمحنا وصرحنا، منذ خمس سنوات إلي ما يجري في الكواليس لتوريث الحكم، ومع احترامنا لكل من ينسب لنفسه الفضل في إثارة الموضوع نقول لهم ارجعوا إلي أعداد هذه الصحيفة، وعلي نفس هذه الصفحة، طوال السنوات الخمس التي مضت لاختبار صحة ما نقول، وأذكر أن رئيس التحرير منعني من تناول الموضوع علي مدي سنتين قبل ذلك، لأنه لم يصدق، ولم يتصور حدوث ذلك في مصر لثقته في قدرتها ووعي شعبها، والغريب أن صحيفة يديعوت أحرونوت (5 / 1) عرضت لسيناريو تراه ممكنا عن طريق اقتراح زعماء الحزب، قادة الاتحادات المهنية، ومثقفون، وشخصيات بارزة البيعة لجمال مبارك، وهم يصرون علي عدم احباط آماله في الوصول إلي قمة الهرم الذي تربع عليه والده لربع قرن!!.
كان من الأجدي تقديم مبررات مقبولة للتراجع، ونحن ممن يدعون أن النفي لم يكن سوي رسالة وجهت إلي واشنطن ولندن وتل أبيب، لتجميل الوجه الاستبدادي والقبيح لحكم الرئيس مبارك، فقد جاءت هذه الرسالة مصحوبة بتغيير مفاجئ في العلاقات المصرية الصهيونية، وموافقة مبدئية علي عودة السفير المصري إلي تل أبيب، وضمن هذه الخطوات جاءت زيارة أحمد ماهر القدس المحتلة، والتزامه الصارم بشروط شارون في عدم الاتصال أو زيارة الرئيس الفلسطيني، وكل ذلك مقترنا بجهد رسمي مصري مكثف لوقف الانتفاضة، مع بحث برنامج زيارة مبارك للدولة الصهيونية، وترتيب زيارة شارون لمصر، وهذا يوصف بأنه دفاع عن القضية الفلسطينية.. بئس الدفاع وبئس المدافع!!.
دفتر أحوال مصر مملوء بالمآسي والعجائب، وفي الأسبوع القادم، باذن الله، نفتح معكم صفحات أخري منه.. سجلنا فيها حكايات عن اسطول طائرات جمال مبارك الخاصة، وعما يجري داخل امبراطورية أمناء الشرطة في قلب القاهرة، وسر منع صحيفة القدس العربي من دخول مصر، والهجوم المستمر علي رئيس تحريرها، عبد الباري عطوان، وآثار منع حديث الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل من البث الفضائي، وتداعياته المستمرة حتي الآن.
9

sads
14/01/2004, 04:02 PM
:نطوط:

صقر الخالدية
17/01/2004, 01:01 PM
نكبات توريث الحكم في تاريخ العرب والمسلمين
2004/01/13

عاطف مظهر


لعل مسألة توريث الحكم في الدولة العربية الذي بدأ بتوريث معاوية بن أبي سفيان الحكم من بعده لابنه يزيد من أهم الوقائع السياسية في تاريخ العرب والمسلمين قاطبة .. فقد شكل هذا الحدث منعطفا حاسما ونقطة تحول مفصلية في المسار التاريخي والحضاري للأمة .. لما أحدثه من مردودات سياسية وتراكمات سلبية علي مر العصور .. وقد أحدث هذا الفعل المشؤوم انقلابا معاكسا في حكم الدولة الإسلامية في مراحلها المبكرة ، وكان بمثابة ردة (سياسية) وتقاطعا مع مبدأ الشوري الذي سنه الإسلام وسار عليه الحكام في عصر صدر الإسلام ومرحلة الخلافة الراشدة ، وهو العصر الذي ينظر إليه المسلمون بفخر واعتزاز ، ويعتبرونه النموذج والمثل.
"التوريث السياسي" أحدث نقلة نوعية (سلبية) وحول الحكم الإسلامي من حكم راشد يعتمد الشوري وينتهج الحرية ، إلي ملك عضوض يتأبد عصورا خلف عصور ، ويتحكم في رقاب البلاد والعباد أجيالا بعد أجيال .
منذ ذلك الوقت تغيرت نظرة الحكام إلي السلطة ، فبعد أن كان قول الخلفاء الراشدين للناس : " وليت عليكم ولست بخيركم .. وان رأيتم مني اعوجاجا فقوموني " .. وبعد أن كان مسلكهم الرجوع إلي الناس في كل كبيرة وصغيرة وتغليب المصلحة العامة .. أصبح قول الحكام والملوك بعد ذلك : " ما أريكم الا ما أري وما أهديكم الا سبيل الرشاد " .. وبات مسلكهم الانفراد بالقرار والاستئثار بحاشية صغيرة تغلب مصالحها الخاصة .. وكان من المناسب لذلك - بل من الضروري - أن تتحول ألقاب الحكام من " الفقير إلي الله وخادم المسلمين " .. إلي " أصحاب الجلالة والفخامة والعظمة والسمو " .
ان توريث الحكم في تاريخ العرب كان بمثابة بذرة خبيثة نبتت في أجواء الفتن والمؤامرات ، وحصدتها الأمة ضعفا واضمحلالا وتفككا في بنية الدولة ، وتخلفا وانحطاطا في مسار الحضارة ، وهي نتيجة مؤكدة وحقيقة دامغة يرصدها الباحث المدقق لاتجاهات صعود واضمحلال الحضارات والمتتبع لحركة التاريخ الإنساني العام .
فإذا نظرنا لأسباب اضمحلال وسقوط الدول الإسلامية المتتابعة ، بدءا من الدولة الأموية وانتهاء بالدولة العثمانية ، ومرورا بالدولة العباسية والفاطمية والأيوبية والمملوكية ، وإذا عرجنا إلي الممالك الإسلامية التي قامت في الأندلس وإيران والهند واسيا الوسطي وغيرها من المناطق التي شرق إليها الإسلام وغرب .. سنجد توريث الحكم في مقدمة الأسباب ومن أهم العوامل ، ففي بداية تأسيس الدول نري دائما حكاما أقوياء بذلوا جهودا كبيرة في تدعيم حكمهم وإقامة أركان دولتهم ، وفرض سيطرتهم الكاملة علي السلطة .. وبمرور الوقت يخلف هؤلاء الحكام أبناء ضعفاء ( أو ليسوا في كفاءة الوالد ) يرثون الحكم ويسيطر عليهم رجال الحاشية من أعوان الحاكم الراحل ، ويصبحوا ألعوبة في أيديهم يحركونهم كيف شاءوا ..
وسط هذه الأجواء الملبدة بالغيوم تصبح التربة خصبة لتنازع المصالح وتصارع القوي داخل النخب الحاكمة ، الأمر الذي كان يؤدي دوما إلي شيوع الاضطرابات والفوضي واستفحال الأزمات والنكبات ، التي تكون في بدايتها (اقتصادية) وتنتهي - في الأغلب - (سياسية وعسكرية) .. وتمهد تلك الظروف في نهاية المطاف الطريق لأحد أمرين : إما حدوث انقلابات داخلية عنيفة تقلب الطاولة وتعيد تشكيل الخرائط السياسية من جديد ، أو فتح الباب علي مصراعيه للغزو الخارجي .
والشواهد علي ذلك كثيرة ومتنوعة .. والقارئ للتاريخ العربي والإسلامي بمقدوره الوقوف علي عشرات بل ومئات التجارب المماثلة ، الحافلة بالكوارث والأخطاء والمليئة بالأسي والمرارة ، وكان السبب - في معظمها - حاكما جائرا أو ملكا طفلا جاء بالتوريث وتسبب في نكبات البلاد ، وسكتت عنه النخب خوفا أو طمعا ( متقلبين بين ذهب المعز وسيفه ) .
ومن هنا يتحتم علي كل من ينادي بالإصلاح (حاضرا) أن يعيد قراءة التاريخ جيدا ، ويعي هذه التجارب مستخلصا منها العبر .. والمؤكد أن التاريخ الإسلامي مثل أي تاريخ إنساني آخر ، فيه ما نفخر به ونود إبرازه ، وفيه ما نكرهه ونود محوه كلية من ذاكرتنا . فيه تجارب يشع منها العدل والحرية ، وفيه جوانب مليئة بالجور والاستبداد .
وقد يري البعض أن قيم العدل والحرية لم تتمثل في الواقع إلا في فترات استثنائية وقليلة جدا في التاريخ الإسلامي ، ولم تلبث أن توارت واختفت تماما من معظم صفحات التاريخ ، إلا في ومضات نادرة وخافتة .. لكن البعض الآخر يري أن قيم العدل والحرية هي قيم نسبية تتفاوت حسب الزمان والمكان وتتباين طبقا للظروف والأحداث ، ولا يجوز لنا أن نحكم علي أحداث هذه العصور بمقاييس ومفاهيم وقيم عصرنا الحالي ، فلكل عصر ثقافته ورؤيته الخاصة لمفاهيم العدل والحرية ، ولكل زمن طرقه وأساليبه في التعاطي مع هذه القيم وتنزيلها علي أرض الواقع .
وحتي مسألة توريث الحكم ، يري البعض فيها أمورا ايجابية (غائبة عنا !) فهي- من وجهة نظرهم - قد ساعدت علي تحقيق الاستقرار في ظروف حرجة وصعبة ، ويضربون لنا أمثلة عديدة لخلفاء وملوك وحكام ورثوا الحكم ونجحوا في توطيد سلطتهم ، وأظهروا كفاءة أكثر من أسلافهم ، ويقولون أيضا ان المكانة الاجتماعية المرموقة والأوضاع المادية المميزة هيئت كل السبل لأبناء الملوك والحكام لتلقي تعليما رفيعا وتربية راقية أهلتهم أكثر من غيرهم لتولي مسؤولية الحكم ..
ولكن هذه الأقوال - بغض النظر عن شفافيتها وموضوعيتها - مردودة من جوانب كثيرة .. فإن كان توريث الحكم قد ساعد في بعض الحالات علي تحقيق استقرار الحكم لأجل محدود ، فينبغي أن نعرف أيضا كيف تحقق هذا الاستقرار ؟ .. وهل تم بوسائل مشروعة أم لا ؟ ( بالقهر والقمع أم بالحرية والعدل ؟ ) .. وما هو الثمن الذي دفعته الشعوب لتحقيقه ؟ .. وهل كانت محصلة هذا الاستقرار في صالح الشعوب أم في مصلحة الحكام ؟ ..
أما الزعم بأن توريث الحكم له ظروفه (التاريخية) وخصوصيته (السياسية) التي يجب عدم إخضاعها لتقييم ثقافة معاصرة لشعوب لا تشترك معنا في نفس الظروف .. ويقصدون بذلك قيم الديمقراطية والشفافية وحقوق الإنسان في الفكر الغربي الحديث ، فهو قول غير دقيق ويجانبه الصواب ، لان توريث الحكم لا يتعارض في حقيقته مع هذه القيم الغربية الحديثة فقط ، وإنما هو يتعارض أيضا مع القيم الإسلامية الأصيلة ، ويأتي في مقدمتها مفهوم الشوري الذي يعطي للناس حقا شرعيا في تقرير مصيرهم واختيار حكامهم .. وهو يتعارض كذلك مع مبادئ العدل والحرية والمساواة وتكافؤ الفرص في المفهوم الإنساني العام .. فحصر الحكم في أسرة واحدة كان معناه أن سلم الترقي الاجتماعي والسياسي له حدود معينه لا يمكن لأحد تجاوزها ، لأن منصب الحاكم محجوز مسبقا ، الأمر الذي كان يؤدي دائما إلي إضعاف الكفاءات وقتل الأمل والطموح في نفوس أبناء الأمة ، وتعميق إحساسهم بالدونية وعدم المساواة .. وجعلهم في نهاية المطاف رعايا في كيان سياسي تحكمه أسرة ملك أو أمير أو رئيس .
منذ زمن معاوية وطوال عصور التاريخ لم تتغير مبررات النخب الحاكمة لتوريث أبنائها السلطة ، ودائما تكون : المحافظة علي الاستقرار ووحدة البلاد ، وعدم ضياع الإنجازات والمكتسبات !! وينتاب المرء في الواقع حيرة كبيرة حين يفتش عن هذه المنجزات والمكتسبات ومعرفة المقصود بها ، عندما يجد نفسه يعيش في أجواء كئيبة مليئة بالتخلف والقهر والفساد ، ولا يري حوله سوي الهزائم والكوارث والنكبات .. ويرتاح المرء أخيرا حين يدرك أن المقصود بذلك - قطعا - هو منجزات الحكام الشخصية في الوصول إلي سدة الحكم وفي تأبيد سلطتهم ، ومكتسباتهم المالية في التكويش علي الثروات ، ويعود هذا اللبس بالتأكيد إلي اختلاط المفاهيم في ذهن النخب الحاكمة ، التي زاوجت بين مصالحها الخاصة والمصلحة العامة .. وربطت بين المصالح الاستراتيجية للبلاد وبين أهدافها الشخصية في التأبيد في الحكم .. ومن ثم أصبح استقرار البلاد رهن باستقرارها في الحكم ، وبات من يعارض الحكم أو ينادي بتغيير الحاكم ، خارج علي القانون ، ومناهض للشرعية ، بل وخائن للوطن .. يستحق أن يهدر دمه ويــهدد في أمنه ورزقه وينكل به بأشد أنواع العقوبات .
ثمة نقطة أخيرة مهمة في موضوع التوريث ، وهي مسألة تتعلق بالاستعدادات النفسية والقدرات الشخصية لمن كانوا يتولون الحكم عن طريق الوراثة في التاريخ الإسلامي ، فمع التسليم برقي نشأتهم وتلقيهم قسطا وافرا من التعليم الرفيع ، بحكم مكانتهم الاجتماعية المميزة .. الا أن هناك أسباب نفسية (سيكولوجية) جعلتهم غير مؤهلين كلية لتولي الحكم .. فهؤلاء الأبناء لم يعتركوا الحياة ، ولم يعيشوا يوما واحدا في دور المواطن البسيط ، بل كانوا يرفلون في النعيم ويتقلبون في مظاهر الترف (ولدوا وفي فمهم ملاعق ذهبية) فلم يكابدوا الحياة ولم يقاسوا من تقلباتها ونوازلها ، ولم يسيروا في الشارع بين الناس مثل باقي البشر ، ومن ثم فهم - بترفعهم وانعزالهم - لم يعرفوا أبدا حقيقة مشاعر الناس ولم يقدروا معاناتهم واحتياجاتهم .. وهي أسباب كافية جعلتهم غير جديرين بتولي الحكم.

ان مبدأ توريث الحكم حرم الأمة عصورا طويلة من تحقيق مبادئ الشوري والحرية والعدل (الديمقراطية) ، لأنه جعل من تغيير الحكام سلما (تداول السلطة) أصعب من الوصول إلي الشمس ، وجعل من تطبيق مبادئ الشفافية والمساواة (حقوق الإنسان) أحلاما غير قابلة للتحقيق .


ہ كاتب من مصر

جزيل
18/01/2004, 05:44 AM
الي الشعوب العربية مع التحية!
2004/01/17

ان اصغركم عمرا الي اهرمكم يعلم علم اليقين ان ما فينا من ذل وقهر وكبت للحريات ما هو الا بفعل حكامنا.. ومن أنفسنا.
هل تعلمون انكم اقل حظا من الفلسطينيين والعراقيين فهم يخضعون للاحتلال ولكنهم بشرف يقاومون وانتم ايضا محتلون ولكنكم للذل خاضعون ام تنتظرون جشع الامريكان ليحرركم كما يدعون ومن ثم علي كرامتكم يدوسون. فافيقوا فان سكوتكم لضخامة ما يحدث حولكم ما هو الا نقمة غدا علي ابنائكم فغيروا ما بأنفسكم واتركوا مبدأ (لا اري، لا اسمع، لا اتكلم) افيقوا لأن الموت افضل من العيش بلا عزة ولا كرامة.
ام انكم تهابون الجيوش العربية التي والله ما وضعت الا للاستعراض ولحماية الحكام واعوانهم، فكفاكم انتظار من يأتي لانقاذكم وانتم اجدي به.
ابو آدم
ايطاليا


المصدر : القدس العربي

صقر الخالدية
18/01/2004, 11:09 AM
الاعتدال عماد الكون.. والدين.. والعلم.. والسياسة

زين العابدين الركابي


لا يسبق التحقيق والضبط اللغوي شيء في موضوع: اجتلاء المفاهيم والمصطلحات وتحريرها.. والاعتدال مفهوم مشتق من الجذر اللغوي الثلاثي (عدل)، وهو جذر يندغم في معناه: التوسط. والقصد أو الاقتصـاد. والتــوازن. والاستقامة. والاستواء: في التفكير والعمل والسلوك.. ووفق هذه المعاني تنزل القرآن.
ومن ذلك: «جعلناكم أمة وسطا»..: «واقصد في مشيك»..: «وأقيموا الوزن بالقسط»..: «فاستقم كما أمرت» ـ أي على المنهج الوسط ـ ..: «تعالوا إلى كلمة سواء».. ووصْف أمة المسلمين بأنها أمة (وسط) ينتظم هذه الدلالات كافة. وبمقتضى هذا: هي أمة مدعوة أو محفوزة الى التحرر مما يضاد هذه الدلالات مثل: الغلو. والعدوان. والشطط. والطغيان. والاسراف. والانحراف. والتنطع. والتشدد، وسائر النقائص المتعارضة مع مفهوم الاعتدال.. وبتصعيد المنهج إلى أعلى، ومدّه إلى الأفق المفتوح: يسفر التحقيق عن (حقيقة كلية): أعظم وأشمل. فالاعتدال ها هنا: مفهوم لا يُتصور انتظام الكون، ولا انتظام الحياة البشرية بدونه. فالكون كله يقوم على (التوازن) أو الاعتدال، لا على الغلو، والتطرف، والاضطراب.. نعم الكون قائم على التوازن: «والسماء رفعها ووضع الميزان»، ولو اختل هذا الميزان أو التوازن: انفرط عقد الكون. ومثل ذلك: «والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون». ومن هنا جاء (الاعتدال الشرعي) أو الميزان الديني: «الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان» لكي تعتدل الحياة البشرية وتستقيم مع النظام الكوني المستقيم باطراد، فلا تضطرب هذه الحياة بغلو، أو عدوان، أو طغيان.. ولئن احتيج إلى ضميمة مزيدة فهي: ان الاعتدال قوام (العلم التجريبي) ومنهجه أيضا.. مثلا: لو حصل غلو في المنهج النظري والتطبيقي للعملية الكيمائية بزيادة ذرة أو نقص ذرة، لفسدت هذ العملية ـ بيقين ـ لأن العلم لا يحتمل (الهوى).. ومن الحقائق المقررة: ان الهوى هو المصدر الأعظم لكل غلو وطغيان وتطرف، بل المصدر الأعظم للدمار الكوني: «ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن».
(الاعتدال) ـ بناء على الحقائق الآنفة ـ : مفهوم كلي: كوني ديني علمي، لا يستقيم الكون، ولا تنضبط الحياة البشرية إلا به.. وليس الاعتدال مزاجا شخصيا، ولا شعارا بلا مضمون، ولا دعوى من غير دليل، ولا ترف يُستغنى عنه، ولا كلمة انتهازية مبتذلة: ينطقها غال أو متطرف: يكيد بها متطرفين مثله: يساوونه في التطرف، ويضادونه في الاتجاه العقدي أو الايديولوجي.
وللتدليل على أصالة مفهوم الاعتدال، وعلى حجيته وصحته وقوة تأثيره: أنه ما من أمة استقامت على منهجه إلا نجحت، وما من أمة تجافت عن سبيله إلا خابت، وذلك بحسب الالتزام به: كلا أو بعضا. فقد كانت لدى هتلر دوافع وطنية، ولدى كارل ماركس دوافع إنسانية، لكن تطرف الرجلين في التفكير والفعل أدى إلى هلاك المانيا النازية، وإلى تصدع المذهب الشيوعي.. والغربيون ـ بوجه عام ـ نجحوا في (الكونيات) وأصبحوا فيها أساتذة كبارا لأنهم انتهجوا منهج الاعتدال العلمي في التفكير في سنن التسخير، وفي التعامل مع قوانين الكون وذراته، في حين أنهم لم يظفروا بمثل هذا النجاح في حياتهم الفلسفية والاجتماعية والأخلاقية. لماذا؟ لأنهم (تطرفوا) في الاعراض عن هدى الدين، فكان الغلو يمينا ويسارا.. أما المسلمون فقد أعرضوا عن منهج الاعتدال في التعامل مع الكون (إعراض غلو في التقصير والإهمال) فحصدوا الخسران المبين.. ثم هم تجافوا عن منهج الاعتدال الديني فخابوا ـ إلا من رحم الله ـ فمنهم من جمد وتحجر باسم المحافظة.. ومنهم من خبط في طريق الغلو باسم الغيرة على الدين ـ تحقيقا للتوازن الاجتماعي في مواجهة المتساهلين بزعمهم ـ ومنهم من تطرف في التفلت من الدين باسم دعاوى شتى: «ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ وإن هم إلا يظنون».
ما هي معايير الاعتدال؟.. بالقطع: ليست هي تفكير المحافظين الجدد في امريكا، فتفكير هؤلاء يحكم على كل فكر أو موقف ينتقد أهواءهم بأنه موقف شرير ومتخلف. وهذا الحكم نفسه نوع من التطرف الحاد.. وليست هي تفكير المؤسسة الصهيونية التي مردت على إشهار سلاح معاداة السامية ضد كل من يقول كلمة حق في الطغيان أو الغلو الصهيوني.. وليست المعايير هي تفكير الغلاة في الدين الذين يزايدون على صاحب الرسالة الناصح لأمته: «إياكم والغلو في الدين». والقائل: «ان الله يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»، فيرد هؤلاء الغلاة: بل سنغلو في الدين ونعنف باسمه، لأن الناس هجروا الدين في زماننا هذا!!.. وليست المعايير هي تفكير الغلاة في الاعراض عن الاسلام الذين يبدأون بانتقاد (الاسلام السياسي!!) ثم لا يزالون يباشرون العد التنازلي حتى ينقضوا الاسلام العقدي والعبادي والأخلاقي والثقافي.
إنما معايير الاعتدال هي: الحق.. والعدل.. ومنهج التفكير العلمي.. والمصلحة المضبوطة بهذه الموازين.
نخلص من هذا إلى (منطق عملي) فنقول: إن الاعتدال في التفكير والعمل والسلوك ـ الفردي والجماعي ـ : ضرورة علمية وعملية.. وهذه منظومة من الأمثال والنماذج التي تنهض دليلا على ذلك: الاعتدال في الحرية ضرورة، فلا كبت ولا فوضى. فالكبت تطرف يلغي أغلى وأحلى حق من حقوق الانسان. والفوضى: تطرف يهدم النظام المدني العام الذي لا تمارس الحــرية إلا مــن خلاله ـ والاعتدال في العولمة: ضرورة. فلا انغلاق يتناقض مع متطلبات العصر، ولا ذوبان يتناقض مع ضرورات السيادات الوطنية، والثقافات الذاتية.. والاعتدال في نظرية المؤامـرة: ضــرورة. فنفيها ـ باطلاق ـ : جزء منها، وتستر عليها، وهو نفي يورث السذاجة السياسية، وينشئ تصورا ملائكيا عن عالم السياسة، إذ يتحدث عنها وكأنها منتدى للعشاق يبوحون فــيه بمكنونات أنفسهم: شعرا ونثرا.. ثم ان المبالغة في القول بالمؤامرة: خدمة عظيمة لها من حيث ان هذه المبالغة تشل ـ بالترعيب ـ إرادة الأمة عن العمل الواجب المناهض لخطط التآمر.. والاعتدال في قضية اصلاح الخطاب الديني: ضرورة، فهذا الاصلاح مهمة لا تطيق التأجيل ولا التهرب. بيد أنه من منطق الاصلاح المتوازن ـ والموازي ـ : اصلاح الخطابات: السياسية والثقافية والإعلامية، فهذه كلها خطابات مثقلة بالتخلف، وبما ينمي العاهات الثقافية والإعلامية والسياسية في تفكير الناس.. والاعتدال في النزوع الوطني أو القومي: ضرورة. فالغاؤه أو الحط منه: تطرف في التجريد، والاستعلاء به: غلو في التعصب العنصري.. والاعتدال في الأمر والنهي: ضرورة، بمعنى: انه من الضروري: أن يحكم هذا العمل: الاعتدال المتمثل في احترام (حرمة) الإنسان وتعظيمها، فإذا تعارض الأمر والنهي مع هذه الحرمة، فإنه يحظر، لأن حرمة الإنسان مقدمّة، وما جاء الدين كله الا لصيانتها، وليس يُهدم الكلي من أجل الجزئي، في دين الله، ومنطق العقلاء.. والاعتدال في النظرة الى (الآخرين): ضرورة وجودية وشرعية. فهؤلاء الآخرون ليسوا محض شياطين يستعاذ منهم، ويدعى عليهم، ويُتقى الاتصال بهم، والابتسام في وجوههم، والسلام عليهم. وهم ـ في الوقت نفسه ـ ليسوا ملائكة اطهارا يوثق بهم أبدا: لأنهم لا يعرفون الشر ولا يمارسونه.. يضم إلى ذلك: أن الآخرين هؤلاء ليسوا سواء حتى ينظر اليهم نظرة واحدة. فمنهم المحايد. ومنهم مــن هو أرقــى أخلاقا من كثير من المسلمين. ومنهم العدو.. ومن (وسطية) هذه الأمة أنها (شاهدة) على الناس. وشهادة أمة الوسط لا بد أن تكون شهادة عدل واعتدال، منبثقة من المعرفة، والاختلاط، والرؤية المباشرة، وإلا فهي شهادة زور: تردي صاحبها الشاهد قبل أن تصيب المشهود عليهم.
ونختم هذه الكلمات بمثلين: أحدهما سياسي، والآخر: مهني أو فني: إن مآلات الحرب على العراق ليست سارة ولا مريحة للذين خاضوها وقادوها. والسبب الذي أفضى إلى هذه النتيجة هو: التطرف في تهويل المخاطر. ولقد ترتب على هذا التهويل: قرار بالحرب، وترتب على الحرب: مآزق مملوءة بالقتلى والأحزان والخسائر والإحراجات الشديدة جدا.. وهكذا يكون التطرف مدمرا للعمل السياسي ـ ولو مع نبل الغاية!! ـ، إذ التطرف أو الغلو لا يأتي بخير أبدا، إنما الخير معقود بناصية الاعتدال..
اما المثل المهني أو الفني فهو: ان المسؤول عن هذه الصفحة رغب إليّ أن اكتب كلمات معدودة في هذا الموضوع. فلو كتبت مائة كلمة فحسب، أكون قد غلوت في الخفض والتقليل، ولو كتبت أربعة آلاف كلمة، أكون قد غلوت في الزيادة والبسط فيضطرب ـ من ثم ـ إخراج الصفحة بسبب التطرف، ولكن حصل التزام التوسط، فاستوت هذه السطور على قاعدة الاعتدال العددي.. وهكذا: إن مِن عمل ـ كبر أو صغر ـ إلا يحتاج إلى (الاعتدال).

[جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
19/01/2004, 09:55 AM
قضايا و اراء
42769 ‏السنة 127-العدد 2004 يناير 11 ‏18 من ذى القعدة 1424 هـ الأحد

قضايا و اراء
42769 ‏السنة 127-العدد 2004 يناير 11 ‏18 من ذى القعدة 1424 هـ الأحد


العلمانية‏..‏ هل من إعادة قراءة؟

بقلم‏:‏ د‏.‏ هالة مصطفي



عندما دعا الرئيس الفرنسي جاك شيراك برلمان بلاده لاعتماد قانون يقضي بحظر علامات التمييز الدينية في المدارس العامة‏,‏ والتي أشير فيها الي‏'‏ الحجاب الاسلامي‏',‏ والصلبان الكبيرة والقلنسوة اليهودية‏,‏ أعلن صراحة في خطاب مهم أن تلك الدعوة تأتي باسم‏'‏ حماية العلمانية‏'‏ التي وصفها بأنها‏'‏ مبدأ غير قابل للتفاوض‏'‏ ولا‏'‏ لإعادة الصياغة‏'.‏
ولأن العقلانية الثقافية‏-‏ قبل السياسية‏-‏ أصبحت غائبة أو تائهة في خضم الأصوات الصاخبة التي اعتادت عدم التسامح مع كل صاحب رأي مغاير لها‏,‏ فلم يتوجه الكثيرون بالسؤال عن دواعي فرنسا‏(‏بعيدا عن مسألة المؤامرة واستهداف شعوبا وثقافات بعينها‏)‏ لاتخاذ مثل هذا القرار‏.‏ ولا حتي التساؤل عن معني العلمانية ومحتواها الذي يسعي رئيس فرنسا لحمايتها والدفاع عنها‏..‏ هل هي شر أم خير ؟ هل صحيح أن العالم العربي الاسلامي لا يعرفها ولم يطبقها أو يأخذ ببعض أو كثير من جوانبها منذ قرون وإلي الآن؟ هل هي صحيح ضد الدين كما يزعم البعض؟ وأخيرا هل يمكن أن يأتي يوم تتخلص فيه الذهنية العربية السائدة علي نواحي التفكير والثقافة العربية والإسلامية من مبدأ الرفض والترهيب‏,‏ قبل المناقشة والحوار؟‏.‏

في هذا السياق لم يعد أحد يجرؤ علي الاقتراب صراحة من‏'‏ العلمانية‏'‏ أو مناقشة مضمونها ومحتواها بموضوعية تتجاوز الأحكام المسبقة والاتهامات الجاهزة‏.‏ فالعلمانية هي واحدة من أكثر المفاهيم التي تعرضت للظلم والتشويه وسوء الفهم‏.‏ ولاشك أن إحدي المشكلات المزمنة التي تعاني منها الثقافة العربية عموما تكمن في تلك النظرة الأحادية والجامدة أحيانا للأمور‏.‏ فالقبول بالقديم المعتاد يصبح‏'‏ مقدسا‏'‏ والانفتاح علي الجديد دائما يقترن بالخوف والتشكيك‏,‏ بل وربما يسبقه الرفض قبل مناقشته وتأمله والتحاور بشأنه‏.‏

فلا حديث عن الديمقراطية بمعزل عن طبيعة القيم والأفكار والمفاهيم التي تحكم الثقافة السياسية‏.‏ إذ أن الديمقراطية لا تتحقق بمجرد إقرارها دستوريا وقانونيا‏,‏ أو الإقدام علي الاحتكام إلي صناديق الانتخابات‏.‏ فهي قبل كل ذلك ترتبط بطبيعة البيئة التي تمارس فيها‏,‏ أو بعبارة أخري إن جوهر الديمقراطية يتوقف علي كون الثقافة السائدة تشكل بيئة حاضنة‏,‏ أم طاردة لقيم أساسية مثل الحرية والتسامح والمساواة والتكافؤ وعدم التمييز وغيرها مما يدخل في صميم صيانة الحقوق والحريات المدنية أي حقوق الأفراد وحرياتهم بصفتهم أفرادا وليسوا مجرد جماعات سياسية‏.‏

ولذلك لم تكن مصادفة أن الديمقراطية‏'‏ كنظام سياسي‏'‏ و‏'‏ شكل للحكم‏'‏ لم تتبلور وتترسخ إلا بعد عقود زمنية من ترسيخ تلك المباديء والأفكار‏.'‏ فالعهد الأعظم‏'‏ في بريطانيا أو إعلان‏'‏ الماجناكارتا‏'1215‏ والذي يعد أول وثيقة حقوقية تبلور صراحة فكرة المواطنة و الحقوق المدنية للأفراد‏,‏ اعتبر ثورة هائلة علي طريق توسيع قاعدة المشاركة الديمقراطية‏.‏ وكذلك كان إعلان الاستقلال الأمريكي في‏4‏ يوليو‏1776‏ ثورة أخري في نفس الاتجاه توجت بإصدار الدستور الموحد الفيدرالي للولايات المتحدة عام‏1788‏ الذي كرس ذات الحقوق المدنية للأفراد‏,‏ فكما يشير‏(‏ إن الناس جميعا يخلقون متساوين إنهم يمنحون من خالقهم حقوقا معينة غير قابلة للنزع وأن منها الحياة والحرية والبحث عن السعادة‏..').‏

ثم جاءت الثورة الفرنسية في عام‏1789‏ كبري الثورات الإنسانية في التاريخ المعاصر لتضع أول إعلان واضح ومحدد بشأن الحقوق والحريات الأساسية الفردية وهو‏'‏ الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان والمواطن‏'.‏ وليصبح بعد ذلك‏-‏ ولفترة طويلة استمرت حتي الآن‏-‏ هو الإعلان العالمي الأشهر والأهم لحقوق الإنسان‏,‏ والذي أقرته الأمم المتحدة في عام‏1948‏ متجاوزا حدود الزمان والمكان‏,‏ ومنطلقا من مادته الأولي التي تقول‏'‏ يولد الأفراد ويعيشون أحرارا ويتساوون في الحقوق‏...‏ وهذه الحقوق الطبيعية لكل فرد مطلقة إلي الحد الذي يضمن لأفراد المجتمع الآخرين التمتع بذات الحقوق‏'.‏



وتنبع قيمة هذه المواثيق من ارتباطها مباشرة بعملية التطور السياسي والاجتماعي والثقافي للمجتمعات ومن ضمنها التطور الديمقراطي‏,‏ فهو النتيجة وليس السبب أو البداية‏.‏ كما أن تلك الحقوق والحريات لم تتطور وتزدهر إلا في سياق تطور العلمانية ذاتها التي أرخت لانتصار القيم الإنسانية والتسامح والحرية والعقلانية السياسية والفلسفة الإنسانية بشكل عام في مواجهة الاستبداد بجميع أشكاله سياسية أو ذات صبغة دينية خاصة بعد ما مارسه رجال الدين في العصور الوسطي الأوروبية من استبداد بالسلطة باسم‏'‏ الحكم بالحق الإلهي‏'.‏ ومن هنا كان انتشار أسس الحكم بالحق الطبيعي وازدهار نظريات العقد الاجتماعي التي مهدت لظهور النظم الديمقراطية والقوانين الوضعية وحرمت مختلف أشكال التمييز والتعصب تحت أي مسمي‏.‏
والعلمانية التي تعرف عموما‏'‏ بالفصل بين الدين والدولة‏'‏ لم تكن تعني يوما معاداة الدين‏.‏ فهي ليست عقيدة وفلسفة تعتمدها الدولة‏(‏أي دولة‏)‏ وتبشر بها في وجه المعتقدات الدينية وإنما هي علي العكس كانت الصيغة الملائمة لحماية العقائد الدينية‏,‏ ومنع استخدامها لأغراض سياسية وسلطوية



وهي لا تخرج عن كونها جملة من التدابير النظامية والقانونية استهدفت التمييز بين المجالين الديني والسياسي لمنع الاستبداد حتي لا تصبغ أي قوة اجتماعية أو سياسية علي نفسها أو رؤيتها أو اجتهاداتها الخاصة صفة مقدسة باسم الدين ومن ثم فرضها علي الأفراد والمجتمع والدولة‏..‏ وارتبطت بعصر النهضة الأوروبية وازدهار الدراسات الإنسانية كالفلسفة والتاريخ والشعر والأدب والفنون التي شكلت الحضارة الحديثة‏,‏ وصاغت الثورات الكبري‏.‏ واقتضي تطبيق العلمانية وانتشارها في أوروبا وأمريكا‏(‏ ثم بعد ذلك في مختلف أنحاء العالم‏)‏ زمنا طويلا من الصراعات الدموية دفعت منها الشعوب ثمنا غاليا من أرواح أبنائها ونضال مفكريها ومثقفيها وفنانيها‏,‏ حتي جاءت الحرية كثمرة غالية لأقسي نضال عرفته الإنسانية‏,‏ وبتلك الحرية تم رد الاعتبار للفرد أي لكرامة الإنسان‏.‏ ووفقا لأي نظام علماني فإن العقيدة وحرية ممارسة الشعائر الدينية لأصحاب أي ديانة هي من صميم الحقوق والحريات المدنية للأفراد التي يجب أن تصونها وتحميها الدولة التي يفترض ألا تتحيز‏'‏ مع‏'‏ أو‏'‏ ضد‏'‏ أي عقيدة دينية‏,.‏ فقط تحول التدابير العلمانية دون تحول‏'‏ الدين‏'‏ إلي‏'‏ سلطة‏'‏ أو‏'‏ السياسة‏'‏ الي‏'‏ استبداد وقهر‏',‏ كما تمنع أية مظاهر للتعصب أو التمييز الذي يؤدي إليه‏.‏

أما الخلط التاريخي بين‏'‏ العلمانية‏'‏ و‏'‏ معاداة الدين‏'‏ فربما جاء نتيجة لانتشار بعض المذاهب والأيديولوجيات في القرن التاسع عشر خاصة ما تفرع عن الماركسية مثل‏'‏ المادية التاريخية‏'‏ والتي نشأت عنها نزعة إلحادية معروفة‏.‏ أما العلمانية السائدة الآن‏,‏ فهي ذات صيغة معتدلة مرنة لا تستبعد المكون الديني‏(‏ولكن دون تعصب‏),‏ كما تشير بذلك التجارب الإنسانية المختلفة مثلما هو الحال في أمريكا‏,‏ التي ينص دستورها علي‏'‏ كون الخالق هو مانح حقوق الأفراد‏'..‏ وكذلك الحال في بريطانيا وهولندا وألمانيا وغيرها‏.‏ كما تعرف الحياة السياسة الأوروبية‏,‏ وجود الأحزاب المسيحية الديمقراطية ولكنها أحزاب تقر وتلتزم بالدساتير العلمانية وبالحفاظ علي طبيعة الدولة المدنية‏(‏ غير الثيوقراطية‏),‏ وهكذا‏.‏
كما أنه قد يشاع خطأ أن العالم الإسلامي أو‏'‏ الإسلام‏'‏ عموما لا يعرف العلمانية أو أسس الحكم المدني الحديث وهذا غير صحيح‏.‏ فالمجتمعات الإسلامية تعيش في ظل حدود الدولة القومية بمفهومها المعاصر وتقر دساتيرها مبدأ الحقوق المدنية وتأخذ في تشريعاتها وتنظيماتها بالقوانين الوضعية بعبارة أخري لا يعرف العالم الإسلامي مبدأ وحدة السلطتين الزمنية والدينية‏,‏ حتي وإن لم يكن هناك فصل مانع بين الدين والدولة ولكن هناك بالقطع تمييزا مستقرا وراسخا بين الاثنين‏.‏ كما أن النواحي الأخري في الدساتير هي بدورها حديثة وعلمانية الطابع‏,‏ فرئيس السلطة التنفيذية علي سبيل المثال ليست له صفة دينية‏,‏ وهناك التزام بمبدأ الفصل بين السلطات‏,‏ وتوجد هيئات تشريعية منتخبة شعبيا‏,‏ كما يؤخذ بمفهوم‏'‏ المواطنة‏'‏ بالنسبة للحقوق المدنية فضلا عن التوسع الهائل في التعليم المدني الحديث‏,‏ والذي كانت مصر منذ عهد محمد علي رائدة له‏.‏


وهذه الأمور لا تثبتها فقط التجارب العملية المعاصرة ولكنها خبرات يعرفها التاريخ الإسلامي ومبادئ وتقاليد مستقرة في كثير من الأدبيات والاجتهادات النظرية في الفكر الإسلامي سواء القديم أو المعاصر‏.‏



فتغيير نظام الحكم من الخلافة الي الملك الوراثي وغير ذلك مما هو معروف تاريخيا يقدم دلالة قوية‏,‏ علي أنه لم يكن هناك نص ديني لتحديد شكل النظام السياسي‏,‏ وإنما هي مبادئ عامة يسترشد بها‏.‏ ومعروف أيضا أن الإسلام ينكر مبدأ السلطة الدينية أو الحكم‏'‏ بالتفويض الإلهي‏'.‏ فالأفغاني مثلا طالب ب‏'‏ إقامة حكومة دستورية خاضعة لرقابة مجلس نيابي منتخب وأن تختار الأمة حاكمها‏'.‏ والكواكبي يقول‏'‏ إن الحكام والساسة الذين يحاولون الخلط ما بين الدين والسياسة لا يتراءون بالدين إلا بقصد تمكين سلطتهم علي البسطاء من الأمة وان موقفهم هذا لا اصل له في الإسلام كدين‏'.‏ ليأتي الشيخ محمد عبده بعد ذلك ويترجم هذه الافكار عمليا في صياغته لبرنامج الحزب الوطني في ذلك الوقت يقول إن‏'‏ الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني‏,‏ فانه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب‏,‏ وجميع النصاري واليهود وكل من يحرث أرض مصر‏,‏ ويتكلم بلغتها منضم إليه لانه لا ينظر لاختلاف العقائد‏'.‏ وبعد ما يقرب من عقد من الزمان يقتحم أحد علماء الأزهر المستنيرين هو الشيخ علي عبد الرازق في كتابه الشهير‏'‏ الإسلام وأصول الحكم‏'(1925)‏ نفس القضية ليطرحها بقوة وصراحة وموضوعية وينتهي إلي أن‏'‏ الإسلام دين لا سلطة أو خلافة‏..‏ وبلاغ لا قيادة‏'.‏



ثم يأتي المفكر الإسلامي الكبير خالد محمد خالد‏(1950)‏ ليطرح مرة أخري وبنفس القوة تلك القضية في كتابه الشهير‏'‏ من هنا نبدأ‏',‏ والذي جاء فيه‏'‏ أن الإسلام دين لا دولة وانه ليس في حاجة إلي أن يكون دولة‏..‏ وأن الدين علامات تضئ لنا الطريق إلي الله وليس قوة سياسية تتحكم في الناس وتأخذهم بالقوة إلي سواء السبيل‏.‏ فالدين حين يتحول إلي حكومة‏,‏ فان الحكومة الدينية تتحول إلي عبء لا يطاق‏'.‏ ولا يقلل من قيمة هذا الاجتهاد وقوته نوع المراجعات الفكرية التي اقدم عليها مؤلفه في أواخر حياته و بعد ما يزيد علي الثلاثين عاما من صدور ذلك العمل القيم‏,‏ وهي مراجعات لا يمكن فهمها بمعزل عن الضفوط التي تمارسها بعض القوي والتيارات ذات المصلحة في الحفاظ علي اجتهادات بعينها وغلق الباب أمام أية اجتهادات قد تهدد فكرة الاستقرار الزائف للوضع القائم‏.‏

وفي نفس الاتجاه يمكن تأمل رأي اثنين من المفكرين المعاصرين الذي ينتمي كل منهما إلي مدرستين فكريتين مختلفتين الأول للمفكر المعروف محمد أحمد خلف الله الذي يقول‏:'‏ إن النبي الرسول يستمد سلطته ممن اختاره‏,‏ وهو الله سبحانه وتعالي وأن الخليفة يستمد سلطته ممن اختاروه وهم الناس‏'‏ وهو نفس المعني الذي ينتهي إليه الكاتب الإسلامي المعروف محمد عمارة إذ يقول قبل ذلك بأربع سنوات في كتابه‏'‏ الإسلام والعروبة والعلمانية‏'‏ المجتمع العلماني كما تحدد في فكر أوربا العلمانية‏,‏ وفي تطبيقات هذا الفكر له سمات وقسمات‏..‏ وتتلخص في النفعية‏,‏ أي إعلاء مقام المصلحة‏..‏ وأن الإسلام أيضا يقدم في شئون المجتمع المصلحة علي النص ويري أن الشريعة مقاصد وغايات‏..‏ وأن القاعدة الشهيرة تقول‏(‏ ما رآه الناس حسن فهو عند الله حسن‏)‏ والسمة الثانية أن المجتمع العلماني يساند التغيير ويدعو إلي التجديد ويدعمه‏,‏ ويضيف أن الإسلام كذلك‏'‏ يؤمن بقانون التطور والتجديد مستشهدا بقول الرسول‏(‏ صلي الله عليه وسلم‏)'‏ الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها‏'‏ ورغم انه لا يشير صراحة إلي‏'‏ العلمانية‏'‏ إلا أنه يقر في النهاية مثله مثل الكثيرين من المفكرين الإسلاميين المحدثين‏,‏ بمبدأ التمييز بين الدين والدولة في الإسلام وليس الوحدة بينهما وهو رأي لا يقلل منه أبدا التحفظ علي كلمة‏'‏ الفصل‏'‏ وفي كل الأحوال تعتبر هذه مواقف غير متناقضة مع العلمانية المعتدلة‏.‏

إن هذه اللمحات السريعة تدلل علي أنه اذا كان التراث الحضاري الانساني الغربي يعتز بالعلمانية ويصونها ويحميها باعتبارها مرتكزا أساسيا للنهضة والحرية والتقدم والتسامح والديمقراطية وحفظ حقوق الفرد وكرامته وحريته التي وهبها له الله‏,‏ فإن التراث والخبرة الاسلامية لم تكن بدورها معزولة أو غائبة عن ركب التقدم الانساني ولكن كانت هناك عصور وأزمنه تعرف الازدهار والحرية والابداع وأخري يتملكها الانغلاق والخوف والقهر والتخلف وبين هذه وتلك قد تأتي أزمنة رمادية تخجل من الألوان الصريحة‏.‏


في كل الأحوال سيبقي من حق أي فرد أو جماعة أو تيار أن يرفض أو يقبل هذا المفهوم أو ذاك‏,‏ ولكن ليس من حق أحد أن يصادر حق المعرفة به‏,‏ وقراءته قراءة موضوعية بعيده عن الانحيازات المسبقة‏.‏








المصدر الاهرام

صقر الخالدية
20/01/2004, 11:35 AM
مسلمون.. نعم.. ولكنهم فرنسيون


تركي الحمد



يبدو أننا، عرباً ومسلمين، قد أدمنا القضايا حتى أننا لا نستطيع العيش بدون قضية، مهما كان نوع هذه القضية. والغريب أننا نختار من القضايا ما ينفر الناس منا وينفرنا من الناس، يبعدنا عن العالم ويبعد العالم عنا في الغالب الأعم. وعندما لا يكون هناك قضية، فإننا نبحث عن أي قضية. وفي غالب الأحيان تكون تلك القضايا من قلة الأهمية، أو حتى عدم الأهمية، بحيث لا تستحق ذلك العداء الذي تجلبه في اهابها، وتلك الخسائر التي تجرها في أذيالها. جعلنا من قضية فلسطين قضية أكبر من حجمها ذات يوم، بل قضية القضايا، فأكلت الأخضر واليابس، وكانت مبرراً لتسميم الحياة السياسية العربية، ومبرراً لأنظمة القهر والاستبداد، ومبرراً للتطرف والإرهاب وكرهنا للعالم، وكره العالم لنا، مع أنه لو كان التعامل معها قد جرى بعيداً عن «الهوس» العربي بالقضايا، فربما ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه من حال. بل انه يخالجني شعور في بعض الأحيان أن العرب ليسوا جادين في حل هذه القضية، إذ من أين لهم بعد ذلك قضية كبرى يبررون من خلالها كل ما هو غير عقلاني في السياسة والثقافة والخطاب، وعلى منوال القضية الفلسطينية يمكن القياس بالنسبة لكثير من قضايا الأمة. واليوم ها نحن نسمع عن «قضية مصيرية» أخرى يثيرها البعض منا، فتحسب علينا كلنا، وكأن كل مشاكلنا الداخلية والخارجية انتهت، ولم يبق إلا بعض قضايا هامشية يجب حلها والدفاع عنها، كي يعود مجد الدين وعزة الإسلام وتتحقق كلمة الرب على العباد.
قررت فرنسا، وبصفتها دولة علمانية تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، وهي علمانية يستفيد منها المسلمون أكثر من غيرهم، أن تمنع كل ما يمكن أن يخدش هذه العلمانية ومفهوم المواطنة، أو يشرخ الوحدة الوطنية، فكان من ذلك منع الإعلان المبالغ فيه عن الهوية الدينية في المدارس الرسمية العامة، كارتداء صليب مبالغ فيه، أو قلنسوة يهودية أو حجاب إسلامي، مما يهدد بفتنة قد تفتت الوحدة الوطنية والقومية للدولة الفرنسية. أما أن يرتدي أحدهم صليباً أو قلنسوة أو حجاباً خارج إطار المدارس الرسمية، فتلك حرية مكفولة له بقوة الدستور. هذا هو على الأقل تبرير الحكومة الفرنسية لقرارها منع الحجاب في المدارس الرسمية، ولن ندخل في محاسبة النوايا هنا، فليس لنا في النهاية إلا الظاهر. وهنا ثارت ثائرة المسلمين، في داخل فرنسا وخارجها، واعتبروا أن ذلك تدخل في الحرية الشخصية التي يكفلها القانون والدستور، وتعد على مبادئ العلمانية، وخرق لحقوق الإنسان التي تكفل حرية الفرد والجماعة في التعبير عن الذات، وتحول قرار الحجاب إلى قضية من القضايا التي تجند لها كافة القوى تحت شعار أن الإسلام في فرنسا في خطر، وأن هنالك مؤامرة على الإسلام في فرنسا، وهي شنشنة عهدناها من يعرب بالذات في كل قضايانا، أو ما جعلنا منه قضايا. وبدون تعصب أو تعنت أو نصر الأخ ظالماً أو مظلوماً، لنناقش هذه القضية من أبعادها المختلفة، بحيث نحاول أن نكون خارج الصورة من أجل وضوح الرؤية قدر المستطاع، لا من داخلها فتختلط علينا الأمور.
من ناحية فرنسا والحكومة الفرنسية، فإن لها مرئياتها في هذا الشأن، وهي الأقدر على فهم مصلحة الدولة والمجتمع هناك، خاصة أنها حكومة شرعية منتخبة تتحدث باسم الشعب، وبالتالي فإن تدخلنا في مثل هذا الشأن هو تدخل في عمل من أعمال السيادة الفرنسية، وتدخل في إرادة الشعب الفرنسي الذي تمثله هذه الحكومة. أن يحتج الفرنسيون المسلمون على هذا القرار حق من حقوقهم، لا بصفتهم مسلمين، ولكن بصفتهم مواطنين فرنسيين يمارسون حق التعبير عن الرأي بمختلف الوسائل، وهذا حق يكفله الدستور والقانون هناك، كما هو حق لليهود والكاثوليك وغيرهم بصفتهم مواطنين فرنسيين، لا بصفتهم الفئوية. ولكن في نفس الوقت لا يحق لهم الخروج على القانون، عندما يصبح مثل هذا القرار قانوناً، بصفتهم مواطنين أيضاً. فكما أن المواطنة تعني حقوقاً فهي تعني واجبات والتزامات أيضاً، ولا يمكن الإخلال بذاك التوازن بين الحقوق والواجبات: لهم حق الاحتجاج، ولكن عليهم واجب الطاعة في ذات الوقت، فلا حق دون التزام، ولا التزام دون حق. والفرنسيون المسلمون حين اختاروا أن يكونوا فرنسيين، فإنهم اختاروا تلقائياً الخضوع لقانون فرنسا، حتى وإن تناقض مع قناعاتهم، دينية كانت تلك القناعات أو غير ذلك، فهم يعلمون ساعة الاختيار أن فرنسا دولة علمانية وفق الدستور الذي يحدد إطار الحركة في الدولة الفرنسية، وليست باكستان أو إيران أو السعودية مثلاً.
ومن ناحية المسلمين خارج فرنسا، فإنه لا حق لهم في الاحتجاج ضد القرار الفرنسي، إلا إذا منحوا فرنسا وغيرها ذات الحق بالنسبة لشؤونهم. فرنسا تمنع الحجاب في مدارسها الرسمية، والسعودية أو إيران تمنع السفور في مدارسها وغير مدارسها مثلاً، فإذا منحت السعودية أو إيران نفسها حق الاحتجاج ضد منع الحجاب في فرنسا، فإن ذلك منطقياً يعني منح فرنسا حق الاحتجاج ضد منع السفور في السعودية أو إيران. لا السعودية ولا إيران أبدتا رأياً رسمياً في هذا الموضوع، لعلمهما بمنطق الأمور، ولكن المشكلة تكمن في الشارع المسلم الغارق في أوهام حُشي بها دماغه، جارياً وراء كل ناعق باسم الدين أو المؤامرة أو الكيد للإسلام والمسلمين، غير مدرك أين تكمن المصلحة، ولا ما يمكن أن تؤدي إليه نتائج مثل هذه الأمور من عواقب وخيمة. وهذا يقودنا إلى مناقشة شق مهم في القضية. فمسلمو اليوم، سواء في فرنسا أو خارجها، إنما يتصرفون كما كان اليهود يتصرفون في الماضي من الزمان، وهو التصرف الذي جلب لهم الويلات، وكاد أن يُنهيهم من أوروبا وأماكن أخرى من العالم إنهاءً تاماً. فالإصرار على إبراز الهوية وكأنها صراع مع الآخر، أو «حجاب» يفصله عن هذا الآخر، وليس مجرد اختلاف ضمن ذات الهوية، أو ما يمكن أن نسميه «بعقلية الغيتو»، هو نوع من الاستفزاز الذي تمارسه هذه الفئة أو تلك للمجتمع الذي تعيش فيه، وهي التي تنتمي إليه ظاهراً، وتحمل جنسيته، وتتمتع بمزايا مواطنته، كما هو حال المسلمين في أوروبا والغرب عموماً. ولعل الحركة النازية، والصهيونية بصفتها وجهاً من وجوه العنصرية، أبرز مثال عما يمكن أن تؤول إليه الأمور، فيما لو استمرت مثل هذه العقلية في تحديد سلوك المسلم الحزين في القرن الحادي والعشرين، إذا استعرنا عنوان كتاب حسين أحمد أمين.
ففي كتاب «كفاحي» لأدولف هتلر، كان «الفوهرر» ينتقد اليهود من هذه الناحية، أي بكونهم لا يحاولون الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، ويعيشون في غيتوات، فعلية أو نفسية، تمنعهم من السلوك كمواطنين فعليين في المجتمعات التي يعيشون فيها، فكانوا يتمتعون بكل حقوق وامتيازات المواطنة، ولكنهم لا يسلكون كمواطنين فعليين. هذا النقد الذي بدأ بسيطاً لدى هتلر، تحول في النهاية إلى بغض شديد للعنصر اليهودي نفسه، ومن ثم إلى حركة عنصرية أشعلت حرباً كونية خلفت من الكوارث ما خلفت. وقد انتبه اليهود إلى هذه النقطة التي أثارت غضب المجتمعات المستفَزة (بفتح الفاء) تجاههم، فحاولوا الاندماج الكامل في مجتمعاتهم، ولم يعد من الممكن التفرقة بين اليهودي وغير اليهودي ظاهرا ًفي تلك المجتمعات، إلا من أراد التقصي لهذا السبب أو ذاك. واليوم، فإن المسلمين يمارسون ذات الفعل والسلوك باسم مقولات الهوية والذاتية وفروض الدين، بينما أن المسألة، حين التحليل الأخير، لا علاقة لها بهوية أو دين أو غيره، بقدر ما أن لها علاقة بتسييس هذا الدين أو تلك الهوية، من قبل أشخاص وفئات وجماعات تعتقد أنها هي التي تمثل الدين الحق والهوية الصافية، بينما هي في حقيقة الأمر تسيء إلى الدين، وتدفع الهوية وأهلها إلى الانتحار.
والحقيقة أن الشاجبين منا لما تفعله فرنسا إنما يدينون أنفسهم قبل أن يدينوا الآخرين. فهم لا يرضون مثلاً أن يُفرض عليهم هذا السلوك أو ذاك الفعل، في الوقت الذي يعطون فيه الحق لأنفسهم انتقاد الآخرين، ووصفهم بصفات النفاق أو الكيل بمكيالين أو النظر من زاويتين. ينتقدون الولايات المتحدة مثلاً حين تنتقد حرية الأديان عندنا، في ذات الوقت الذي يمارسون فيه حريتهم الدينية هناك، ويرفعون الصوت عالياً بالصراخ حين يتدخل أحدهم في تفصيل أو جزئية من تفاصيل ممارساتهم الدينية، التي قد تكون متداخلة مع حرية الآخرين في ذات المجتمع. يرفعون الصوت عالياً في نقد العلمانية الفرنسية حين تمنع الحجاب في المدارس الرسمية، ولكنها لا تمنع إنشاء مدارس دينية خاصة لطلابها ممارسة ما يشاءون وفق معطيات معتقدهم، في ذات الوقت الذي يتناسون فيه منع الحجاب في دولة يُفترض أنها مسلمة مثل تركيا مثلاً، أو فرض الحجاب في بلادنا في العام والخاص معاً، وجوهر الأمر ومنطقه واحد في كل هذه الأحوال. مثل هذه الأفعال، ومثل هذه التناقضات هي في النهاية دعوة للكره: دعوة لأن نكرههم، ودعوة لأن يكرهونا، بما لا يخدم مصالحنا مع هذا العالم من جهة، وبما لا يخدم تفاعل المسلمين في دول العالم مع مجتمعاتهم بما يفيدهم ويفيدنا في ذات الوقت، ولعل الوجود اليهودي في العالم أكبر دليل لما يمكن أن يؤدي إليه السلوك السقيم في الماضي، والسليم في الحاضر في هذا المجال، وهم الذين عانوا الأمرين من ذات السلوك الذي يمارسه كثير من المسلمين اليوم. فأن نكون من المسلمين لا يعني التدخل في شؤون كل المسلمين، بمثل ما أن الانتماء إلى المسيحية واليهودية وغيرها، لا يعني تدخل هؤلاء في شؤون كل المسيحيين أو اليهود أو غيرهم. فالهوية اليوم تقوم على الوطنية والمواطنة، وليس على العقيدة أو الدين، فهناك مسلمون ومسيحيون ويهود وغيرهم في كل أنحاء العالم، ولكنهم فرنسيون وأميركيون وبريطانيون قبل ذلك، ومن هنا تكون نقطة البدء.

صقر الخالدية
26/01/2004, 11:44 AM
غرق العواصم العربية في مؤتمرات متلاحقة
بلال الحسن

تشهد منطقتنا العربية، انعقاد سيل من المؤتمرات، وأحيانا في وقت واحد، وفي أكثر من عاصمة عربية. ففي هذا الشهر فقط انعقدت ثلاثة مؤتمرات في صنعاء وأبوظبي وقطر، وقبل ذلك بشهر واحد انعقدت ندوة أخرى في الخرطوم. أما عناوين تلك المؤتمرات وموضوعاتها حسبما هو معلن، فكلها تكاد تكون متقاربة ومنشغلة بهم المتغيرات العالمية من حولنا وكيف نتلاءم معها، أو كيف نجيب على اسئلتها، أو كيف نرد على اتهاماتها. ولا بد أن تكون قضية الديمقراطية حاضرة في كل هذه المؤتمرات مهما اختلف الموضوع أو العنوان.
مؤتمر صنعاء انعقد في 10 ـ 1 ـ 2004 وكان عنوانه «المؤتمر الإقليمي للديمقراطية وحقوق الإنسان ودور المحكمة الجنائية الدولية». ومؤتمر أبوظبي انعقد في 11 ـ 1 ـ 2004 وحمل عنوان «الخليج وتحديات المستقبل». وانعقد في اليوم نفسه مؤتمر قطر وحمل عنوان «مؤتمر الدوحة الثاني للعلاقات بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي». وأخيرا مؤتمر الخرطوم الذي انعقد في 13 ـ 12 ـ 2003 وحمل عنوان «الإسلام والغرب في عالم متغير».
إن كثرة هذه المؤتمرات وتواليها يثير سؤالا عن مدى الحاجة إليها. وهنا تبرز احتمالات منها: ان هذه المؤتمرات تنعقد لحاجة عربية محلية في محاولة لتقديم إجابة على أمور حيوية تعترضنا. أو أن هذه المؤتمرات تنعقد تلبية لطلبات (أو (ضغوط) خارجية، ونحاول نحن أن نتجاوب مع تلك الطلبات. وربما يكون هناك احتمال ثالث يجمع بين الاحتمالين الأولين فتكون هناك حاجة محلية ويكون هناك طلب خارجي ويلتقي الأمران في مصب واحد.
وإنه لأمر جيد جدا أن تنعقد في بلادنا مؤتمرات فكرية أو بحثية أو استراتيجية. وإنه لأمر جيد جدا أن تشهد هذه المؤتمرات حركة جدل حادة أو صاخبة أو هادئة، ولا يضر هذه المؤتمرات أن تشهد من يضرب يمينا أو من يضرب شمالا، فكل ذلك يعبر عن حيوية في الفكر لا يمكن إلا أن ندافع عنها. ولكن هذا الدفاع لا يعفي من بعض الأسئلة والملاحظات.
إن أغلب هذه المؤتمرات ينعقد برعاية رسمية، وهكذا كان الحال في صنعاء وقطر وابوظبي، وتحت هذه الرعاية الرسمية تخرج توصيات وربما قرارات تطالب بأمور تنفيذية ضخمة، أو تشير إلى معضلات معقدة تحتاج إلى حل. وهنا يبرز سؤال: من يخاطب من في هذه المؤتمرات؟ فلو أن المؤتمرات من قبل باحثين ودارسين، أو من قبل هيئات غير حكومية، لقلنا إن المجتمع يخاطب المسؤولين عبر هذه المؤتمرات، فيقترح عليهم، أو يطالبهم بتحقيق كذا وكذا. أما بحضور الحاكم فإن السؤال يصبح مطروحا، فحين يصبح الحاكم شريكا للمواطنين في التأكيد على ما يجب فعله، فإننا لا نعود ندري من هو المطالب ومن هو المسؤول عن التنفيذ.
ويتم في أغلب هذه المؤتمرات طرح أوراق عمل ذات أهمية، يكتب بعضها باحثون كبار، ولكننا كمواطنين لا نطلع عليها، بل نقرأ فقط في بعض التغطيات الإعلامية بضعة اسطر تلخص ورقة العمل، وتشير إلى فكرة أو فكرتين وردتا فيها. وهنا يصبح السؤال مشروعا: من هو المستفيد من هذه الأوراق القيمة والتي لم يطلع عليها سوى نفر قليل هم أعضاء المؤتمر فقط؟ إذ غالبا ما تنتهي أبحاث المؤتمر بانتهاء جلساته، ويضيع بذلك الهدف المنشود من عقد ذلك المؤتمر، أي هدف الترويج للفكرة التي انعقد من أجلها.
ثم إن هذه المؤتمرات تنعقد تحت عناوين كثيرة كما رأينا، ولكننا حين ندقق في مضمونها، وما قيل فيها، نجد أن الأمور كلها ترتد إلى مشكلات محددة في واقعنا العربي، مشكلات المواجهة العربية ـ الأميركية، وقضايا فلسطين والعراق والحملات الفكرية ضد الإسلام والثقافة الإسلامية، ويحدث ذلك مهما كان نوع الموضوع أو العنوان الذي تم اختياره للنقاش في المؤتمر. وهذه ظاهرة تستدعي التوقف والدرس، إذ يبدو الأمر ظاهريا وكأن هناك انفصاما في الشخصية الفكرية لدى العرب، فإذا كان الموضوع هو الديمقراطية جرى الحديث عن فلسطين والعراق والإسلام، وإذا كان الموضوع هو العلاقات مع أميركا جرى الحديث عن فلسطين العراق والإسلام، وإذا كان الموضوع هو صراع الحضارات جرى الحديث عن فلسطين والعراق والإسلام. فلماذا إذاً لا نذهب إلى المواضيع التي تشغل البال مباشرة، فندرسها ونناقشها، بعيدا عن تلك العناوين المطروحة؟ ويطرح هذا التساؤل شكا في أن تكون هذه الموضوعات مطلوبة من أجل الإرضاء فقط، ثم يأتي الواقع ليفرض نفسه، وتبرز في النقاش الموضوعات الحقيقية بدلا من تلك المطلوبة. إن البحث الذي ألقاه الشيخ القرضاوي عن الإسلام والإرهاب في مؤتمر قطر يصلح لأن يقدم كبحث أساسي في مؤتمر صنعاء أو في مؤتمر الخرطوم. والبحث الذي قدمه منير شفيق في الخرطوم عن ظروف نشأة الديمقراطية في أوروبا، يصلح لأن يكون بحثا اساسيا في مؤتمر قطر أو في مؤتمر صنعاء، فما هو الفارق إذاً بين هذه المؤتمرات وما يقال فيها؟
يبدو لي أحيانا أن هذه المؤتمرات تخص الحكام والدول أكثر مما تخص الباحثين والدارسين، وأكثر مما تخص الجمهور العربي العريض المحيط بها. ولعل أبرز مثل على هذا مؤتمر انعقد في عام 2001، وفي صنعاء أيضا، كمنتدى للديمقراطيات الناشئة، وصدر عنه ما يسمى «إعلان صنعاء». ونجد هذا الإعلان منشورا في الموقع الالكتروني لـ«منتدى الحرية الاقتصادية» التابع لغرفة التجارة الأميركية في واشنطن، وقد وضعت له مقدمة تقول «في ظل التقدم السريع للعولمة، يصبح لنجاح أي دولة أو إخفاقها في التحول إلى ديمقراطية مستقرة، ونظام اقتصادي مفتوح، مغزى كبير». ثم يورد الموقع نص إعلان صنعاء، وقد حدد فيه المجتمعون، وهم مسؤولون من 16 دولة ناشئة (هاي سكول)، الأمور التي سيلتزمون بتنفيذها (لكي يتم التخرج) في الاقتصاد والتشريع وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وتوسيع التجربة الديمقراطية... إلخ. وقد تم تحديد المهمات وكأنها درس تعليمي للحكام سيحاسبون عليه في مؤتمرات لاحقة.
لا نريد أن يكون الأمر على هذه الصورة، ونتطلع إلى مؤتمرات تعيش قضاياها بعد أن ينفض سامرها، ونريد مناقشات تخرج من الغرف المغلقة لتلقى صدى في أوساط الجماهير، مؤتمرات يتطابق عنوانها ومضمونها. أما حين يكون العنوان في واد والنقاش في واد آخر، فإن ذلك يبرز مشكلة تستدعي البحث المعمق من قبل الذين يدعون إلى هذه المؤتمرات ويرعون نشاطها.




جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
31/01/2004, 01:05 PM
وثيقة جنيف..طوق نجاة!!

عرفات فى عيون الموساد

جوائز نوبل نزاهة مشكوكة

_






"تجديد الخطاب الديني" :
_أزمة في المفهوم .. وتساؤلات تبحث عن إجابة
محيط : محمد المصري - الصفحة الدينية
"تجديد الخطاب الديني" .. دعوة تتردد هذه الأيام كثيرا على ألسنة المثقفين والمفكرين ، وتناولها كثيرون بالبحث والمناقشة بين مؤيد ورافض ومتحفظ ومحايد ، حتى أحاطت المواقف المتباينة مفهوم التجديد بنوع من الغموض الذي أضحت معه كلمة "تجديد" بمثابة لغز هو في حاجة لمن يفك طلاسمه . فالكل أضحى يستخدم الكلمة ، ولكن بمفهوم خاص ينبع من تفكير كل من يحاول تطويع الخطاب الإسلامي بما يخدم رؤيته وعقيدته وأهدافه .






فالمفكرون الإسلاميون لهم مفهومهم الخاص عن التجديد الذي يختلف باختلاف تياراتهم ، والمثقفون لهم أيضاً المفهوم الذي يناسب اتجاهاتهم الثقافية والفكرية السائدة في مجتمعهم ، والمؤسسة الدينية الرسمية لها هي الأخرى تفسيرها الخاص لهذا المفهوم . فهذا الخضم من الشد والجذب والقبول والرفض لمبدأ تجديد الخطاب الديني يفرض عدداً من التساؤلات التي ينبغي الإجابة عليها من أبرزها :

أي خطاب ديني يتحدثون عنه ، وما مضمونه هذا الخطاب الذي يراد تجديده ؟ هل هو خطاب المؤسسة الدينية الرسمية .. أم خطاب الجماعات الإسلامية على اختلاف أطيافها التي تراوح ما بين المغالاة والوسطية . أم هو خطاب التعليم الديني الرسمي الذي تمثله المناهج والمقررات الدينية في المدارس والمعاهد والجامعات ؟ أم خطاب أئمة المساجد والدعاة الذي يختلف من خطيب لآخر ؟ أم خطاب رجل الشارع المسلم الذي عادة ما يكون مستهدفاً ؟ .

وحتى إذا اتفقنا على هوية الخطاب الذي يراد تجديده ، فسيثور تساؤل أخر حول مضمون ذلك الخطاب والمعاني والمفاهيم التي يراد تجديدها ؟ ثم وهذا - في نظرنا - هو الأهم : هل يعني التجديد التغيير الشامل لمضمون الخطاب الديني قيد التجديد ؟ أم سيكون جزئياً انتقائياً وفق معايير وأهداف محددة ؟ أم يقتصر على تطوير وسائل عرض الخطاب الديني دون المساس بمضمونه الحالي ؟ أم سيعمد هذا التجديد إلى حذف مفاهيم من الخطاب وإضافة أخرى بما يخدم أهدافاً معينة ؟

هب أننا اتفقنا على مفهوم التجديد .. فما الفلسفة التي يقوم عليها هذا التجديد .. هل يقوم على فلسفة التطور التاريخي وقوانين التغير الاجتماعي التي تطال مختلف جوانب الحياة الإنسانية ؟ ، أم هو تغير متعمد يتدخل فيه العنصر البشري لخدمة أهداف محددة ؟ أم أنه تجديد يراد به توعية الإنسان المسلم بصحيح دينة وبالمبادئ السمحة التي ينادي بها .. وتنقيه هذا الدين من الشوائب التي حاول بها أعداؤه تشويه القيم الأخلاقية والروحية التي ينادي بها ، أم أنها دعوة لـ "تسييس" الدين ليصبح في خدمة السياسة ؟ .

والأكثر أهمية من كل ما سبق هو التساؤل عن هوية أصحاب هذه الدعوة .. هل هم علماء الإسلام .. أم طائفة المفكرين والمثقفين التقليديين .. أم العلمانيين .. أم الساسة والحكومات .. أم أطراف خارجية لها أهداف معينة من هذا التجديد ؟ ، وما الأهداف التي يسعون لتحقيقها ؟ ثم من الذي سيقوم بتنفيذ هذا التجديد ؟ .

وأخيرا وليس آخر نتساءل : ما السبب في ظهور هذه الدعوة ، وفي هذا التوقيت بالذات .. هل جاءت تلبية لحاجة المجتمع ، أم لضغوط خارجية تريد توظيف الخطاب الديني لخدمة أغراض مشبوهة ؟ وما العوامل التي قد تساعد أو تعوق إتمام عملية التجديد إذا ما تقرر إجراؤها ؟ ثم .. ما المواقف المتوقعة لمختلف الأطراف المعنية ، من هذا التجديد في حال حدوثه ؟ .
.








التجديد.. هل هو ضرورة يحتمها العصر؟
التجديد والثوابت

وسط هذا اللغط الدائر قد نتبين علاقة بين مفهوم "التجديد" ومفهوم "الثوابت" في الفكر الإسلامي .فحدود التجديد تقف عند الخطوط الحمراء لهذه الثوابت ، كما أن حدود الثوابت تختلف - في حد ذاتها -من جماعة لأخرى . فتيارات الإسلام المحافظ تتسع لديها حدود الثوابت للحد الذي لا تترك فيه مجالاً للتجديد ، ما يعتبره كثيرون جموداً لا يخدم ديناميكية العقيدة الإسلامية .

أما الوسطية الإسلامية فتضيق حدود الثوابت لديها قليلا لتترك مساحة ولو متواضعة للتجديد . أما تيارات العلمنة الإسلامية ، فقد لا توجد حدوداً للتجديد أو بمعنى أدق : إنها تضيق حدود الثوابت إلى درجة يتسع معها التجديد إلى أبعد الحدود وتنتفي الثوابت ، الأمر الذي يعتبره كثيرون تبديداً للعقيدة .

فالوسطية الإسلامية مثلا تسعى لبلورة مفهوم مصطلح "التجديد" ، أو هي تدعي بأنها تتحدث بفلسفة "تجديدية" ، وهو ما اختلف عليهم كثيرون حيث اعتبر البعض تيارات الوسطية الإسلامية أضعف من أن تكون قادرة على بلوره مفهوم تجديدي ، وأن محاولاتها في هذا المجال لا تعدو عن كونها محاولات "تجميلية" لا ترقى لمستوى التجديد .. فهي لم تصل بعد لمرحلة إعادة قراءة النص وتأويله والثورة على التفاسير القديمة .

وعلى الجانب الآخر، نجد تيارات العلمنة الإسلامية التي تدعي هي الأخرى بمحاولة بلورة مفهوم لـ "التجديد" ، ذلك الأمر الذي يراه كثيرون أنه محاولة فاشلة للجمع بين حضارتين مختلفتين إلى حد التناقض ، حيث تحاول تيارات العلمنة الإسلامية الجمع بين الإسلام بثقافته وحضارته وتقاليده المحافظة ، وبين حضارة الغرب المتحررة ، وهم بذلك كمن يحاول الرسم على وجه الماء.

أما التيارات الإسلامية المحافظة ، فهي - في نظر الكثيرين - لا تعترف أساساً بمفهوم التجديد ، فضلاً عن أنها تنظر إليه على أنه مؤامرةً على العقيدة الإسلامية ينبغي التصدي لها ، فموقف هذه التيارات من مصطلح "التجديد" هو موقف سلبي للغاية
التجديد فكر إسلامي أصيل

غير أن هناك من المعنيين بهذا الموضوع من يعتبر مفهوم "التجديد" أصيلاً في الفكر الإسلامي .. مؤكدين على أن مفهوم "الاجتهاد" في العقيدة الإسلامية ومحاول تأويل النصوص الخاصة به وفهمها هو في حد ذاته دعوة للـ"تجديد" تقابل دعوات "الحداثة" عند الغرب .

وعلى الرغم من أن مفهوم التجديد تبناه- على مستوى الفكر الإسلامي - فريقان هما دعاة "الوسطية" ودعاة "العلمنة الإسلامية" ، غير أنه ما زال هناك حالة من الضبابية اصطبغت بها مواقف الفريقين من التجديد ، فلم تستطع الوسطية أن تبلور مفهوماً تجديدياً.

كذلك شطّت العلمنة في محاولات فاشلة للمزج بين حضارة الإسلام المحافظة وعلمانية الغرب المتحررة دون قيود ، الأمر الذي أدى إلى "عمومية" مفهوم تجديد الخطاب الديني ذاته ، الأمر الذي يجعل كل ما يطرح في هذا الصدد أمراً وارداً ، كما يجعل الدعوة لتجديد الخطاب الديني دعوة معلقة على ما يقول الأستاذ هاني نسيرة في تعليقه على نتائج لقاء باريس الذي عقد حول هذا الموضوع في أغسطس الماضي .

وفي ظل هذه الحالة الضبابية ، وعلى ضوء الاهتمام الملحوظ بالترويج لمفهوم الوسطية في الوقت الحاضر ، عرّف البعض مصطلح "التجديد" من خلال مفهوم "المخالفة" في القانون ، أي الإشارة إلى أنه يسير عكس ما هو عليه الفكر الإسلامي من تشدد .










عبد الصبور مرزوق..التجديد والاسلوب الأمثل للدعوة
وينظر الدكتور عبد الصبور مرزوق الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية إلى مفهوم "التجديد" ، على أنه تدريب الدعاة على الأسلوب الأمثل لتوصيل رسالتهم ..واضعين في اعتبارهم ظروف المُخاطب وثقافته وخبرته الاجتماعية والعلمية . فإذا كان الجمهور متنوعا ، فمن باب أولى أن تكون الوسائل - في نظره - متنوعة ، فضلاً عن أن تكون متوافقةً مع احتياجات الناس الحقيقية .

ويستطرد الدكتور مرزوق قائلاً : إن تطوير الخطاب على هذا النحو ، يتيح للدعاة فرصة عرض الإسلام على المتلقي بصورته البسيطة والوسطية ، كما يساهم إسهاما كبيرا في التعريف به ، وبالطريقة ذاتها التي عرف بها معظم المسلمين في إفريقيا وآسيا الإسلام اللتين لم تشهدا غزوات أو فتوحات إسلامية . ويؤكد أن الخطاب الديني لا ينبغي أن يخرج بحال من الأحوال عن ثوابت الشريعة الغراء .

فالتجديد الذي يعنيه الدكتور مرزوق ، هو تطوير الآليات والوسائل التي تستخدم في عرض الإسلام بصورته الصحيحة و"الوسطية" التي يتصف بها ، وتخليصها من "التقليد الرتيب" إلى أسلوب "التجديد والابتكار" .

ويقصر بعض المتحدثين في الشأن الإسلامي مفهوم التجديد على جوانب معينة من الخطاب الإسلامي . وفي هذا الإطار يرى الدكتور محمد أحمد سراج أستاذ الشريعة الإسلامية والدراسات الإسلامية بالجامعة الأميركية بالقاهرة أن مفهوم التجديد الفقهي ينبغي أن ينصب فقط على التجديد الفقهي ، حتى لا تتشعب بنا السبل في فهم المصطلح ، ما قد يفقدنا القدرة على التواصل ، كما يرى بوجوب التسليم بأن : تجديد التفكير الفقهي يقتضي الحفاظ على ثوابت هذا التفكير وأصوله العامة التي انعقد عليها إجماع الفقهاء المسلمين .

ومن أهم هذه الثوابت التمسك بما جاء في القرآن الكريم ، والسنة النبوية المطهرة ، الجماع علماء الأمة ، ومشروعية الاجتهاد بسالبيه التي من بينها الاستناد إلى المصالح ذات الصفة "المعتبرة" في الشريعة الإسلامية .

ويضيف الدكتور سراج أن تجديد التفكير الفقهي هو الأسلوب العلمي الواجب لتأييد هذا التفكير وتقويته ومساعدته على الوقوف في وجه الدعوات التي تستهدف هدم هذا التفكير واستبداله بغيره ، مذكراً أصحاب هذه الدعوات أن الاستبدال الذي يطالبون به ، والذي طال أمده ، لم ينجح في الاستجابة لطموحات الأمة الإسلامية في تحقيق نهضتها السياسية والاقتصادية ، بالرغم من طوفان الإمكانات المادية والطاقات البشرية والثروات الطبيعية والجغرافية التي تملكها .

لذلك فإن البحث في التجديد الفقهي- في نظره - هو في الحقيقة بحث عن إحدى الأدوات التي تعين في تقدم هذه الأمة .

ويرى الدكتور سراج أن عملية التجديد تكمن في تجنب مخالفة الأصول الشرعية الثابتة التي انعقد عليها إجماع الأمة عبر العصور ، والاجتهاد في البحث عن الحكم الشرعي لـ "المستحدث" من المسائل التي تقع في مجتمعاتنا المعاصرة والتي لم يقع مثلها ولم يسبق للفقهاء المسلمين أن بحثوه من قبل ، وبخاصة فيما يقع في مجالات الاقتصاد والإدارة والعلاقات الدولية وغير ذلك مما يتصدى له العلماء المسلمون في أبحاثهم ومؤتمراتهم ومجامعهم الفقهية . ويستطر الدكتور سراج قائلاً بأن من الواضح أن أسلوب التقليد ، لن يكون المنهج الذي يعين في الاضطلاع بعبء "إدراك" الأحكام الشرعية في المسائل المستحدثة .









الدكتور القرضاوي.. التجديد كما نريد لا كما يريدون

التجديد وخلط المفاهيم

وعلى صعيد خلط المفاهيم نرى أن البعض قد خلط بين مفهومي "التجديد" و"الحداثة" ، كما أن هناك تخوفاً من أن تكون دعوات التجديد الأخيرة بشأن الخطاب الديني ، منبعها الانسياق وراء تيارات "الحداثة" التي سادت ميادين الفن والآداب على حساب الأساليب الكلاسيكية ، والتي- أي الحداثة- لا تريد الإبقاء على قانون أو ثابت . وقد وصل البعض بتخوفاته إلى حد القلق من هدم الثوابت الإسلامية باسم الحداثة ، ومن أن تخرج على هذه الأمة مدارس في الفكر الإسلامي تدعو للقضاء على القديم بكل أصوله ثوابته .

ويرى المنشغلون بهذه القضية أن أمر الخلط بين الحداثة والتجديد ، وصل إلى الحد الذي تناولت فيه بعض وسائل الإعلام قضية تجديد الخطاب الديني تحت عنوان "تحديث الخطاب الديني"

وفي هذا السياق ، يرى الدكتور سيف الدين عبد الفتّاح أستاذ النظرية السياسية بجامعة القاهرة أن التجديد في الفكر الإسلامي : يعني العودة إلى الأصول وإحيائها في حياة الإنسان المسلم بما يمكن من إحياء ما اندرس،؟ وتقويم ما انحرف ، ومواجهة الحوادث والوقائع المتجددة ، من خلال فهمها وإعادة قراءتها ، تمثلاً للأمر الإلهي : "اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ" العلق:1.

والواقع أن "مفهوم التجديد" يرتبط بشبكة من المفاهيم النظرية المتعلقة بالتأصيل النظري للمفهوم والمفاهيم الحركية المتعلقة بالممارسة الفعلية لعملية التجديد . فعلى سبيل المثال : يتشابك مفهوم "التجديد" مع مفهومي "الأصالة والتراث" ، حيث يقصد بالأصالة تأكيد الهوية والوعي بالتراث دون تقليد جامد ، وتلك المقاصد جزء من غايات التجديد .

كما يشتبك "التجديد" مع مفهوم "التغريب" الذي يعبر عن عملية النقل الفكري من الغرب، وهو ما قد يحدث تحت دعوى التجديد.

وعلى صعيد المفاهيم الحركية ، تطرح مفاهيم مثل "التقدم" و"التحديث" و"التطور" و"التقنية" و"النهضة" لتعبر عن رؤية غربية لعملية التجديد نابعة من الخبرة التاريخية الغربية ، ومستهدفة ربط عملية التجديد في كل الحضارات بالحضارة الغربية، باعتبارها قمة التقدم وهدفاً للدول الساعية نحو التنمية . كما تظهر مفاهيم مثل "الإصلاح" و"الإحياء" ، وهي نابعة من الرؤية الإسلامية لعملية التجديد ، حيث التجديد هو إحياء لنموذج حضاري وجد من قبل ولم تحدث تجاهه أي عمليات لتستهدف تجاوزه والخلاص منه .

والتجديد في المفهوم الإسلامي يعني محاولة الرجوع والتمسك بأصالة العقيدة ونبذ ما دون ذلك من توجهات فكرية دخيلة ، وهذا ما يعبر عنه المفهوم القرآني للتجديد الذي تؤسسه الآية الكريمة : إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله و هم بالآخرة هم كافرون ؛ واتبعت ملة آبائي إبراهيم و إسحاق و يعقوب ويوسف" .

فمفهوم التجديد بهذا المعنى لا يرتكز على البحث عن الهوية المفقودة في أنقاض الأفكار المرفوضة ، ولا على البحث عن البديل لدى الآخرين دون الأخذ بالاعتبار مبادئ الفكر الإسلامي ومعطياته . كذلك فإن من الخطأ المشين أن نأخذ "التجديد" على المستوى الديني ، بمعنى التحرر من الالتزامات التي تفرضها علينا العقيدة وأحكامها والانسياق وراء الثقافات الأخرى . فهذا أمر يجب أن نرفضه ونتصدى له بقوة .








_____________ شيخ الأزهر وموقف المؤسسة الدينية من دعاوى التجديد

مفهوما "التجديد" و "الحداثة"

درج الكثير من المفكرين وعلماء الدين الذين تناولوا هذا الموضوع إلى المقابلة بين اصطلاحين : أحدهما ينسب للثقافة الإسلامية وهو مصطلح "الاجتهاد" الذي يعني إحياء وظيفته "التجديدية" والنقدية والتأصيلية بإعطاء أقصى الاهتمام وبذل الجهد الحثيث في دراسة المصطلحات والمفاهيم والنظريات والأحكام التي تتظلل بظلال العقيدة الإسلامية ، والآخر مصطلح "الحداثة" الذي ينتسب لدعاة الحضارة الغربية ، والذي يدعو للفصل بين الدين والدولة ولا يتقيد بثوابت العقيدة المسيحية وأصولها اللاهوتية .

ولكن شتان بين المضامين والمعاني التي ينطوي عليها هذان المصطلحان ، فالمعروف أن الحداثة انطلقت في الغرب من مقولة إعلاء شأن العقل وانتصاره وتحريره من القيود التي تقيد إعماله ، والفصل بينه وبين ما تقول به الأديان والوحي والميتافيزيقا "ما وراء الطبيعة" .

وهذا يعني- في رأي "ألان تورين" - أن الحداثة الغربية قامت على تدمير القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية والتخلص من المشاعر والعادات والتقاليد والاعتقادات المسماة بالتقليدية ، كما أن القائم على هذا التحديث لا يمثل فئة أو طبقة اجتماعية بعينها ، وإنما العقل ذاته هو الذي يمثله ، وكذلك الضرورة التاريخية التي مهدت لانتصاره .

وفي المقابل ، فإن إعمال العقل في الفكر الإسلامي في ميدان الاجتهاد لا يعني الفصل بينه وبين الدين ، وإنما يستوجب التواصل بينهما ، وهو ما يعبر عنه القول المأثور : "ما حكم به العقل ، حكم به الشرع" و "إن الشرع سيد العقلاء" .

فهذا الربط بين العلم والدين ، إنما يشكل في حد ذاته انتصاراً للعلم الذي يحقق تقدم المجتمع دون يتعارض ويتناقض مع القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية الأصيلة السائدة في المجتمعات الإسلامية ، والمستمدة أصلاُ من أحكام الشريعة الإسلامية . فالاجتهاد بهذا المعنى هو دعوة للتقدم الذي يصل بنا لنتائج أكثر ثراءً مما حققته الحداثة الغربية ، إذا ما التزم دعاة التجديد في الفكر الإسلامي بأصولها .

التجديد سمة ثابتة وأصيلة في الفكر الإسلامي

ويؤكد مفتي طرابلس والشمال اللبناني الشيخ "طه الصابونجي" على أن التجديد في الفكر الإسلامي" ، سمة ثابتة وأصيلة كما بقي واحداً من المواريث الثقافية الإسلامية . فالإسلام يحمل - في رأيه - "ثقافة تجديدية مستمرة ضمن الأصول والثوابت والأحكام التي لا تقبل التغير" . ويذكر شيخنا أن الحضارة الإسلامية عبر تاريخها الطويل ، ألفت مختلف أنواع التجديد وقبلت التحاور والمناقشة مع دعاته حتى مع أولئك الذين دعوا- تحت ستار التجديد- للخروج على الأصول والثوابت ، وقبلت بما يتفق منها مع قواعد الشريعة الإسلامية وأحكامها ورفضت كل ما يتناقض معها .

أما دعوات تجديد الفكر الإسلامي والخطاب الديني وما شابههما التي تنطلق في عالنا المعاصر ، فجميعها تشير إلى أن ثمة توجهات مشبوهة يقصد أصحابها من ورائها "الالتفاف حول الثوابت والحقائق والأصول الإسلامية ،وإخراج الوجود الإسلامي من "إسلاميته" ، ودفعه دفعاً شديداً لإغراقه فيما يسمى اليوم بـ "بعولمة العصر" .

وفي هذا السياق ، يرى شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي أن التجديد في الخطاب الديني لا يُقصد به ترك الدين وأحكامه وثوابته ، وإنما يوجب على المتحدث عن الإسلام وأحكامه أن يكون حديثه نابعاً من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، ومتتبعاً للوقائع والأحداث التي يعيشها الناس ويقوم بشرحها لهم بأسلوب يتسم بالصدق والموضوعية ، وبكل ما يعينهم في فهم الشريعة الإسلامية بسهولة ودون تعقيد .

ويؤكد شيخ الأزهر على أن مسألة التجديد والتغيير ومسايرة العصر أمر واجب ، لكن هذا التغيير لا يعني حذف مادة القرآن الكريم من مناهج التعليم ، أو تغيير التراث الفقهي أو الأحاديث النبوية المطهرة ، وإنما التجديد المقصود يقتصر - في رأيه - إضافة ما يقتضيه العصر من جديد ، وحذف ما لا يتناسب مع مدارك العصر . أما "الأصول المتمثلة في حفظ القرآن الكريم وفي حفظ الأحاديث النبوية الشريفة ، وفي الأمور الفقهية الثابتة ، وفي قواعد اللغة العربية " فالتغيير فيها أمر مرفوض بل ومستحيل .

كذلك يرى شيخ الأزهر أن "تنقية التراث أمر واجب إذا كان المقصود بالتراث الكتب القديمة التي تحتوي علي بعض الأشياء التي تخالف الأصول والعقل الإنساني السليم" ، على أن تقتصر عملية التنقية هذه على الإشارة لتلك الأشياء التي تطالها والتعليق عليها في الهوامش .

أما الشيخ يوسف القرضاوي ، فيشدد على أن تجديد الخطاب الديني لا يمكن أن يجري بالمفهوم الذي يروج له البعض ، وهو ضرورة هدم الماضي وإعادة بناء العقيدة من جديد ، وإنما يقوم على أساس الاحتفاظ بأصول الشريعة الإسلامية وثوابتها ، أما الشكليات ، فبالإمكان تطويرها والتعامل معها بمرونة .

ويصور الشيخ القرضاوي مفهوم التجديد في الخطاب الديني وما يتضمنه من معان وما يستوجبه من إجراءات .. كمن يرمم مبنىً أثرياً تهالكت جدرانه ، لكنه ما زال يحتفظ بكل معالمه .. فهو يقوم بترميم بعض الشكليات والحوائط دون المساس بقواعد المبنى أو تغيير معالمه الأساسية ؟ . فالشيخ القرضاوي يدعو- بهذا المعنى - لتطوير الخطاب الديني "انطلاقاً من الحفاظ على الأصول الأولى والقواعد الصحيحة في العقيدة الإسلامية".

وانتهاءً ، يتحتم علينا القول بأننا لم نحاول في هذا التقرير الإجابة على تلك التساؤلات التي أثرناها في البداية ، حول ما يتعلق بموضوع الدعوة التي تثار اليوم على نطاق واسع ، ونعني بها الدعوة لـ "تجديد الخطاب الديني" ، وإنما اقتصرت محاولتنا على عرض آراء بعض المفكرين الإسلاميين في مفهوم "التجديد" في الفكر الإسلامي ، ومقارنته ما أمكن بمفهوم "الحداثة" في الفكر الغربي .

فلهذا الموضوع جوانبه المتعددة التي أجري أولي العلم والمعرفة والاختصاص حولها ، العديد من الدراسات المتعمقـة التي نأمل أن نعرض لها مستقبلاً إن شاء الله .
لمراسلة الكاتب :
_ahmed@moheet.com
*** _

صقر الخالدية
04/02/2004, 12:20 AM
لنسقط إرث المعوقات الثقيل عن ظهورنا أولا
د. رحمة بورقية*

يقاس مستوى التنمية في المجمعات، بالمسافة التي تفصلها عن النمو الشامل، وبالنقص الذي تعرفه هذه المجتمعات في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ومن الملاحظ أن مشروع النهوض العربي على مستوى التأهيل الحقوقي والاقتصادي والاجتماعي، ما زال يتعثر كما تفصح عنه مؤشرات التنمية البشرية. ويعتبر وضع النساء مؤشرا أساسيا من مؤشرات تلك التنمية البشرية.
لا يمكن أن نحدد مكانة النساء فقط بوضع المجتمعات التي تنتمي إليها كمجتمعات تصنف بالسير في طريق النمو، وإنما بوضعهن المزدوج، باعتبارهن يخضعن لوضعهن الدوني في القوانين، ولضعف حضورهن في المجالات السياسة والاقتصادية، وفي نفس الوقت باعتبارهن يتحملن كالرجال واقع بلدانهن وهي تصارع للوصول للتنمية.
مما لا شك فيه أن ضعف اندماج النساء في مسار التنمية يجعل المجتمع يتحمل هدر نصف طاقاته وما قد يواكب تلك الطاقات من قوة خلاقة.
إن المجتمعات العربية، وبدرجة متفاوتة، تحمل إرثا ثقيلا من المعوقات تحول دون تحقيق سريع للتنمية الشاملة وللرقي بأوضاع النساء. تبين الإحصائيات والمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، أن أوضاع النساء في العالم العربي تضع معظم بلدانه في أسفل القائمة من حيث التنمية البشرية. وتفصح عن كون تلك الأوضاع لم تحقق تقدما كبيرا، على الرغم من وجود بعض الاختلافات بين المجتمعات العربية، من حيث درجة انخراط النساء في الإنتاج الاقتصادي، ومن حيث المشاركة السياسية، ومن حيث الصورة التي تعكسها قوانينها عن المرأة والعلاقات الأسرية. كما أن النسبة المرتفعة للأمية بين النساء في كثير من البلدان العربية، تعكس ضعف انخراط النساء في ديناميكية السير نحو التنمية. ولهذا تواجه البلدان العربية تحديات عدة لا يمكن تجاوزها بدون الوعي بها وإدراجها في السياسات والاستراتيجيات المتبعة، وبضرورة الدخول في سيرورة لمواجهتها.
إن مداخل التنمية الاجتماعية وتأهيل النساء متعددة، أساسها الانكباب على الذات العربية لتحليل مكوناتها ومكامن القوة والضعف فيها، وذلك بالمعرفة وبالفكر النقدي الموضوعي الذي يجعلها تفكك طلاسم ذاتها ورموز واقعها الاجتماعي. وفي هذا السياق، تحضر ضرورة التخلص من الرواسب الكامنة في التراث الفكري الذي شيد حول مركزية ذكورية وجهة نظرته للعالم وللمجتمع.
لقد حول المجتمع عبر التنشئة الاجتماعية، وخلال حقب طويلة من الزمن، الاختلافات البيولوجية بين الذكر والأنثى إلى ترتيب بينهما، وإلى تصورات لوضع هرمي تحضر بقوة في التراث المكتوب والشفاهي وتنتصب كحقيقة ثابتة، تستهلك كما لو كانت من طبائع لا تتغير، وتقاوم التاريخ والتحولات الاجتماعية التي طرأت على مكانة النساء في المجتمع وعلى العلاقة بين الرجل والمرأة.
إن المخيال الثقافي العربي تسكنه مركزية ذكورية تطبع نظرة المجتمع لعلاقات يتقاسمها الرجال و النساء على حد سواء، وتحدد منطق الهرمية بينهما. يضع المجتمع المرأة إلى جانب اللين والعطف والضعف والوجدان. ويضع الرجل إلى جانب الإقدام و المسؤولية والقوة والتفكير. ولقد أضفيت على العلاقات بين الرجال والنساء، في معظم المجتمعات العربية، قيم عشائرية تناقلت عبر الأزمنة والأجيال، ويعاد إنتاجها عبر قوانين الأسرة وعبر الممارسات والتصورات التي تترسخ في العقليات. ولقد أثقلت بعض الخطابات جسد المرأة بالتقاليد وبالرداء السميك للذاكرة العشائرية. وجعلت ذلك الجسد فضاء لرهانات وحروب وهمية تصرف الانتباه وتحول مجرى الجهود عن الحروب التنموية والاقتصادية الكفيلة بالرقي بالإنسان العربي.
وإذا كانت النساء في الماضي يستهلكن قيما أنتجتها الثقافة والوعي الجماعي، فإن شريحة عريضة من النساء تطالب اليوم، عبر الحركات الحقوقية والنسائية، بالمساهمة في إنتاج القيم وبالمشاركة في مختلف مجالات الحياة العامة، وتدعو إلى ضرورة إحداث إصلاحات، أهمها الإصلاح القانوني.
إن تغيير القوانين يعتبر من أهم خطوات تأهيل النساء. ولقد جاءت الخطوة التي أقدم عليها المغرب بوضع مشروع جديد لقانون الأسرة (مدونة الأسرة)، بمثابة ثورة هادئة أجمع عليها المجتمع المغربي بعد نقاش واسع، كاستجابة للتحولات التي عرفها المجتمع وعرفتها الأسرة ووضع النساء. وفي هذا السياق تلعب الدولة دور المحرك للإصلاحات الكبرى في المجتمع. فالإرادة السياسية للملك محمد السادس، جاءت للدفع بالمشروع نحو تعديل شامل وجوهري. كما أن التجربة المغربية في هذا المجال، تبين أن الإصلاح في المجتمع العربي الإسلامي كاستجابة للمتطلبات المجتمعية وللحركات الحقوقية والنسائية وللحتمية التاريخية للإقرار بحقوق وواجبات الأفراد داخل الأسرة هو أمر ممكن، بل وأنه يقوي الدولة والمجتمع، وينقل النساء من وضع دوني كانت تعكسه قوانين الأحوال الشخصية، إلى وضع مواطنات لهن حقوق وعليهن واجبات، ويفتح الأفق لتعديل قوانين الأسرة كلما تغيرت الأحوال المجتمعية. فتأهيل النساء من الناحية القانونية والاقتصادية والاجتماعية هو جزء من المشروع الديمقراطي الحداثي. فإصلاح قانون الأسرة في المغرب يفتح المجال لمعالجة القضايا الجوهرية في التنمية البشرية، وكل ما يتعلق بها كالمسألة النسائية والأسرية.
إن مؤسسة الأسرة هي المؤسسة التي تمر عبرها التنشئة الاجتماعية لتنتج الإنسان الذي سيعيش في المجتمع. فأسرة متوازنة، تصان فيها الحقوق وكرامة الزوج والزوجة والأطفال، هي الإطار الملائم لتلك التنشئة. كما أن بناء المشروع الديمقراطي الحداثي في حاجة إلى وضع الأسس الاجتماعية له. ومن بين تلك الأسس الإصلاح القانوني للأسرة. وهو المدخل للإصلاحات الأخرى التي من شأنها أن تدفع بالنمو الاقتصادي لإحداث فرص العمل للنساء والرجال، وبالتربية على الروح الديمقراطية وعلى المساواة واحترام الحقوق. وبإعلام ذي أبعاد تربوية يساهم بفعالية في تأطير المواطن وتلقينه قيم التشارك في المسؤولية. إن ترسيخ قيم التشارك والمسؤولية والمساواة وحفظ الحقوق وتحديد الواجبات بين المواطنين وبين الرجال والنساء في المؤسسات الاجتماعية والسياسية، لمن شأنه أن يدخل المجتمعات العربية في فلك الحداثة. من المعلوم، أن الحداثة لا تنفي الدين الإسلامي كما يردد البعض، وإنما تحفظ له مكانته وتجعل المجتمعات العربية تراجع خطابها التمجيدي حول نفسها، وتمنحها الدعامة اللازمة لكي تتحرر من قبضة مد إنتاج واستهلاك الأساطير. كما أن الحداثة الفكرية تعمل على كبح الاندفاع وراء المشاعر الجاهزة وتوجيه التعبئة نحو إنجاز المشاريع التنموية لإيجاد مكانة في عالم أصبحت تتحكم فيه عولمة عارمة.
لقد أصبح التحديث حتمية تاريخية، والمجتمعات العربية أضحت مجبرة على السير في ركب الحداثة وليس لديها الاختيار بين أن ترافق الركب أو لا ترافقه، باعتبار أن قطار الحداثة حتمية تاريخية تستدعي إيجاد أجوبة ناجعة على الأسئلة والقضايا التي يطرحها العصر الراهن. سبق وأن كتبت، ليس للمجتمعات العربية ان تختار بين أن تركب قطار الحداثة أو لا تركبه، فالاختيار الوحيد هو هل تركبه وهي مقحمة في عرباته، وفي زخم الإقحام تترك أمتعتها على الرصيف، أم تركبه عن طواعية محملة بأمتعتها وعلى وعي بالانضمام إليه وبالاتجاه الذي تقصده. من المؤكد، أن الوصول إلى محطة التنمية وتحقيق الديمقراطية لن يتما إلا بمرافقة النساء لذلك الركب.

* أستاذة علم الاجتماع رئيسة جامعة الحسن الثاني بالمحمدية ـ المغرب

المصدر حريدة الشرق الاوسط





All

صقر الخالدية
04/02/2004, 12:23 AM
بدأت رشوة حكومية وانتهت تقليداً اجتماعياً:
"العيدية" ابتكرها المعزلدين الله وشربها الآباء
الاثنين 02 فبراير 2004 11:53
نبيل شرف الدين من القاهرة: يعرف الكثيرون أن "العيدية" هي كلمة السر بين أطفال مصر ـ وبلاد عربية أخرى ـ الذين يترقبون العيدين من أجل الحصول عليها، لكن ما قد لا يعلمه الكثيرون أنها بدأت بالأساس كـ "رشوة حكومية" مقننة، أطلقها الناس على ما كانت توزعه الدولة من نقود خلال موسمي عيد الفطر وعيد الأضحى لمستخدميها من أرباب الوظائف المختلفة، وكانت هذه العيدية تعرف "بالرسوم" في أضابير دواوين الدولة ، ويطلق عليها "التوسعة" في وثائق الوقف الفاطمية والمملوكية، كما يقول باحثون متخصصون في تاريخ مصر الحديث.
وترتبط جذور "العيدية" بسياسة "ذَهبِ المعز وسيفه" الشهيرة، فمما يروى عن الخليفة الفاطمي المعز لدين الله، أنه عند دخوله مصر بعد فتحها على يد جوهر الصقلي، وجد الناس في جدل ونقاش بين مؤيد ومشكك في صحة نسبه إلى البيت النبوي، فوقف وسط الناس وهو يلوح بسيفه قائلاً: "هذا نسبي". ثم أعقب ذلك بإخراج بعض الذهب ونثره على رؤوس الناس وقال: "وهذا حسبي".
وقد أثبتت الأحداث أن المعز لدين الله أحسن إلى حد كبير في استخدام "حسبه ونسبه" في توطيد دعائم خلافته، فجرد الجيوش لتهاجم مناهضيه وغمر رعاياه في كل مناسبة بالأعطيات ومظاهر الترف والبهجة.
وحرص الفاطميون على توزيع "العيدية" مع كسوة العيد، فضلاً عما كان يوزع على الفقهاء والمقرئين بمناسبة ختم القرآن ليلة العيد من الدراهم الفضية.
وعندما كان الرعية يذهبون إلى قصر الخليفة صباح يوم العيد للتهنئة كان الخليفة ينثر عليهم الدراهم والدنانير الذهبية من منظرته بأعلى أحد أبواب قصر الخلافة.
وبزوال دولة الفاطميين ، توقفت الدولة التي تعاقبت بعد ذلك عن صرف العيدية لأرباب الوظائف المدنية ، واكتفت بصرفها للجنود المماليك خاصة في عيد الأضحى كما كان الحال زمن الفاطميين، وكثيراً ما تعرض بعض السلاطين لاعتداءات المماليك بسبب قلة أو تأخر نفقة العيد ، وربما أدى تذمر المماليك إلى عزل السلطان عند عجزه عن دفع العيدية.
أما النقود التي كانت تصرف بها العيدية فكانت ثلاثة أنواع هي : الدنانير الذهبية، والدراهم الفضية، والفلوس النحاسية ، وكان الفاطميون يضربون دنانيراً خاصة بغرة العام الهجري تعرف بدنانير "الغرة" ويضربون أيضاً قطعاً ذهبية تعرف بالخراريب جمع خروبة، والخروبة تساوي 192 جراماً، وكانت الخراريب توزع على موظفي الدولة والأمراء في الأعياد كل حسب مكانته.
ودالت الدول وتبدلت أنظمة الحكم التي تعاقبت على مصر، وتنوعت مسميات العملات على مدى العصور حتى كاد يصعب حصرها خاصة في زمن العثمانيين، غير أن كل هذا لم يكن كافياً لينسى الناس عيدية الفاطميين الذين أرسوا وقواعدها وأصبحت عادة مصرية صميمة يتوارثها الأبناء عن الآباء والأجداد، وبعد أن خرجت الدولة الحديثة من عملية توزيع العيدية "أو الرشا" على الموظفين بهذه الصورة الصريحة، إذ اتخذت صوراً أكثر "حداثة" وتعقيداً، ليحل الآباء والأعمام والخئولة محل "دولة الفاطميين" ويتحملوا مسئولية "بذل العيدية" للأطفال الذين باتوا ينتظرون العيد بفارغ الصبر كي يحصلوا على "العيدية".

المصدر موقع ايلاف

صقر الخالدية
05/02/2004, 10:48 PM
وراء اليوميات البالية التي ضجرنا منها ونتسلى عنها بمتابعة ضجر الآخرين ثمة ما هو إيجابي
سوسن الأبطح



اعترض ما شئت على «ستار أكاديمي»، وصوّت وأولادك لطلابه في اليوم التالي فهذا حقك، لكن اعترف لهذا البرنامج ببعض الفضائل التي تسجل له، والتي يليق بالإيجابيين من الناس التقاط شراراتها.
والأجدى من النواح الإفادة من المتاح ولو كان قليلاً. وعملاً بمقولة إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون، ليس أمامنا سوى تعداد فضائل الموجود. فنحن لا ننكر على برامج «تلفزيون الواقع» التي بدأت زحفها إلى العالم العربي، سلطتها، وقدرتها الجبارة على إغواء العموم بالتفاهة والإيحاء لهم بأنها تفعل العكس، فهذه فلسفتها ووظيفتها الأولى، التي يعترف بها ضمناً مبتكر البرنامج الأشهر في هذا المجال «بيج بروذر» الذي دوّخ مئات الملايين من المشاهدين حول العالم. فالفنان المبدع جون دو مول صاحب الفكرة الجهنمية التي يصعب إحصاء ما حصدته من ضخم الأرباح يقول: «لقد ابتكرنا صنفاً جديداً وأرينا بوضوح كيف ان الناس العاديين قد يكونون شخصيات مهمة، وان جارك في العتبة الذي لا تلقي له بالاً يمكنه ان يدهشك». ولا نعرف إن كان أبطال يومياتنا المتلفزون يدهشوننا أم يدخلوننا في خدر باهت. لكن الفاتحة العربية لهذا النمط التلفزيوني، ببرنامج «ستار أكاديمي»، الذي تمثلت فيه الأمة بأبنائها، وما يعتريهم من حماسة، تثبت لمرة جديدة ان الجسر الفضائي الثقافي المفتوح بين الشرق والغرب يوحد تدريجياً الأذواق والخيارات معاً، وان دلال الرافضين للعولمة الثقافية هو أشبه بصرخة تائهة في واد. وما هو معلوم عن الصورة بأنواعها، الجامدة منها والمتحركة، انها استطاعت بسرعة قياسية ان تتحول إلى المصدر المعرفي الأول للبشر وتشكل ثقافة العامة على وجه البسيطة. ويشرح دانيل بونو الباحث الفرنسي في علوم الاتصال ان ميكانيكية التعامل مع المشهد مختلفة عنها تماماً مع النص المكتوب، فإن كانت مع الثاني تفاعلية يقظة فهي مع الأول استسلامية كسلى. فأمام الشاشة يميل الإنسان للارتخاء، مما يفسر الشعور اللذيذ بالنعاس وكأنما هو دخول في الحلم. ففي الحلم قليل من الكلام كما يقول فرويد، وحين يكون ثمة كلام فإنه يختلط بالصور.
وبرنامج مدته طول الليل والنهار على طريقة «ستار أكاديمي» يفتح السؤال عربياً لا حول قدح القيمين على البرنامج أو مدحهم، فهم محكومون بحسابات الربح والخسارة، وإنما، وهذا الأهم: أي إنسان حضرنا لزمن كل نتاجاته ماكرة وحمّالة أوجه، تعطي الإنسان ما يريد، وتتركه أعمى أمام وجوهها الأخرى وحيلها الزئبقية الملتبسة. فأمام أبطال «ستار أكاديمي» بإمكانك ان تجلس طوال النهار وبيدك النرجيلة وإلى جانبك صحن ترمس ليحلو التلصص على الطلاب، وتعرف ما أكلوا، وكيف شربوا، ومن مازح من، وكيف تنام صوفيا، وما هي خصوصيات غفوة محمد عطية أو بشار، وأيتهما هي التي ستفوز بقلب هذا أو يفوز ذاك بقلبها. وكثيرون يتتبعون الجلسات الطويلة للطلاب لاختلاس لحظة حميمة ما بين أحد الشبان مع إحدى الفتيات. وهؤلاء غالباً ما يخيب ظنهم وبإمكانهم أن يفرحوا لأن التكنولوجيا ما تزال قاصرة عن نقل الروائح وإلا لابتلينا فوق الثرثرة بمن ينسى تغسيل قدميه أو يتأخر عن موعد حمّامه. وراء اليوميات البالية التي ضجرنا منها في حياتنا ونتسلى عنها بمتابعة ضجر الآخرين، وهنا لب الكارثة، ثمة ما هو ايجابي. دع جانباً النقد القاسي الذي وجه عالمياً لكل برامج «تلفزيون الواقع» وهي تكتسح البيوت وتسمر الناس أمام الشاشات، طوال السنوات الثلاث الماضية. وتخلص من الأفكار المسبقة، عن لعنة الصورة، وخبثها، وانظر كيف يدفع هؤلاء الشبان إلى نحت أجسادهم وأصواتهم وصبرهم ومقدرتهم التعبيرية لينتقلوا من حيز الجهل بالذات إلى إدراكها ووعي إمكاناتها المخبوءة. ولسنا هنا بوارد الحكم على أساتذتهم وما حققوه من نجاح أو إخفاق، وإنما مجرد اعتبار العمل والمثابرة هما الميزان الأول للبقاء او الخروج من اللعبة، يستحق من المتفرج نظرة نقدية لذاته الجالسة ببلادة استفزازية على كنبة مقابل شاشة. برنامج هدفه السطو على وقتك أكبر فترة ممكنة، لكنه أيضاً برنامج يضعك أمام اختبار ذكاء. فهل تريد ان ترى وجهه الثرثار وتترقب مشاهد كاميراته الوقحة المسلطة على حياة أناس قبلوا ان يكونوا في أنبوبة اختبار من خمسة نجوم، أم انك تفضل ان تتحول طالباً إضافيا يتعلم تقنيات نحت القدرات وأنت جالس في بيتك؟ أم تراك تكتفي بالسهرة الأسبوعية وضيوفها المحترفين من النجوم؟ هل تذوب بكليتك في حياة الأكاديمية أم تقتنص من تفاصيلها ما تريد؟ أم تراك تملك زمام أمورك وتدير ظهرك بالكامل لألاعيب «تلفزيون الواقع»؟ قل لي من أي زاوية تنظر إلى «ستار أكاديمي» أقل لك من أنت؟ وكيف تتعامل مع جهازك الكومبيوتر وأي الخدمات تستخدم أقرأ لك شخصيتك؟ وما هي طبيعة مكالماتك التلفونية أكشف لك المستقبل؟ وبكلام أوضح فليس في أدوات الحداثة ونتاجاتها من جيد ورديء. فكما يمكنك أن تقرأ كتاباً إباحياً بعيني محلل نفسي أو مخرج سينمائي أو زير نساء أو فضولي شمولي، والقراءة ليست في كل الأحوال واحدة، يمكنك كذلك ان ترى ما تشاء من البرامج ولن تكون حصيلتك منها مع الجالس بقربك بالضرورة ذاتها. فلقد راهنا طويلاً جداً على حماية الإنسان باعتباره قاصراً، واخترعنا لذلك أجهزة ومؤسسات ونظريات، ثم باغتنا العالم المتطور بمعداته وأجهزته المعدة للراشدين فقط، وصرنا في هلع وضياع صبي، كبير الهامة صغير السنّ، دخل بطريق الخطأ لحضور فيلم يناسبه حجماً ويتجاوزه عمراً. وهذا كله يذكّر بقصة الزاهد الصوفي الذي قعد أمام حبة فول وأخذ يتأملها بشغف فشعر بأن الكون كله يتكشف أمامه منها. والزاهد هذا لا يشبه في أي حالٍ رجلاً آخر قد يكون في نفس موضعه، لكنه لا يستطيع ان يرى في الحبة عينها غير الوضاعة والحقارة. ولله في خلقه شؤون


المصد جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
05/02/2004, 10:52 PM
:طالت فترة الانتظار العربي على إصلاح التعليم

الثلاثاء 03 فبراير 2004 05:12

د / محمد الرميحى

في آخر هذا الشهر فبراير 2004 سوف تعقد ندوة عربية واسعة تنظمها مؤسسة الفكر العربي في بيروت حول التعليم العربي العام، إصلاح ومناهج، في نفس فترة الإعداد أصدرت بالمصادفة مجلة الايكونومست البريطانية المعروفة في آخر عدد لشهر يناير تقريرا عن التعليم العربي نواقصه وتأثيراته، وهو واحد من التقارير العديدة التي تدفقت على العرب تصف ضحالة تعليمهم وهشاشة مؤسساتهم التعليمية، وكان أشدها نقدا هو تقرير التنمية بجزأيه لعام 2002 وعام 2003.وهو الذي أصبح اليوم أحد المراجع لكل من يريد أن يشير إلي تخلف العرب العلمي!
لا تنقصنا اليوم الحجج و الشواهد على وجود حقيقتين حولنا، الأولى أن العالم لم يتقدم ولا يتقدم دون المعرفة، تلك حقيقة أثبتها تاريخ البشرية الحديث منذ أكثر من قرنين على الأقل، منذ ثورة الميجي في اليابان في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مرورا بالثورة الصناعية في أوروبا و ثورة المعلومات المعاصرة التي نشهدها الآن، أما الحقيقة الأخرى فان التعليم العربي لم ينهض لمواجهة التحدي الذي واجه العرب، وهو حتى اليوم مقصر في ذلك.
أما إذا بحثنا في الأسباب فهي كثيرة، ينظر اليها البعض من زوايا مختلفة، أما الحقيقة التي لا يستطيع عاقل أن يتجاوزها فهي أن القصور ما زال مستمرا، برغم كل التقارير و رغم كل الآراء النيرة التي قيلت من رجال التعليم العرب في السابق واللاحق، وغيرهم من المهتمين بضرورة تغيير هذا التعليم الشكلي الذي نمارس، إلي تعليم حقيقي يستجيب لمتطلبات العصر.
لعل أحد الأدلة الصارخة على قصور التعليم العربي، من حيث الكيف أن معظم المسئولين العرب عن التعليم إذا توفرت لهم الفرصة، واتيحت لهم الوسيلة، فإنهم لن يترددوا بإرسال أبنائهم إلي مدارس خاصة في الوطن أو خارجه من اجل التعليم!ومعرفتي بالبعض تؤكد ذلك.
في الوقت الذي تقول لنا كل الدراسات، أن تكلفة التعليم العام، في الدول العربية، اكبر بكثير من تكلفة التعليم الخاص، على الخواص! فالمشكلة هنا إذا ليست مالية بل مؤسسية.
تتنقل نكتة ثقيلة عن مواطن سوفيتي في الأيام الخوالي انه سئل ما هي أخبار العلاقة بأميركا قال انتظر حتى اقرأ البرفدا( الجريدة الرسمية) ثم سئل وماذا عن أخبار الاقتصاد قال انتظر حتى أقرا البرافدا، ثم سئل أخير وهو ينتفض من البرد، وما هي أخبار الجو هذا اليوم، قال لم أقرا البرافدا بعد!
لعل هذه النكتة المرة تتجلى من جديد في خريجي مدارسنا وجامعاتنا، فمعلوماتهم العامة ضئيلة إلي درجة تثير العاقل وتحير الحكيم، ومهاراتهم التقنية و الفنية معدومة، فأصبح تعليمنا في جله هو تعليم تلقيني لتخريج كتبة في الدولة أو مواطنين لا يملكون ممحية أبجديتهم، يجيدون النقل ولا يعرفو قيمة العقل، ولا غرو بعد ذلك أن يؤخذون حقا أو غير ذلك بالإيديولوجيات التي تعتبرهم أنفارا في قطيع وليس بشرا لهم عقول.
لقد خلط البعض كثيرا وطويلا بين تعليم وبين تجنيد، في الثاني المطلوب الطاعة وسماع الأوامر وفي الأول المطلوب المجادلة والنقاش والشك.
في تجربة جرت منذ أسابيع في الجامعة التي أدرسُ فيها، قررت أن اختبر قيمة مهمة في التنمية الحديثة وهي قيمة ( الثقة) فأعلنت لطلابي أن الامتحان الأخير لن يكون عليه رقيب منى أو من غيري، رقابتهم تنبع من أنفسهم، وبالفعل تم الامتحان، وعند الانتهاء منه، سئل زميل لي عددا كبيرا منهم، هل قمت بالغش، وكانت الإجابة صاعقة، لقد امتنعنا عن فعل ذلك لأننا نعتقد أن الجامعة و الأستاذ قد وضعوا (كاميرات) لمراقبتنا!
لا أفضل من مثل هذه التجربة التي تقدم لنا بوضوح كامل كيف استطاع التعليم الذي نقدمه في بلداننا من غرس رقابة افتراضية تنبع من الداخل، من الإنسان الذي يذكرك بإنسان البرافدا سابق الذكر.
تجربة ماليزيا التي نتحدث عنها كثيرا بدأت بقرار إصلاح التعليم، ومنها انطلقت إلي ما نعرفه اليوم من مساهمة عالمية في التنمية التي حققت لبلدها كل هذه الثروة و السمعة، وبلاد أخرى أيضا بدأت التغيير من التعليم، بل أن بلدانا غربية أخرى كلما واجهها تحد لجأت إلي التعليم، تنظر فيه وتقوم بتقويمه.
ولعل بعضنا يذكر التقرير الشهير الذي صدر في الولايات المتحدة بعد نجاح الاتحاد السوفيتي في وسط الستينيات من القرن الماضي لإرسال رجل إلي الفضاء، لقد كانت الصيحة وقتها انتبهوا إلي التعليم، ولا زالت بلاد مثل بريطانيا تتحدث برامجها السياسية عن نقلة نوعية في التعليم، وهي بلاد توصف على أنها متقدمة.
لقد أثقل التعليم العربي بأشكال من ( الادلجة) و ( القطعية) خلال سنوات طويلة، وتوارث العرب في بلادهم المختلفة وعلى درجات مختلفة هذه الادلجة و القطعية وسرعان ما تسربت إلي المناهج المدرسية، في الوقت الذي تؤكد كل تجارب العالم أن التعليم في أي موضوع هو نسبي وليس قطعي، فالتلميذ الذي كان يجيب عن إمكانية انشطار الذرة قبل أن يكتشف ذلك انيشتاين في العشرينيات من القرن الماضي، كان يسقط في الامتحان، بعد ذلك بسنوات من يقول أنها لا تنشطر يلاقي نفس المصير. اقصد أن العلم نسبي، منذ أن قال هيروقليطس قوله المشهور ( انك لا تستطيع أن تنزل النهر مرتين) أي أن الأصل في الأشياء هو الحركة لا الجمود.
وان أخذنا بعض الأمثلة نقول أن الخطوط العريضة للنظرية الاقتصادية الحديثة قد تغيرت وتبدلت منذ ادم سميث إلي روبرت سولو(الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد) فلو عاش الناس على نظرية ادم سميث لما وصلنا إلي ما وصلنا إليه من (عولمة)
إذا وضعنا الوعود و التأكيدات العامة الصادرة من الأجهزة الحكومية العربية جانبا فان إصلاح التعليم لم يتعد تلك الوعود العامة، ويبدو أن اصلاح المناهج هو في صلب إصلاح التعليم، إلا انه في الظروف و المعطيات الحالية، يكاد يكون شبه مستحيل، بالمعني الذي ينقل التعليم العربي إلي آفاق مرتجاة، فمن قمنا بتعليمهم شربناهم على طول السنين ( ينبغيات) يكاد لا يستطيعون منها فكاكا، فأصبحوا هم، لا غيرهم سدا منيعا للتطور!
لذا أصبح هناك اليوم في فضائنا العربي ما يمكن أن يسمي المناهج التعليمية الموازية، وهي أشكال من التعليم ظهرت أولا فيما سميناه ( المدارس الخاصة) وان كان على استحياء، ثم في الابتعاث إلى الخارج بعد ذلك، وهو اليوم يكاد أن يُوطن في أكثر من بلد عربي، واعني به ظهور الجامعات المشتركة بين بعض العرب وبعض الغرب، ربما مثل هذه الخطوات هي هروبية في أحسن أحوالها، لأنها تزيد من تقسيم المجتمع، وتترك التعليم العام نهبا للتردي و التصحر، إلا أنها للعاقل ربما خطوة قد تؤدي إلي الأفضل بعد حين.
هذا المنهج الموازي يقدم لشرائح في المجتمع العربي فرصة عدم الوقوع في تصادم مع القوى المحافظة التي ترغب، بسبب مصالح لها أو بسبب أفكار ومعتقدات، أن يظل الحال كما هو يراوح في مكانه، إلا أن السؤال هو هل تستطيع هذه المؤسسات ذات المنهج الموازي أن تقدم من المعرفة ما يعتقد القائمون عليها أنها تفعل؟ أم أن هناك بعض الخيوط المرئية وغير المرئية التي تربط بحبل سري مؤسسات المنهج الموازي بشؤون الدولة؟
لا زالت الجهود و الأموال المستثمرة في مؤسسات التعليم ذات المنهج الموازي محدودة، سواء أكانت الجامعة العربية المفتوحة أو الجامعات المشتركة التي تتكاثر.
سيظل أهل التعليم العرب في حيرة، ليس لنقص في أفكارهم وتطلعاتهم، إنما بسبب افتقاد المجتمعات العربية إلي ( إرادة التغيير) وهي في يد السياسيين أكثر منها في يد التربويين.

باحث كويتي

الوطن العمانية

صقر الخالدية
06/02/2004, 10:52 AM
د· محمد عابد الجابري:

الأخلاق والأحكام في القرآن ومنهجية الاجتهاد:
الثلاثاء 03 فبراير 2004 05:45

أكاديمي ومفكر - المغرب

التجديد في الدين يتطلب أساسا -عندما يتعلق الأمر بالإسلام- تجديد الفهم للقرآن· ومنذ القديم ميز علماء الدين في الإسلام بين الأحكام ومكارم الأخلاق· أما الأحكام التي تشرع للعبادات والمعاملات وما يتصل بها من عقاب وثواب···إلخ، فهي لا تشكل إلا نسبة صغيرة من عدد آيات الذكر الحكيم· أما الباقي فكله في الأوامر والنواهي الأخلاقية أو تدور حولها· وفي الجملة فمن جميع آيات القرآن، المكية والمدنية، التي يبلغ عددها 6236 آية، ليس هناك في موضوع الأحكام سوى 634 آية حسب الفقيه ابن العربي و500 آية حسب الغزالي، من القدماء، بينما يحصرها بعض المحدثين في 300 أو 340 آية، وينزل بها آخرون إلى نحو 200 آية·
والسبب في هذا الاختلاف يرجع إلى المعنى الذي يعطيه كل منهم لكلمة الحكم في عبارة آيات الأحكام· فبينما يوسع بعضهم كابن العربي معنى الحكم ليشمل الآيات التي تعبر عن الإرادة الإلهية كـخلق السموات والأرض وتقرر سنة الله في الكون··· إلخ، يحصر آخرون معنى الحكم في الأوامر والنواهي الخاصة بالعبادات والأحوال الشخصية وشؤون المعاملات، كالبيع والرهن والتجارة···إلخ، والقضايا الجنائية· وليس في كل ما تقدم من عقوبات جنائية إلا فيما يعرف بـالحدود وهي أربعة، حد الزنا، وحد القذف، وحد السرقة، وحد الحرابة (قطاع الطرق)· أما الباقي فيدخل كله في مجال الأخلاق، مجال الحث على الفضائل والنهي عن الرذائل·
وبما أن القرآن الكريم (والسنة النبوية المبينة له) لم يشرع لجميع جزئيات الحياة، ما كان منها في عصر النبوة وما طرأ بعدها، وهو كثير، فإن تطبيق الأحكام الشرعية على المستجدات التي تكاثرت باتساع رقعة بلاد الإسلام وتنوع عادات أهلها وأعرافهم وخضوع ذلك كله لسنة التطور، يقتضي الاجتهاد لالتماس الحكم الشرعي من القرآن والسنة وإجماع الصحابة، وبذلك صار الاجتهاد أصلا من أصول التشريع· والاجتهاد بهذا المعنى يعني الرجوع بالأحكام المنصوص عليها إلى عللها أو مقاصدها لتعميمها على المستجدات التي لم يرد فيها نص· وهنا انقسم المجتهدون إلى قسمين: قسم يعتمد منهجية تقوم على اعتبار العلل، وقسم يعتمد منهجية مبنية على اعتبار المقاصد· واختلاف الفقهاء في كثير من المسائل في عصرنا كما في العصور السابقة، إنما يرجع إلى اختيارهم هذه المنهجية أو تلك·
وهكذا فالجدل الذي أثير مؤخرا حول مسألة الحجاب، وحول الفوائد البنكية وغيرها يرجع من الناحية المنهجية الأصولية إلى ما يسمى بـدوران الأحكام، بمعنى هل الأحكام الشرعية تدور مع عللها أو مع حكمتها·
والفرق بين العلة والحكمة في اصطلاح الفقهاء: أن العلة وصف في الشيء الذي صدر فيه الحكم، وبذلك الوصف يعرف وجود الحكم· فالإسكار وصفٌ في الخمر وبه عُرف تحريمُه فهو إذن علة التحريم· والسفر والمرض هما العلة في إباحة الإفطار في رمضان الخ، وهكذا· فإذا عرف المجتهد العلة التي استوجبت الحكم في شيء معين عمموا ذلك الحكم على كل ما فيه تلك العلة· وإذا انتفت العلة سقط الحكم· وهذا هو معنى القاعدة الفقهية التي تقول إن الأحكام تدور مع عللها وجودا وعدما·
هذا عن العلة، أما الحكمة فهي الباعث على الحكم وهو إما جلب مصلحة وإما دفع مضرة: فالحكمة من تحريم الخمر هي دفع مضرة ذهاب العقل بالسكر، والحكمة في إباحة الإفطار في رمضان للمسافر والمريض هي دفع مضرة المشقة وهكذا··· فالحكمة، في نهاية التحليل، هي المصلحة التي روعيت في إصدار الحكم·
وأغلبية الفقهاء، يقررون أن الحكم الشرعي يدور مع علته وليس مع حكمته بحجة أن الحكمة قد تكون خفية غير ظاهرة، في حين أن العلة من شروطها أنها وصف ظاهر منضبط· فالحكمة من إباحة الإفطار في رمضان للمسافر والمريض هي دفع المشقة عنه، كما قلنا، فلو جعلنا الحكم يدور مع المشقة وجودا وعدما لوقعنا -كما يقولون- في اختلاف كبير حول تقدير حجم المشقة التي يجوز فيها الإفطار أو لا يجوز، وقد يؤدي بنا ذلك إلى إباحة الإفطار في مشاق أخرى غير تلك التي تحصل بالسفر والمرض، مثل مشاق العمل في المصانع وغيرها، وهذا في نظرهم غير مقبول· ومن أجل تلافي كل ذلك قالوا إن الحكم يدور مع علته لا مع حكمته لأن العلة كما قلنا هي-باصطلاحهم- وصف ظاهر منضبط ينبني عليه الحكم ويربط به وجودا وعدما ويكون مناسبا لحكمته، بمعنى أن بناء الحكم عليه من شأنه أن يحققها· وهكذا يقولون إن الإفطار في رمضان يجب أن يبنى على العلة وهي السفر والمرض، وليس على المشقة·
لا شك أن هذا النوع من الاستدلال والمحاجة مبرر تماما ومعقول تماما داخل إطار نظام معرفي استدلالي مبني على القواعد الأصولية التي وضعها الفقهاء القدامى والتي من جملتها القواعد الخاصة بالتعليل والقياس والدوران وما إلى ذلك· ولكن القواعد الأصولية هذه ليست مما نص عليه الشرع، لا الكتاب ولا السنة، بل إنها من وضع الأصوليين· إنها قواعد للتفكير، قواعد منهجية، ولا شيء يمنع من اعتماد قواعد منهجية أخرى إذا كان من شأنها أن تحقق الحكمة من التشريع في زمن معين بطريقة أفضل· والمجتهدون إنما هم مجتهدون لأنهم يتميزون عن غيرهم بما يضعونه من أصول وقواعد يلتزمونها، وهي تختلف قليلا أو كثيرا من مجتهد إلى آخر· والمذاهب الفقهية من حنفية وشافعية ومالكية وحنبلية وظاهرية وغيرها إنما تختلف عن بعضها بكون كل منها يعتمد قواعد منهجية تختلف من بعض الوجوه، على الأقل، عن تلك التي تعتمدها المذاهب الأخرى: هناك من يعتمد التعليل وهناك من يرفضه· وهناك من يعمل بالقياس وهناك من ينكره· هناك من يقول بدوران الأحكام مع عللها وهناك من يرفض القول بالدوران (ومنهم الحنفية)· وهناك من يقول إن الدوران يؤدي إلى اليقين (المعتزلة) وهناك من يقول إنه إنما يفيد الظن (الأشاعرة عموما) وهناك من يرى أن الدوران شرط في صحة العلة ولكنه ليس دليلا على صحتها···إلخ·
وإذن فالقول بأن الأحكام إنما تدور مع عللها وليس مع حكمها (=جمع حكمة) قول لا معنى له إلا عند من يقول بالتعليل (بالعلة) وبالدوران· أما من لا يقول بهذا ولا بذاك فلا يلزمه ذلك القول· ونحن عندما نطرح هنا هذه المسألة في إطار الدعوة إلى إعادة بناء الأصول، إلى إعادة تأصيلها، إنما نريد أن يتجه تفكير المجتهدين الراغبين في التجديد حقا، والشاعرين بضرورته فعلا، إلى القواعد الأصولية نفسها، إلى إعادة بنائها بهدف الخروج بمنهجية جديدة تواكب التطور الحاصل، سواء على صعيد المناهج وطرق التفكير والاستدلال أو على صعيد الحياة الاجتماعية والمعاملات الجارية فيها التي تفرضها مستجدات العصر وضروراته وحاجاته الخ· إن القواعد الأصولية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي لحد الآن ترجع إلى عصر التدوين، العصر العباسي الأول، وكثير منها يرجع إلى ما بعده· أما قبل عصر التدوين هذا فلم تكن هناك قواعد مرسمة تؤطر التفكير الاجتهادي بمثل ما حدث بعد· والفقهاء الذين وضعوا تلك القواعد قد صدروا في عملهم الاجتهادي ذاك عن النظام المعرفي السائد في عصرهم وعن الحاجات والضرورات والمصالح التي كانت تفرض نفسها في ذلك العصر· وبما أن عصرنا يختلف اختلافا جذريا عن عصر التدوين ذاك، سواء على مستوى المناهج أو المصالح، فإنه من الضروري مراعاة هذا الاختلاف والعمل على الاستجابة لما يطرحه ويفرضه·
وإذا كان عمر بن الخطاب قد عمل باجتهاده، واجتهاد الصحابة الذين استشارهم، في مسألة فيها نص صريح، فوضع الخراج على الأراضي المفتوحة عنوة بدل تقسيمها بين المقاتلين، مراعيا في ذلك المصلحة، مصلحة الحاضر والمستقبل، وإذا كان قد عدل عن قسمة الغنائم بالسوية، كما كان يفعل النبي وأبو بكر، وارتأى أن العدل يقتضي قسمتها على أساس السبق في الاسلام والقرابة من الرسول (صلى الله عليه وسلم)، إذا كان عمر بن الخطاب- المشرع الأول في الاسلام بعد الكتاب والسنة- قد اعتبر المصلحة ومقاصد الشرع فوضعهما فوق كل اعتبار، فلماذا لا يقتدي المجتهدون والمجددون اليوم بهذا النوع من الاجتهاد والتفكير، بدل الاقتداء بفقهاء عصر التدوين والترسيم؟ لماذا نضيق على أنفسنا ونسجن اجتهادنا في قواعد كانت تفي بالمصلحة والمقاصد، قليلا أو كثيرا، في زمان مضى، إذا لم تعد تفي بنفس الغرض اليوم على أكمل وجه، والحال أنها قواعد مبنية على ظن المجتهد وليس فيها شيء من القطع واليقين باعتراف أصحابها أنفسهم؟
أما دوران الأحكام مع المصالح فشيء يفرض نفسه ما دمنا نقرر أن المصلحة هي الأصل في التشريع، واعتقد أن هذا المبدأ هو الذي صدر عنه الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب· وإذن فالاجتهاد يجب أن يكون لا في قبول هذا المبدأ أو عدم قبوله بل في نزع الطابع الميكانيكي عن مفهوم الدوران والعمل من أجل الارتفاع بفكرة المصالح إلى مستوى المصلحة العامة الحقيقية كما تتحدد من منظور الخلقية الإسلامية· إنه بدون هذا النوع من التجديد سيبقى كل اجتهاد في إطار القواعد الأصولية القديمة اجتهاد تقليد وليس اجتهاد تجديد حتى ولو أتى بفتاوى جديدة، حتى ولو جاء بتخريجات من ذلك النوع المعروف عند الفقهاء القدامى بـالحيل الفقهية· إن التطور الذي يطبع عصرنا لا تفيد فيه مثل تلك الحيل مهما كان شأنها، إنه تطور في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، محليا ودوليا، لن يستوعبه إلا فكر يرتفع بالاجتهاد والتجديد إلى مستوى هذا التطور ذاته· إن الاتجاه الإسلامي في الفكر العربي المعاصر مطالب بإعادة البناء في هذا الأفق وعلى هذا الأساس إذا هو أراد أن يتجاوز الشعارات العامة، التي من قبيل الاسلام هو الحل، إلى حلول عملية للمشاكل العملية التي تطرحها الحياة المعاصرة، حلول إسلامية فعلا ولكن معاصرة أيضا·

الاتحاد الإماراتية

صقر الخالدية
07/02/2004, 12:34 PM
ما وراء الهجوم على شيخ الأزهر (1 ـ 2)
عبد الرحمن الراشد
هل الانتقادات الحادة التي وجهها شيخ، كيوسف القرضاوي، ضد زميله شيخ الأزهر مباشرة عبر التلفزيون، وآخرها في دبلن، كانت بنت لحظة انفعال ام انها تسير في نفس حرب المشايخ الحمر ضد الدور التقليدية للفتوى؟
في هذه الحرب صار مشايخ النقد يديرون معركة مع المراجع التقليدية في كل مرة تعلن فتوى من الخلع الى الحرب وحديثا الحجاب.
تخلّوا في مساجلاتهم عن آداب الانتقاد المعروفة بين علماء الدين، التي تسمح بالاختلاف لكن تحظر التشهير ببعضهم، في العلن على الأقل.
أسبابها تبدو عديدة بعضها اختلاف طبيعي في الرأي بين علماء الدين، ومنها تجاذبات الزعامة والمرجعية، لكن اخطر دوافع الهجوم على مراكز الفتوى التقليدية هي سياسية، الرغبة في تهشيم قيادات دينية ضمن الحرب على المؤسسات الرسمية في العالم الاسلامي. خلال السنوات الماضية، مع ظهور فكر ديني مسيس يطرح نفسه البديل، لم تسلم معظم المراكز والمراجع المعتمدة من النقد العلني وهجمات التشكيك وتحديدا في مصر والسعودية. فاصحاب المشروع الديني السياسي الجديد يعتقدون، وهم محقون، انهم لن ينجحوا بلا علماء دين يقبل بهم العامة، ولن يقبل عامة المسلمين بأحد الا عند زعزعة المراجع الحالية واعتماد البديلة. لهذا لجأت هذه الحركات الى اشاعة رموزها عبر وسائل الاعلام الشعبي ولم تتردد في افتعال مصادمات عاطفية علنية كما يحدث في قضية منع الحجاب في فرنسا. فهي ليست معركة على حجاب طالبات في دولة اوروبية، بل نزاع على السلطة الدينية في العالم الاسلامي.
خلال الايام الماضية هاجموا بشراسة شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي، لا بصفته فقيها، بل كمركز تعتبره التنظيمات عقبة في وجهها. وحتى يتم تهشيم الشيخ ومركزه لم يتردد المشايخ الحمر من تسفيه فتواه الأخيرة جهارا في قضية الحجاب في فرنسا، التي طالب بتفهم ظروفها مرددا «فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه».
وحتى تكون منابرهم معتمدة اخترعوا مؤسسات موازية جعلوها مرجعا دينيا، واضافوا عليها مسميات تفخيمية لايهام الناس انها مراجع معتبرة. وهي في حقيقة الامر حركة افتاء انفصالية تطرح نفسها بديلة لدور الفتوى المعروفة تاريخيا. وهي لا تتردد في مزاحمة، وربما ضرب، المجاميع الكبيرة من مجمع الفقه الاسلامي في مكة، ومفتي السعودية، وشيخ الازهر، ومفتين كبار في الدول الاسلامية. ومع ان احدا لا يستطيع ان يتهم هؤلاء العلماء المتمردين بانهم في خلية واحدة مع حركات العنف اليوم الا ان نشاطهم ينسجم مع برنامج الحركات السياسية الجديدة، فبعضها ينفذ التفجيرات وبعضها يقوم بالدعاية وبعضها يجمع المال وبعضها يصدر الفتاوى من مشايخ تحت الأرض.
وهؤلاء بعلمهم او بدونه يخدمون عملية التفكيك الفعلية التي تتعرض لها المؤسسات الدينية المعتمدة، التي ستؤدي في نهاية المطاف الى فوضى ليست في صالح احد من الجانبين وتصبح الغلبة لمتطرفين كـ«التكفير والهجرة».



ما وراء الهجوم على شيخ الأزهر (2 ـ 2)
عبد الرحمن الراشد
في رأيي من الخطأ السير في ركب مشايخ المعارضة من دون فهم طبيعة الارتباط السياسي بالفتوى الدينية التي تحولت في السنوات الأخيرة الى وسيلة في يد التنظيمات المعارضة، تستخدمها لاقصاء المراجع الحالية، لتساير عمليات الاقصاء الفكري والسياسي. وما سميت بمعركة الحجاب في فرنسا ما هي الا معركة لتجييش المسلمين في العالم، بما سماه بن لادن معركة الفسطاطين، لا علاقة لها بالحجاب نفسه. ولهدم الفسطاط الآخر تشن معركة ضد المراجع الدينية التقليدية، ومن بينها مشيخة الأزهر.
وهذه المعركة واحدة من سلسلة، بحيث ما ان ينطفئ خلاف على فتوى حتى يتم إشعال آخر من أجل الهاب المشاعر، بدليل ان زعيم الحملة الحالية، الشيخ يوسف القرضاوي، وصف مشروع قرار فرنسا بانه «حرب على المسلمين»! وهو قول خطير يحرض الشباب المتدين على ما هو أكثر من التظاهر. ولا ننسى ان القرضاوي وزملاءه من شيوخ التطرف لم يقولوا الشيء نفسه في حق الدول الاسلامية التي سبقت فرنسا الى ذلك!
والأزهر تحديدا استهدف باستمرار ملحوظ لالغائه كمرجعية رئيسية، ونقل الفتوى لأناس طرحوا انفسهم بديلا مثل جبهة علماء الأزهر او ما يسمى بالمجلس الاسلامي الاوروبي في دبلن وغير ذلك من اليافطات المستحدثة. واجهوه عندما أفتى بجواز الخلع، وعندما نهى عن تسمية الحرب في العراق بالصليبية، محذرا مشايخ المعارضة من التغرير بالمسلمين، قائلا سموها أميركية، ومذكرا بأن الكنائس الرئيسية كانت ضد الحرب. الأزهر سواء أخذ موقفا متسامحا، مثل ترك الحكم على التعامل مع مجلس الحكم في العراق لعلماء العراق، او متشددا كما فعل عندما رفض اجازة قتل الرحمة، أي ترك المريض الميئوس منه يموت، لا يثني عزيمة تنظيم المعارضة من انتقاده علانية وتعمد الاساءة اليه. والمعارضة لاسباب سياسية، لا دينية صرفة، ليست جديدة فعلماء ايران كفروا الشاه وحرضوا عليه لان حكومته سمحت بالبنوك الربوية واعتمدت تنظيم الاسرة، أي الحد من النسل. انظروا اليهم في ظل مشايخ ايران اليوم، الفائدة مسموحة والحكومة الدينية هي التي تقدم النصائح بالحد من النسل وفي المساجد نفسها التي كان يحارب من على منابرها!
والحق ان الدكتور طنطاوي كان شجاعا عندما وقف وحيدا في معركة الحجاب، رافضا التراجع رغم سيل الاساءات اليه. وقف في وجه تنظيم مشبوه حرك مسيرات لأول مرة من نوعها حتى في مدن مشغولة بما هو أعظم، في غزة وبغداد. والمؤسف ان الفكر المتطرف استدرج جيشا من المعلقين والكتاب ساروا في ركابه غير مدركين حقائق الساحة الفرنسية نفسها، وعُمْيَان عن رؤية استغلال التنظيمات المعارضة لهم في قضية أكبر، هي هدم القائم واحلال فكرهم السياسي المبني على الكراهية واقناع المسلمين بانهم في حرب مع العالم.

صقر الخالدية
07/02/2004, 12:49 PM
من طيوب الذاكرة
بين المتنبي و أدونيس

د. رياض نعسان آغا


قد يستغرب كثيرون أن أجمع المتنبي وأدونيس في عنوان واحد يوحي بأن ثمة مقاربة أو مقارنة بين شاعرين أولهما رائد الكلاسيكية الأصيلة ، وثانيهما هادم الكلاسيكية الأصيلة ، ولكن هذا الحكم شكلاني متسرع ، وإن كان ثمة تضاد موضوعي ، فإنه بحد ذاته يشكل رابطاً هاماً بين شاعرين كبيرين في ثقافتنا القديمة والحديثة ، وهما على الرغم من هذا التضاد يلتقيان في جملة من الرؤى والهواجس والمواقف ، كما أنهما يفترقان في جملة أخرى ، فأما أماكن اللقاء فبوسعنا أن نتلمس أبرزها في :
كون الشاعرين شخصيتين إشكاليتين ، وقد شغلا الناس وأثارا معارك نقدية هامة في أدبنا وثقافتنا العربية .
كون الشاعرين يعتبران الشعر نبوءة ، حيث يقال إن أبا الطيب ادعى النبوءة في السماوة ، و كذلك فعل أدونيس حين اعتبر شعره نبوءة ،أو أعتبره مريدوه نبي شعر .
سجن المتنبي بسبب معتقده ، و كذلك سجن أدونيس بسبب معتقده في عام 1954 ، حين كان عضواً في الحزب القومي السوري .
رحل المتنبي عن بلده وتغرب ضارباً في الأرض باحثاً عن مبتغاه الذي لم يبح به ، بل جعله أجلّ من أن يسمى ، وكذلك رحل أدونيس وتغرب طامحاً إلى هدف قلق رافض لليقين .
وكلا الشاعرين مأزوم بالدين ورافض له .
وكلاهما متأثر بالحركة القرمطية.
وكلاهما مملوء بالغرور الفني والشعور بالعظمة .
***
فأما حكاية ادعاء المتنبي للنبوة فهي موضع شك وريبة وكذلك الأمر في نبوة أدونيس الشعرية ، فكلا الرجلين ينكر هذا الإدعاء ، وقد استبعد القدامى حكاية نبوة المتنبي لأسباب عديدة منها أنهم متمسكون بدينهم ، ولكنهم في الوقت ذاته يحبون المتنبي ويعجبون بعبقريته ، ولو أثبتوا ادعاءه للنبوة لحكموا عليه بالردة ، وبإنكار نبوة خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام ، ولكن هناك من يقدم حججاً على صحة هذا الاتهام متكلفاً الاستشهاد بقول أبي الطيب على سبيل المثال : ( ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود ) أو قوله ( أنا في أمة قد تداركها الله غريب كصالح في ثمود ) وأستبعد أن يكون الشراح كما يقول بعض الدارسين قد أغفلوا من شعره ما لا يقبله المسلمون فقد عاش المتنبي في عصر التدوين الشامل ، والانفتاح الفكري المطلق على الثقافات بما فيها تلك التي تعارض الإسلام والدين عامة ، وقد شهدت الكوفة في ذلك العصر نشاطاً فكرياً وسياسياً يصعب أن تقبل به العواصم العربية والإسلامية اليوم ، ولكني لا أستبعد أن يكون هو قد أزاح من ديوانه ما قد ينكره عليه المسلمون ، وقد حفظ التاريخ الأدبي للمتنبي صلته بالقرامطة الذين كانوا يملأون الكوفة في عصره ، وحفظ لنا رغبته بثورة دينية يتحالف فيها مع شيخ حدد مواصفاته بقوله ( شيخ يرى الصلوات الخمس نافلة ، ويستبيح دم الحجاج في الحرم ) ولم ينكر أحد حتى من أنصار المتنبي أن الرجل كان مستخفاً بالدين ، ولكنني لا أجد تشبيهه لنفسه بالسيد المسيح بين اليهود ، أو بالنبي صالح في ثمود ، دلالة كافية على ادعائه النبوة ، ولا أعتقد بأنه حقاً ابن (عبدان السقاء الجعفي) ذي الصلة بالأئمة كما يقول الدارسون ، بل أميل إلى الظن بأن والده (الحسين) رجل ذو مكانة بين السادة العلويين، ولعله أخفى نسبه خوفاً على نفسه ، ولم يكن يعرف حقيقته غير الخاصة ، وأحسب أن منهم سيف الدولة الذي سمح للمتنبي أن يقول في مجلسه ( سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا ، بأنني خير من تسعى به قدم ) ولم يستغرب أحد من معاصريه أن يقول عن أبيه ( أنا ابن من بعضه يفوق أبا الباحث والبعض نجل من نجله ) وأن يعتز بأرومته في رثاء جدته ( ولو لم تكوني بنت أكرم والد ، لكان أباك الضخم كونك لي أما ) ولم تكن مطالبة المتنبي بالولاية كما أحسب لمجرد أنه يجد في نفسه الكفاءة للحكم ، ولو كان الأمر كذلك لاستهجن سيف الدولة مطلبه ، ولما تجرأ هو على طلب كهذا أمام كافور ( وغير كثير أن يزورك راجل فيرجع ملكاً للعراقين واليا ) فالدافع المعقول الممكن ديني محض .
وأما نبوءة أدونيس فهي مجاز إبداعي لا أكثر ، وقد سمعته ينكر ذلك ، ولكن الطريف أن كاتباً في النيويورك تايمز هو آدم شاتز ذكرنا بأن أدونيس تنبأ بما حدث في نيويورك في 11 سبتمبر، في قصيدته القديمة ( جنازة في نيويورك ) التي كتبها عام 1971 ويقول ( شاتز ) في مقالته عنه ( إن أدونيس كان يبحث عن شبح والت ويتمان، ويتخيل رياحاً شرقية تقتلع ناطحات السحاب . وكان يصور مدينة تحترق ) ولكن بوسع القارئ بالطبع أن يلمح في القصيدة روح إليوت في (الأرض اليباب) .
***
ويبدو لي أن الهاجس الديني هو موضع اللقاء الأوضح بين المتنبي وأدونيس ، رغم أنهما نافران من الدين ، ولكنهما يريان في حركة القرامطة وهجاً إبداعياً ( والرأي في رؤية أبي الطيب لإبداع القرامطة هو رأي أدونيس يفصله في كتابه (الكتاب - أمس المكان الآن ) ولكن أبا الطيب لم يتجرأ على نقد المؤسسة الدينية كما فعل أدونيس ، و ما بدأ به شغله الثقافي منذ أن سمى نفسه ( أدونيس ) مبتعداً عن اسمه الحقيقي ( علي ) و قد كتب الثابت والمتحول ، الذي وقف منه كثيرون من الدارسين موقفاً حذراً ورافضاً ( عدا مريديه وأتباعه ) لأنه كما قالوا يبحث فيه عن عثرات العرب وعن مساوئهم ويظهر الجانب السيء من تاريخهم ، ويقولون إنه ينتقد اتباعية الشريعة التي أصّلها الشافعي ، واتباعية السياسة التي أصّلها الخلفاء الراشدون( رضي الله عنهم جميعاً ) مبتدئاً باجتماع السقيفة ، واتباعية الشعر التي أصّلها الأصمعي ، ويعترض خصومه كذلك على موقفه من النبوة ومن إعجاز القرآن الكريم ، وعلى إشادته بثورة الزنج ، وبحركة الخوارج ، وعلى انبهاره بالرازي وابن الراوندي وسواهما من المتهمين بعقائدهم ، وبأبي نواس وغيره من الشعوبيين الداعين إلى نسف القيم الدينية و إطلاق حرية الغرائز ، ويتهمه خصومه بأنه منذ بداياته يحارب فكرة التوحيد ، ويرى أن التاريخ الأجدر بالعناية هو تاريخ ما قبل العروبة ، وهو في هذه الرؤية تلميذ في مدرسة سعيد عقل ، ورغم هذا الموقف من الدين عند أدونيس ، فإنني أظن أنه مسكون مأزوم بالدين ، فقد انغمس فيه طول حياته ، وجعله شغله الشاغل ، يحاوره ويطرح عليه الأسئلة الصعبة المقلقة التي لم تستقر روحه إلى جواب شاف لها ، وهو يرى أن الوجود الحقيقي لا يكون إلا في الباطن ، وهذا سر نزعته الصوفية كما أحسب ، على الرغم من أنه ينفي باستمرار أن تكون صوفيته دينية ، فهو يقول في حوار نشرته صحيفة ( الوطن العمانية ) أجراه معه مراسلها في دمشق ( إن القراءة الدينية للصوفية لا تشوه الصوفية فحسب وإنما تشوه تاريخ الفكر العربي ) ويقول( لقد نظرت إلى الصوفية بوصفها منهجاً وحاولت أن أقارن بينها وبين ما يسمى بالفرنسية السريانية التي هي في العمق صوفية ) وهذا الكلام ينسجم مع تعلقه بمرجعياته في حضارات وثقافات ما قبل العروبة والإسلام ، ولكنه يبدو لي غير مقنع ، وليعذرني إن لم أفهم كيف يمكن أن تكون الصوفية منهجاً في التفكير إذا ما فُرّغت من بعدها الوجودي الميتافيزيقي ، وأدونيس يرى الكتابة صناعة روحية تجسد صور الباطن بالحروف ، وقد أطلق الشك ورفض اليقين والحتمية ، ولكنه لم يقدم بديلاً فكرياً عن القلق الروحي المستمر الذي يذكرنا بقلق أبي الطيب ( على قلق كأن الريح تأخذني يميناً أو شمالاً ) لكن أدونيس يصرح بأن الإسلام ( رؤية للعالم وللإنسان وللذات وللآخر) في مقالته التي يهاجم فيها الحجاب التي نشرها في ( الحياة ) بعنوان ( حجاب على الرأس أم حجاب على العقل ؟) والطريف أنه في هذه المقالة يأخذ موقف المفتي الإسلامي فيرفض الحجاب من داخل الدين لا من خارجه ، فهو يقول إنه لا يوجد نص ديني يفرض الحجاب ، وبوسع المرء أن يسأله على سبيل الدعابة ، وماذا لو كان هناك نص ديني ؟ هل يتبدل شيء بالنسبة له ؟
*وعلى الرغم من كل ما يقال عن عداء أدونيس للإسلام من قبل خصومه ، فإنه في مقالته التي أشرت إليها عن الحجاب يعترف بمكانة الإسلام الفكرية يقول ( إن الإسلام كان منذ قرون عديدة رمزاً للإبداع والإشعاع ) ولكنه في هذه المقالة يدعو إلى أمر يرفضه المسلمون وهو أن يخفوا إسلامهم حتى في المجتمعات العربية ، وأن يمارسوه سراً في الجامع فقط ، كي يحافظوا -كما ينصح - على الخصوصية ، و كيلا يبدو دينهم استعراضاً وهو يقول (كل ممارسة خارج الجامع ، اجتماعية أو عامة، إنما هي عدوانٌ على القيم المشتركة. المؤسَّسة، وبخاصة التربوية، المدرسة والجامعة ، مكانٌ مدنيٌّ عامٌّ ومشترك. مكان لقاء. مكانٌ مفتوحٌ للناس جميعاً. مكانٌ يجب أن تزولَ فيه العلامات الدينية الخاصة، الفارقة ، أياً كانت) وهو يعتقد أن أساس التجربة الدينية هو قيامها على الحميمية ، على نوعٍ من الخفاء ، على البساطة ، وعلى الخَفَرِ والصّمتِ والانزواء ، بعيداً عن المظاهر بأشكالها جميعاً ) وأعتقد أن المسلمين في الشرق وفي الغرب لن يقبلوا بهذه الدعوة لأن أحدهم إذا حضرته الصلاة سيصلي حيث يكون ، وليس بالضرورة في الجامع ، وهو لا يعتدي بذلك على قيم أحد كما توهم أدونيس.

(0(0تتت
وأما موقف المتنبي الفكري والفلسفي من الإسلام فهو موقف غامض ، وهو لم يسئ إلى الإسلام بتشبيه أو كناية أو نقد أو سخرية ، ولم يعرف عنه أنه دعا إلى هتك للقيم أو أخذ بالملذات على النحو الذي كان شائعاً في عصره ، وقد انغمس في الهتك أبو نواس وبشار بن برد وسواهما ، بل إن أبا الطيب ترفع حتى على الغزل ، فلا تجد مكاناً ذا شأن للمرأة المحبوبة في شعره ، غير ما يلتمس له الباحثون تكلفاً من قصة حب غامضة لا دليل عليها غير أبيات قالها في رثائه الشهير لأخت سيف الدولة ، وقد تهكم أبو الطيب على الشعراء الغزليين حين قال ( إذا كان مدحاً فالنسيب المقدم ، أكلًّ فصيح قال شعراً متيم ؟ ) وما ندري أكان يمنع أبا الطيب من نقد الدين إيمان باطني أم خوف من ناموس المجتمع ؟ فقد يكون طموحه إلى السلطة والحكم قد أملى عليه ألا يخالف الرأي العام.
وأعتقد أن أدونيس والمتنبي يتماهيان عند جوهر الحداثة ، ولئن كان أبو الطيب قد حافظ على الشكل الكلاسيكي للقصيدة الجاهلية فإنه خرج عن سياقها المضموني ، واعتبر نفسه المبدع الفرد المؤسس ( ودع كل صوت غير صوتي فإنني أنا الطائر المحكي والآخر الصدى ) ولئن كان أبو الطيب في حداثته عبر الاستمرار مع الجوهر الثقافي للأمة ، فإن هذا ما يؤكد عليه أدونيس اليوم خلاف ما هو شائع في أدبيات الحداثة من دعوة إلى القطيعة ، فهو يقول إن القطيعة الفكرية والجوهرية مستحيلة ، فأما الممكن فهو قطيعة في الشكل وحده ، وقد قال في برنامج تلفزيوني ( على شاشة المستقبل في حوار مع زاهي وهبة سأله فيه عن المتنبي ) إنه مع شعرية أبي الطيب ولكنه ليس مع شكله ، وأعتقد أن هذا وعي مقبول لمفهوم الحداثة التي كان بعض منظريها يدعون إلى القطيعة الكاملة ، وهذا ما جعل الناس يخشون على تراثهم من عاصفة الحداثة .
يبقى الاختلاف بين الشاعرين أكبر بكثير من التشابه ، فأنت أمام أدونيس في حالة عجيبة خاصة ، وهي أن الكثرة من النقاد يعتبرونه أكبر شاعر عربي بين الأحياء بعد أن رحل الكبار من أمثال نزار قباني والجواهري وأبي ريشة وبدوي الجبل و البياتي ( وهو بالطبع مرشح عربياً منذ سنوات لجائزة نوبل ، وقد فاز أخيراً مع محمود درويش بجائزة العويس ) ولكنك لا تكاد تجد أحداً يحفظ له بيت شعر واحد ، بعكس المتنبي الذي لا تكاد تجد عربياً واحداً حتى لو كان أمياً لا يحفظ له بيت شعر على الأقل ، ولاسيما شعر الحكمة الذي أصبح جزءاً من الوجدان العربي يستشهد به المثقفون والأميون ، فضلاً عن كون الذاكرة العربية الشفاهية المثقفة ما تزال إلى اليوم تحفظ شعر أبي الطيب عن ظاهر قلب ، والأمر محزن مع أدونيس ، فحتى أنصاره وعشاق شعره لا يحفظون شيئاً منه في الذاكرة ، وهو يقول في تبرير ذلك إن عصر البداهة والشفاهية قد انتهى ، والحق أنه لم ينته تماماً ، بدليل أن شعر نزار قباني مطبوع في وجدان الناس ومحفوظ في الذاكرة الجمعية ، لكن المشكلة على ما أظن هي إخفاق الذاكرة في حفظ القصيدة النثرية والتغني بها لافتقارها إلى الموسيقى ، ولغموض معانيها على الأغلب ، كما أن المجتمع العربي لم يستسغ جيداً هذا النوع من الشعر ، ولا بد من الاعتراف بأن كثيرين من أنصار أدونيس يناصرونه فكرياً بوصفه ناقداً ، أكثر مما يناصرونه بوصفه شاعراً ، وبعضهم يحابونه ويؤخذون بشهرته ، وثمة من يحب فيه المشاكسة والتمرد أو التجديد ، مما يجعلنا نتساءل إلى أي مدى من الزمن سيبقى أدونيس الشاعر ، وإلى أي مدى سيبقى أدونيس الناقد ؟ في حين أن أبا الطيب باق بقاء العروبة ، وقد صدقت نبوءة قوله ( أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جراها ويختصم ) وقد يسهر الخلق ويختصمون جراء الثابت والمتحول ، ولكن أتراهم يتطارحون أشعار أدونيس الذي ثار عليه حتى أتباعه الحداثيون أنفسهم حين شتم بيروت ، واكتشف المتابعون أن القلوب ملآنة ؟
على أن نقطة اللقاء التي يحسن أن أختم بها هذه المقاربة السريعة بين الشاعرين هي الغرور الشعري وتضخم الذات ، فلو أن أبا الطيب حي لهجاني هجاء مراً لمجرد أني أعقد مقارنة ما بينه وبين أدونيس ، وربما ذكّر الناس بقوله لسيف الدولة ( بأي حق تقول الشعر زعنفة ، تجوز عندك لا عرب ولا عجم ؟؟ ) وأحسب أنه وهو الكلاسي الأصيل سيعتبر الحداثيين اليوم لا يقولون شعراً ولكنهم يثرثرون ، ومصير ثرثرتهم إهمال واستهجان ، وأحسب أن الأمر ذاته مع أدونيس الذي وصفه صديقه الحداثي القديم بول شاؤول بأنه شخصية منهوشة بالغرور والانتفاخ والأحادية ، أنظر مقالته ( في المستقبل 8 نوفمبر 2003 ) ولكن المفارقة مرة أخرى هي في طموح أدونيس أن يصير كلاسيكياً بمعنى أن يترسخ مذهبه ، وتتضح قواعده ، وأن يتحول إلى ما يشبه الأصولية التي تهضمها الأجيال كي تتجاوزها .
ولست أنكر أنني أخالف أدونيس في كثير من آرائه ، ولكنني أجد معه أن تاريخنا بحاجة ماسة إلى قراءة نقدية موضوعية جديدة ولكنني أطمح أن تكون القراءة النقدية خارجة عن سلطة الموروثات الخلافية ، وعن الموقف المسبق ، فنحن بحاجة إلى الكف عن الخلط بين ما هو تاريخي وما هو ديني ، ولابد من الإشارة إلى إعلان أدونيس بأن العلمانية لا تعادي الدين ، وهذا ما ينبغي أن يتضح لأن ثمة فهماً سائداً بأن العلمانية تقتضي الإلحاد ، وهذا ليس صحيحاً بالضرورة ، وثمة فارق بين العالمانية وبين العِلمانية ( بكسر العين لابفتحها ) وهي التي تعلي شان العلم ، وتفصل الدين عن الدولة ولكنها لاتتدخل في حرية المجتمع عقائدياً .
ولا أنكر كذلك أنني لست مع أدونيس في جوابه على سؤال زاهي وهبه في نهاية حواره معه ( في برنامجه خليك في البيت الأسبوع الأول من يناير 2004 ) أن يوجه كلمة لأطفال العرب ،فقد قال أدونيس للأطفال ( ثوروا على آبائكم ) وقد ظن زاهي أن المفكر يقصد الآباء المعنويين من حكام ونقاد ومؤرخين ، فاستوضح من أدونيس ليؤكد له أنه يقصد حتى الآباء الحقيقيين ، وأنا أفهم البعد الفلسفي الذي قصده أدونيس ، ولكني أخشى من إطلاق الثورة على الآباء ، وأخشى أن يسمع أحد من الأطفال هذه النصيحة التربوية فيرمي أباه على الفور بأقرب ما تقع عليه يده ، فهو أمر مفزع أن يثور الأبناء على آبائهم ثورة فوضوية ، في جحود ينسف مفهوم الأبوة المقدس ، ويزدري ما قدم الآباء لأبنائهم من تضحيات ويرى أن كل ما في عقائدهم وتاريخهم وتراثهم باطل، وكان أولى أن يوضح أدونيس فكرته لا أن يجىء بأخطر ما قال في عجالة تستدعي سوء الفهم ، هذا على حسن ظن بما أراد .
إنني مع أن يتجاوز الأبناء آباءهم ، وأن يبنوا أفضل مما بنى الآباء ، وأن يصححوا أخطاءهم ، ولكنني لست مع الثورة المطلقة عليهم ، وأحسب أن الأطفال سيقرؤون تجربة آبائهم مع الثورات ولن يكرروها ، وأرجو من أطفالنا أن يوقروا آباءهم وألا يقولوا لهم ( أف ) وأن يحترموا التضحيات التي بذلها الآباء من أجلهم .
ولكن مهما يكن الموقف الفكري والنقدي عند كثيرين من أدونيس فإنه يبقى علماً من أعلام الثقافة العربية ورائد الحداثة في أدبنا الجديد ، ومن هذا المنطلق أهنئه بجائزة العويس ، و قد رأى فيها اعترافاً طالما تمناه من مؤسسات أدبية عربية تقليدية كانت تخشى مجرد الثناء عليه ، وعلى الرغم من مخالفتي الفكرية له ، في نظرته إلى التاريخ العربي و في محاولته الانتماء إلى الثقافة الغربية التي احتضنته ، فإنني أحترم دأبه واجتهاده وإبداعه وثقافته الفذة الكبيرة و كونه وهب نفسه للفكر عامة ، وتمكن من أن يحرك السواكن ، ومخالفتي له في الرأي النقدي لا تحجب عني رؤية مكانته الهامة في أدبياتنا العربية ، إنه حقاً ملأ دنياه وأثار الناس بفكره وشغلهم بشعره ، ولو أنه كتب شعراً كلاسياً لأدهش العرب ، ولطالما تمنيت لو أنه فعل مثل ما فعل أستاذه سعيد عقل الذي لم يمنعه نضاله من أجل تحطيم اللغة العربية من أن يتحف الأدب العربي بقصائد خالدات مثل قصيدته الشهيرة (سائليني ياشآم) وغيرها من القصائد التي غرسها في الوجدان صوت فيروز حين شدت بها وستبقى في الذاكرة وحدها تذكّر الناس بعبقرية سعيد عقل الذي رفض الناس فكره ونظرياته ، ولكنهم أحبوا شعره وحضوره.
إنني أرجو ألا يضيق صدر أدونيس بنقدي له ، وما أظن أنه يضيق فقد اعتاد أن يسمع أصوات معارضيه ، وليس له أن يعتب ، فقد تحملنا من نقده الكثير مما نخالفه فيه ، ولم يضق صدرنا به ، وقد التقيته في الصيف الماضي في دمشق على مائدة غداء دعته إليها وزيرة الثقافة السورية السابقة الدكتورة نجوى قصاب حسن ، وكان مدعواً من المفوضية الأوروبية لإحياء أمسية شعرية في بلده ، فعبرت له عن احترامي العميق لمكانته الثقافية وعن أسفي لأن يزور سوريا بدعوة من الاتحاد الأوروبي ، وودت أن تكرمه دمشق ، وأن تحتفي بعودة ابنها إليها بعد اغتراب أربعين عاماً ونيف ، وشعبنا في كل أقطار العرب ، صاحب رؤية حضارية ديموقراطية عريقة ، تدعوه إلى احترام المبدعين حتى ولو خالفهم آراءهم .





المصدر جريدة الوطن

صقر الخالدية
08/02/2004, 01:29 PM
حميّ الرسائل الخلوية القصيرة عبر قنوات المنوعات
2004/01/12

غراميات مفضوحة وحروب كلامية عنصرية:

عمان ـ القدس العربي من هديل ****: لا يتحرج إعصار وطرزان الأردن أو وسيم وفارس الكويت أو ريم الخليج أو ولد قطر أو عذاب وغيرهم من مدمني الرسائل القصيرة بأسمائهم المستعارة هذه كما وردت عبر بعض قنوات المنوعات الفضائية العربية القادمة من كل صوب وحدب، في التعبير بلا استحياء أمام ملايين المشاهدين علي الهواء مباشرة عن إعجاب أحدهم أو إحداهن بالآخر، وطلب التعرف عليه أو تبادل عبارات الحب والغرام الساخنة بأعداد هائلة من الرسائل قد تصلح لفكرة عمل درامي اجتماعي مثير، أو عمل تراجيدي آخر مستوحي من الرسائل الأخري الملغومة بألفاظ ذات دلالات عنصرية وطائفية وشتائم،تنقل بعض الفضائيات المختصة هذه الأيام أحد فصولها علي خلفية منافسات دوري القدم الأردني خصوصا بين أكبر فريقين محليين، لحد وصل إلي توقيف بث الرسائل المؤيدة والمعارضة ذات النزعة العنصرية ليوم كامل، ساندتها أيضا بعيدا عن الروح الرياضية مناكفات قطرية ضيقة شنت حول مجريات كأس الخليج 16لكرة القدم وغيرها من المناسبات العامة والخاصة.
وتبدو المفارقة الأكثر جدلا في الشارع الأردني هنا بعد المتابعة والرصد، هو ذلك الهوس الناتج عن الكم الهائل من الرسائل الصادرة عنه علي أبرز الفضائيات المنوعة مثل (روتانا ومزيكا وميلودي) التي تقدم خدماتها شركتان منافستان للجمهور الأردني إلي جانب الشركات الوسيطة للفضائيات بموجب عقود موقعة، مما دفع صحف أردنية كأسبوعية (الحدث) في تقرير نشرته عام أواخر عام 2002 الحديث عن إحصائيات غير رسمية حول تصدّر الشعب الأردني من بين شعوب العالم مراتب أولي في استخدام الرسائل القصيرة عموما بمعدل 45رسالة شهريا للفرد، كما ذكرت أنه نحو مليوني رسالة قصيرة متبادلة سجلتها شركة فاست لينك للاتصالات الخلوية يوم عيد الحب من العام 2001.
ولا يغيب في هذا السياق عن ذاكرة العرب والأردنيين ذلك العرس الوطني الأضخم علي الساحة الأردنية لفوز ديانا كرزون بلقب مسابقة ما سمي بـ سوبر ستار العرب بفضل ضخ أصوات الأردنيين لها عبر الرسائل القصيرة حصدت فيه ما نسبته 53% من المجمل النهائي،لتتفوق علي نظيرتها السورية ابنة البلد الأكثر سكانا والأقل استخداما للخلوي لحداثة طرحه بالأسواق. وما بين أكثر من مليون مشترك أردني بالهواتف النقالة من أصل نحو خمسة ملايين نسمة وبطالة متفشية تصل إلي ما يقارب 14% وفق إحصائية أعلنها وزير العمل الأسبق العام الماضي و11% يعيش في مستنقع الفقر، تفاوتت التأويلات حول تلك الحروب الكلامية الدائرة علي الشريط الأفقي لمحطات يغلب عليها الطابع الفني البحت، فلم يرفض د.بلال الجيوسي أستاذ التربية في إحدي الجامعات الأهلية في اتصال مع القدس العربي فكرة افتتاح قنوات جديدة للاتصال بين الأجيال تتناقل فيها الآراء بحرية تحت مظلة تكنولوجية غير مسبوقة في الأردن مقارنة بالدول العربية الأخري،مما أفرز نزعة استهلاكية قوية تفوقت في جو عام من الإحباط والانهزاميات العربية المتراكمة منذ زمن. مؤكدا في الوقت ذاته في إشارة إلي تلك الألفاظ التي تقحم الجمهور في نزعات طائفية وجهوية وعنصرية، ضرورة إيجاد ميثاق شرف إعلامي لتقنين الحد الأدني من القيم الأخلاقية حتي لا تفرّغ مضامين الأفكار من هدفها الحقيقي خاصة عندما يتعلق الأمر بلعبة ذات طابع قتالي تنافسي مثل كرة القدم.
وعن التكهنات التي دارت حول انخفاض تكلفة الاتصال والتراسل علي المواطن الأردني دون غيره،لم ينف أحمد الرمحي الموظف في شركة فاست لينك للقدس العربي حقيقة ذلك بقوله ان تمتع الأردن بمنافسة أكثر من شركة علي الساحة بخلاف احتكار مثيلاتها كما في السعودية مثلا، يقلل تكلفة الاتصال والتراسل بمقدار ضعفين علي الأقل تصل أحيانا إلي أربعة أضعاف.
و المفارقة الأكبر علي هذا الصعيد تكمن في إخلاء شركتي الاتصالات الخلوية الأردنية والشركات الأخري الوسيطة مسؤولياتهم مما يرد علي شريط الرسائل، كما ذكرت صحيفة الرأي اليومية في عدد اليوم الأخير من شهر ديسمبر الماضي علي موظف في قسم التسويق في شركة فاست لينك أيضا، مشيرا إلي اقتصار دور الشركة علي تشغيل خدمة إرسال الرسائل أو ما يعرف بـ(SMS TO TV). وأوردت الصحيفة عن مدير عام شركة ITP الوسيط المتعاقد مع قناة (مزيكا) بأن مهمة الشركة تنحصر في حذف ما يمكن حذفه من الألفاظ الفاحشة الواردة في الرسائل فقط حسبما يقتضيه، العقد الموقع بين شركات الاتصالات والوسيطة وهو ما يتم آليا أو يدويا وبصعوبة كما ورد. وعلي الجبهة الأخري تميزت رقابة التلفزيون المحلي عبر برنامج فني معروف، منع فيه إظهار اسم المرسل كاملا في معظم الرسائل خاصة الغرامية كما أفاد إعلامي يعمل في هذا المجال، معللا ذلك بأسباب أخلاقية واجتماعية سائدة، كما منع برنامج منوع آخر نهائيا أي اهداءات علي الهاتف فيها تحريض علي فريق لكرة القدم ضد الآخر .
ويبدو أن مجرد الاعتقاد باتخاذ الجهات المعنية موقفا حازما حيال تلك المسلسلات اليومية المقروءة ضربا من الخيال مع الأرباح الطائلة التي تجنيها الشركات المستفيدة مشكلة مصدر رزق أساسي لها، لتتقاطع الأحاديث شبه المؤكدة بانضمام شركة اتصالات خلوية ثالثة إلي ساحة المنافسة، بما يتفق مع سياسة الانفتاح التي ينتهجها الأردن علي عالم الاتصالات الحديثة منذ أعوام،وطرح ما لا يخطر علي قلب بشر من الوسائل المبتكرة في عالم الرسائل القصيرة التي باتت صناعة مستقلة. والأعجب من ذلك أنه وبالرغم من كل هذا الصخب الاتصالي الذي تساوي فيه كل المواطنين لأول مرة، تتضاءل أكثر فأكثر احتمالية تراجع المواطن الأردني والعربي عن الترديد بأن كأس الخليج 16 هو سعودي سعودي سعودي كما أصر عدد من رواد الشريط المتحرك، أو أن الدوري الأردني وحداتي وبس في رسالة آخر، كما لن يكف أبو محمد من جرش عن مغازلة عذاب الخليجية أو ما طلبه أحدهم عندما وصف نفسه بـ مهستر بالتعرف علي مهسترة مثله كما ظهر في بعض الرسائل، إذ ان هذه الظاهرة فتحت أفقا جديدا علي شبكة المعلومات الدولية بإطلاق مواقع إلكترونية مخصصة للتعارف والتراسل، يتصدر زيارتها غالبا، أيضا مدمني تلك الرسائل القصيرة سالفي الذكر

القدس العربى

صقر الخالدية
11/02/2004, 11:10 AM
طارق سيف:
المتسكع المثقف
الأحد 18 يناير 2004 01:46
التسكع ظاهرة إنسانية فريدة لكونها تعبر عن شخصية غير مبالية وغير مسؤولة، ولكن عندما يدعي المتسكع الثقافة والفكر والخطابة فإنها تصبح كارثة إنسانية بكل المقاييس، لأن المعايير تختلط، وتزول الحدود والفواصل بين ما هو جد وما هو هزل، وتفقد كثير من القيم والاعتبارات الجوهرية للحكم على الأشياء قيمتها· ومن هنا تمثل ظاهرة التسكع الثقافي خطراً قد لا يلتفت إليه كثيرون، متصورين أن الأمر لا يتجاوز حدود الترويح عن النفس وانتزاع بعض الضحكات في وسط أصبحت سمته الأساسية هي العبوس والتجهم، أو على الأقل الجدية، وهو عالم الفكر والبحث العلمي والمعرفة والثقافة·
حاولت ألا أكتب عن هذه الظاهرة، ودائما كنت أعتقد أن هناك من الموضوعات الملحة في الواقع العربي ما هو أحق بالتناول، وأن هذه الشخصيات لا تستحق الكتابة عنها لكونها كائنات طفيلية تتسلق على مائدة السلطان، وتلتقط فتات الموائد وبقايا الطعام مقابل دور هزلي تؤديه يعتمد على قلة الحياء ونبذ اعتبارات الأدب والحشمة واحترام الذات، وكما يصفها البعض هي التمادي في الباطل والجهل والتخبط والتلون على حسب الموقف وعلى رغبات السلطان الذي يدفع ليستمتع بالنكات والحكايات والروايات المسلية·
المتسكع المثقف عبارة عن بائع متجول للكلام، وهو حكاء ماهر يجيد فنون القص وسرد الروايات والأخبار، ويمتلك سرعة الخاطر والبديهة الحاضرة واللفتة الذكية والعبث بالألفاظ وتحويرها· ويحتفظ هذا النوع من المهرجين في ذاكرته بعشرات النكات والحكايات - البذيئة غالباً- ليطلقها عند الضرورة منتزعاً ضحكات ساخرة تمثل مصدر رزقه· والمتسكع المثقف يغلف هذا الدور الدوني بقناع زائف من الثقافة والخبرة والمعرفة، ويقرأ عادة مجموعة من الكتب التاريخية والتراثية التي قد يكون أهمها كليلة ودمنة ، وحكايات الجواري والغلمان وشعراء الخلاعة والمجون في كتب مثل الأغاني و المستطرف في كل فن مستظرف وغيرها من الكتب المعنية بهذا النوع من الأخبار والقصص· وتتراكم لدى المتسكع المثقف بذلك مجموعة كبيرة من المعلومات العامة التي يبهر بها جالسيه في المرة الأولى، حيث يتنقل بين عصور التاريخ المختلفة مستعرضاً أسماء خلفاء ووزراء ومفكرين وشعراء وفلاسفة، مضيفاً إليها بعض ما التقطه عرضاً من النظريات والاصطلاحات الاجتماعية والثقافية والفلسفية المعاصرة، وبضع كلمات بلغات أجنبية يبثها في ثنايا كلماته لتزيد من قيمة الطبخة الثقافية الفكرية· ولكن إذا جالست المتسكع المثقف أكثر من مرة فستجده يكرر الأفكار والقصص نفسها، وقد يصلح في أحسن الأحوال للظهور كضيف في برنامج من سيربح المليون أو وزنك ذهب ·
وكل مهارات المتسكع المثقف تظهر فقط على مائدة السلطان الذي يمثل هدفه الرئيسي· ومن خصال المتسكع المثقف التنقل الدائم على حسب توافر الدولار أو الدرهم أو الريال، وإن كان الدفع بالجنيه الاسترليني أفضل، لأنه يدل على السخاء والكرم· وهذا التنقل الدائم حسب اتجاه هبوب الشيكات أو الكاش يجعله يبدل تحالفاته وأعداءه بشكل مستمر· فهو اليوم يأكل على مائدة شخص ويسب أعداءه ويروي عنهم الحكايات والنكات، لكنه في اليوم التالي مباشرة يأكل على مائدة أخرى وقد يسب ولي نعمته بالأمس، ويخترع بدوره الحكايات ويلفق القصص ويطلق النكات التي تنال منه· والحكايات المفضلة لدى هذه الفئة من الطفيليين تركز على العنصر النسائي والغرائز والشهوات ونهش الأعراض والافتراء على الشخصيات العامة وتشويهها باختراع حكايات وترويج شائعات حسب حالة الممول وحسب بورصة خصوماته وصداقاته وصراعاته ومصالحه·
لقد عرف بلاط السلاطين والحكام قديماً هذا النوع من البشر، وكانت وظيفة مهرج الملك أو مضحك الملك وظيفة رسمية يتولاها شخص معروف· وهناك مسرحية للكاتب علي أحمد باكثير بعنوان مضحك الخليفة · ولعل الوضع الرسمي لمضحك السلطان كان أفضل بكثير من الوضع الحالي الذي تختلط فيه الأوراق، فلم يكن مقبولاً من هذا المهرج أن يرتدي ثياب الحكماء أو مسوح العلماء إلا وهو يسري عن مليكه وولي نعمته ويغمز من وقار العالم أو الحكيم، كما يحدث في أحد مشاهد مسرحية مصرع كليوباترا لأمير الشعراء أحمد شوقي، حيث يقول المضحك للعالم الجليل معابثاً: وما الكتب قوتي ولا منزلي فما أنا سوس ولا أنا فار · أما الآن فإن المتسكع المثقف يدعي الثقافة ويقحم نفسه بين أصحاب الفكر والرأي دون أن يجد من يرده إلى الصواب، ويضعه في المكان الذي يستحقه، ويذكره بحقيقة نفسه· ولعل استحداث منصب مضحك الخليفة أو السلطان يكون خيراً، لأنه سيريحنا من ادعاءات المدعين ويسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية، ويوقف الإساءة التي تنال من الفكر والثقافة بانتساب هذه النماذج إليها زوراً وبهتاناً· فالمتسكع المثقف ليس كاتباً مبتكراً أو عالماً شهيراً أو صحفياً مخضرما، بل بائع متجول للثقافة الرخيصة·
أما الجانب المظلم من شخصية المتسكع المثقف فهو ما يخفيه وراء سخرياته ونكاته الماجنة وتعليقاته المضحكة من حقد وحسد وكراهية للعالم ولنفسه، وهذا الجانب المظلم كفيل بأن يجعل منه شخصية درامية بامتياز بسبب ما تنطوي عليه نفسه من صراعات، وتباين بين الظاهر والباطن· المتسكع المثقف شخص مأزوم، يعاني إحساساً بالمهانة الداخلية والهزيمة النفسية العميقة، وهو في ذاته يحتقر وضعه ولا يرضى عن نفسه· إنه عادة شخصية فاشلة خارج موائد السلاطين، وهو يخدع نفسه فيلقي باللائمة في فشله على أسباب غير موضوعية، إذ يتصور أنه أفضل من الآخرين وأكثر معرفة ووعياً وفهماً وذكاء، وأنه لا ينال التقدير الكافي لما يمتلكه من مواهب وقدرات· وينسى المتسكع المثقف أن حفظ بعض الأبيات الطريفة من الشعر والإلمام بطرف من الحكايات التاريخية والمصطلحات العلمية لا يجعل منه مثقفاً أو مفكرا· وهذا الإحساس بالفشل يدفع المتسكع المثقف إلى كراهية كل الناجحين والمتفوقين، والرغبة في تشويه نجاحهم وتفريغه من مضمونه، لذلك يخصهم بكثير من افتراءاته وسخرياته وحكاياته البذيئة، ويسيء إليهم وإلى أعمالهم وانجازاتهم كلما وجد لذلك فرصة·
أما المهانة الداخلية التي تسيطر على نفسية المتسكع المثقف وإحساسه بأنه يريق ماء وجهه ويبيع كرامته من أجل الارتزاق فتجعله يحقد بشدة على كل من يحترم ذاته ويحرص على كرامته، لذلك يكون عنيفاً في محاولة هدمهم وتلويث سمعتهم· وهو يجد في المناخ الثقافي والسياسي العربي السائد فرصة مناسبة بسبب ما يشيع فيه من عشوائية وتخبط وصراعات·

الاتحاد الإماراتية

صقر الخالدية
15/02/2004, 12:25 PM
فضائية "الحرة" ليست الأولى"عقول العرب وقلوبهم .. مستهدفة أمريكياً "
محيط : فتحي مجدي ·

لم يعد خافياً على أحد ذلك الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام والاتصال الجماهيري في تشكيل اتجاهات الرأي العام على المستويات المحلية والإقليمية والدولية نحو القضايا المتشابكة والمعقدة التي يزخر بها عالم اليوم ، سواء في أوقات الأزمات والحروب أو في أوقات السلم فأقل ما يوصف به هذا الدور أنه أصبح على درجة كبيرة من الخطورة والتأثير ، في ظل ما يسمى بثورة الاتصالات التي تصاعدت حدتها منذ نهايات القرن الماضي وحتى وقتنا الحاضر ، والتي ما زالت تتطور بمعدلات متسارعة وبخاصة في مجال الوسائل المرئية منها . .




فما نراه اليوم أن الأنظمة على اختلاف اتجاهاتها السياسية والعقائدية ، تنفق مئات الملايين من الدولارات على أجهزتها الإعلامية بغية استخدامها كمنابر دعائية تعينها في كسب معاركها الداخلية والخارجية ، وتهيئة الرأي العام المحلي والعالمي لتقبل السياسات التي تنتهجها في تناول القضايا الخاصة بشعوبها ، سواء كانت تلك السياسات مجحفة بشعوبها أم عادلة .وليس هناك من خلاف على أن الولايات المتحدة ، من أكثر دول العالم إدراكا لفعالية وسائل الإعلام في تشكيل اتجاهات الرأي العام المستهدف من ناحية ، والرأي العام الأمريكي والعالمي من ناحية أخرى ، الأمر الذي دفعها للتوسع في استخدام تلك الوسائل ، وبخاصة الفضائيات منها ، في تنفيذ استراتيجيتها الكونية التي تستهدف- في جزء منها - إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط في إطار هدفها الغائي وهو : الهيمنة على العالم ، والتحكم باقتصادياته ، والتفرد بقيادته ، واتخاذ القرارات الهامة بشأنه . وفي هذا السياق ، أطلقت واشنطن عدداً من الإذاعات والفضائيات مستهدفة المواطن العربي على وجه الخصوص وذلك لسببين : أولها- إحداث توازن مع ما تبثه بعض الفضائيات العربية من رسائل إعلامية ، يمكن أن تشكل على المدى المنظور عائقاً رئيساً يحول دون تنفيذ مخططاتها في المنطقة على النحو الذي ترجوه ، وثانيهما- تحسين صورة الولايات المتحدة في المنطقة العربية وبخاصة بعد ما أصابها من تشوّه شديد بعد غزوها للعراق وانحيازها الصارخ لمجرم الحرب شارون . وكانت آخر ما تحاول إنجازه في هذا المجال ، عزمها على إطلاق فضائية موجهة للمنطقة العربية ب اسم "الحره" ، لتستخدمها في مخاطبة المتلقي العربي وتشكيل اتجاهات الرأي العام في المنطقة من منظور أمريكي ، والتصدي لما تبثه بعض الفضائيات العربية وبخاصة قناتي "الجزيرة" و "العربية" من رسائل إعلامية تثير استياء الإدارة الأمريكية وتعارض مخططاتها وأهدافها في الهيمنة على المنطقة . ويرى المراقبون أن إطلاق هذه الفضائية ، يعد من أهم المشروعات الإعلامية التي تقيمها الولايات المتحدة على الساحة الدولية منذ إنشائها لإذاعة "صوت أمريكا" عام 1942 ، والتي يرون أنها تجيء للحد من التشويه الذي لحق بصورة الأمريكيين لدى شعوب المنطقة على يد الفضائيات العربية ، التي درجت على بث الرسائل الإعلامية التي كان يوجهها زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن والرئيس العراقي المخلوع صدام حسين ، فضلاً عن إذاعة الرسائل الإعلامية التي تصب في خانة معاداة أمريكا . .



إقبال العرب على مشاهدة الفضائيات
" الحرة " .. محاولة أمريكية لتجميل الصورة المشوهة ويؤكد المراقبون أن هناك العديد من الأهداف المعلنة وغير المعلنة من وراء إطلاق الفضائية الأمريكية من بينها :أ - العمل على كسب عقول وقلوب الجمهور العربي المستهدف الذي يمثل الشباب فيه النسبة الغالبة ، وتوجيهه نحو قبول القيم والأفكار وأنماط السلوك السائدة في أمريكا والدول الأوروبية ، وهو ما يعبر عنه بالغزو الثقافي والفكري للعالم العربي .ب - تحسين صورة الأمريكيين لدى العرب ، والتي شوّهتها إلى درجة مقلقة الحرب الأنجلو - أمريكية على العراق ومن قبلها على أفغانستان ، وكذلك صور القتلى في صفوف المدنيين والعسكريين التي كانت تبثها أجهزة الإعلام ، وما تلاها من مشاهد الخراب والدمار التي أعمّها الاحتلال في أرجاء العراق .ج - محاولة تحقيق تفوق حاسم في المعركة " الإعلامية " على الساحة العربية ، وبخاصة في وجه الفضائيات العربية المنافسة بعد أن فشل الإعلام الأمريكي في فرض تفوقه على الفضائيات الأخرى ، بعكس ما كان الحال في حرب الخليج الثانية ، حيث انفردت شبكة "CNN" الإخبارية الأمريكية ببث أنباء المعارك في تلك الحرب . وقد علق "نورمان باتيز" المدير التنفيذي لـ"ويست ورد وان" ، التي تعتبر أكبر شركة إذاعية في الولايات المتحدة على تلك الأهداف التي تقررت على أساسها فكرة إطلاق الفضائية الجديدة ، قائلاً : نحن نتنافس بهذه القناة في بيئة إعلامية تتحدث فيها الكراهية ضدنا عبر محطات الإذاعة والتلفزيون .. بيئة يأخذ منها المواطن العربي انطباعاته عن سياساتنا وثقافتنا وعن مجتمعنا .. وهي انطباعات خاطئة ، الأمر الذي يستوجب من الأمريكيين التصدي إعلامياً لهذه المحطات التي دأبت على التشهير بأمريكا والأمريكيين . ويعترف "باتيز" بأن فضائية "الحرة" ستتواجد في كل مكان توجد فيه قناة "الجزيرة " القطرية . وأشار في هذا الصدد إلى أنه بحلول منتصف الشتاء الحالي ، سيكون لهذه الفضائية فرع خاص بها في العراق يتم تمويله بنحو 40 مليون دولار أمريكي تقتطع من مبلغ الـ 87 مليار دولار التي خصصتها الإدارة الأمريكية لجهود إعادة الإعمار في كل من العراق وأفغانستان ، كما سيكون لها فروع أخرى في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط . وفي السياق ذاته ، يؤكد المراقبون على صعوبة تحقيق الأهداف التي من أجلها تزمع الإدارة الأمريكية الفضائية الجديدة إطلاق فضائية "الحرة" ، وبخاصة سعيهم لكسب عقول المشاهدين العرب وقلوبهم " ، حيث أثبتت التجارب السابقة أن إنشاء الإذاعات الموجهة للجمهور العربي ، لم يكن في مجمله أمراً سلبياً . فقد أثبتت معظم الدراسات الحديثة انصراف المشاهد العربي عن وسائل الإعلام الأمريكية والغربية ، وبخاصة في عصر انتشرت فيه الفضائيات العربية التي استطاعت أن تستحوذ على الغالبية العظمى من المشاهدين ، وساهمت في تشكيل رأي عام عربي يقوم على حرية التفكير وإبداء الرأي في القضايا التي تهم الوطن العربي . كما يرى المراقبون أيضاً أن فرصة نجاح أي عملية لـ "تجميل" صورة الأمريكيين أمام المواطن العربي تبدو ضئيلة للغاية ، حيث أن ما شاهده المواطن العربي عبر شاشات الفضائيات أثناء الحرب على العراق ومن قبل على أفغانستان ، واللتين أودتا بحياة الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ من أبناء الشعبين العراقي والأفغاني دون ما ذنب يغتفر سوف يجعل من مهمة فضائية "الحرة" أمراً يكاد يكون مستحيلاً .



" الإدارة الأمريكية تتهم " الجزيرة " بالتحريض
ويشكك خبراء الإعلام في نجاح الفضائية الأمريكية الجديدة في مواجهة الفضائيات العربية ، برغم الأموال الضخمة التي رصدتها للإنفاق عليها ، والتي تكلف الخزانة الأمريكية مبلغ 65 مليوناً من الدولارات ، مؤكدين - في الوقت ذاته- على أنه حتى إذا ما حققت بعض القبول ، فلن يبرر هذا القبول حجم الإنفاق الضخم الذي خصص لها . وفي هذا السياق ، يتنبأ خبراء الإعلام بمواجهة حامية الوطيس ، سوف تدور رحاها بين " الحرة " والفضائيات العربية من أجل الحصول على أكبر نسبة من جماهير المشاهدين في كافة أقطار الوطن العربي . كما يرون أن الخصم الأول في هذه المعركة الإعلامية سيكون قناة " الجزيرة " ، التي كانت موضع انتقاد وهجوم عنيف شنته الدوائر السياسة الأمريكية خلال الحرب الأمريكية على العراق ، حيث اتهمتها بعدم الموضوعية وتعمد إثارة الجماهير العربية باللعب على وتر المشاعر الإنسانية وبث القصص التي تؤدي لتصاعد حجم الكراهية لكل ما هو أمريكي .ولتجاوز هذه العقبة ، يذكر القائمون على إنشاء قناة "الحرة" ، أنهم سيحاولون الابتعاد قدر الإمكان عن الموقف الرسمي الأمريكي ، وأن تتسم المواد التي تبثها الفضائية المقترحة بالاستقلالية التامة ، شأنها شأن مثيلاتها من الإذاعات الموجهة مثل إذاعة "صوت أمريكا" وإذاعة "راديو أوربا الحرة" . غير أن المراقبين وخبراء الإعلام يشكون في إمكان تحقيق هذا الهدف على النحو الذي ترجوه الإدارة الأمريكية ، حيث يؤكدون على أنه من الصعب الفصل بين السياسات الأمريكية وبين سياسة المحطة الجديدة ، التي لم تنشأ إلا من أجل : تحقيق أهداف دعائية يقف الترويج للمخططات والسياسات الأمريكية "سابقة التجهيز" في المنطقة العربية على قمتها ، والتي تعتبر المستهدف "الوحيد" للحرب التي تشنها أمريكا على ما تسميه بالإرهاب . وفي هذا الصدد ، نقلت صحيفة " نيويورك تايمز " الأمريكية عن "شبلي تلحمي" الأستاذ بجامعة "ميريلاند" قوله : إن القناة الجديدة ستتعرض لضغوط كبيرة من واشنطن في حال تبنيها وجهة النظر المستقلة التي أعلنت عنها . كما يرى "إدوارد جيريجيان" رئيس معهد "جيمس بيكر" للسياسة العامة التابع لجامعة "رايس" الأمريكية ، أن القناة الجديدة ستعاني من "أزمة مصداقية باعتبارها مشروعا أمريكيا صرفاً" . ويذكر القائمون على إنشاء هذه القناة التي من المقرر أن تبدأ بث برامجها خلال الشهر الحالي عبر الأقمار الصناعية من إحدى ضواحي العاصمة الأمريكية واشنطن ، أنها ستعتمد على سياسة جديدة غير التي تعتمدها الفضائيات العربية ، حيث لن تقتصر رسالتها على البرامج الجادة فقط من خلال بث البرامج والنشرات الإخبارية فقط ، وإنما ستبث أيضاً برامج ترفيهية . ويضم فريق المحطة مجموعة مختلطة من الأمريكيين والصحفيين العرب ، كما يأمل القائمون على تشغيلها بأن تتمتع بـ "حس عربي" لكون مديرها شخصية عربية هو "موفق حرب" ، الذي عمل في السابق كرئيس لمكتب صحيفة "الحياة" اللندنية بواشنطن ، والذي يسعى الأمريكيون من خلاله لاستقطاب طاقم عمل مكون من 200 شخص ، على أن يكون معظمهم من العرب .



هل تنجح "الحرة" في إزالة هذه الصورة من الذاكرة
وقد تعاقد القائمون على هذه القناة مع مجموعة من النجوم ومقدمي ومعدي البرامج في الفضائيات العربية المعروفة ، مثل بيير غانم من محطة تلفزيون أم. بي. سي ، ومذيعات من محطات تلفزة لبنانية ، منهن داليا احمد من محطة "يو تي في" ، كما تردد أن رواتب مالية مرتفعة جدا جري عرضها علي من يريد الانضمام إلى المحطة تتراوح ما بين 70 ألف دولار و 120 ألف دولار ، حسب مكانة الشخص وخبراته ووظيفته . كما تقرر أن يكون شعار الفضائية الذي يظهر على الشاشة ، حصان عربي يجري على الشاشة في الفواصل بين البرامج . ويؤكد موفق حرب الذي عمل مديرا للقسم الإخباري في إذاعة "سوا" الأمريكية الموجهة للعرب ، إنه اختار للقناة التلفزيونية اسم "الحرة" بدلا من "شبكة تلفزيون الشرق الأوسط" الذي قد يوحي بنزعة غربية . وأن " الحرة " ستعمل على نشر "أخبار موضوعية متوازنة" .وضرب مثالا يقارن فيه بين " الجزيرة " و " الحرة " قائلا : "على سبيل المثال ، الجزيرة في تقرير لها عن إحدى الغارات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية تشير إلى أن الطائرات المستخدمة في الغارة هي من صنع أمريكي .. لكن الحرة لن تفعل ذلك" ، في إشارة إلى أن هذه الفضائية لن تربط عند عرضها للخبر بين الولايات المتحدة والغارة الإسرائيلية ، رغم أن الطائرة المستخدمة في الغارة هي فعلا من صنع أمريكي . من جهتهم ، استغل المسئولون بقناة " الجزيرة " الآراء التي تشكك في استقلالية " الحرة " عن الإدارة الأمريكية ، وقالوا إن المشاهد العربي سينظر إلى الشبكة الجديدة على أنها إحدى أدوات تلك الإدارة . وقال جهاد بلوط الناطق باسم " الجزيرة " : إن برنامج "الحرة" سيكون الدفاع عن وجهة النظر الأمريكية ، مشيرا إلى أن وظيفة الجزيرة ليس الدفاع عن أي وجهة نظر ، بينما التصريح الممنوح للحرة واضح وهو مساندة وجهات النظر الأمريكية . إذاعة " سوا " وأخواتها وفي إطار توجهاتها الجديدة نحو المنطقة ومخاطبة الرأي العام العربي بقصد "سلخه" عن هويته ، وبناء شخصيته وفق الأفكار الأمريكية ، أطلقت الإدارة الأمريكية العديد من الإذاعات الناطقة باللغة العربية والموجهة إلى المنطقة العربية في السنوات الأخيرة . وليس من شك أن إطلاق الفضائية الجديدة ، وإن كانت فكرة ليست بالجديدة اعتمدتها الدول الاستعمارية في السابق ، إلا أنها تكشف عن الاهتمام المتزايد من جانب واشنطن بمخاطبة العرب بوسيلة إعلامية فاعلة تسعى من خلالها إلى تحقيق أهدافها وأطماعها في ثوب استعماري جديد يطمح لستر عوراته وسوءاته أمام أعين العالم العربي .وقد تزايد اهتمام الإدارة الأمريكية بمخاطبة الجمهور العربي والعمل على إيصال صوتها إليه ، بسبب الانتقادات الشديدة التي تعرضت لها وازدياد موجة العداء والكراهية تجاهها لتحيزها التام لإسرائيل ، وهو ما ظهر بشكل صارخ العقود الأخيرة من القرن العشرين ، كما توجهت الأنظار الأمريكية نحو المنطقة في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م ، وبعد الحملات المناهضة للعرب داخل الولايات المتحدة وخارجها ، وتحميلهم مسئولية تلك الأحداث . من هذا المنطلق ، أطلقت الإدارة الأمريكية إذاعة "راديو سوا" التي بدأت بثها في مارس 2002م ، بهدف تقديم معلومات وأخبار عن أمريكا والعالم وتوضح سياساتها ومواقفها من قضايا هذه المنطقة ، وبخاصة بعد اعتراف مسئولين أمريكيين بالحاجة إلى مخاطبة ما يسمونه بـ "الإساءات الموجهة إلى الولايات المتحدة عبر وسائل الإعلام العربية" .وتعود فكرة إذاعة "سوا" التي تعني باللغة العربية الفصحى "معًا" ، إلى ما قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر بفترة طويلة ، لكن الفكرة اكتسبت تأييدًا كبيرًا بعد تلك الأحداث ، وبخاصة داخل الكونجرس الأمريكي . وكان "نورمان باتيز" هو أيضاً صاحب فكرة إطلاق إذاعة " راديو سوا " التي استهدف من ورائها كسب جمهور الشباب العربي ، عبر استخدام برامج شبيهة ببرامج الإعلانات التجارية الهادفة إلى ترويج سلعة ما .. لكن في حالة "سوا" تصبح الأخبار والقيم الأمريكية ، هما السلعتين موضوع الإعلان . ويقدم راديو " سوا " خدمته الإذاعية باللغة العربية على مدى أربع وعشرين ساعة يوميا، وتتضمن تقديم نشرات إخبارية وتحليلات للأخبار ، مع مزيج من أفضل المنوعات الموسيقية الغربية والعربية .ويُلتقط بث هذه المحطة التي بدأت اعملها في مارس 2002م ، في خمس دول عربية هي مصر والعراق والسودان والكويت وعمان على موجات "إف إم"، كما يمكن التقاط بثها بالأقمار الاصطناعية عبر خدمة نايل سات وعربسات ويوتيل سات. وتقدم إذاعة " سوا " موجزا للأخبار كل نصف ساعة .. يتضمن أحدث الأخبار عن السياسة الأمريكية ، وتطورات منطقة الشرق الأوسط وبقية دول العالم . ولا يستغرق بث هذا الموجز أكثر من بضع دقائق ، تعود بعدها الإذاعة لبث الموسيقى الراقصة وأغاني البوب العربية والأجنبية ، حيث تشغل موسيقى البوب نسبة 85% من إجمالي الإرسال ، بينما تحتل الأخبار المنتقاة التي تخدم السياسة الأمريكية نسبة 15% . ويرى المراقبون أن المتتبع لهذه الإذاعة ، لا يخفى عليه مدى انحيازها تجاه السياسات الأمريكية وتشددها تجاه الملف العراقي ، حيث تعكس وجهة النظر الأمريكية التي يعبر عنها صقور الإدارة الأمريكية ، فضلا عن أن هذا الانحياز هو علامة مميزة لأدائها تجاه القضية الفلسطينية ، وهي سمة مميزة لكل وسائل الإعلام الأمريكية تقريبا، وبالذات إذاعة صوت أمريكا على مدى ما يقرب من 50 عاما ، هو عمر الإذاعة وعمر الصراع العربي الإسرائيلي . ولم تقف الإدارة الأمريكية عند حد استهداف الجمهور العربي في منطقة الشرق الأوسط فحسب ، وإنما امتدت لتشمل توجيه خدمة إذاعية للأكراد في شمال العراق من خلال " القسم الكردي " في إذاعة صوت أمريكا الذي يبث إرساله الإذاعي لمدة أربع ساعات يوميا ، حيث يقدم نشرات الأخبار عن آخر التطورات العالمية والإقليمية والأمريكية ، إلى جانب تقارير المراسلين حول مجريات الأمور على الساحة العراقية ، كما يقدم برامج عن العلوم والتكنولوجيا والثقافة الأمريكية .



مصور قتيل برصاص الاحتلال الأمريكي
إذاعة "العراق الحر" .. سلاح أمريكي في المعركةكذلك تدعم الولايات المتحدة إذاعة "العراق الحر" التي دأبت منذ نشأتها عام 1998على إذاعة البرامج الإخبارية والتقارير والمقابلات في العراق في إطار إعدادها للحرب التي شنتها أمريكا عليه . وتعتمد تلك الإذاعة في تقديم أخبارها وتقاريرها والمقابلات التي تجريها مع الشخصيات البارزة ، على مجموعة من المراسلين المنتشرين في جميع أنحاء العراق .ويوجد مركز المحطة في العاصمة التشيكية "براغ" ، حيث يعمل فيها موظفون عراقيون يتخذون من بغداد والبصرة وأربيل وكركوك والموصل والسليمانية مصدراً لمعلوماتهم ، كما أنها تبث برامجها على موجة إف إم ، والموجتين القصيرة والمتوسطة ، إضافةً للبث عن طريق الأقمار الصناعية . وتقدم إذاعة " العراق الحر " الأخبار العاجلة والتطورات العسكرية والسياسية ، فضلا عن التقارير الشاملة والمقابلات حول القضايا ذات الاهتمامات الخاصة . كما تقدم عددا من البرامج الأسبوعية حول الحياة الثقافية العراقية . ويبلغ عدد النشرات الإخبارية المنتظمة التي تقدمها هذه الإذاعة يومياً 12 نشرة مدة كل منها خمس دقائق ، إضافةً للبرنامج الصباحي اليومي الذي يستغرق 30 دقيقة ، والذي يذاع في خمسة أيام في الأسبوع كما يختتم البرنامج بموجز لأهم الأنباء مدة ثلاث دقائق ، بعد ذلك يبدأ بث البرنامج المميز "ملف العراق" وهو برنامج مدته 25 دقيقة تُقدم فيه تقارير المراسلين ، وتُجرى فيه المقابلات مع الشخصيات الهامة . هذا بالإضافة إلى برنامج أسبوعي يُبث من بغداد بعنوان "حوار" ، يتم فيه إجراء مقابلات مطولة مع كبار الشخصيات العراقية الدينية ، والثقافية ، والسياسية . وتبلغ مدة الإرسال اليومي لإذاعة العراق الحر حالياً 17 ساعة على موجات إف إم ، كما يجري التخطيط أيضا لزيادة البث على موجات إف إم للمدن العراقية الشمالية مثل إربيل والسليمانية لمدة تتراوح بين تسع إلى 15 ساعة يوميا . وبالإمكان التقاط جميع البرامج التي تبثها المحطة على الموجات القصيرة والمتوسطة وعبر الأقمار الصناعية "هوت بيرد 3" و "أشياسات-د3" وعلى شبكة "الإنترنت" . إذاعة " صوت أمريكا " .. فشلت في تحقيق أهدافها يطرح التوجه الأمريكي "القديم- الحديث" نحو توجيه وسائل إعلام ناطقة باللغة العربية إلى منطقة الشرق الأوسط ، سؤالاً عما إذا كانت تلك الفضائيات والإذاعات الموجهة ستجني ثمار الملايين التي تنفقها عليها الحكومة الأمريكية في إطار حربها على ما تسميه بـ" الإرهاب " ، والتي جندت من أجلها "ترسانة" ضخمة من الشبكات والمحطات الأمريكية التي تخضع لسيطرة اليهود ؟ ، وبخاصة بعد أن أصبح التدخل الأمريكي الذي لا يمكن أن يوصف بأقل من أنه تدخل استعماري قهري يستهدف الاستيلاء على ثروات المنطقة العربية النفطية وغير النفطية ، و"أمركة" الثقافة الإسلامية .. أصبح أمراً واقعاً لا مجال لإنكاره ، أو تجميل صورته ، أو التقليل من أخطاره تحت أية دعاوى يسوقها الأمريكيون لتبرير هذا التدخل . وبهذا المعنى ، يؤكد الخبراء في مجال الإعلام أن التجربة الأمريكية الأقدم في هذا المضمار ونعني بها إذاعة "صوت أمريكا" منيت بالفشل ، بعد مرور أكثر من 50 سنة على إطلاقها ، والتي بدأت بثها عام 1942م . فقد عملت هذه الإذاعة طيلة عمرها كناطق رسمي باسم الفرع التنفيذي المسئول عن السياسة الخارجية الأمريكية الذي هو جزء لا يتجزأ من وكالة الاستعلامات الأمريكية . وكانت تضطلع بثلاث مهام رئيسة هي : أن تعمل كمصدر موثوق به وموضوعي للأخبار ، وأن تقدم سياسات الولايات المتحدة ، وأن تقدم صورة جذابة للمجتمع الأمريكي . وقد اعتمدت إذاعة " صوت أمريكا " في تقديم خدمتها الموجهة على الأخبار والتعليقات القصيرة والموسيقى والبرامج الخفيفة التي تعد من أكثر المواد جذبا للمستمعين ، مع التركيز على تعريف المستمع بالطبيعة السريعة للمجتمع الأمريكي وتاريخ هذا المجتمع وثقافته ، ولا يخفى على أحد الدور الذي لعبته إذاعة " صوت أمريكا " في شرح السياسة الأمريكية تجاه البلدان المستهدفة ، وتبرير سياستها في الشرق الأوسط . ويرى خبراء الإعلام أن إذاعة " صوت أمريكا " فشلت في الاستحواذ على عقل المستمع العربي وقلبه الذي أدرك حقيقة الأهداف الخفية من وراء هذه الخدمة الإذاعية الموجهة ، والذي يعلم تماما أن موقف الولايات المتحدة لا بد أن ينعكس بالضرورة على موقف الإذاعة من قضايا المنطقة ، الأمر الذي لم يكن من السهل إقناعه بصحة المعلومات التي تبث إليه وأن يقف منها موقف الحذر ، وبخاصة في ظل التحيز الأمريكي السافر لإسرائيل على حساب الحقوق العربية . وللسبب ذاته ، يشكك هؤلاء الخبراء في جدوى بث الفضائية "الحرة" انطلاقاً من حقيقة أن هذه الفضائية قد تصبح بوقاً إعلامياً يستخدمه الأمريكيون واليهود لأغراض دعائية كسابقاتها من وسائل الإعلام التي وجهتها أمريكا للمنطقة . ومهما يكن من أمر ، فإن الحقائق التي أصبحت اليوم راسخة في عقول العرب وقلوبهم وهي : إن الحرب التي تشنها أمريكا على ما تسميه بـ "الإرهاب" إنما تستهدف فقط الهيمنة على الأمتين العربية والإسلامية والاستيلاء على ثرواتهما الطبيعية وبخاصة النفطية منها .. وإن الانحياز الأمريكي الصارخ لإسرائيل على حساب الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية إنما ينطوي على عداء أمريكي مقصود للأمتين العربية والإسلامية .. وإن محاولاتها السافرة في إحلال القيم الأخلاقية والأعراف الاجتماعية الأمريكية والغربية محل القيم والأعراف السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية التي تستند لأحكام الشريعة الإسلامية .. كل هذه الحقائق تجعل من الصعب على فضائية "الحرة" وغيرها من وسائل الإعلام الأمريكية أن تحقق الأهداف المرسومة لها والتي تتمحور حول تشكيل اتجاهات الرأي العام في المنطقة العربية باتجاه القبول بالتواجد الأمريكي في المنطقة العربية ، والتصديق بالدعاوى والحجج التي يسوقها الأمريكيون لتبرير هذا التواجد. ***

صقر الخالدية
16/02/2004, 01:38 PM
بقلم: فريد أحمد حسن





































"إن ثماراً كثيرة وكبيرة وذات قيمة يمكن أن نجنيها مستقبلاً لو أننا أعطينا الآن أدب الطفل شيئاً من حقه بالاهتمام به وتشجيع الداخلين فيه ودعمهم". هذا ما يقوله كل مهتم بأدب الطفل ويقوله كل مقدّر لهذا اللون من الأدب ويقوله كل ذي عقل ينظر إلى البعيد. إن أدب الطفل في البلاد العربية بشكل عام لم يتبلور بعد ولم تظهر له شخصية متميزة. والكثير مما قدم ويقدم للأطفال لا تراعى فيه خصائص الطفولة، وهذا يعني أنه بعيد عن أدب الطفل.

هذا ما يقوله الجميع وهو صحيح دونما شك. كما وأن الجميع -من ذوي العلاقة بالطفل وأدب الطفل- يدركون أن الكثير من السلبيات التي يعاني منها الإنسان العربي اليوم يمكن لأدب الطفل أن يسهم في تخليص إنسان المستقبل منها. إن سلبيات مثل التخلي عن المسؤوليات وإلقائها على الآخرين والاتكالية والتكامل والتعلق بالغيبيات وغيرها, يمكن التخلص منها مستقبلاً بانتهال أطفال اليوم للأدب الهادف الذي يبني شخصياتهم ويبنيهم اجتماعياً ونفسياً وعقلياً. فدور أدب الطفل في هذا المجال لا يستهان به.

ترى لماذا نكره زوجة الأب؟ نحن العرب في مختلف البلاد العربية نكره زوجة الأب ونعتبرها شريرة ولا نأمن جانبها حتى لو كانت طيبة وأثبتت أنها تستحق الاحترام والمودة، أما لماذا فالسبب واضح ومعروف, وهو أن الحكايات والأقاصيص التي استمدت من التراث العربي وسمعناها ونحن صغار كانت تصور لنا دائماً أن زوجة الأب شريرة, وأنها مهما حصلت من مودة وحنان وكرم فإنها تظل قاسية على أبناء زوجها وتسعى لأذيتهم والتنكيل بهم. الآن يمكن لأدب الطفل أن يسهم بفاعلية في تغيير هذه النظرة بإيجاد معايير عملية للحكم على الأفراد وبناء إنسان جديد قادر على التعامل مع متغيرات الحياة في عصر العلم والتكنولوجيا.

إننا بحاجة ماسة إلى التشجيع على الدخول في أدب الطفل ودعم الداخلين فيه بقوة لتأسيس ثقافة متميزة هي سلاح إنسان الغد وإنسان الزمن الذي سيجيء، ثقافة يستخدمها في تعامله مع مختلف المتغيرات. قديماً قال العرب إننا نربي أبناءنا لزمان غير زماننا، وهذا يعني بكل بساطة أن أدب الطفل -الذي هو جزء أساسي في عملية التربية- يعني التعامل مع المستقبل ويخطط له، لكن التعامل مع المستقبل ووضع أسسه ينبغي ألا يعتمد على أفراد قلائل، لذا لا بد من العمل على خلق قاعدة قوية لهذا الشيء أساسها تكثير وتقوية الأقلام التي اقتحمت مجال أدب الطفل.

كم كانت فرحتي كبيرة بطفل لا يتعدى الثانية عشر من عمره التقيته في سوق الملح بصنعاء. سمعني أقول مازحاً لصاحب محل يتاجر في العقيق إنني أريد خاتماً يجلب الرزق، ففوجئتُ بالطفل يتدخل ويقول بلهجة الواثق ما معناه أن دع هذه الخرافات جانباً فالرازق هو الله سبحانه وتعالى, ومن يقول لك غير هذا فإنه يضحك عليك. هذا هو الطفل الذي نبحث عنه ونسعى لخلقه، وأعتقد أن هذه هي مهمة التربويين جميعاً وعلى رأسهم كتّاب أدب الطفل الذين ندعو إلى رعايتهم ودعمهم ليتمكنوا بدورهم من دعم الأطفال ورعايتهم وإعدادهم لبناء المستقبل.

لكن لا بد من ملاحظة أمر مهم في ما يخص أدب الطفل والخوض فيه، فالكثيرون يستسهلون الكتابة للطفل ويعتبرونها أسهل أنواع الكتابات، في الوقت الذي يؤكد فيه المعنيون بالطفل أن الكتابة له أصعب من الكتابة للكبار. في الثمانينات من القرن الماضي تحديداً بدأ بعض مَن تربطهم بالطفل علاقة الكتابة له, فعرضت في تلك الفترة في مختلف دول المنطقة الكثير من المسرحيات، لكن للأسف ليس كل من شارك في تلك المهمة كان ذو علاقة، حيث استغل البعض الموضوع تجارياً وصار كل من يعرف الكتابة بالقلم يكتب للطفل، وصار كل من شعر بأنه يستطيع تحريك ممثل على خشبة المسرح يخرج مسرحيات للأطفال. والنتيجة أن الكثير مما قدم للطفل من مسرحيات على وجه الخصوص جاء بعيداً عن عالم الطفل وفي غير صالحه, بل أثر سلباً على مسرح الطفل وعلى الجمهور الذي كان يفترض أن يلتصق بالمسرح لاحقاً.

إن ما نعانيه حقاً هو جهلنا بالكثير من حاجات الطفل، فنحن لا نعرف إلا القليل عن حاجاته النفسية والاجتماعية وأعتقد أننا نجهل أيضاً أساليب إشباع تلك الحاجات. لست هنا بصدد التعميم فبيننا من درس ويدرس الطفولة ويحاول أن يتعرف على حاجات الطفل المختلفة ويحاول أن يقدم له شيئاً مفيداً وجيداً يشبع حاجاته، ولدينا بالتأكيد تجارب ناجحة في هذا الصدد, ولدينا أسماء يشار إليها بالبنان، سواء في كتابة المسرحية للطفل أو القصة أو الأغنية... الخ. إنما حديثي عن أولئك الذين يستسهلون التعامل مع الطفل فيكتبون له ويخرجون الأعمال أو يلحنون ويغنون وهم على غير دراية بحاجاته وبأساليب إشباع تلك الحاجات. فمثل هؤلاء لا يعرفون أن أدب الطفل أداة فنية من أدوات تنشئة الطفولة، ولا يعرفون أن هذا الأدب يسهم بشكل كبير في بناء شخصية الطفل، بمعنى أن التعامل الخاطئ معه يؤثر على الطفل بالسلب.

إن من الأمور التي ينبغي أن يدركها كل من يحاول التعامل مع أدب الطفل هي أن الطفل قليل الصبر، لذا فإنه لا يحتمل على سبيل المثال عرضاً مسرحياً تزيد مدته عن الساعة (الذي كان يحدث ويحدث الآن أيضاً أن المنتج يفرض على كاتب النص والمخرج أن لا تقل مدة عرض المسرحية عن ساعتين لأمور تتعلق بالشباك وبالتسويق). والطفل يفهم بعض كلماتنا بغير ما نعني بها، لذا ينبغي أن نخاطبه بلغة يفهمها هو لا نفهمها نحن فقط (وفي هذا الصدد حدّث ولا حرج).

الطفولة طاقة كبيرة علينا أن نعمل على الاستفادة منها، وهي لا يمكن أن تنطلق إلا إذا عملنا على تفتحها وعرفنا كيف نتعامل معها. علينا أن نعرف أن للطفل حاجات بيولوجية ونفسية تختلف من عمر لآخر، فلكل مرحلة من مراحل النمو خصائص معينة، وهذه مسألة يراعيها جيداً بعض كتّاب القصة عندما يكتبون للأطفال، وغالباً ما نقرأ على الغلاف أن هذه القصة للأطفال من سن كذا إلى سن كذا، غير أن هذه المسألة لا يتم مراعاتها في المسرح فمثلاً، فالذي يحدث هو أن المؤسسة المنتجة تقدم مسرحية للأطفال (دون تحديد سن الأطفال الذين تناسبهم المسرحية), فيدخل لمشاهدتها الأطفال من سن ثلاث سنوات إلى سن الثامنة عشرة. وفي هذا الصدد يقول المعنيون بأدب الطفل إن ما يبعث الخوف والقلق في نفس طفل في الرابعة مثلاً قد يثير السرور والسعادة في نفس طفل في العاشرة، وأنه لا بد أن يتوافق الغذاء الأدبي المقدم للطفل مع مستوى النمو. أما النتيجة فهي أن الطفل الذي دفع والده قيمة تذكرة دخوله يهرب من العرض وينشغل بأمور أخرى، فالمعروف أن الطفل يهرب من الأعمال التي تعلو مستواه.

ربما يقول البعض أن مراحل النمو متداخلة ويصعب تحديدها، وقد يقول البعض أن بين الأطفال فروقاً فردية، وهذا صحيح، فالتداخل في مراحل النمو موجودة والفروق الفردية موجودة، لكن هذا لا يعني أن نقدم عملاً للأطفال دون تحديد الفئة التي نعتقد أنها مناسبة لمشاهدة العمل. فليس من المعقول أن نقدم لطفل الخامسة مثلاً عملاً بطولياً عن صلاح الدين الأيوبي, لأن هذا العمل لا يناسب هذه السن ولكنه يناسب الطفل الذي يبلغ التاسعة أو العاشرة مثلاً، وهكذا.

جانب آخر في مشكلة أدب الطفل علينا أن نهتم به هنا, وهو ما يدعو إليه الكاتب البحريني إبراهيم بشمي دائماً, حيث يقول: إن علينا نحن الكبار آباء وأمهات وأولياء أمور أن نقرأ ما يكتبه كتّاب أدب الأطفال ونوصله بطريقتنا إلى الأطفال في لحظات قبل النوم. والطريقة نفسها ينبغي أن نلجأ إليها في العروض المسرحية، فالأفضل هو أن يذهب الأب والأم وولي الأمر لمشاهدة المسرحية أولاً ثم يقررون إذا كان هذا العمل مناسباً أم لا. لكن في هذه الطريقة شيء من المثالية وكثير من الصعوبة، فليس كل الآباء والأمهات على درجة من العلم والثقافة تتيح لهم تقييم عمل مسرحي وتقرير ما إذا كان يصلح لأبنائهم أم لا. كما أن الإعلانات التلفزيونية المشوقة تدفع الطفل ليضغط على والديه ويرغمهما على أخذه لمشاهدة المسرحية حالاً. لذا فإن الحل الأفضل يكمن في دعوة المعنيين بالطفولة من أكاديميين وكتّاب ومهتمين إلى مشاهدة العمل المسرحي قبل عرضه بوقت كافٍ ومناقشته مع فريق العمل وإبداء ملاحظاتهم ومن ثم إجراء التعديلات المناسبة قبل عرضه على الأطفال. وهذه عملية ممكنة وقابلة للتطبيق ومن شأنها أن تخلصنا من شبح الأعمال التجارية التي تستغل الأطفال لتسلب جيوب الكبار.

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى جانب من مشكلات أدب الطفل في الوطن العربي، فأولها وأهمها في اعتقادي غياب البحوث العربية في أدب الطفل، ثم نظرتنا إلى الطفل على أنه رجل صغير فنتعامل معه بلغتنا وبتفكيرنا، ثم قيام من ليس له علاقة بالطفل بالكتابة له من دون أن يدرك خصائص نموه وميوله ودوافعه وقدراته، وبالطبع مشكلة السعي إلى الربح المادي، فليس مهماً عند البعض ماذا يقرأ الطفل أو ماذا يشاهد, وإنما المهم هو أن يشتري ويشاهد.

ولعل من المناسب أن أطرح تساؤلاً مهماً وهو: مَنْ مِن كّتابنا يشاهد ما يقدم للأطفال من قصص عبر برامج الأطفال والرسوم المتحركة؟ وأستشهد للإجابة عنه بما ورد في محاضرة للدكتور عبد العزيز السبيل (الأستاذ بجامعة الملك سعود) ألقاها ضمن فعاليات معرض البحرين الدولي التاسع للكتاب, حيث ذكر أن دراسة أجريت شملت كبار كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي سُئلوا خلالها عما إذا كانوا يعتمدون على الخبرة الكتابية والقرائية لفن القصة من خلال من سبقهم من الكتّاب, أو يعتمدون على حصيلتهم النظرية في هذا الفن وتقنياته ومناهجه. فأجابوا جميعهم وبينهم أسماء كبيرة مثل نجيب محفوظ ويحي حقي ويوسف إدريس بأنهم لم يقرؤوا شيئاً عن أصول فن القصة أو طرق كتابتها. وأعتقد أن الأمر نفسه يصدق على كتّاب أدب الطفل.

وفي دراسة لعبد التواب يوسف بعنوان "حول أدب الأطفال في الخليج العربي" يذكر في مقدمتها أن العناية بأدب الطفل سمة حضارية لأنها تعني التعامل مع "علم المستقبل" والتخطيط له. ووفق ما قاله العرب: إننا نربيهم لزمان غير زماننا. وكذلك كان اهتمام منطقة الخليج العربي بهذا الأدب من منطلق الأصالة والمعاصرة والمستقبلية. لكن عبد التواب الذي يشيد بالتفاتة الإنسان الخليجي إلى المستقبل ممثلاً في الأطفال وكتبهم وأدبهم يبدي ملاحظة مهمة هي أن الأقلام التي اقتحمت مجال أدب الأطفال قليلة والكتب الصادرة لهم عددها متواضع، وهو يعتقد أنه بسبب حداثة هذا اللون من الأدب وقلة التقدير الأدبي والمادي للعاملين فيه انصرف عنه كثيرون كان من الممكن أن يحققوا فيه نجاحاً كبيراً.

ملاحظة عبد التواب يوسف (وهو باحث ودارس في أدب الأطفال يمتاز بخبرته الطويلة في هذا المجال) ملاحظة مهمة للغاية، فبيننا في منطقة الخليج الكثير من ذوي الموهبة والقدرة على توظيف أقلامهم وخبراتهم الحياتية في خدمة الطفل الخليجي والعربي, ولكن ينقصهم التشجيع والاهتمام سواء من الحكومات أو المؤسسات الثقافية والاجتماعية ذات العلاقة. ولعل العدد القليل الذي يكتب في مجال أدب الطفل اليوم يشجع وزارات الإعلام في دول الخليج على تبنيهم ودعمهم وتوفير دورات خاصة لتدريبهم والرقي بقدراتهم، بل أنه يكفيهم حتى طباعة مؤلفاتهم وتسهيل إنتاجها.

تشجيع بسيط حصل عليه الكاتب البحريني إبراهيم سند في فترة سابقة أعطاه الدافع لينتج ما يسهم في رفع اسم مملكة البحرين في المحافل الثقافية العربية حيث نال العديد من الجوائز المهمة في مجال الكتابة للطفل، والأمر نفسه يمكن أن يتحقق مع كتاب آخرين لو أنهم حصلوا على تشجيع ودعم من المسؤولين في مجال الإعلام والثقافة. وبالمقابل بالطبع ابتعد آخرون عن الكتابة للطفل بعد ما اكتشفوا أنهم يجدفون لوحدهم في بحر مليء بالصعاب.

إن المهتمين بأدب الطفل في كل العالم يؤكدون على سبيل المثال أهمية القصص الخيالية في تعلم الطفل وإعداده للحياة. فعندما تلبى هذه الرغبة الملحة لدى الطفل فإنها تفتح أمامه العديد من الطرق للإفادة من مظاهر الحياة, حيث تصبح الكثير من شؤون الحياة وأحدثها معروفة لديه ومنها يتعلم الكثير من عادات المجتمع وسلوك الإنسان. وبمثال أكثر وضوحاً فإن بإمكان كتّاب أدب الأطفال تعليم الأطفال الاتزان في إصدار أحكامهم على الناس وعلى ما يشاهدون من أعمال، وسواء تم ذلك من خلال القصة أو المسرحية أو الأغنية... الخ, وهذا يؤكد أن أدب الأطفال يسهم بقوة في إعداد الطفل للمستقبل.

لكن ليس الدور كله في تشجيع كتّاب أدب الطفل يقع على الحكومات، فهناك أيضاً القطاع الخاص الذي يجب أن يقوم بدوره في دعم الثقافة بشكل عام ودعم أدب الطفل وإعداده للمستقبل بشكل خاص، وهناك المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية التي عليها أيضاً أن تقوم بدعم وتشجيع كتّاب أدب الأطفال. وبالطبع لا يمكن أن ننسى الدور المهم الذي يمكن أن يقوم به أولياء الأمور، حيث عليهم أن يشجعوا أبناءهم على شراء ما ينتجه كتّاب القصة في الخليج، ذلك أن شراء نتاج الكاتب المحلي هو نوع من الدعم والتشجيع له، علاوة على أن ما يكتبه هؤلاء الكتّاب لا يكون في كل الأحوال غريباً عن الطفل الخليجي.

ومن المعنيين بتشجيع ودعم كتّاب أدب الأطفال أيضاً دور النشر التي يجب أن لا يعميها الربح المادي فلا تبالي بما يكتب للطفل أو تغالي في أسعارها فلا يستطيع كتّاب أدب الأطفال توصيل نتاجاتهم إلى الأطفال. والأمر نفسه ينطبق على أصحاب المكتبات والجهات المنظمة لمعارض الكتب, حيث عليهم تقليل هامش الربح فيما يتعلق بكتب الأطفال.

أيضاً تقع مسؤوليات كبيرة في هذا الخصوص على المؤسسات ذات العلاقة بالطفولة، فعلى سبيل المثال لا بد أن يكون للجمعيات المعنية بتنمية الطفولة في الخليج دور في دعم وتشجيع كتّاب أدب الأطفال، وكذلك المجلس العربي للطفولة والتنمية ومقره القاهرة، وغيرها من المؤسسات المهتمة بالطفولة.

إن ثماراً كثيرة وكبيرة وذات قيمة يمكن أن نجنيها مستقبلاً لو أننا أعطينا الآن هذا اللون من الأدب شيئاً من حقه بالاهتمام به وتشجيع الداخلين فيه ودعمهم. العديد من الباحثين في أدب الأطفال يؤكدون أن هذا اللون في البلاد العربية لم يتبلور بعد ولم تظهر له شخصية متميزة، بل أن الكثير مما قدم ويقدم للأطفال لا تراعى فيه خصائص الطفولة, وبالتالي فهو بعيد عن أدب الأطفال. لذا فإن على جميع الجهات المذكورة في هذا المقال دور كبير في تكوين أدب للأطفال سليم يعد للمستقبل.

الكثير من الأمور السلبية في إنساننا العربي والخليجي اليوم يمكن لأدب الأطفال أن يخلص إنسان المستقبل منها، فسلبيات مثل التخلي عن المسؤوليات وإلقائها على الآخرين والاتكالية والتكامل والتعلق بالغيبيات وغيرها يمكن التخلص منها مستقبلاً بانتهال أطفال اليوم للأدب الهادف الذي يبني شخصياتهم وينميهم اجتماعياً ونفسياً وعقلياً، فالدور الذي يلعبه أدب الأطفال لا يستهان به. ومثلما أسهمت الحكايات والأقاصيص التي استمدت من التراث العربي في بغض إنسان اليوم لزوجة الأب مهما اتسمت بالطيبة, فإن بإمكان أدب الأطفال تغيير هذه النظرة وإيجاد معايير عملية في الحكم على الأفراد بكل فئاتهم وبناء إنسان جديد قادر على التعامل مع متغيرات الحياة في عصر العلم والتكنولوجيا.

إنها دعوة ملحة ومباشرة للتشجيع للدخول في أدب الطفل ودعم الداخلين فيه دعماً قوياً يؤسس لثقافة متميزة هي سلاح إنسان الغد وإنسان الزمن الآتي في تعامله مع مختلف المتغيرات... فهل من مجيب؟

صقر الخالدية
16/02/2004, 01:47 PM
بقلم: فريد أحمد حسن





































"إن ثماراً كثيرة وكبيرة وذات قيمة يمكن أن نجنيها مستقبلاً لو أننا أعطينا الآن أدب الطفل شيئاً من حقه بالاهتمام به وتشجيع الداخلين فيه ودعمهم". هذا ما يقوله كل مهتم بأدب الطفل ويقوله كل مقدّر لهذا اللون من الأدب ويقوله كل ذي عقل ينظر إلى البعيد. إن أدب الطفل في البلاد العربية بشكل عام لم يتبلور بعد ولم تظهر له شخصية متميزة. والكثير مما قدم ويقدم للأطفال لا تراعى فيه خصائص الطفولة، وهذا يعني أنه بعيد عن أدب الطفل.

هذا ما يقوله الجميع وهو صحيح دونما شك. كما وأن الجميع -من ذوي العلاقة بالطفل وأدب الطفل- يدركون أن الكثير من السلبيات التي يعاني منها الإنسان العربي اليوم يمكن لأدب الطفل أن يسهم في تخليص إنسان المستقبل منها. إن سلبيات مثل التخلي عن المسؤوليات وإلقائها على الآخرين والاتكالية والتكامل والتعلق بالغيبيات وغيرها, يمكن التخلص منها مستقبلاً بانتهال أطفال اليوم للأدب الهادف الذي يبني شخصياتهم ويبنيهم اجتماعياً ونفسياً وعقلياً. فدور أدب الطفل في هذا المجال لا يستهان به.

ترى لماذا نكره زوجة الأب؟ نحن العرب في مختلف البلاد العربية نكره زوجة الأب ونعتبرها شريرة ولا نأمن جانبها حتى لو كانت طيبة وأثبتت أنها تستحق الاحترام والمودة، أما لماذا فالسبب واضح ومعروف, وهو أن الحكايات والأقاصيص التي استمدت من التراث العربي وسمعناها ونحن صغار كانت تصور لنا دائماً أن زوجة الأب شريرة, وأنها مهما حصلت من مودة وحنان وكرم فإنها تظل قاسية على أبناء زوجها وتسعى لأذيتهم والتنكيل بهم. الآن يمكن لأدب الطفل أن يسهم بفاعلية في تغيير هذه النظرة بإيجاد معايير عملية للحكم على الأفراد وبناء إنسان جديد قادر على التعامل مع متغيرات الحياة في عصر العلم والتكنولوجيا.

إننا بحاجة ماسة إلى التشجيع على الدخول في أدب الطفل ودعم الداخلين فيه بقوة لتأسيس ثقافة متميزة هي سلاح إنسان الغد وإنسان الزمن الذي سيجيء، ثقافة يستخدمها في تعامله مع مختلف المتغيرات. قديماً قال العرب إننا نربي أبناءنا لزمان غير زماننا، وهذا يعني بكل بساطة أن أدب الطفل -الذي هو جزء أساسي في عملية التربية- يعني التعامل مع المستقبل ويخطط له، لكن التعامل مع المستقبل ووضع أسسه ينبغي ألا يعتمد على أفراد قلائل، لذا لا بد من العمل على خلق قاعدة قوية لهذا الشيء أساسها تكثير وتقوية الأقلام التي اقتحمت مجال أدب الطفل.

كم كانت فرحتي كبيرة بطفل لا يتعدى الثانية عشر من عمره التقيته في سوق الملح بصنعاء. سمعني أقول مازحاً لصاحب محل يتاجر في العقيق إنني أريد خاتماً يجلب الرزق، ففوجئتُ بالطفل يتدخل ويقول بلهجة الواثق ما معناه أن دع هذه الخرافات جانباً فالرازق هو الله سبحانه وتعالى, ومن يقول لك غير هذا فإنه يضحك عليك. هذا هو الطفل الذي نبحث عنه ونسعى لخلقه، وأعتقد أن هذه هي مهمة التربويين جميعاً وعلى رأسهم كتّاب أدب الطفل الذين ندعو إلى رعايتهم ودعمهم ليتمكنوا بدورهم من دعم الأطفال ورعايتهم وإعدادهم لبناء المستقبل.

لكن لا بد من ملاحظة أمر مهم في ما يخص أدب الطفل والخوض فيه، فالكثيرون يستسهلون الكتابة للطفل ويعتبرونها أسهل أنواع الكتابات، في الوقت الذي يؤكد فيه المعنيون بالطفل أن الكتابة له أصعب من الكتابة للكبار. في الثمانينات من القرن الماضي تحديداً بدأ بعض مَن تربطهم بالطفل علاقة الكتابة له, فعرضت في تلك الفترة في مختلف دول المنطقة الكثير من المسرحيات، لكن للأسف ليس كل من شارك في تلك المهمة كان ذو علاقة، حيث استغل البعض الموضوع تجارياً وصار كل من يعرف الكتابة بالقلم يكتب للطفل، وصار كل من شعر بأنه يستطيع تحريك ممثل على خشبة المسرح يخرج مسرحيات للأطفال. والنتيجة أن الكثير مما قدم للطفل من مسرحيات على وجه الخصوص جاء بعيداً عن عالم الطفل وفي غير صالحه, بل أثر سلباً على مسرح الطفل وعلى الجمهور الذي كان يفترض أن يلتصق بالمسرح لاحقاً.

إن ما نعانيه حقاً هو جهلنا بالكثير من حاجات الطفل، فنحن لا نعرف إلا القليل عن حاجاته النفسية والاجتماعية وأعتقد أننا نجهل أيضاً أساليب إشباع تلك الحاجات. لست هنا بصدد التعميم فبيننا من درس ويدرس الطفولة ويحاول أن يتعرف على حاجات الطفل المختلفة ويحاول أن يقدم له شيئاً مفيداً وجيداً يشبع حاجاته، ولدينا بالتأكيد تجارب ناجحة في هذا الصدد, ولدينا أسماء يشار إليها بالبنان، سواء في كتابة المسرحية للطفل أو القصة أو الأغنية... الخ. إنما حديثي عن أولئك الذين يستسهلون التعامل مع الطفل فيكتبون له ويخرجون الأعمال أو يلحنون ويغنون وهم على غير دراية بحاجاته وبأساليب إشباع تلك الحاجات. فمثل هؤلاء لا يعرفون أن أدب الطفل أداة فنية من أدوات تنشئة الطفولة، ولا يعرفون أن هذا الأدب يسهم بشكل كبير في بناء شخصية الطفل، بمعنى أن التعامل الخاطئ معه يؤثر على الطفل بالسلب.

إن من الأمور التي ينبغي أن يدركها كل من يحاول التعامل مع أدب الطفل هي أن الطفل قليل الصبر، لذا فإنه لا يحتمل على سبيل المثال عرضاً مسرحياً تزيد مدته عن الساعة (الذي كان يحدث ويحدث الآن أيضاً أن المنتج يفرض على كاتب النص والمخرج أن لا تقل مدة عرض المسرحية عن ساعتين لأمور تتعلق بالشباك وبالتسويق). والطفل يفهم بعض كلماتنا بغير ما نعني بها، لذا ينبغي أن نخاطبه بلغة يفهمها هو لا نفهمها نحن فقط (وفي هذا الصدد حدّث ولا حرج).

الطفولة طاقة كبيرة علينا أن نعمل على الاستفادة منها، وهي لا يمكن أن تنطلق إلا إذا عملنا على تفتحها وعرفنا كيف نتعامل معها. علينا أن نعرف أن للطفل حاجات بيولوجية ونفسية تختلف من عمر لآخر، فلكل مرحلة من مراحل النمو خصائص معينة، وهذه مسألة يراعيها جيداً بعض كتّاب القصة عندما يكتبون للأطفال، وغالباً ما نقرأ على الغلاف أن هذه القصة للأطفال من سن كذا إلى سن كذا، غير أن هذه المسألة لا يتم مراعاتها في المسرح فمثلاً، فالذي يحدث هو أن المؤسسة المنتجة تقدم مسرحية للأطفال (دون تحديد سن الأطفال الذين تناسبهم المسرحية), فيدخل لمشاهدتها الأطفال من سن ثلاث سنوات إلى سن الثامنة عشرة. وفي هذا الصدد يقول المعنيون بأدب الطفل إن ما يبعث الخوف والقلق في نفس طفل في الرابعة مثلاً قد يثير السرور والسعادة في نفس طفل في العاشرة، وأنه لا بد أن يتوافق الغذاء الأدبي المقدم للطفل مع مستوى النمو. أما النتيجة فهي أن الطفل الذي دفع والده قيمة تذكرة دخوله يهرب من العرض وينشغل بأمور أخرى، فالمعروف أن الطفل يهرب من الأعمال التي تعلو مستواه.

ربما يقول البعض أن مراحل النمو متداخلة ويصعب تحديدها، وقد يقول البعض أن بين الأطفال فروقاً فردية، وهذا صحيح، فالتداخل في مراحل النمو موجودة والفروق الفردية موجودة، لكن هذا لا يعني أن نقدم عملاً للأطفال دون تحديد الفئة التي نعتقد أنها مناسبة لمشاهدة العمل. فليس من المعقول أن نقدم لطفل الخامسة مثلاً عملاً بطولياً عن صلاح الدين الأيوبي, لأن هذا العمل لا يناسب هذه السن ولكنه يناسب الطفل الذي يبلغ التاسعة أو العاشرة مثلاً، وهكذا.

جانب آخر في مشكلة أدب الطفل علينا أن نهتم به هنا, وهو ما يدعو إليه الكاتب البحريني إبراهيم بشمي دائماً, حيث يقول: إن علينا نحن الكبار آباء وأمهات وأولياء أمور أن نقرأ ما يكتبه كتّاب أدب الأطفال ونوصله بطريقتنا إلى الأطفال في لحظات قبل النوم. والطريقة نفسها ينبغي أن نلجأ إليها في العروض المسرحية، فالأفضل هو أن يذهب الأب والأم وولي الأمر لمشاهدة المسرحية أولاً ثم يقررون إذا كان هذا العمل مناسباً أم لا. لكن في هذه الطريقة شيء من المثالية وكثير من الصعوبة، فليس كل الآباء والأمهات على درجة من العلم والثقافة تتيح لهم تقييم عمل مسرحي وتقرير ما إذا كان يصلح لأبنائهم أم لا. كما أن الإعلانات التلفزيونية المشوقة تدفع الطفل ليضغط على والديه ويرغمهما على أخذه لمشاهدة المسرحية حالاً. لذا فإن الحل الأفضل يكمن في دعوة المعنيين بالطفولة من أكاديميين وكتّاب ومهتمين إلى مشاهدة العمل المسرحي قبل عرضه بوقت كافٍ ومناقشته مع فريق العمل وإبداء ملاحظاتهم ومن ثم إجراء التعديلات المناسبة قبل عرضه على الأطفال. وهذه عملية ممكنة وقابلة للتطبيق ومن شأنها أن تخلصنا من شبح الأعمال التجارية التي تستغل الأطفال لتسلب جيوب الكبار.

ولا بد من الإشارة أيضاً إلى جانب من مشكلات أدب الطفل في الوطن العربي، فأولها وأهمها في اعتقادي غياب البحوث العربية في أدب الطفل، ثم نظرتنا إلى الطفل على أنه رجل صغير فنتعامل معه بلغتنا وبتفكيرنا، ثم قيام من ليس له علاقة بالطفل بالكتابة له من دون أن يدرك خصائص نموه وميوله ودوافعه وقدراته، وبالطبع مشكلة السعي إلى الربح المادي، فليس مهماً عند البعض ماذا يقرأ الطفل أو ماذا يشاهد, وإنما المهم هو أن يشتري ويشاهد.

ولعل من المناسب أن أطرح تساؤلاً مهماً وهو: مَنْ مِن كّتابنا يشاهد ما يقدم للأطفال من قصص عبر برامج الأطفال والرسوم المتحركة؟ وأستشهد للإجابة عنه بما ورد في محاضرة للدكتور عبد العزيز السبيل (الأستاذ بجامعة الملك سعود) ألقاها ضمن فعاليات معرض البحرين الدولي التاسع للكتاب, حيث ذكر أن دراسة أجريت شملت كبار كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي سُئلوا خلالها عما إذا كانوا يعتمدون على الخبرة الكتابية والقرائية لفن القصة من خلال من سبقهم من الكتّاب, أو يعتمدون على حصيلتهم النظرية في هذا الفن وتقنياته ومناهجه. فأجابوا جميعهم وبينهم أسماء كبيرة مثل نجيب محفوظ ويحي حقي ويوسف إدريس بأنهم لم يقرؤوا شيئاً عن أصول فن القصة أو طرق كتابتها. وأعتقد أن الأمر نفسه يصدق على كتّاب أدب الطفل.

وفي دراسة لعبد التواب يوسف بعنوان "حول أدب الأطفال في الخليج العربي" يذكر في مقدمتها أن العناية بأدب الطفل سمة حضارية لأنها تعني التعامل مع "علم المستقبل" والتخطيط له. ووفق ما قاله العرب: إننا نربيهم لزمان غير زماننا. وكذلك كان اهتمام منطقة الخليج العربي بهذا الأدب من منطلق الأصالة والمعاصرة والمستقبلية. لكن عبد التواب الذي يشيد بالتفاتة الإنسان الخليجي إلى المستقبل ممثلاً في الأطفال وكتبهم وأدبهم يبدي ملاحظة مهمة هي أن الأقلام التي اقتحمت مجال أدب الأطفال قليلة والكتب الصادرة لهم عددها متواضع، وهو يعتقد أنه بسبب حداثة هذا اللون من الأدب وقلة التقدير الأدبي والمادي للعاملين فيه انصرف عنه كثيرون كان من الممكن أن يحققوا فيه نجاحاً كبيراً.

ملاحظة عبد التواب يوسف (وهو باحث ودارس في أدب الأطفال يمتاز بخبرته الطويلة في هذا المجال) ملاحظة مهمة للغاية، فبيننا في منطقة الخليج الكثير من ذوي الموهبة والقدرة على توظيف أقلامهم وخبراتهم الحياتية في خدمة الطفل الخليجي والعربي, ولكن ينقصهم التشجيع والاهتمام سواء من الحكومات أو المؤسسات الثقافية والاجتماعية ذات العلاقة. ولعل العدد القليل الذي يكتب في مجال أدب الطفل اليوم يشجع وزارات الإعلام في دول الخليج على تبنيهم ودعمهم وتوفير دورات خاصة لتدريبهم والرقي بقدراتهم، بل أنه يكفيهم حتى طباعة مؤلفاتهم وتسهيل إنتاجها.

تشجيع بسيط حصل عليه الكاتب البحريني إبراهيم سند في فترة سابقة أعطاه الدافع لينتج ما يسهم في رفع اسم مملكة البحرين في المحافل الثقافية العربية حيث نال العديد من الجوائز المهمة في مجال الكتابة للطفل، والأمر نفسه يمكن أن يتحقق مع كتاب آخرين لو أنهم حصلوا على تشجيع ودعم من المسؤولين في مجال الإعلام والثقافة. وبالمقابل بالطبع ابتعد آخرون عن الكتابة للطفل بعد ما اكتشفوا أنهم يجدفون لوحدهم في بحر مليء بالصعاب.

إن المهتمين بأدب الطفل في كل العالم يؤكدون على سبيل المثال أهمية القصص الخيالية في تعلم الطفل وإعداده للحياة. فعندما تلبى هذه الرغبة الملحة لدى الطفل فإنها تفتح أمامه العديد من الطرق للإفادة من مظاهر الحياة, حيث تصبح الكثير من شؤون الحياة وأحدثها معروفة لديه ومنها يتعلم الكثير من عادات المجتمع وسلوك الإنسان. وبمثال أكثر وضوحاً فإن بإمكان كتّاب أدب الأطفال تعليم الأطفال الاتزان في إصدار أحكامهم على الناس وعلى ما يشاهدون من أعمال، وسواء تم ذلك من خلال القصة أو المسرحية أو الأغنية... الخ, وهذا يؤكد أن أدب الأطفال يسهم بقوة في إعداد الطفل للمستقبل.

لكن ليس الدور كله في تشجيع كتّاب أدب الطفل يقع على الحكومات، فهناك أيضاً القطاع الخاص الذي يجب أن يقوم بدوره في دعم الثقافة بشكل عام ودعم أدب الطفل وإعداده للمستقبل بشكل خاص، وهناك المؤسسات الاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية التي عليها أيضاً أن تقوم بدعم وتشجيع كتّاب أدب الأطفال. وبالطبع لا يمكن أن ننسى الدور المهم الذي يمكن أن يقوم به أولياء الأمور، حيث عليهم أن يشجعوا أبناءهم على شراء ما ينتجه كتّاب القصة في الخليج، ذلك أن شراء نتاج الكاتب المحلي هو نوع من الدعم والتشجيع له، علاوة على أن ما يكتبه هؤلاء الكتّاب لا يكون في كل الأحوال غريباً عن الطفل الخليجي.

ومن المعنيين بتشجيع ودعم كتّاب أدب الأطفال أيضاً دور النشر التي يجب أن لا يعميها الربح المادي فلا تبالي بما يكتب للطفل أو تغالي في أسعارها فلا يستطيع كتّاب أدب الأطفال توصيل نتاجاتهم إلى الأطفال. والأمر نفسه ينطبق على أصحاب المكتبات والجهات المنظمة لمعارض الكتب, حيث عليهم تقليل هامش الربح فيما يتعلق بكتب الأطفال.

أيضاً تقع مسؤوليات كبيرة في هذا الخصوص على المؤسسات ذات العلاقة بالطفولة، فعلى سبيل المثال لا بد أن يكون للجمعيات المعنية بتنمية الطفولة في الخليج دور في دعم وتشجيع كتّاب أدب الأطفال، وكذلك المجلس العربي للطفولة والتنمية ومقره القاهرة، وغيرها من المؤسسات المهتمة بالطفولة.

إن ثماراً كثيرة وكبيرة وذات قيمة يمكن أن نجنيها مستقبلاً لو أننا أعطينا الآن هذا اللون من الأدب شيئاً من حقه بالاهتمام به وتشجيع الداخلين فيه ودعمهم. العديد من الباحثين في أدب الأطفال يؤكدون أن هذا اللون في البلاد العربية لم يتبلور بعد ولم تظهر له شخصية متميزة، بل أن الكثير مما قدم ويقدم للأطفال لا تراعى فيه خصائص الطفولة, وبالتالي فهو بعيد عن أدب الأطفال. لذا فإن على جميع الجهات المذكورة في هذا المقال دور كبير في تكوين أدب للأطفال سليم يعد للمستقبل.

الكثير من الأمور السلبية في إنساننا العربي والخليجي اليوم يمكن لأدب الأطفال أن يخلص إنسان المستقبل منها، فسلبيات مثل التخلي عن المسؤوليات وإلقائها على الآخرين والاتكالية والتكامل والتعلق بالغيبيات وغيرها يمكن التخلص منها مستقبلاً بانتهال أطفال اليوم للأدب الهادف الذي يبني شخصياتهم وينميهم اجتماعياً ونفسياً وعقلياً، فالدور الذي يلعبه أدب الأطفال لا يستهان به. ومثلما أسهمت الحكايات والأقاصيص التي استمدت من التراث العربي في بغض إنسان اليوم لزوجة الأب مهما اتسمت بالطيبة, فإن بإمكان أدب الأطفال تغيير هذه النظرة وإيجاد معايير عملية في الحكم على الأفراد بكل فئاتهم وبناء إنسان جديد قادر على التعامل مع متغيرات الحياة في عصر العلم والتكنولوجيا.

إنها دعوة ملحة ومباشرة للتشجيع للدخول في أدب الطفل ودعم الداخلين فيه دعماً قوياً يؤسس لثقافة متميزة هي سلاح إنسان الغد وإنسان الزمن الآتي في تعامله مع مختلف المتغيرات... فهل من مجيب؟

صقر الخالدية
17/02/2004, 11:45 AM
التصوير النبوي للتكافل
د. محمد عمارة

في المأثور الاسلامي: «من لم يهتم بأمر الناس فليس منهم»، اي ان الفردية والأثرة وقطع الروابط الاجتماعية مع الناس تخرج صاحبها من زمرة الانسانية! فالتكافل الاجتماعي هو «اللحمة» التي تصل الفرد بجنس الانسان ومعنى الانسانية.
وفي التعبير عن هذا المعنى الانساني والاجتماعي، جاء التصوير النبوي لهذا التكافل الذي يجعل الامة جسدا واحدا حيا رغم تفاوت اعضاء هذا الجسد في الحجم والتأثير والامكانات والاحتياجات.. فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد، اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ـ رواه البخاري ومسلم.
فإذا غاب هذا التكافل، تحللت الروابط الاجتماعية في المجتمع، وتحللت الاعصاب الجامعة للأمة.. ولقد بالغ الاسلام في التحذير من ذلك الى الحد الذي جعله سببا في براءة ذمة الله سبحانه وتعالى، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم، من الجماعة البشرية التي تسقط في مستنقع هذا الخلل الفاحش في علاقات الاجتماع.. وفي ذلك وعنه، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما أهل عرصة (اي مجتمع، صغيرا كان أو كبيرا)، اصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منه ذمة الله تعالى» ـ رواه الامام احمد.
فمجتمع التكافل الاجتماعي هو مجتمع الجسد الحي. واسهام كل عضو من الاعضاء في حياة الجسد وحيويته ليس متماثلا ولا متساويا.. وحظ كل عضو ونصيبه من رصيد حياة الجسد وحيويته ليس فالتوازن والارتفاق، الذي يصبح فيه كل عضو فاعلا ومنفعلا ومتفاعلا مع الآخرين، وكأنه المرفق الذي يرتفق به وعليه الآخرون كما يرتفق هو بهم وعليهم، مع التفاوت في الحظوظ والمقادير والدرجات في عملية الارتفاق والتوازن هذه.. ان هذه الصورة هي الممكنة والحقيقية والعادلة في مبدأ المساواة بالميادين التي تتفاوت في طاقات الناس، وتتفاوت فيها ايضا احتياجاتهم لما يحصلون في هذه الميادين.
اما اذا غاب التكافل الاجتماعي، وحل محله «الخلل» في الاجتماع الانساني، فإن الثراء سيتركز في جانب، بينما يتركز الفقر في الجانب الآخر، ولذلك كان مجتمع التكافل هو النقيض لمجتمع «دولة الاغنياء» الذي تحدث عنه القرآن الكريم فقال: «ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الاغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب» ـ الحشر: 7، ذلك ان النشوز الاجتماعي والاستفراد بسلطة المال ـ وبكل سلطة ـ هو المقدمة المفضية الى الطغيان الاجتماعي.. والسياسي.. والاداري.. والاقتصادي. وصدق الله العظيم: «كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى» العلق: 6 و7.
فالتكافل الاجتماعي هو الطريق الى حياة واحياء الانسانية في المجتمع.. والفردية والأثرة هي سبيل الطغيان.


جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
18/02/2004, 10:42 PM
الاصلاحات السعودية ...رهينة اتجاهات متباينة وجيوب مقاومة يقودها الحرس القديم
2004/02/04

نواف التميمي



لايحتاج القارئ لتاريخ المنطقة العربية الي جهد استثنائي للتاكد من حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي التي ظلت الدولة السعودية الحديثة تتمتع بها منذ تاسيسها في منتصف القرن العشرين.كما ان الباحث لايحتاج ايضا لاي جهد استثنائي للتوصل الي حقيقة ان هذا الاستقرار انما كان يختزل في احشائه الكثير من التناقضات والاعتراضات ازاء السلطة ، ودور النخبة المثقفة والمتعلمة في المشاركة في الحياة العامة والمشاركة السياسية ،ودور المؤسسات الدينية في ادارة شؤون الدولة،وجمود مؤسسات الدولة ونظام الحكم في مجارات التطورات الدولية والاقليمية.
غير أن حرب الخليج الثانية وأنهيارالاتحاد السوفيتي وظهور نظام عالمي جديد يستند الي قطب واحد مركزه في واشنطن ثم احداث الحادي عشر من سبتمبر الفين وواحد وتشكل جبهة "الحرب علي الارهاب" بقيادة الولايات المتحدة خلقت مناخا مناسبا لتيارات واتجاهات سعودية متعددة الالوان والانتماءات والمارب لتحريك المياه الراكدة و لتكثيف ضغوطها علي النظام السعودي للاستجابة لمطالبها في الاصلاح والتغيير ، مستغلة حالة الاستياء العام والضغوط التي يتعرض لها النظام داخليا وخارجيا.
واذا كانت تداعيات حرب الخليج الثانية قد اسست لبروز مقولات حقوق الإنسان واصلاح وتطوير أنظمة الحكم في الخليج. فان تداعيات ما بعد أحداث 11 سبتمبر،و سعي التيار اليميني الأمريكي لزج السعودية ضمن محور الشر عبر سلسلة من الحملات الإعلامية تتضمن إلصاق تهمة الارهاب الدولي بالسعودية عزز هذه الدعوات واتجه بها نحو التأطير او علي الاقل اتخاذ اشكال تقارب التيارات او الاتجاهات السياسية.
ومن باب التعامل مع هذه المعطيات والافرازات الجديدة،استجاب النظام السعودي لبعض المطالب بادخال سلسلة من التغيرات والاصلاحات من قبيل استحداث مجلس للشوري ،ومجلس وطني للحوار،واجراء انتخابات بلدية ، وتأسيس بعض الادارات للمشاركة في ادارة شؤون الدولة. لكن هذه الاجراءات لم تسهم في تحقيق الكثير للنظام السعودي الساعي للحفاظ علي ضمان استقراره وتمتعه بالتاييد والدعم الذي ظل يتمتع به لعقود طويلة.ولم تكن تلك "التنازلات" او"الاصلاحات" "الدفاعية" او "الحمائية" مرضية لا للمعارضة السعودية ولا لدعاة التغيير والاصلاح من الليبراليين او العلمانيين.وبينما اعتبرها البعض مناورة من النظام،رأي فيها البعض الاخر دون المطلوب علي اهميتها.
وبينما كانت الضغوط الخارجية والداخلية تشتد علي مؤسسة الحكم في السعودية بات المشهد السياسي السعودي يتشكل علي نحو غير مسبوق.وظهرت خلف دعوات الاصلاح والتغيير والتكيف مع المتغيرات الاقليمية والعالمية اتجاهات او توجهات داخل الاسرة الحاكمة نفسها وداخل المجتمع السعودي بامتدادته،وشكلت شعارات التغيير والاصلاح القاسم المشترك الاعظم بين كل هذه الاتجاهات رغم ان اهداف ووسائل ورؤي كل اتجاه جاءت متباينة وتختلف عن الاخرين.
وان كان من الجائز الحديث عن تيارات وحركات اصلاحية او معارضة باتت تشغل حيزا هاما علي الخارطة السياسية السعودية،فانه لايمكن الحديث عن أكثر من وجهات نظر او توجهات متباينة داخل بيت "ال سعود"،احيانا تتلاشي المسافات فيما بينها واحيانا تبدو وكأن اصحابها ينتمون الي كواكب عدة.
وداخل الاسرة الحاكمة في السعودية يمكن تلمس ثلاثة توجهات او"اتجاهات" رئيسية تسعي الي صياغة او"فرض"صفحة جديدة في تاريخ الدولة السعودية الحديثة.الاتجاه الأول وهو ما يوصف ب "المحافظ" او "الحرس القديم" ويسعي الي تطوير قدرات العائلة المالكة علي استيعاب التمدد في حجمها،واستيعاب الطبقة السياسية والمثقفة في ادارة شؤون الدولة وتوزيع الثروة بين الدولة والافراد واعضاء الاسرة الحاكمة مما ينزع فتيل الاحتقان داخل المجتمع ويجرد المعارضة السياسة من شعارات ترفع من وتيرة السخط والنقمة علي ابناء الاسرة الحاكمة.
وبالتالي فان أصحاب هذا الاتجاه يميلون الي احداث تغييرات شكلية لاتمس الجوهر الذي بينت علي اساسه العلاقات سواء داخل الاسرة الحاكمة اوداخل مؤسسات الدولة او في علاقة كل منهما مع الاخري. ويجد اصحاب هؤلاء الاتجاه في القوي الدينية المحافظة والقوي العشائرية التقليدية سندا او علي الاقل قاعدة تتلقي وتتقبل طروحاتهم المحافظة والمتمسكة بالقيم والمبادئ المتوارثة.
اما الاتجاه الثاني فيسعي بكل جدية لاخراج الدولة من عزلتها وتخلفها الحضاري باتجاه مواكبة المدنية الحديثة والانفتاح علي العالم،ومشاركة قوي المجتمع المدني في ادارة شؤون الحكم والثروة،والتمتع بحق المشاركة السياسية.واهم ما يميز هذا التيار تمسكه ب"سعودة" الاصلاح والتغيير اي رفض اللجوء لادوات خارجية او الاستجابة لاملاءات اجنبية وخاصة من قبل الولايات المتحدة كما أن اصحاب هذا التوجه يتمسكون بضرورة "طبخ الاصلاحات" علي نار هادئة دون احداث هزات او صدمات سياسية او اجتماعية يصعب السيطرة علي تفاعلاتها.ويجد اصحاب هذا الاتجاه في القاعدة العريضة من الاكاديميين والمثقفيين ورجال الاعلام والاعمال سندا لهم خاصة وان اطروحاتهم تلتقي وتطلعات "الليبراليين المحافظين" والعلمانيين.كما ان تطلعاتهم تجد صدي واسع الانتشار في صفوف الشباب الذي يشكل السواد الاعظم من المجتمع السعودي.
الاتجاه الثالث وهو الذي يلتقي مع الاول في كونه يسعي الي تطوير قدرات العائلة المالكة،و ويلتقي مع التجاه الثاني في تبني ضرورة استيعاب الطبقة السياسية والمثقفة في ادارة شؤون الدولة وتوزيع الثروة بين الدولة والافراد واعضاء الاسرة الحاكمة. ولكن هذا الاتجاه لا يري حرجا من النزول عند الاملاءات والبرامج او الخطط المستوردة.اي بتعبير اكثر وضوحا هو الاتجاه الذي يعكس الرؤية الامريكية في "دمقرطة" الحياة السياسية السعودية ولا يري بديلا عن احداث هذه "الدمقرطة" بالسرعة والشكل المحددين في الخطاب الامريكي.ويبدو أن هذا الاتجاه يجد في المجتمع السعودي من الرافضين أكثر من المؤيدين. وبينما يقتصر انصار هذا الاتجاه علي "الليبراليين جدا" او المعجبين بالنموذج الامريكي،فان معارضي هذا الاتجاه ينتشرون علي امتداد الخارطة السياسية افقيا وعموديا،داخل الاسرة الحاكمة وخارجها، من العشائر الي القوي الدينية وانتهاء بالليبراليين المحافظين واليساريين التقليديين.
أما خارج دائرة الاسرة الحاكمة، فقد بدأت موجة المعارضة والمطالبة بالتغيير والاصلاح تتبلور منذ التحضيرات التي سبقت حرب الخليج الاولي ومجيء القوات الامريكية الي السعودية باعداد كبيرة حيث بدات الانتقادات في خطب الجمعة ودروس الوعظ وكتابات بعض المثقفين،ورغم انها بدت في وقتها كمبادرات او رؤي فردية،فانها بلا شك تراكمت وشكلت مقدمات تؤسس لولادة تيار معارض وقوي تدعو الي الاصلاح والي ادخال تغييرات بنيوية علي النظام الحاكم والانفتاح الحضاري والمشاركة السياسية.وكان من ابرز حركات هذا التيار تلك المسماة "حركة الاصلاح" التي تتخذ من لندن مقرا لها.
وان كانت قوي اخري معارضة اختارت مسارا مغايرا في مواجهتها مع السلطات السعودية عبر ضرب المصالح الاجنبية في المملكة للضغط علي الحكومة لابعاد هذه الدول من الاراضي السعودية لانها تقوم بدور الاستعمار والهيمنة في المملكة.فان الاغلبية من التيارات والقوي والشخصيات السياسية رفضت النهج العنفي وأشارت إلي ضرورة إيجاد سبل أخري لمعالجة الأوضاع غير المستقرة، وأهمها المضي فورا ودون إبطاء في وضع مشروع الإصلاح الشامل في المملكة وعلي كل الأصعدة موضع التطبيق.
وتمثل هذا التوجه بصورة جلية في الدعوات المتتالية للالتفاف حول مضمون "عريضة الـ104" الإصلاحية، والتي سبق أن قدمها قبل عدة أشهر مجموعة من المثقفين السعوديين -من كافة الاتجاهات- للأمير عبد الله بن عبد العزيز ولي العهد السعودي، موضحين أنهم ينتظرون تطبيقا عمليا وخطوات جادة وحازمة علي طريق الانفتاح السياسي وتوسيع المشاركة السياسية لفعاليات المجتمع المدني.
ورغم اختلاف هذا الفريق مع ذاك،اواعجابنا بهذا التوجه او ذاك،فمما لاشك هو هذه الحيوية غير المسبوقة في الحياة السياسية السعودية،والتي تشير الي جدية "التحول الحتمي" المنتظر بعد المخاض السياسي الجاري في رحم المجتمع المدني السعودي.
ولكن السؤال المطروح والذي يشغل المراقبين يتعلق بولادة "التحول الحتمي" وهل انه سيري النور عبر عملية طبيعية ميسرة أم انه سيحتاج لعملية قيصيرية؟.الواضح لغاية اللحظة الراهنة يشير الي وجود الكثير من "جيوب مقاومة" تحول دون تطوير النظام السياسي للحكم باتجاه الاصلاح الدستوري الذي يؤدي إلي إقامة دولة المؤسسات، و الفصل بين السلطات، وإقامة سلطة تشريعية منتخبة مباشرة من الشعب تكون لها سلطة رقابية علي السلطات الأخري. وبعيدا عن الخوض في العوائق والعراقيل المتعلقة بالبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المملكة وما يرتبط بذلك من افرازات الطفرة النفطية في السبعينات وماتلاها من تأسيس لمجتمع ريعي نفطي.فان العوامل التالية تبقي هي العصي الاغلظ التي تحول دون دوران عجلة التغيير:
- غياب اي وجود مؤسساتي لفعاليات المجتمع المدني الضاغطة من قبيل الاحزاب السياسية أو النقابات أو الاتحادات أو حتي الجمعيات المهنية والأهلية والنسائية والتي بجانب دورها في تأطير وتنظيم قوي المجتمع الفاعلة تشكل الرافعة الحقيقية لتقدم الحياة السياسية وحمايتها من المتهورين او المتطرفين او العابثين.
- الحضور القوي للمؤسسة الدينية المتزمتة والتي تظل أقوي المؤسسات التي تعيق تنفيذ الاصلاحات لتناقض مصالحها ومفاهيمها الجامدة مع المطالب السياسية والحقوقية، ورفضها حتي للمفاهيم التي تقبل بها التيارات الإسلامية المتنورة ،كمفهوم الحريات العامة وحقوق الإنسان والديمقراطية والمشاركة الشعبية والتعددية.
- النفوذ القوي ل"الحرس القديم" او القوي التقليدية المحافظة في مقابل الاصوات "الليبرالية" أو المقتنعة بضرورة تغيير الواقع السعودي بما يخدم تخفيف الاحتقانات الداخلية الناتجة عن الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو جمود الحراك المجتمعي وبما يخفف أيضاً من التدخلات السافرة للمؤسسة الدينية في الحياة الخاصة والعامة للأفراد.
- ويعد غياب هيئة مخولة تضم جميع التيـارات السياسيـة و الدينيـة و الاقتصادية وأطياف المجتمع المدني. تتمتع بصلاحيات واسعة قصد القيام بتنفيذ استراتيجية التغيير و الإصلاح،من العوامل الاهم خاصة وأن هذا الغياب يفتح الباب أما اصوات كثيرة تتشدق بالاصلاح ولا تسعي اليه،ويفتح الباب لخلط كلام الحق بالباطل واضاعة الجهود الحقيقية التي تعمل بصمت خلف الابواق التي ينطبق عليها مقولة"اسمع جرشا ولا اري طحينا".
- أما من العوامل الخارجية فهناك التدخل الامريكي في شؤون السعودية ومحاولة املاء مطالب وشروط لا تراعي الخصوصية السعودية.وهذا التدخل الامريكي يجد معارضة اولا من المؤسسة الدينية وثانيا من القوي الوطنية وحتي من الاتجاهات الليبرالية المحافظة وبالتالي هو يخدم معارضي الاصلاح الحقيقي بدلا من كونه عاملا مساعدا لاتجاه الاصلاح.
هذه المحاولة لتوصيف المشهد السياسي السعودي لا تدعي النضوج او امتلاك الحقيقة الكاملة وانما هي نظرة من خارج الدائرة وتوصيف لا يمكن ان تكتمل عناصره قبل نضوج المشهد السياسي في العربية السعودية وتبلور اطار تنتظم في داخلة الحياة السياسية السعودية وبالتالي تصير قابلة للقراءة بشكل اكثر دقة.
صحافي من فلسطين يقيم في لندن

جريدة القدس العربى

صقر الخالدية
19/02/2004, 04:13 PM
ظاهرة عمالة الأطفال
أنور بن محمد الرواس*


ما شدني للكتابة في هذا الموضوع هو ذلك الرقم الذي نشرته مجلة الطفولة والتنمية وهي مجلة علمية تعنى بالطفولة وتهتم تحديدا بعمالة الأطفال، حيث تشير المجلة من خلال دراسة أعدها باحثان عن المحددات الاجتماعية والاقتصادية لعمالة الأطفال إلى تقدير حجم الطفولة العاملة في دول مجلس التعاون الخليجي بحوالي 104 آلاف طفل، تتركز في الثقل السكاني في منطقة الخليج العربي، وهي المملكة العربية السعودية الذي قدر حجم عمالة الأطفال فيها بـ83 ألف وسلطنة عمان بـ11 ألف طفل، في حين يتوزع الباقي على الأقطار الخليجية الأخرى. والرقم الذي يعنينا في هذه العجالة السريعة عن عمالة الأطفال في السلطنة صادر عن تقرير لليونسيف عن عمالة الأطفال في يونيو عام 1997، أي هو تقرير دولي نشر بناء على تقديرات لمكتب اليونسيف في مسقط، ونحن هنا لا نطعن في هذا الرقم ولكن نتساءل عن منهجية التقرير، والجهات التي اشتركت في صياغته في ظل عدم توفر بيانات دقيقة في الوطن العربي بشكل عام، ولعدم توفر إحصاءات حول هذا الموضوع في الكثير من الأقطار العربية، إذ يتم إدماج الكثير من الأطفال في مؤسسة العمل التابعة للأسرة، وخصوصا في قطاعي الفلاحة والرعي، الأمر الذي قد لا يعتبر ضمن مدخلات عنصر العمل؟.
ونحن على يقين ان الأرقام التي تنشر بين الحين والآخر، لم تأت من فراغ، فهناك عوامل عدة ساهمت في انتشار ظاهرة عمالة الأطفال في البلدان النامية، فالبيئة الاجتماعية والاقتصادية وعناصرها التي تمثل المحيط الاجتماعي الذي يسمح بوجود هذه الظاهرة، كالنمو السكاني والتركيب العمري للسكان والنشاط الاقتصادي والعوامل التكنولوجية والاستقطاب الاجتماعي للثروة، إضافة إلى ما تحققه عمالة الأطفال لأصحاب العمل من مزايا تتمثل في انخفاض الأجور وعدم المسؤولية والالتزامات الحكومية، وربما كانت أسباب انتشار هذه الظاهرة هي الفقر ورغبة الأسرة في زيادة الدخل لمقابلة احتياجاتها، علاوة على التسرب الدراسي الذي يمثل المنبع الرئيسي لعمالة الأطفال في أغلب دول العالم النامي. ووفقا لتقارير اليونسيف عام 1996-1997 فإن عدد الأطفال العاملين يقترب من 200 مليون طفل في العالم، تتراوح أعمارهم بين 6-8 سنوات، وتشير الأرقام المتوفرة عن حجم الطفولة العاملة في المنطقة العربية الى حوالي 9 ملايين طفل عربي.
إننا أمام واقع جديد تمليه علينا موضوعيتنا في التعاطي مع الدراسات العلمية، فقد فتح الباب على مصراعيه للمنظمات التابعة للأمم المتحدة بأن تقوم بدراسة المجتمع العماني في كافة المجالات، وأتساءل كما يتساءل الكثيرون منكم، أما آن الأوان ان تكون لدينا مراكز دراسات وأبحاث مستقلة وحريصة على دراسة واقع المجتمع العماني، بدلا من ان نستسقي المعلومة من الغير. وفي هذا الصدد أريد ان أطرق بابا يخص جامعة السلطان قابوس بالتحديد، أين دور مركز الدراسات العمانية حيال ما يجري على الساحة العمانية؟ وما فائدة وجود مركز يحمل اسما للدراسات العمانية باستطاعته ان يكون منبراً علميا ورائدا في إثراء الساحة المعرفية في السلطنة وخارجها بدراسات متعمقة في كافة الجوانب الحياتية في بلادنا. ان مركز الدراسات العمانية بحاجة إلى مراجعة شاملة لأهدافه وخططه المستقبلية، كما أنه بحاجة إلى تقييم علمي وموضوعي، فما نراه حاليا ونحن لسنا بعيدين عن الجامعة ان المركز لا يتعدى كونه ارشيفا خاصا بالوثائق، مع العلم ان هناك مبالغ مخصصة للبحوث العلمية كان من الأفضل للقائمين على اللجنة التي تشرف على البحوث العلمية ان توازن تقييمها لكافة الدراسات المعروضة عليها للمصادقة، فإلى جانب النواحي العلمية التي لها علاقة مباشرة بالكليات العملية هناك حقل لا يقل شأنا عن الشأن العلمي، ويستطيع المختصون في العلوم الاجتماعية إجراء الدراسات الميدانية وتشخيص الواقع والتوصية بالحلول. فالدراسات الإنسانية والاجتماعية تعتبر بمثابة العمود الفقري لحركة وديمومة المجتمع المحلي. لقد حان الوقت إلى مواجهة بعضنا البعض كأكاديميين بأسلوب حضاري ينم عن وعي وإدراك للمتغيرات التي طرأت على المجتمع، وبالتالي فإن التحديات القادمة تكمن في دراسة الحراك المجتمعي على أساس من تفاعل المجتمع العماني مع تلك المتغيرات ومحاولة كشف مكامن الضعف وإيجاد الحلول لها، إضافة إلى دراسة أماكن القوة في المجتمع ومحاولة دعمها بما يخدم آلية العمل السياسي المستقبلي في البلاد.
إننا أمام مرحلة جديدة وهامة خاصة وان أفراد المجتمع باستطاعتهم الحصول على المعلومة بكل سهولة ويسر من خلال ما توفره الشبكة الدولية للمعلومات (الإنترنت) والفضائيات العربية والأجنبية، ولكن، ما هو متوفر أخطر بكثير مما يتصوره البعض منكم، فالمعلومة المتوفرة والواردة من مختلف المواقع تشكل فكرا وأيديولوجية مختلفة لم تكن يوما ضمن أجندة المواطن العماني، نظرا للواقع العماني الذي يعتمد كثيرا على التمسك بهويته كأساس في ممارسته حياته اليومية وليست كهوية معرفية يدافع عنها ويتمسك بها، وبتقاليده التي يرى فيها جيل الشباب أنها تعوق حركته نظرا لجمودها وعدم قدرتها على التجديد لمواكبة واقع العصر الجديد. هذا هو الخطر المحدق الذي يتنظرنا في المرحلة القادمة، وما أشرنا إليه لا يتعدى كونه النذر اليسير من التدافع القوي للشباب نحو وضع قبعة عصرية تبعدهم عن ثقافتهم وحضارتهم، وهاتان وللأسف الشديد تم تعليقهما في أرفف التاريخ الموثق. ما العمل إذا؟ سؤال أطرحه بصوت عال لكافة المؤسسات الرسمية والأكاديمية لعلنا نجد مخرجا يقينا عثرات المستقبل قبل فوات الأوان.
فدراسة أوضاع الطفولة في بلادنا أصبحت من الضروريات الملحة، فلا يمكن لنا ان نتجاهل الأرقام والإحصائيات التي تنشر عن واقع الطفولة في السلطنة بشكل عام، فالمسألة أعمق بكثير مما يتصوره البعض على أنه رقم وحسب ونسبته ضئيلة مقارنة بعدد السكان، وأتساءل هل ننتظر حتى تتفاقم المشكلة وتتبلور لتصبح ظاهرة مجتمعية، ومن ثم تمنح لها الموافقات لدراستها، أم نتصدى لهذه المشكلة ان لم تكن قد أصبحت ظاهرة، وإعطاء جهات الاختصاص بالاشتراك مع الباحثين الأكاديميين لتقييم حجمها، وبالتالي نكون قد تخطينا مشكلة مع أنفسنا ألا وهي التصدي للظواهر الاجتماعية في حينها بدلا من ان تتفاقم، من أجل ان تنعم عمان بمستقبل طموح لخير أبنائها؟

اما آن الاوان ان تكون لدينا مراكز دراسات وابحاث مستقلة وحريصة على دراسة واقع المجتمع العماني ومركز الدراسات العماني بجامعة السلطان قابوس بحاجة الى مراجعة شاملة لاهدافه وخططه المستقبلية لانه باستطاعته ان يكون منبرا ورائدا في اثراء الساحة المعرفية في السلطنة بدراسات متعمقة.


المصدر جريدة همان

صقر الخالدية
20/02/2004, 09:52 AM
أحلام مستغانمي وكسر تابو الرجل
2004/02/19


د. نبيه القاسم

أعادتني المبدعة أحلام مستغانمي في لقائها في برنامج تلفزيوني استضافها اخيرا إلي ذلك اللقاء الصدفة الذي كان لي مع المؤرخ الفلسطيني ابن مدينة نابلس المرحوم إحسان النمر. فبينما كنت أقلب الكتب في إحدي مكتبات مدينة نابلس بعد احتلالها في حزيران (يونيو) 1967 وأسأل صاحب المكتبة عن ديوان لفدوي طوقان، اقترب مني عجوز نحيف البنية، وقور، طالبا التعرّف بي، وبعد التعارف السريع دعاني لزيارته. وفي طريقنا الي بيته وفي البيت اهتم أن يقنعني بأنّ فدوي طوقان لا تُبدع الشعر وإنّما تسرق قصائد أخيها المرحوم ابراهيم طوقان وتدّعيها. أنصتُ إليه ولم أناقشه لادراكي زيف قوله وجهله للشعر، واحتراما لسنوات عمره ولكونه صاحب كتاب تاريخ جبل النار .
وفي بداية عام 1989 وخلال أمسية شعرية في معرض القاهرة الدولي للكتاب كنت اجلس الي جانب الكاتب رجاء النقاش وبعض كتاب مصر من شعراء ونقاد وأدباء نستمع الي الشاعرة سعاد الصباح وهي تنشد علي المسرح أمامنا قصيدة تُهاجم بكلماتها عقلية الرجل الشرقي الذي لا يري في المرأة غير كونها لعبته الجنسية رافضا صداقتها أو التعامل معها بنديّة. وكانت سعاد الصباح وهي تقذف كلماتها المتّهمة تنظر الي جالسي الصف الأول من الكتاب والشعراء، فقلت لرجاء النقاش مازحا: إنها تخاطبك أنت ومن تتهمونها بمصداقية شعرها. وابتسم رجاء ولم يُعلّق. وفي تلك السنوات كانت سعاد الصباح تتعرّض لحملة تشهير واتّهام بأن الشاعر نزار قبّاني هو الذي يكتب لها القصائد، والبعض يقسم بأنّه رأي مسوّدات القصائد بخط يد نزار.
وتتعرض المبدعة أحلام مستغانمي في السنوات الأخيرة لهجمة محمومة تبغي التشكيك بمقدرتها الابداعية، فمنذ صدور روايتها ذاكرة الجسد عام 1993 وعلامات الاستفهام تلاحقها، مُشككة في كتابتها للرواية، فأحيانا يتّهمونها بسرقتها من الكاتب المرحوم مالك حداد الذي أهدته إيّاها في تقديمها. والبعض ينسب الرواية للشاعر العراقي سعدي يوسف، الذي كما يبدو فرح بهذه الضجة التي جعلت منه نجما فآثر الصمت واكتفي بالتلميح لخلق الهالة حوله. وهناك كرجاء النقاش من اجتهد لعقد مقارنة بين رواية ذاكرة الجسد ورواية وليمة لأعشاب البحر للكاتب حيدر حيدر، والهدف هو انكار إبداع أحلام مستغانمي للرواية.
النجاح اعتداء علي الآخرين، لأنّه يكشف فشلهم . هكذا ردّت أحلام مستغانمي علي اسئلة مقدم البرنامج الشاعر زاهي وهبي. ووصفت سعدي يوسف بالسلبية والغدر و بالمبدع الذي يقتات من المنفي ، واتهمت رجاء النقاش بعدم الموضوعية في نقده وبحثه. وقالت متحديّة: ليس ذنبي إذا نجحتُ . وأكدت أن هذه الحملة دليل نجاحها، وأن العمل الابداعي هو الذي يُحاكم النقّاد الموهومين فالشبهة مؤنّثة والخطيئة كذلك .
لقد اعتاد القارئ العربي علي أن الابداع مقتصر علي الرجل، امّا المرأة فمكانها في الابداع يتلخص في الانجاب والطبخ والكنس وبتدبير شؤون البيت. وإذا ما خرجت واحدة عن الطوق يُسارعون للتقليل من شأن ما قدّمت.
عرفنا مثل هذه النظرة الذكورية الاستعلائية قبل وزمن الخنساء، واستمرت في تهميش إبداع المرأة علي مرّ العصور. حيث يري الرجل المُبدع في إبداع المرأة محض تسليات لا تُؤخذ بالجدّ الكافي، حتي أنّ المرأة المبدعة نفسها كان يُلازمها الشعور بالوهن والخوف من تجربتها ومن عدم قدرتها علي الصمود أمام تجارب الرجال، فتنكفئ علي ذاتها وتنسحب من الساحة الأدبية كما تقول الكاتبة فاطمة المحسن.
وكما حصر النقد العربي القديم إبداع المرأة في موضوع الرثاء فقط كما عبّر عنه بروكلمان في قوله: علي أنّ إظهار الحزن لم يكن يُناسب رجال القبيلة، كما كان لائقا بنسائها وخاصة بالأخوات، ومن ثم بقي تعهد الرثاء الفني من مقاصدهن حتي عصر التسجيل التاريخي تاريخ الادب العربي 1/84 وكما اشارت إليه بنت الشاطي بأن النقاد العرب القدماء حصروا شاعرية المرأة في الرثاء فقط، متأثرين في ذلك بأوضاع مجتمعهم الذي وأد الانثي عاطفيا واجتماعيا ولم يعترف بالنساء غير راثيات الخنساء ص 59 هكذا نجد نقاد وأدباء العصر الحديث أطّروا المرأة في صورة الرجل ومثاله في الجمال، ولم يفصلوا بين المرأة والجسد، وأنّ المرأة تمثل طرفا في علاقة تقوم عل الحب والعواطف أوّلا، وحضورها لا بدّ ان يُصاحبه طقسه الخاص المتمثل بالرغبة الجنسية. كما تقول الكاتبة فاطمة المحسن.
الرجل العربي لم يعترف بقدرة المرأة علي الابداع، فبشار بن برد يقول: لم تقل امرأة شعرا إلا ظهر الضعف فيه . ومثله استخف الرجل، في عصرنا الحديث، بابداع المرأة واعتبره محض تسليات لا تُؤخَذ بالجد الكافي .
قد يعود هذا التقزيم لمكانة ودور المرأة في الابداع الادبي الي ما اتّسم به إبداعها من ضعف وركاكة لغوية. وهذا ما حاولت الكاتبة غادة السمّان أن تتحداه وتتخطّاه بقدرتها علي التلاعب بمفردات اللغة، واكسابها الدلالات العديدة، وأن تجمع في لغتها ما بين الشعر والنثر، فتأتي لغتها شاعرية هامسة مثيرة تأخذ بالقارئ وتأسره.
ورغم ان النقد ظلّ يتعامل مع أدب غادة السمّان بكونه فن التسلية والإمتاع إلاّ انّ غادة بكتاباتها الابداعية استطاعت أن تقدّم هوية لغويّة للكتابة النسائية تُضاهي بها الرجل وتزيد. ولم يستطع احد ان يتهم غادة السمّان في ابداعها أو ينقصها قدرتها أو يشكك في نسبة ما تكتب إليها.
هذا القبول لإبداع غادة السمان مع حصره في مجال محض التسلية سرعان ما انقلب الي رفض تام وعداء سافر مع أحلام مستغانمي، حيث استكثر الرجل عليها هذا الابداع المدهش الذي كسر تابو الرجل علي الابداع واللغة. وبينما استطاعت غادة السمّان في كتاباتها ان تتحدّي الرجل في تعاملها مع اللغة بجملها المصقولة ومنولوجياتها الشعرية الآسرة، وعملية التوتر والاسترخاء في اللغة مع الاثارة الأخّاذة. فانّ أحلام مستغانمي سحبت التابو علي اللغة نهائيا من الرجل، وعرّته وكشفت ضعفه امام امكانيات اللغة التي لا حدود لها. أحلام مستغانمي فجّرت مفردات اللغة وكسرت تركيبات جملها، وكتبت لغة تكاد لا تجد لها الوصف الملائم.
لغة تأخذ قارئها في رحلة خاصة لا يعرف كيف العودة منها، ولا يفكر بذلك حتي اذا ما وصل الي الكلمة الاخيرة من الرواية يُصاب بحالة من الذهول لا يخرج منها إلاّ وهو علي غير ما كان سابقا.
هذا التميز والتفوق للغة احلام مستغانمي هو الذي جعل الكثيرين من الرجال المبدعين يستنكرون اقتحامها اختصاصهم، ويرفضون التسليم بتفوقها، فراحوا يشككون بانتساب روايتها ذاكرة الجسد إليها، وكل يدّعي أو يوهم بنسبتها إليه ويجد من يساعده في إثارة الشك وإثبات تهمة التزوير. وكان جواب أحلام مستغانمي حاسما بقولها: المبدع يردّ علي كلّ فاجعة بكتاب وليس بمعارك .
وكان ردّ احلام مستغانمي الحاسم والقاطع والمسكت إصدارها لروايتيها فوضي الحواس عام 1998 و عابر سرير عام .2003 فأسكتت الألسن وكشفت العورات رغم أن الجرح الذي خلّفته تلك الاتهامات لم يندمل بعد.
أحلام مستغانمي هي المثال للمرأة المبدعة القادرة علي إثبات تفوّق المرأة علي الرجل وتعريته في حالة ضعفه واستسلامه.

كاتب من فلسطين

صقر الخالدية
21/02/2004, 11:51 AM
ثقافة الخليج الاستهلاكية...هل تصلح لمواكبة التنمية؟
ثريا الشهري*

الثقافة بمعناها المحايد قد تكون ثقافة تدعو للتأخر مثلما قد تدعو إلى التقدم والنهضة، وبتتبع هذا المفهوم نجد أن مسيرة التاريخ الثقافي لمجتمعات الدول الخليجية قد ساهمت في خلق نوع من الثقافة الاستهلاكية المحلية كانت السبب في الإرباك الذي أحاط بحركة التنمية في هذه المجتمعات، فالوضع المعكوس الذي بدأ بالأمور من نهايتها قد أوجد معه في المقابل أولويات معكوسة، فمن بدايات النفط وتصديره، إلى التعرف على العلوم والتقنيات الحديثة، ثم الالتفات إلى الثقافة التي لم يساهم عامل الزمن القصير نسبياً في التدرج الاستيعابي الشامل بمدى أهميتها، فلا هي بتلك التي رُبطت بقوت اليوم الذي لا يأتي إلا من خلالها، ولا هي التي اتكأ عليها صعود السلم الاجتماعي، الذي أثبت الواقع أن الثراء والمنصب هما الطريقان الأسهل لمدارجه، لتبقى معه الثقافة الإنتاجية، التي تدعو إلى التفكير والإبداع وزرع روح العمل والتنظيم والاختراع، بعيدة في آفاقها عن الشخصية الاستهلاكية السائدة التي تعودت على التلقي والاستيراد من العوالم الأخرى المنتجة، مكتفية بإنتاج محلي سلحفائي الحركة بطيء الإيقاع، أو بنقل عن ثقافات أجنبية مجففة لا تتوائم وطبيعة الوراثة المجتمعية المتجذرة في قدسية الدين وهيمنة الأعراف، وبالرغم من مظاهر الوعي الخليجي بحجم هذه الإشكالية الاستهلاكية التراكمية وانعكاساتها السلبية، والتي بُذلت على إثرها المحاولات ووضعت الخطط الإنمائية للانتقال بها إلى المراحل الإنتاجية.
إلا أنه من الحري القول إن المسلكيات المؤشرة لم تصل بعد في منهجيتها أو سرعة تنفيذها إلى الدرجة الكافية التي تسمح معها بنمو ثقافة بديلة ناضجة ومتطورة، فلا زالت تلك المجتمعات تلتحف بالكثير من مظاهر الحضارة الإستهلاكية التي لا تبتعد عما تبثه الفضائيات والاستسلام لبرامجها مهما أسرفت في بلاهتها، أو ملاحقة مواسم الشراء وتخفيضاتها، أو اللهاث خلف وجبات غذائية حظيت بشهرة قلما وجدتها عند شعوبها، بل حتى خريجو الجامعات أنفسهم ترى الواحد منهم ما أن يصل إلى وظيفة أو يحترف تجارة حتى يطمئن على وضعه المحيط، فينسى تحصيله العلمي وينخرط باتجاه الحياة المادية بمغرياتها، زاعماً أن بناء الحضارة الانتاجية لمجتمعه شأن يختص به غيره، والغريب في الأمر، أن جيل ما قبل اكتشاف النفط كان حريصاً على الثقافة والتحصيل ولو على ضوء القناديل، في الوقت الذي أصبح معه اقتناء الكتب في عصر الكهرباء والرخاء مجرد زينة للتباهي، فهل صحيح أن الإنسان لا
ينشط إلا في وجود المعاناة! وهل المطلوب أن يعود الزمن بعقاربه إلى تلك الأيام بهمومها حتى يكتشف المرء كم ضيع من عمره في تحصيل ما لا يلزم!
في مطلع العصور الحديثة كان أكبر قوتين بحريتين من نصيب بريطانيا واسبانيا، فكيف وصل الحال ببريطانيا لأن تصبح الدولة العظمى في العالم آنذاك، ولا يبقى لاسبانيا غير الأدوار الثانوية لتلعبها القصة تتلخص في بعد النظر والجهد الذي بذلته بريطانيا في استثمار مادة الفحم التي حبتها الطبيعة بها، والتي عن طريقها أسست نهضتها الصناعية فاستطاعت أن تهزم أسطول أسبانيا الشهير «الارمادا» في القرن السابع عشر فتتوج على إثره سيدة البحار، ويكتفي سادة أسبانيا بكل ما يملكونه من ذهب لم يستغل إلا في سبك حدوات لحوافر جيادهم والاستمتاع والتلذذ بحياة الفراغ، لتأتي النهاية بانتصار «أصحاب الفحم» على «سادة الذهب»، فتفوز بريطانيا لأنها حققت الإنتاجية، وتسقط أسبانيا لأنها وقعت في الاستهلاكية، فيحكم التاريخ للأولى، ويعود فيحكم على الثانية. وهو ذات المبدأ الذي مشى على خطاه المهاتما غاندي، فأرصد قواه للنهوض ببلده في مكافحة الاستعمار البريطاني ومقاطعة بضائعه وفرض الحصار الاقتصادي على جميع الرساميل والاستثمارات الأجنبية، بمعادلة بسيطة تتلخص في أن لا يأكل شعبه إلا مما يزرع، ولا يلبس إلا مما يصنع، بمعنى التحول الكلي إلى الاعتماد على الطاقات والإنتاج المحلي، فيتم لمن رفض أن يكون تابعاً، أن يتحرر من عبودية المستعمر، فماذا حصل عند تطبيق ذات السياسة في مقاطعة البضائع الأمريكية التي دخلت مفرداتها منذ فترة في تفاصيل الحياة اليومية العربية؟ وإن كان الحديث هنا مقتصراً على الخليجية وحدها لتشابه الظروف البشرية والجغرافية فيما بينها.
لقد أثبت التاريخ أن على الإنسان أن يتمكن من أدواته قبل أن يعلن استغنائه عن الآخر، والمجتمع الذي لا يمهد بثقافة إنتاجية، ولا يبحث لدى غيره من الشعوب المتقدمة على وصفة نجاحهم فيقلدها حتى الاتقان والتفوق عليها، كما فعل اليابانيون عقب الحرب العالمية الثانية، فلن تجدي معه حزمة انفعالات وعواطف متمثلة في مقاطعات أو غيرها، لا تؤدي إلا لمزيد من تعميق شعور المواطن بمدى عجزه الذي وصل أن يجسده مشروب غازي لم يصمد طويلاً في مقاطعته، فالروح الإنتاجية لا بد أن تضخ في عروق الأبناء منذ صغرهم، ومن واقع مناهجهم وطرق تدريسها، ومن خلال نشاطاتهم وبعد أهدافها، فما المانع مثلاً من توجه الرحلات والزيارات التي تقوم بها المدارس إلى محطات توليد الكهرباء! أو تحلية المياه أو مصانع تكرير النفط ومشتقاته وأماكن استخراجه، التي من شأنها جميعاً أن تغرس في عقول تلك البراعم أبجديات الصناعة والإنتاج، فتكون لهم فرصة باعتبارها مناطق لا يصح دخولها إلا بإذن المسؤوليين، بخلاف الرحلات المختصة بمناطق من السهل الوصول إليها بدون إذن مسبق.
إن النفط سيبقى قدر شعوبه ليس كصناعة واقتصاد فحسب، ولكن كمصير له أبعاده الوطنية، وعليه، ينبغي أن يُدرس كعلم بذاته منذ الطفولة، حيث المرحلة التأسيسة للعلاقة العضوية والصحية بين الطفل وتاريخه!
والحقيقة أن مثقفي بلاد النفط يقع على عاتقهم جزء كبير من مسؤولية هذه الأزمة الإستهلاكية، فكم يا ترى أنتجوا لبلادهم من الأبحاث والدراسات المدركة للواقع بشكل نقدي هادف! وكم قدموا من إنتاج أدبي أو فني يدعو إلى تحفيز بذرة التساؤل والتفكير لدى المتلقي! إن الإنتاجية أن تكون مشاركاً غيرك في عمليات التبادل، إن قدم لك ابتكاراً قدمت له اختراعاً، وإن أبدع لك فناً، أبدعت له فكراً، مع مراعاة التقيد في البعد عن الطابع السلبي الذي من شأنه حماية المجتمع من مظاهر الثقافة الرخيصة، فالرواية التي تمس قضايا النفس والمجتمع لا تقارن بتلك المحرضة على الجهل المعرفي والاخلاقي، أو المحشوة بحوداث المبالغة في الضحك والتهريج البعيد عن الترفيه بمعناه الحضاري، التي لا يسفر عنها إلا ضياع الجهد والوقت، وأحياناً العقل، ونحن إذ سمعنا عن أمة سعت لتحقيق اكتفائها الذاتي، علمنا أنها قد قررت أن تزيد من قدرتها الإنتاجية والتخفيف من ترفها الإستهلاكي، ومع هذا، وكما كرر غاندي في قوله «ان الإنسان لا يملك إمكانية تحقيق الممكنات كلها»، فليس من المتوقع أن تتحرر«بالكلية» مجتمعات استهلاكية ألفت وضعاً نمطياً محصوراً إلى آخر مستقل مادياً وفكرياً، ولكن إن حدث وجاء من يريد أن يتجاوز هذا الامتداد المستهلك في قالب لا يخلو من مظاهر الاستقلال عنه، فليس أنفع لهذه الحركة الإنمائية من وعي ثقافي اجتماعي يصاحبه إيمان مواطنيه، واقتناعهم بالخطوة فيعطونها من كدهم وإخلاصهم وحماسهم، فالتقدم على صعيد الإنتاج إنما يكون هكذا ..المهم أن نبدأ!


* كاتبة سعودية

صقر الخالدية
23/02/2004, 11:41 AM
ليست العلة في المفهوم.. ولكنها في قراءة المفهوم..!
تركي الحمد

يعيش المسلم المعاصر اليوم أزمة حضارية، بل هي أزمة معيشية يومية في كل الميادين، وتنعكس هذه الأزمة على العقل والسلوك والنفس منه، فتجعله في حالة من فقدان الوزن والتوازن بحيث لا يدري في النهاية من هو أو ماذا يريد في أحسن الأحوال، أو قد ينجرف نتيجة هذا الضياع نحو تدمير غير مفرق، كحل انتحاري أخير، نفسي أو بدني، لأزمته التي لا يجد له منها في النهاية مخرجاً. فالمسلم اليوم يعيش في عالم مختلف تمام الاختلاف عن ذاك العالم الذي يُعلم له في الكثير من المدارس ومؤسسات التنشئة على انه عالم المسلم الحقيقي، بل وعالم المثال بالنسبة للبعض، مع التركيز على مرحلة من ذلك العالم دون أخرى، أو اختزال مرحلة وتنقيتها من الشوائب العالقة على انها هي الفردوس المفقود الذي تجب اعادة بعثه أو احيائه من جديد. يخرج هذا المسلم الى العالم الحقيقي، أي العالم الذي يجب عليه ان يعيش فيه ويتحرك ويتعامل، فيجد ان كل ما فيه يتناقض مع كل ما رُبي عليه من مبادئ الهوية الصافية، وأسس الذات والذاتية النقية، فيكون الضياع، سواء من ناحية ازدواجية السلوك الشاطر للذات والمعيق لتفتحها في النهاية، كما هو حال الأكثرية، أو محاولة وضع حد لهذا العالم ان كان ذلك مستطاعاً، كشرط لعودة الفردوس المفقود، أو مغادرته الى حيث جنة لا صراع فيها ولا معاناة أو ألم، كما يعبر عن ذلك سلوك أقلية وصل لديها التوتر أقصاه، وفي ذلك راحة للنفس المأزومة والذات المتشظية.
أسباب عدة يمكن ان تفسر هذا الانشطار والتشظي في الذات المسلمة اليوم، منها ما هو اجتماعي ومنها ما هو سياسي ومنها ما هو نفسي، وكل هذه الأمور متداخلة بحيث لا يمكن معرفة أين تبدأ الحلقة وأين تنهي.
ولكن جزءاً من أسباب هذه الأزمة، ولا نقول كل الأسباب، يعود الى جذور معرفية وثقافية، قبل ان يكون ذلك في طبيعة الحياة والمجتمع. فالثقافة، بشكل عام، هي ذاك المنظار الذي من خلاله تتحدد معاني الأشياء، التي لا معنى محايداً لها من دون اطار من ثقافة معينة. والعقل المسلم، كما هو مُشكل اليوم، انما هو مقاد بمفاهيم يجد ان عليه الايمان بها، ولكنها في النهاية لا تصف له عالم الحال كما هو، ولا تلك الثقافة التي ينظر من خلالها بقية العالم ويسلك، وبالتالي لا تمنحه القدرة على التصرف السليم، أو حتى مجرد التصرف في أحوال كثيرة. مفاهيم مقدسة في أصلها وذاتها، ولكنها ليس بالضرورة ان تكون مقدسة في مقاربتها وقراءتها. ولكن المسلم البسيط لا يستطيع التفرقة بين ما هو مقدس بطبيعته وبين ما هو مقدس بالاضافة، فتختلط لديه الأمور وتضيع المعالم، ومن هنا ينشأ السلوك غير السوي، سواء بتلك الازدواجية الشاطرة للذات، أو بتلك الانتحارية القاضية على الذات.
مفاهيم تمر على المسلم كل يوم حين قراءته لقرآنه مثلاً، ومن حسن ايمان المرء الايمان بها على صفة الاطلاق، ولكن ذات هذه المفاهيم تبدو وكأنها غير مقبولة في العالم الذي يعيش فيه، ويجب عليه ان يعيش فيه، فيما هي من ضرورات مقدساته، أو انها مقبولة في عالمه الذي يعيش فيه، ولكنها تبدو مرفوضة في نصوصه المقدسة، الأصيل منها والمضاف، فتنشأ أزمة لا يستطيع لها حلاً، فيكون الشلل أو التدمير هو النتيجة في أحيان كثيرة. مفاهيم مثل الارهاب والحاكمية والأحزاب والولاء والبراء، تجد معاني مختلفة بين العالم المعيش وتلك النصوص المقدسة التي لا يستقيم الايمان الا بها، فتنشأ الأزمة حين لا يُحل التعارض، ويولد السلوك غير السوي. فهو يقرأ مثلاً: «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف اليكم وانتم لا تُظلمون» (الانفال، 60). الارهاب هنا شيء محمود، ولكنه ظاهرة محاربة في كل انحاء العالم، فكيف يفسر الأمر؟ وكيف يتحدد سلوكه في هذه الحالة؟ وذات الشيء يمكن ان يُقال عن آيات أخرى، فهو يقرأ: «يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين» (المائدة، 51). فالعلاقات الدولية بين الأمم والدول اليوم لا تقوم على أساس الدين والمعتقد، بقدر ما تقوم على المصالح ومنطق الدولة، وكذلك الأمر في العلاقة بين مواطني الدولة الواحدة، حيث المواطنة هي أساس العلاقة، فكيف يستطع العقل المسلم ان يوفق بين ما يقوله النص المقدس بعدم موالاة اليهود والنصارى والبراءة منهم، في ذات الوقت الذي يجد فيه الدولة التي يحمل جنسيتها تحاول ممارسة السياسة، في الداخل والخارج، وفقاً لمنطق الدولة ومنطق العصر، والذي يعني ان المعتقد لا دخل له في السياسة في مثل هذا العالم الذي نعيش فيه؟ وذات الشيء ينطبق على مفاهيم تبدو متناقضة في معناها المقدس مع المعاني الحديثة لها، مثل قضية الأحزاب والحاكمية ونحوها.
المشكلة هنا هي مشكلة قراءة ومقاربة، أكثر منها قضية تناقض نص وواقع. فهل المقاربة المتبناة مقاربة معرفية، أم انها مقاربة ايديولوجية؟ بحث عن المعرفة، أم بحث عن التبربر؟ هنا يكمن مربط الأزمة معرفياً، وهنا تكمن معضلة العقل المسلم في تعامله مع عالم اليوم. فعندما يكون المدخل لفهم النص معرفياً خالصاً، كما كان نهج كبار الفقهاء في تاريخنا، فان مثل هذا النص يؤخذ مرتبطاً بما قبله وما بعده من ناحية، وفي اطار النصوص المقدسة الأخرى التي يحتويها المرجع المعتمد.
ومن ناحية أخرى، فان المقاربة المعرفية الخالصة تعني محاولة استنطاق النص بشكل كامل، بمعنى معرفة أسباب النزول التاريخية، والمعنى الذي كان يُفهم من كلمة الارهاب مثلاً، وكيفية الممارسة في ظل هذا المفهوم، وعدم فصل المفهوم عن ظروفه المحيطة، بل وحتى استخدام اكتشافات العلوم الاجتماعية الحديثة لمثل هذا الاستنطاق، وهكذا.
وفق مثل هذه المقاربة، يتبين مثلاً ان الارهاب المذكور في النص المقدس يعني الى حد كبير ما يُسمى اليوم في عالم السياسة بـ«الردع»، كما كان الحال بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي حين كان «الردع» يعني نوعاً من توازن القوى المانع لبدء أحدهما بالحرب، ولا يعني المبادرة بالحرب. أما الارهاب في المعنى الحالي فهو شيء مختلف عن الردع، وبالتالي فان التشابه في الكلمات لا يعني توحد المعنى، ربما كان كل هذا الخلط الخطأ ناتجاً عن الترجمة مثلاً، ولو ان كلمة TERRORISM ترجمت مثلاً الى كلمة غير ارهاب، كالارعاب مثلاً، لربما ما كان مثل هذا الخلط ليحدث، ولكن مثل هذا القول فيه تبسيط للأمور أكثر مما يجب، اذ ان المسألة أبعد غوراً من ذلك بكثير.
ذات الشيء يمكن ان يُقال عن مفاهيم الحاكمية والأحزاب والولاء والبراء وغيرها من مفاهيم مختلطة في الذهن المسلم. فالحاكمية مثلاً جاءت من حكم وحكومة، وهي تعني في معناها العربي والقرآني القضاء، وليس الحكم بالمعنى السياسي المعاصر، المستمد من التجربة الغربية أساساً. حين تختلط المفاهيم، فتصبح الحاكمية التي يتحدث عنها القرآن الكريم هي ذات الحاكمية والحكم في المفهوم المعاصر، هنا يتشتت الذهن وينشطر. والأحزاب لم تُذكر في القرآن الا بمعنى الفرقة والتشتت والعصبية، أو في مجال المقارنة بين الخير والشر (حزب الله في مقابل حزب الشيطان)، ولكنها في الأدبيات السياسية المعاصرة لا تعني ذات الشيء. ونفس الشيء حين الحديث عن الدولة، والمعنى المختلف الذي يورده القرآن الكريم ومورس في تاريخنا، مقارنة بالمعنى السياسي المعاصر.
حين تختلط مثل هذه المفاهيم، وتتداخل المعاني المتناقضة، يكون انشطار العقل، ومن ثم تشظي الذات، وبالتالي شلل الحركة، سواء في عدم القدرة على الحركة ابتداء، أو في حركة هي الى تدمير الذات أقرب. جزء كبير من الخلل يكمن في القراءة ومقاربة النص، كما ذكر سابقاً. والعلة لا تكمن في تعدد القراءات، اذا كان المنطلق معرفياً صرفاً، ولكنه يكمن في طبيعة القراءة الايديولوجية، مهما تعددت هذه القراءات والمقاربات.
فالقراءة الايديولوجية قراءة ذات غرض، بمعنى انها تبحث عن التبرير لهدف محدد من الأساس، وذلك من خلال توظيف النص، أو جزء منه لهذا الهدف، وليس الهدف هو استنطاق النص بشكل معرفي. فالذين يستخدمون مفهوم الولاء والبراء لأغراض سياسية معينة مثلاً، ويقسمون العالم الى فسطاطي كفر وايمان، لا يهمهم ان تكون آية عدم موالاة اليهود والنصارى السابقة قد نزلت في عبادة بن الصامت، فالغرض ليس هو ذات المعرفة المتكاملة، بقدر ما انه بناء ايديولوجيا تخدم الهدف في النهاية.
وذات الشيء يمكن ان يُقال عن قول الحق: «ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون» (المائدة، 44)، والتي أقام منها الخوارج والمودودي وسيد قطب ومن سار على نهجهم، ايديولوجيا كاملة فيها تكفير للمؤسسات والأفراد، وتجهيل للمجتمعات، رغم ان الآية نزلت في عدم تحكيم اليهود لتوراتهم في قضية زنى معينة ومحددة، ولا علاقة لها بانظمة الحكم السياسية، ولكن الغرض الايديولوجي هو الغالب في هذه الحالة. مشكلة المسلم المعاصر تكمن هنا في المقام الأول، أي في تقديم القراءة الايديولوجية على انها قراءة معرفية، وبالتالي تختلط المقاصد العامة للدين بالأغراض الخاصة للايديولوجيا، وتكون الضحية ذات المسلم الذي يفقد بوصلة السلوك المناسبة، فلا هو الذي عاش دنياه من دون أزمات، ولا هو الذي عبد ربه من دون توترات.
أما لماذا ينحو الأفراد والجماعات الى القراءة الايديولوجية للنص المقدس، وغير المقدس، على اختلاف هذه القراءات، فتلك مسألة أخرى ولها نقاش آخر.







المصدر جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
26/02/2004, 05:36 PM
البكاء امام جثة التراث بين العلمانية وبعبع الديمقراطية
2004/02/13

عبد العزيز بن محمد الخاطر


عبر التجربة التاريخية التي انتجت ما يسمي بالديمقراطية ثمة ارتباط بين هذا المفهوم ومفهوم اخر هو العلمانية او علي الاقل احد مضامينها او تفسيراتها. والملاحظ اليوم ان محاولات اقلمة هذا المفهوم وهو الديمقراطية عربيا واسلاميا باءت بالفشل او في طريقها الي ذلك، الامر الذي ادي ويؤدي الي ازدياد تناول واستخدام المفهوم الثاني وهو العلمانية كشرط لابد منه لتمكين المفهوم الاول وهو الديمقراطية من الاستيطان في البيئة العربية والاسلامية. لعل احد تفسيرات العلمانية هو ما يلزم لقيام الديمقراطية وهو المتضمن حيادية الدولة امام الاديان في المجتمع. لان التفسيرات الاخري التي تصفها بمعاداة الدين او توصمها بالالحاد لا يمكن بحال من الاحوال استيعابها ضمنيا داخل مجتمعات هي متدينة بالفطرة كما ان التفسير القائل بحيادية الدولة امام الاديان يعني من ناحية اخري قيام المواطنة الحقة لافراد المجتمع دون تمييز. حتي مع هذا التفسير المتعلق بمفهوم العلمانية تبرز تحديات لا يمكن معها وبسهولة استيعابه في عالمنا العربي والاسلامي اول هذه التحديات هي مع الاكثرية ذات الدين الواحد وهو الاسلام في عالمنا العربي والاسلامي حول الصياغة الدستورية لمحتوي حيادية الدولة والتحدي الاخر هو مع النخب الحاكمة التي لن تقبل مبدأ المواطنة الحقة بين جميع افراد المجتمع وان صرحت بذلك علنا الا انها تعني في الاساس ما دونها كطبقة متعالية لا يمكن المساس بها فهي فوقية ذات ارث تاريخي الهي مكتسب. من هنا تأتي صعوبة التأصيل لمفهوم الديمقراطية في عالمنا العربي والاسلامي رغم ما قيل وما يقال وما يكتب ليلا ونهارا عنه. ما يخيف الغرب اليوم ليس هو غياب الديمقراطية حيث يمكن اعتبار ذلك مدخلا لكثير من التدخلات وفرض الحلول وتغيير الديمغرافيا والجغرافيا في هذه المنطقة او تلك من هذا العالم العربي الاسلامي، ولكن الذي يخيفه فعلا هو تطبيق الديمقراطية الاجرائية دون وجود او تطبيق لقيمها ومبادئها التي قامت عليها هذه الاجراءات، فما الذي يمكن ان يحمله تطبيق الديمقراطية الاجرائية من انتخابات وصناديق اقتراع في ظل الفشل التنموي في هذا العالم؟ ولعل ما حصل في الجزائر في اول التسعينيات يعتبر مثالا واضحا لما سيكون عليه الامر في حالة عدم توافق اساسي اولي بين مفهوم العلمانية والديمقراطية كما فهمها وطبقها الغرب. سيكون الاكتساح كبيرا للقوي الاسلامية وللمد الاسلامي الجارف بعد فشل المشاريع السياسية الاخري. والغرب علي ادراك كامل بهذا، لذلك يشرع اليوم لتوطين مفهوم او مصطلح الديمقراطية من خلال ربطه بمفهوم العلمانية الملازم له والضروري لانباته صحيا طبقا للمواصفات الغربية التاريخية. في ظل هذا الوضع يجد العالم العربي والاسلامي نفسه عاجزا عن ايجاد البديل الخاص به بالرغم من طرح مفهوم الشوري الا انه لم يتفق علي آلية واضحة عصرية تأخذ بامتزاج الثقافات المعاصرة بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ بعد سقوط الاسوار وتحطم الجدران وتآكل الحدود. فالامة اليوم بين خيارات محدودة فقط اما الاخذ بالديمقراطية الغربية ممزوجة بشكل من اشكال العلمانية الذي ينص علي حيادية الدولة وقيام المواطنة الحقة لجميع افراد المجتمع او ايجاد البديل الحضاري الاسلامي الذي يتفق ومتطلبات العصر فعليا ويسمح بالتعدد والتجدد وقابلية الانسياب مع حركة التاريخ.
فزرع التربة الديمقراطية في هذه المنطقة يتطلب اقامة وعاء ثقافي وفكري جديد هو بالضرورة ذو علاقة بفكرة العلمانية من حيث هي حالة من التسامح والمساواة بين افراد المجتمع وبين ما يعتنقونه من عقائد واديان وليس ادل علي ذلك من مراجعة المناهج التعليمية لان الغرب يعلم انه بدون ذلك وبالاكتفاء باجراءات الديمقراطية فقط سيعيد انتاج كتل تتصادم معه منتخبة ديمقراطيا فأزمته هناك ستكون اعم واشمل. اما من جانبنا فالاكثار من الحديث عن الديمقراطية وكأنها طوق النجاة دونما التنبه والوعي باساسها التي تقوم وترتكز عليه وهو العلمانية من حيث هي ـ مفهوم عريض ومتشعب يمكن التعامل معه بلطف او بحدية ـ ولكن لا بديل عن وجوده بشكل او بآخر، فذلك يدل علي عدم فهم تاريخي لنشأة هذا المفهوم.
ومن المعروف ان صور الديمقراطية في العالم الراهن تختلف من مجتمع الي آخر ولكنها جميعا تتفق علي اساسها العلماني. ان عدم ايجاد صورة عصرية لمصطلح الشوري وتطويره بشكل يستوعب مفاهيم العصر من مواطنة ومساواة جعل الامة في وضع لا تحسد عليه بين الاستيراد الناقص لمستلزمات العصر الفكرية بعد ان اوغلت في استيرادها لمستلزماته ماديا وبين ضياع تراث كان الممكن ان يغنيها لو احسنت استغلاله بدلا من الاقتتال حوله وهو جثة هامدة.


ہ كاتب من قطر

القدس العربى
8

صقر الخالدية
26/02/2004, 11:14 PM
ساحرةُ مسفاة العَبريين







في الطريق من مسقط الى "نزوى" و"بهلا" و"مسفاة العبريين"، تلك القرية الخلابة بتدليها العنقودي المنحوت من ظلال الجبل الاخضر، رأيتُ ـ فيما يرى النائم ـ أيام "إمامة عُمان" في -الداخل- و"سلطنة مسقط وعُمان" في -الساحل-.
فيما يرى النائم، تراءت لي تلك الرحلة الصعبة للعمانيين بين -ساحلٍ وداخل- بآلامها وذكرياتها في لُموع سفوح الجبل الأخضر المائلة كشاشةٍ متحركة بالبطولات والهزائم التي مالت أقدار أبطالها دونما حتى ذكرى.
تلك الرحلة التي، عادةً، ما يصفها العائد من "البندر" آنذاك بجملةٍ لها دلالتها: "بكره رايحين عمان" ـ كما لو كان عائداً إلى المكسيك، لوعورة الطريق وصعوبة الرحلة التي تتطلب مهارةً وتوقيتاً جيداً وركوبةً قويةً وأدلاء يعرفون مراوغة بنادق "الصمعا" و"العماني" في أبراج الجبال.

***
حديثي ليس عن تلك الحقبة الخمسينية والستينية. ليس عن الحمير وقوافل الجمال، ولا عن شاحنات "البيد فورد" التي يتكدس على ظهورها من حظي "بإباحة مرور" للسفر إلى »مصادر الرزق« أو لزيارة الدكتور طومس في مستشفى "مطرح"، ولا عن تلك الأبراج العالية التي تغتال بنادقها الخصوم في قيعان الوديان، ولا عن تحالفات »المع ـ والضد« بين إمامةٍ وسلطنة.
ليس عن تلك الأيام حديثي. سأكون خفيفاً اكثر من أعناق الكلمات التي تشرأب من الحلق، خفيفاً وساحراً كحكايةٍ سمعتها تحت أذان المسجد المعلق فوق الممرات الظليلة لـ"المسفاة" حيث يتناهى خرير الوضوء بين الجدران الطينية المرصوصة على حجارة ضخمة يكاد المار أسفلها يظن أنها ساقطة عليه لا محالة، كما هي النخلات المائلة بدلال ضفائرها التي تحد من قسوة الصخر، كما تُضخّم هدير الماء في الوادي الجاري بعيداً في الهاوية، وبالصوت الأرق لمجرى "الفلج" الهابط من "العالي" بحركة لولبية تجعله يمرّ أسفل المسجد المعلق ليشرب الشارب ويتوضأ المتوضىء في جنة معلقة، كأنما بضربةٍ موسيقية ترددها طيور الوادي وماعزه وطُهرُه وصدى ثعالبه في الكهوف.
خفيفاً سأكون، لأروي حكايةً سمعتها هناك تحت خرير الوضوء من مُسنّ استدرجه اهتمامي بالمسفاة وحكاياتها القديمة.
يقول، أو تقول الحكاية: أن ساحراً مشهوراً من بهلا -الشهيرة بالسحر- أراد ان يباهي، بقوة سحره، ساحراً آخر من المسفاة التي وصلها على متن ديكٍ مُحمّلٍ بكيسين كبيرين من التمر، هديةً منهُ لساحر المسفاة. طرق باب صديقه وخصمه فلم يجده في البيت. ردّت عليه صبية في الخامسة عشرة قائلةً: أبي غير موجود، فقد سافر إلى البندر. ردّ عليها، وهو ممتط ديكهُ المثقل بكيسي التمر: "قولي لهُ، عندما يعود، أن فلان الفلاني من بهلا زاره للتسليم عليه، وهذان كيسان من خيرة تمر بهلا هدية له". ردت عليه الصبية: "هل لك، ياعم، أن تنتظر قليلا". خرجت من درفة الباب واقتادته الى مكان قريب من الوادي حيث مدّت أمام ناظريه شعرةً من خصلاتها بين نخلتين يفصل بينهما الوادي. كانت الشعرة أطول من توقع الساحر، لكن ما لم يخطر على باله -وهو الساحر!- أنها أمرت ثوراً يحرث في الجوار أن يعبر الوادي على متن تلك الشعرة. فعل الثور ذلك قاطعاً الفراغ بثقله دون ان يسقط من على تلك الشعرة، مستمراً في حرث حقل الضفة الاخرى، غافلاً عن انتقاله الفيزيقي الميتافيزيقي من حقل صاحبه إلى حقل آخر.
عندها، ودون أن ينبس ببنت شفة، قفل ساحر بهلا عائداً بعد أن فاقته الصبيةُ سحرا.

***
لستُ بحاجة لذكر شيوع السحر في عُمان، واشتهارها به بصرةً وكويتاً ودوحةً وزنجبارا. فهو سحر قديم ترعرعت أخباره فذاع وشاع. كما أنه سحرٌ ينقسم في الذاكرة الفقهية ـ الشعبية إلى مدرستين: "العُلاّم والظُلاّم". فقد اشتهر الشيخ العلامة جاعد بن خميس بقدراته الصوفية، وينسب اليه البعض قدرته أن يرسم خطاً على الأرض من يتخطاه يجد نفسه في زنجبار -ويا لها من وسيلة نقل مريحة جداً-، وهذا نموذج لسحر "العلام". أما سحر الظلاّم فأمثلته أكثر شيوعا.
وكما هو الحال في المغرب، مثلاً، بالنسبة لكثير من الأوروبيين والمغاربة الذين يدرسون تلك الظاهرة أنثروبولوجياً، أو الذين يستسلمون "لسحرها"، كما هو حال بعض الفرنسيين المقيمين في المغرب، وحتى الشباب الهيبيين في ساحة جامع الفنا بمراكش، نجد أن الكثيرين من الخليجيين يأتون خصيصاً إلى عُمان للتداوي بالسحر. مدفوعين بالاسطورة البهلانية القديمة لمعالجة أمراض لم تفلح فيها مصحات لندن وسويسرا. وعدا الزيارات السرية لسحرة معدودين متخصصين في مجالات سحرية لا نعرفها، تقام حفلات الزار في أماكن كثيرة، منها منطقة في رمال وهيبة اشتهرت بوجود مخيم صحراوي يحج إليه الموسرون من قطر والسعودية والكويت ينذرون النذور ويقيمون حفلات الزار لاخراج "شيطان ظالم" بقوة "شيطان خيّر".
ويذكر أبناء جيلي في طفولاتهم تحذير الأهل من السحرة و"المغايبة" -وهم الموتى المسحورون الذين يأتون في الليل لزيارة منازل ذويهم-. وكثيراً ما يقال عن فلان أنه لم يمت، وأنه حي يرزق في كهوف الجبال على هيئة "مُغّيب"، بل كثيراً ما يكون الساحر شخصاً معروفاً وذا اعتبار في القرية، لكن لا أحد يجرؤ على ذكر ذلك أمامه. وكثيراً ما وصف لنا سقاة الفلج الليليون مصادفتهم لفلان الفلاني الذي دفناه قبل اسبوعين. وعندما كنا، نحن الاطفال، نسأل عن جثة الميت يقال لنا: ذاك جذع نخلة، أما الميت فلم يمت، إنه الآن "مغّيب". وكم أثارت مخيلتي مفردة المغّيب تلك، فهي تعني أن المتوفى ليس حياً ولا ميتاً، وأن هناك أملا في استعادته ذات يوم.
أذكر، حدث هذا معي عندما توفي عزيز علي وأشيع أنه مغيب. وكم تمنيتُ أثناء عودتي من المسجد بعد صلاة العشاء أن ألتقي به "مغيبا" في ظلمة النخيل، وأشكو له افتقادي له. بل كم تماديتُ في أخيلتي تلك لأسألهُ عما حدث له بالضبط؟.. وهل صحيح أن ما رأيته قبل الدفن لم يكن هو، وإنما جذع نخلة؟.. وهل دخل القبر وأخرجه الساحر منه، أم أن الساحر فرّ به مباشرة بعد موته إلى الكهف؟ وهل المغيبون الآخرون ودودون معه؟.. وأحياناً أطيل الجلوس في الظلمة لأجد التأنيب على تأخري منتظراً في البيت، مفكراً في طريقة أخفي بها صديقي عن أعين الساحر، وأعيده، بمعجزتي، إلى الحياة. متخيلاً فرح الأهل بعودته حياً يرزق. ثم لا ألبث وأتراجع عن تلك الفكرة خوفاً من أن يعرف الساحر بخططي، ويحيلني إلى مغيّب أنا الآخر. لا سيما وأنني أعرفه شخصياً، ويصلي معنا في ذات المسجد. وكم كان فرحي كبيراً، بعد سنوات، عندما مات ذلك الساحر "الظالم".

***
أحببتُ تلك المفردة وما زلت أحبها حتى اليوم، ربما بوازع شعري يحاولُ ربطها بظلال المجاز وأقمار الأسطورة.




المقال للشاعر والكاتب مخمد الخارثى
المصدر موقع محمد الخارثى

صقر الخالدية
27/02/2004, 01:56 PM
مواقع أخرىقناة المستقلة وتراث ابن تيمية


الخميس 26 فبراير 2004 06:38


خالد الغنامي






تابعت باهتمام كبير ما بثته قناة المستقلة خلال 12 حلقة حول تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله. فلنغض النظر عن لغة الحوار التي استخدمها المشايخ وعن الطريقة التي أدار بها السيد الحامدي الهاشمي تلك الحلقات، فقد بقي المتحاوران يكيلان الشتم لبعضهما طوال تلك الأيام برغم أنهما بقيا محافظين على رغبة الهاشمي الحامدي بأن لا يقولا أي كلمة مناهضة للسامية من سب أو انتقاد لليهود. لكني سررت أن وضع كل هذا التراث المهم على الطاولة حتى يجبر الناس على الحديث عنه كما كنت أتمنى. ههنا بعض الملاحظات التي دونتها و أنا أتابع هذه الحلقات، لعلها أن تجمع شتات ذهن من تابع هذه الحلقات و تزيد الأمر وضوحاً لآخرين.


1- نقول صحيحة:
كل ما نقله المتحاوران عن الإمام ابن تيمية برغم تناقضه الظاهر صحيح. هذه مشكلة ما زلت ألاحظها خلال عشر سنوات من الاهتمام المكثف بتراث الشيخ ابن تيمية . تجد أنه يقول الشيء ونقيضه. لعل السبب هو أن ابن تيمية مثل أي عظيم مر في حياته بكثير من التنقلات الفكرية والروحية التي ما زال بعض أتباع مدرسته ينفونها ويريدون أن يقولوا أنه كان كتلة واحدة من البداية لم يطرأ عليها أي تغيير، الأمر الذي لا يمكن أن يكون صحيحاً.لا يمكن أن يبقى العظيم بلا تطور. ابن تيمية مر في حياته بمراحل مهمة، فقد كان في البداية فقيهاً حنبلياً تقليدياً، يظهر هذا جلياً لمن قرأ كتابه " شرح عمدة الفقه"، ثم تأثر على مر العقود الطويلة باطلاعه على آثار علماء الكلام خصوصاً الغزالي والفلاسفة خصوصاً ابن رشد، وهذا التأثر جعله يغير رأيه في كثير من القضايا، وهذا أمر طبعي لا عيب فيه، لكن ينبغي أن نتذكر دائما هذا التقسيم المرحلي و نحن نقرأ.


2- تكفير ابن تيمية:
يقول الأشاعرة، الخصوم التقليديون لابن تيمية، أن الله ليس بسبب البرية اكتسب اسم الباري ولا بسبب الخليقة اكتسب اسم الخالق، فهم يرفضون مبدأ السببية أصلاً. فخالفهم ابن تيمية و قال: لا يمكن أن يكون الله معطلا عن الخلق في أي زمن من الأزمان. فهو ما زال يخلق متى شاء ويفني متى شاء.ولم يكن هناك أبداً فترة معطلة عن الخلق. لذا قال خصومه من الأشاعرة أنه وافق الفلاسفة في قولهم بقدم العالم الذي يؤدي لتسلسل الحوادث، أي القول بأن هناك حوادث لا أول لها، و كفروه لأنهم يكفرون الفلاسفة، وقالوا أن الفترة العدمية التي قبل الخلق تدخل في مثل قوله تعالى عن نفسه ( سريع العقاب ) برغم أن العقاب في الآخرة.
في رأيي أن كل واحد من هذين القولين الميتافيزيقيين لا يملك الحجة القاهرة التي تتغلب على الآخر برغم ميلي لقول ابن تيمية هنا، و التكفير خطأ محض وهو يندرج في ظاهرة التكفير و التكفير المضاد على طريقة الفقيه الشافعي أبي إسحاق الاسفراييني الذي قال " أكفر من كفرني ". إذن فهذا التكفير هو عبارة عن ردة فعل و ردة فعل مضادة.




3- نحن والتراث:
مشكلتنا مع تراث ابن تيمية هي مشكلتنا مع التراث كله، فالمسلم المعاصر يجد نفسه محاصراً بين نوعين من الغزو، غزو الثقافة الغربية التي تقود ركب الحضارة الآن ولن ترحمه إن تخلف عنها، وغزو من الماضي يريد منا دعاته أن نبقى في مضماره، ليس فقط فيما يتعلق بالعقيدة الإسلامية السهلة التي كان البدوي يتعلمها في ساعة، بل يريد أن تكون السلفية منهج حياة كامل بحيث لا تحك أذنك إلا بأثر كما قال سفيان الثوري، وهذا معناه " العيش في عزلة شعورية في زمن العولمة".




4- ابن تيمية هو السلفية:
أعتقد أن السلفية هي الحنبلية، وأحمد بن حنبل قام مذهبه على القرآن والحديث. والحديث هو الغالب على مذهبه، ثم فتاوى الصحابة إما القياس فبالرغم من أن ابن القيم قال في" إعلام الموقعين" أن أحمد يعتمد القياس إلا أنني لم أر هذا بعد قراءتي لمسائله مراراً و تكراراً، وكذا كتب المذهب ككتب ابن قدامة " الكافي" و"المغني" وغيرها، وابن تيمية الحنبلي هو الحنبلية في صورتها الأخيرة.
أما بقية المذاهب السنية فلم تكن على هذا، فالإمام مالك بن أنس كانت سلفيته مقيدة بأهل المدينة ولم ينقل في كتابه أي شيء عن الصحابة الذي خرجوا منها كابن مسعود وغيره، و لقد عاتب فقيه مصر الليث بن سعد عتاباً شديداً لمجرد مخا لفته لسلفية أهل المدينة، بل إنه كان يرفض الأحاديث صحيحة الإسناد التي كانت تخالف ما عليه أهل المدينة ومن ذلك أحاديث موجودة في صحيح مسلم كحديث فضل صيام ست من شوال.
أما أبو حنيفة والشافعي فكان لهما مدرستان عقليتان تقومان على القياس. فأبو حنيفة السني لا يقبل إلا الحديث المتواتر الذي لا يرى فيه معارضة للقرآن، ومسنده لا يوجد فيه سوى 17 حديثا، ً ليس زهداً في الحديث، ولكن لعدم اعتقاده صحة كثير منها. والشافعي كان بعد ذلك يقيس ويعمل عقله ولا يرى قول الصحابي حجة كما يبين ذلك الآمدي وغيره. أما الصحابة رضي الله عنهم فلم يكونوا يعرفون الحديث عن قدم العالم وتسلسل الحوادث والكلام في كون الله في داخل العالم أم في خارجه. ولقد جلد عمر بن الخطاب صبيغ بن عسل لما سأل عن بعض متشابه القرآن الكريم. يقال إنه سأل عن معنى: ( والنازعات غرقا ).
ماذا سيحل بمن سيقرأ على عمر رضي الله عنه جوهرة التوحيد الأشعرية أو الرسالة التدمرية لابن تيمية خصوصاً القاعدة السابعة منها والتي تقوم بكاملها على علم المنطق الأرسطي، أو" درء التعارض بين العقل والنقل" أو " نقض تأسيس الجهمية ".؟ مجرد تساؤل بريء.
إن الناظر في الرسائل الجامعية السلفية يجد أنها تعتمد اعتماداً كاملاً على ما كتب ابن تيمية عندما يتعلق الأمر بالعقيدة. فعندما تبحث القضاء والقدر ترجع للمجلد الثامن من الفتاوى والمجلد الرابع من منهاج السنة ولكتاب ابن القيم شفاء العليل. وهكذا فالسلفيون قد جعلوا الإمام ابن تيمية رحمه الله وسيطاً بينهم وبين القرآن والسنة. والفهم السلفي للنصوص هو في حقيقته هو فهم ابن تيمية أما الصحابة رضي الله عنهم فلم يكونوا يخوضون في مثل هذا أبداً. بل أخذوا الدين ببساطة دون نقاش في معنى صفات الله، كما هو حال أكثر المسلمين اليوم.




5- التقريب بين المذاهب:
كان للنقاش فائدة كبيرة جداً، ألا و هي أنها جعلت الناس يتصورون أسباب اختلافهم، و أن المقصود كان من البداية هو الوصول للحقيقة الدينية، فالسلفي حظي بفرصة لتصور الدواعي التي جعلت نفاة الصفات يحملون الآيات الكريمة على غير ظاهرها و يقولون أن المعان المتبادرة للذهن من تلك الآيات غير مقصودة وإنما هي مجاز لتقريب الصورة للأذهان.




6- تمنيت لو أن المتحاورين تحدثا عن منهج ابن تيمية في مسائل التكفير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. فنحن و الإرهابيون ما زلنا نتقاتل على أطراف ابن تيمية. فمشايخنا يحتجون بنصوص السمع والطاعة وهم صادقون في نقلهم، وهي موجودة في كتبه.والإرهابيون يحتجون في رسائلهم المبثوثة في ساحات الإنترنت بكلام له مثل قوله في الفتاوي ( 34 – 176 ): "وكذلك الأمير إذا كان مضيعاً للحدود أو عاجزاً عنها لم يجب تفويضها إليه مع إمكان إقامتها بدونه".
وفي نص آخر في نفس الصفحة يقول: " وكذلك لو فرض عجز بعض الأمراء عن إقامة الحدود و الحقوق أو إضاعته لذلك لكان ذلك الفرض للقادر عليه".
وكذا تمنيت لو أنهم تحدثوا عن تكفيره للرازي بسبب تأليف الأخير لكتاب في علم الاسترولوجي اسمه " السر المكتوم في مخاطبة النجوم" برغم أن ابن تيمية نقل في كتابه الصفدية ( 2 –66) عن الرازي أنه قال: "هذا ملخص ما وصل إلينا من علم الطلسمات و السحريات والعزائم ودعوة الكواكب مع التبري عن كل ما يخالف الدين ويثلم اليقين".
كيف كفّر الإمام ابن تيمية الإمام الرازي والحال هذه، وهو الذي علمنا أن ناقل الكفر ليس بكافر؟ هل منهجه في التكفير الذي يعتمده السلفيون بكل أطيافهم، متناقض؟



7- خطأ منهجي:
من أكبر الأخطاء المنهجية التي يقع فيها الباحثون في الديانات، عندما ينقلون كلام طائفة من كتب خصومهم بدلاً من الرجوع لأمهات الكتب المعتمدة في المذهب نفسه. ولذلك سمعت كثيراً من الأخطاء نسبت لفرقة المعتزلة الذين لم يحضر من يدافع عنهم، مثل قول أحد المتحاورين أن المعتزلة يقولون أن القرآن ليس بكلام الله. و الصحيح أن المعتزلة مجمعون على أن القرآن كلام الله مخلوق.



8- التعايش بدلاً من محاولة الهداية:
منذ أكثر من ألف سنة وهذا الجدل الذي دار في قناة المستقلة يدور بين الفرق الإسلامية ولم ولن ينتهي، ويندر أن يرجع أحد عن مذهبه، وقد رأيت بنفسي من إذا وقع عقد عمل للتدريس في جامعة ما، تظاهر بتبنيه لمذهب تلك الجامعة، فإذا عاد لبلده عاد لإظهار مذهبه الحقيقي. لا فائدة ترجى حقيقة من محاولة الهداية هذه، فالناس على دين مشايخهم و المشايخ لن يغيروا مذهبهم مهما كان لاعتبارات كثيرة، ولذا فالحل الوحيد هو توحيد الجهد على قضية قبول الآخر كما هو، بدلاً من الجدل البيزنطي الذي لا يتناسب إطلاقاً مع روح العصر الحديث.

المصدر موقع ايلاف

صقر الخالدية
06/03/2004, 02:17 PM
العراق واشكالية الديون
أمركة الثقافة الاسلامية
عراق ما بعد صدام








المحتوى العربي على الإنترنت .. بين الواقع والمأمول
محيط : جورج صبري· ليس ثمة شك أن شبكة الإنترنت تعد الوسيلة الرئيسة التي تتيح نقل المعلومات وتبادلها بين الدول ، وهذا يتطلب بطبيعة الحال وجود تسهيلات عملية وقانونية تتيح لمختلف قطاعات مجتمع بعينه استخدامها بسهولة ويسر ، وغير ذلك يعني تخلف ذلك المجتمع عن متطلبات العصر ، وزيادة الفجوة المعلوماتية التي تفصل بينه وبين المجتمعات المتقدمة التي قطعت شوطاً بعيداً في تدفق المعلومات منها وإليها .




وإذا كان العالم العربي قد عانى وما زال يعاني الكثير بسبب الفجوة التكنولوجية والعلمية والصناعية التي تفصل بينه وبين الدول المتقدمة ، وإذا كان تضييق تلك الفجوة هو السبيل الوحيد لتقدم العالم العربي ونموه ، فإن السبيل الأكثر تفعيلاً لهذا الهدف ، هو اللحاق بركب الطفرة المعلوماتية التي تجتاح العالم ، والتي بدون استيعابها وتمثلها واستثمارها في مختلف مجالات الحياة ، لن يستطيع العالم العربي أن يلحق بركب الدول المتقدمة ، بل إن الفجوة بينه وبين تلك الدول سوف تزداد اتساعاً بمعدلات سريعة تجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل على العرب أن يفعلوا شيئاً حيالها . ماذا نعني بمجتمع المعلومات ؟ مصطلح "مجتمع المعلومات" الذي يتداوله الخبراء بكثرة هذه الأيام ، يطلق على المجتمع الذي بات فيه إنتاج المعلومات والمشاركة في تداولها وتبادلها وإدارتها ، من أبرز النشاطات الثقافية والاقتصادية . وبخلاف المجتمعات الزراعية أو الصناعية ، فان مجتمع المعلومات يعتمد أساسا على استعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، باعتبارها أدوات رئيسة تتدخل في إعادة تشكيل سلوك الناس وطرق معيشتهم وتفاعلهم مع بعضهم البعض ووسائل اللهو والترويح لديهم ، وطرق تعلمهم وتعليم أولادهم ، وكيفية إنجازهم لأعمالهم وعنايتهـم بصحتهم .ويجتاز مجتمع المعلومات الحدود التقليدية من خلال توظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، باعتبارها وسيطاً مسرّعاً ومعزّزاً للتغيير في كل جوانب المجتمع الاجتماعية والتجارية والاقتصادية والطبية والسياسية والتعليمية والثقافية ، كما يتيح للبنى التنظيمية التقليدية الإلكترونية أن تتطور وتصبح اكثر مرونة وتضافراً واقل مركزية ، الأمر الذي يساعد على الانتقال إلى الاقتصاد المبني على أساس المعرفة .



الإنترنت وحلم التطوير المستمر
الوضع الكمي للمحتوى العربي على الإنترنت بدايةً لا بد من التذكير بأن كلمة المحتوى العربي على الإنترنت ، تعني كل ما هو نتاج أشخاص وهيئات ومؤسسات عربية ، بغض النظر عما إذا كان ذلك النتاج مصاغ باللغة العربية أم لا . ولكن إذا نظرنا إلى المحتوى العربي الموجود باللغة العربية الآن ، نجد أن استخدام العربية في المواقع يقل عن 6 في الألف من المواقع المحلية . ورغم سيطرة اللغة الإنجليزية على الإنترنت من حيث المحتوى والذي يبلغ نحو 47% ، غير أن اللغات الأخرى تحظى على نصيب أوفر مما تحظى بها اللغة العربية ، حيث تبلغ حصة اللغة الكورية 4,4%بالمائة ، والإيطالية 3.1% ، والبرتغالية 2.5% ، وهذه لغات يقل عدد المتحدثين بها عن متحدثي اللغة العربية الذين يتجاوزون 300 مليون نسمة بكثير ، إضافةً لعشرات الملايين الموزعين في شتى أنحاء العالم الإسلامي .وتفسر الأرقام السابقة السبب في انصراف الشباب العربي عن الكثير من المواقع العربية واللجوء إلى المواقع الأجنبية ، بقلة المحتوى العربي المعروض باللغة العربية ، بخلاف نوعية هذا المحتوى الذي يتدنى مستواه كثيراً عن مستوى محتويات أخرى ، وهو مـا سنتحدث عنه بالتفصيل في موضع أخرى من هذا التقرير .وفي حديثة لصحيفة الشرق الأوسط ، ذكر عبد العزيز الأحمدي نائب رئيس شركة «شباك الخير» ، أن عدد المواقع العربية المحلية بلغ حتى نهاية عام 2001 ما يقرب من 9216 موقعاً بنسبة لا تزيد عن 26 في الألف من إجمالي عدد المواقع العالمية البالغ عددها 36 مليون موقع ، حسب إحصاء "دومينستيت دوت كوم" الذي جرى في يناير 2001 . ونعني بالمواقع المحلية تلك المواقع التي تنتهي بامتدادات تخص دولاً بعينها مثل امتداد "sa " الذي يدل على المواقع السعودية ، أو امتداد "ae " الذي يشير إلى المواقع الإماراتية ، وامتداد "eg " الذي يدل على المواقع المصرية وهكذا .. فيما توجد مواقع عربية وعالمية مسجلة على المستوى العام المعروف بالامتداد com"" أوNet" " أو "edu" أوorg"" وما إلى ذلك ، وهذه المواقع لا ترتبط بالمواقع المحلية بل بنوع نشاط القطاع ، والتي لا توجد إحصاءات دقيقة حول عددها . ولعل من المفيد أن نعلم أن الأسماء المسجلة عالمياً على مستوى النطاق العام "com" و "net" يتعدى 29 مليون اسم . وتحتل ليبيا المركز الأول في عدد المواقع العربية المسجلة محليا بواقع 4426 موقعا، تليها السعودية بحوالي 3158 موقعاً، ثم مصر بواقع 2485 موقعا، وهكذا إلى أن يصل عدد المواقع في بعض الدول العربية إلى أقل من مائة موقع . بل إن هناك من الدول ما يقل عدد المواقع فيها عن عدد أصابع اليد الواحدة ، مقارنة بحوالي أربعمائة ألف موقع في الأرجنتين . وإذا ما أخذنا هذه الإحصاءات بشكل تقريبي ، فإن الجميع يتفق على قلة المواقع باللغة العربية ، حيث تصنف جميع الدراسات مواقع اللغة العربية على الإنترنت ضمن اللغات الأخرى التي تمثل في مجملها بأقل من 4 في المائة ، ما يعني أن المحتويات العربية هي أقل من نصف بالمائة . وقد أكد تقرير صادر عن المجالس القومية المتخصصة في مصر عام 2003 ، أن هناك ما يقرب من 130 ألف موقع عربي محلي على الأرقام ، وأن نصيب مصر من هذه المواقع بلغ 1600 موقعاً . وجاء هذا التقرير بمثابة الصدمة لكثير من المهتمين بموضوع المحتوى العربي على الأرقام ، بعد أن تأكد وجود 30 ألف موقع إسرائيلي محلي مقابل هذا العدد الهزيل للدول العربية مجتمعة ، ناهيك عما ذكره هذا التقرير عن مضمون هذا المحتوى والذي نفرد له جزءا خاصا به في موضع آخر من هذا التقرير.



موقع محيط الإخباري خطوة نحو محتوي عربي جيد
وعلى جانب آخر يجب الإشارة إلى الأرقام التي تدل على مدى انتشار الإنترنت في العالم العربي ، والتي تؤكد أن انتشار الأرقام يعتبر متدنياً للغاية . بل أن انتشار الأرقام في عالمنا العربي يقل نسبياً عن المتوسط العالمي الذي وصل إلى نحو 5% ، في حين لا يتجاوز متوسط انتشار الشبكة في الدول العربية عن 2% . أضف إلى ذلك ضعف التواجد العربي– من حيث المحتوى– على الشبكة ، رغم أهمية اللغة العربية ليس فقط للعرب ، بل لأكثر من مليار مسلم . وإذا أردنا مقارنة المحتوى الذي يبث باللغة الصينية ، فسنجد أن العالم العربي يتخلف عنه بفارق كبير ، ففي حين أن حوالي 9% من محتوى الشبكة العالمية يبث باللغة الصينية ، فإن تواجد اللغة العربية على هذه الشبكة يزيد قليلاً عن نسبة 6 في الألف مما يبث عليها كما ذكرنا . وهكذا نرى أن من الطبيعي أن يشكل هذا التواجد المتواضع ، عائقاً طبيعياً يحول دون استخدام الشبكة العالمية لشرائح عريضة من المجتمع العربي وملايين المسلمين ممن يرتبطون روحياً بهذه اللغة ، هذا بالإضافة إلى أن انتشار الحاسبات الشخصية في منطقتنا العربية ، ما زال قاصرا ودون المستوى المطلوب ، حيث يمثل هذا الانتشار ما نسبته 15% ، مقارنة بالدول المتقدمة تقنياً مثل غرب أوربا الذي يصل فيها إلى نحو 50% ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية حيث يصل لنحو 70% .وقد كشف مسح تم إجراؤه حديثا عن أن 0.9% من المواقع على شبكة الإنترنت ، توائم محتوياتها احتياجات المستخدم العربي ، وهو ما يعظم الاحتياج إلى المزيد من المحتوى العربي المتميز على شبكة الإنترنت . آراء الخبراء في الوضع الحالي للمحتوى العربي وحول أهداف المحتوى العربي على الأرقام أكد الأستاذ وليد محمود مدير التسويق والمبيعات بشركة Advanced System لمندوب "محيط" أن هذا المحتوى لم يستهدف حتى الآن الدخول فيما يسمى بـ internet business ، الذي يعتبر – في نظره – الهدف النهائي من استخدام الأرقام ، مؤكداً أن المحتوى الموجود أقل بكثير مما يجب ، فضلاً عن أنه بلا مغزى أو قيمة ، كما أكّد أن معظمه ترفيهي ويؤثر سلباً على المستخدم العربي .. مشيرا إلى أن دور الحكومة ينبغي أن يتمحور حول توفير مناخ جيد للقطاع الخاص ، من أجل النمو بالمحتوى العربي الذي يبث حالياً على الشبكة ومضمونه . وعن سؤال الأستاذ وليد حول مدى استفادة العرب من الأرقام ، أكد أنه لا توجد استفادة فعلية من إمكانات هذه الشبكة حتى الآن ، مقارنة بما يمكن أن تقدمه إذا أحسن استغلالها .ويشير العديد من الأرقام والدراسات إلى نتائج محزنة لما وصل إليه حال استخدام الأرقام في العالم العربي ، حيث أشارت دراسة حديثة لمركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري أن 4% فقط من مستخدمي الإنترنت العرب هم من الإناث . وبالرغم من أن الكثيرين قد يرون أن هذا الوضع ناتج عن ضعف اهتمام المرأة بالإنترنت ، فقد يعني ذلك أن الإلكترونية الرقمية كوسيلة إعلامية لا تجتذب المرأة العربية ، حيث أن محتوى المواقع العربية لا يتضمن ما يشد انتباهها بصفة عامة . وإذا حاولنا أن نتناول مدى ضعف المحتوى العربي من ناحية الكيف ، فسنجد أن هناك العديد من الآراء التي تفسر هذا الضعف وأسبابه . فقد أكد الأستاذ محمد عزت مدير إحدى شركات الاستشارات الإدارية في حواره مع مندوب "محيط" ، أن السبب في ضعف محتوى المواقع العربية على الشبكة هو تركيز الغالبية العظمى منه على عنصر الترفيه ، وأنه لا يوجد على الأرقام محتوى جاد يمكن الاطلاع عليه ، ما يدفع الزائر العربي للبحث عن ضالته في المواقع الأجنبية . كذلك يشير الأستاذ محمد عزت إلى أن أهم ما يعيب المواقع العربية هو عدم الحيادية التي تلتزم بها المواقع الأجنبية بصفة عامة . وحين سُئل عن رؤيته للجهة المسئولة عن تطوير هذا المحتوى ، أكد أن دور الحكومات ضعيف وغير قادر على إثرائه ، وأنه يقع على عاتق القطاع الخاص الجزء الأكبر من تطويره .أما المهندس طارق وهبي مدير تطوير الأعمال بشركة للأنظمة الجغرافية ، فقد ذكر لمندوب محيط أنه لا يدخل للمواقع العربية بسبب ضعفها ولأن تكنولوجيا المعلومات بدأت في الأساس باللغة الأجنبية ، مؤكداً أن المحتوى في المواقع الأجنبية أفضل وأقيم بكثير منه في المواقع العربية ، فضلاً عن أن الوصول إليه يتم بسهولة ويسر .. مشيرا إلى أن على الحكومات العربية أن تتعاون مع القطاع الخاص لإثراء المحتوى في المواقع العربية .وقد أنهى حواره مع محيط مؤكداً أن المحتوى العربي على الأرقام ضعيف ، بسبب أن تكنولوجيا المعلومات في الوطن العربي هي أساساً ضعيفة .



مستخدمو الإنترنت هم ضحية المضمون الضعيف
وفي دراسته الهامة حول هذا الموضوع ، قدم المهندس علي الغامدي من شركة الاتصالات السعودية والعضو في لجنة تنظيم تقنية المعلومات بدول مجلس التعاون الخليجي ، ورقة عمل عرض فيها تحليلاً قيماً لوضع المواقع العربية الحالي على شبكة الأرقام وبخاصة في دول الخليج . وقد أشار في هذه الدراسة إلى كثرة انتشار المواقع في منطقة الخليج بشكل أسرع منه في أي بلد عربي آخر ، حيث توجد آلاف المواقع باللغة العربية سواء كانت شخصية أو خاصة بالشركات والمؤسسات التجارية والمصالح الحكومية ، نظرا لتوافر التقنيات والأدوات المجانية لتصميم وتطوير المواقع وانتشار مواقع الاستضافة المجانية أو بأسعار رمزية ، وكذلك وجود الكثير من المواقع التي تُعنى بشرح كيفية تصميم ونشر المواقع ، مستعينة بتقنيات متطورة وحديثة يحرص أصحاب المواقع على استخدامها .وقد أشارت هذه الدراسة إلى أن الكثير من هذه المواقع الإلكترونية تتميز بالشكل والإخراج المقبول ، ولكن معظمها يفتقر إلى المضمون والمحتوى الجيد والمفيد ، كما أشارت إلى أن معظم هذه المواقع هي بمثابة اجتهادات شخصية قام بها مصممو هذه المواقع ، دون أن يأخذوا في الاعتبار نوع المعلومة وتأثيرها على المتصفح وبخاصة في ظل غياب الرقابة . فمن المفهوم جيداً أن محتوى الموقع من المعلومات المكتوبة والمسموعة والمرئية ، يعتبر الأساس لبناء أي موقع ، فإذا كان هذا المحتوى جيداً ، كان الموقع جيداً والعكس صحيح .ولعل من أبرز مشاكل المحتوى العربي في المواقع كما ذكرت الدراسة ، عدم وجود معايير ومقاييس للمصطلحات التقنية باللغة العربية وغياب التوافق في المصطلحات العربية ، إضافة لعدم التزام الموضوعية في نشر المحتوى ، والتكرار والتقليد في الشكل والمضمون في معظم المواقع ، والاهتمام بالشكل وإهمال المضمون ، وغياب أو عدم وضوح هدف الموقع ، وأخيراً مخالفة الأنظمة العالمية وحقوق الملكية الفكرية . المحتوى العربي والتجارة الإليكترونية أظهرت دراسة جديدة حول هذا الموضوع أن معظم المواقع العربية على شبكة الإنترنت تتبع مؤسسات اقتصادية وتجارية ، وأن أكثر من خمسها يرتبط بتسويق المنتجات والخدمات الخاصة بتكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، تليها المواقع الخاصة بالتسلية والرياضة والدين والعقائد والمؤسسات المختلفة والأفراد والصحف والمجلات . ويعتقد البعض أن أولى المراحل التي مرت بها اللغة الإنكليزية قبل انتشارها الواسع على مواقع الإنترنت ، كانت إدخال تنوع واسع يشمل نتاج صناعات النشر الورقي ، والنشر الإلكتروني ، والبرامج الإلكترونية التطبيقية على اختلاف أنواعها ومستوياتها ، مثل :الكتب ، وتسجيلات الموسيقى ، وقواعد البيانات ، والصحف والمجلات ، ووثائق التراث ، والوسائط المتعددة ، وبرمجيات التطبيقات ، والوثائق الحكومية ، والنشر العلمي ، والبرامج الإذاعية ، والبرامج التلفزيونية ، والأفلام ، والعاب الكومبيوتر ، والأدوات البرمجية الخاصة بزيادة الإنتاجية وصفحات مواقع الإنترنت العامة ، والبيانات الشخصية ، وكتالوجات المنتجات ، ووثائق نشاطات الأعمال ، وبنوك الصور ، وبراءات الاختراع . وهكذا يمكن القول بأن غياب محتوى عربي جيد على مواقع الإنترنت ، يرجع لعدم وجود مؤسسات حكومية وتعليمية وثقافية تضع في أولوياتها بناء محتوى عربي جيد يتحدث عنها عبر الشبكة الدولية . وهذا لا يعني الانتقاص من أهمية الجانب التجاري والتسويقي الذي تقوم به المؤسسات العربية على شبكة الإنترنت حالياً ، لكن دورها في هذا المجال ما زال ضعيفاً وغير مؤثر ، حيث أفادت بيانات صادرة عن مؤسسة النقد العربي السعودي ، بأن من أهم العوائق التي تحول دون انتشار التجارة العربية عبر شبكة الاتصالات الدولية "الإنترنت" ذلك الانخفاض النسبي في : 1 – الثقة والأمان بالاتجار عبر الشبكة ، حيث لم تتجاوز نسبة 27% .2 - المحافظة على الخصوصية ، ونسبتها 20% . 3 - عدم جودة المحتوى ونسبتها 12% .4 - غياب البنية التحتية المؤهلة ونسبتها 11% . 5 - الرفض الاجتماعي 7% . 6 - عدم إدراك مزايا التجارة الإلكترونية ، ونسبتها 6% . 7 - وجود عوائق مؤسسية وقانونية ونسبتها 6% .وقد صف تقرير صادر عن المجالس القومية المتخصصة بمصر نمو التجارة الإلكترونية العربية بأنه نمو خجول ، وأن معظم المشتريات التي يقوم بها العرب عبر الإنترنت تتم عبر مواقع أجنبية . لكن هذا التقرير أفاد أيضا بأن هذه التعاملات سوف تزيد ، وأن التجارة الإلكترونية العربية سوف تشهد مزيدا من النمو بالنظر إلى مشاريع رائدة جديدة يجري تنفيذها ، مثل مشروع مدينة دبي للإنترنت وبعض المشاريع الأخرى في مصر ولبنان .وبرغم أن الكثير من المؤسسات البحثية والحكومية ، تخرج علينا بين الحين والآخر بالعديد من الإحصاءات والأرقام المتضاربة ، غير أن الغالبية العظمى من هذه الأرقام تتراوح في تقديرها للوضع العربي في هذا المجال ما بين سيئ وغاية في السوء ، وكلاهما يوجب على الدول العربية أن تنهض من سباتها ، لتواجه التغيرات السريعة التي تطرأ في العالم ، وبخاصة في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات . وليس أدل على هذا التضارب من أن بعض المعلومات الرقمية ، تقدّر عدد مستخدمي الإنترنت العرب في نهاية عام2002 بنحو 5 ملايين ، في حين تؤكد جهات أخرى أن العدد لم يتجاوز 3 ملايين ، ثم يأتي آخرون ليرفعوا العدد إلى 8 ملايين ، بينما يأتي من يزايد على هؤلاء ليرفع العدد إلى أكثر من 15 مليون . وتشير عدة دراسات إلى أن المحتوى العربي الذي ينشر على الإنترنت ، يشكل– في غياب أي مؤشر على وجود خطة منظمة تستهدف رفع مستوى العرض والطلب على النشر الإلكتروني العربي– وسطا فقيراً وبسيطا لا يلبي حاجة الزائر .فمن الطبيعي أن الطلب المنخفض يتبعه عرض منخفض ، وأن تخلّي المؤسسات الحكومية عن مشاريع نشر خدماتها على الإنترنت ، يؤثر سلباً على مجمل حركة استخدام الإنترنت باللغة العربية .ومع الاعتراف بدور هذه الأسباب في انخفاض مشاركة الناطقين بالعربية في التعامل مع الشبكة العالمية للاتصالات ، غير أن من الأسباب الرئيسة لهذا الانخفاض غياب المحتوى المعلوماتي الجيد عن المواقع العربية .



الشباب العربي منصرف تماما عن لغته العربية
اجتهادات وتوصيات للارتقاء بالمحتوى العربي في حواره مع شبكة المعلومات العربية محيط ، أكد أحد مديري المبيعات بشركة معلوماتية مصرية ، أنه يدخل إلى المواقع وفقاً لطبيعة المعلومة التي يبحث عنها بما في ذلك المواقع العربية . لكنه عاب على هذه المواقع عدم التحديث المستمر لمحتواها ، مشيرا إلى أن المواقع الأجنبية ترصد أحداث الوطن العربي لحظة بلحظة وتتيحها عبر الأرقام للزائر قبل المواقع العربية . وأضاف قائلاً : إن اللوم لا يقع على الحكومة وإنما على صاحب الموقع المسئول عنه ، وأن الحل لبناء محتوى عربي جيد يجتذب الكثيرين ، هو أن تتعاون الحكومة مع القطاع الخاص ، ولا تخشى من نشر المعلومات الصحيحة ، ولا تضع عليها قيودا .وفي الدراسة التي أشرنا إليها في موضع سابق ، قدم المهندس علي الغامدي عدة توصيات لإثراء المحتوى من أهمها : التنسيق مع القائمين على تسيير المواقع العربية والعمل بتوصياتهم ، وتوحيد المقاييس والمعايير الخاصة بالمصطلحات العربية ، وإيجاد أسلوب لحماية المواقع المتميزة من النّسخ والتقليد ، ورعاية المواقع المتميزة لإبرازها عالمياً ، وإقامة مسابقات سنوية لأفضل المواقع من حيث المحتوى لحث أصحاب المواقع على الاهتمام بتلك الناحية ، وحث شركات تقديم خدمة الأرقام على الاهتمام بتقديم خدمة استضافة المواقع لمشتركيها وغير المشتركين مقابل تسهيلات أو دعاية أو إعلان يحصل عليه مزود الخدمة ، بشرط تقديم الدعم الفني والأدوات اللازمة للتصميم للمشركين . هذا بالإضافة إلى تشجيع شركات ومؤسسات استضافة المواقع على شراء خدمات الاستضافة ومتطلباتها الأساسية ، بدلاً من استئجارها من الخارج لاستقطاب المواقع المتميزة وضمان استمراريتها ، ثم أخيراً وليس آخراً حث وسائل الإعلام والصحف والمجلات العلمية على تقديم البرامج المتخصصة التي تفيد في عملية تأمين المحتوى وتحد من إمكانية نسخه أو سرقته ، وتقديم برامج إعلامية وتعليمية في وسائل الإعلام المختلفة تشرح آخر التقنيات المستخدمة في مجال التصميم .وأثناء الحوار الذي أجراه مندوب "محيط" مع الأستاذ أحمد محمد أمين مدير المبيعات بشركة "تلي تك" للاتصالات ، أثار الأخير نقطة غاية في الأهمية وهي أن مشكلة المحتوى العربي حاليا تكمن في كثير من جوانبها في غياب الإعلان تماما عن هذا المحتوى . وبمقارنة مع المواقع الأجنبية يشير إلى أنه يوجد تحت أي موضوع مكتوب باللغة الإنجليزية مثلاً ، اسم الموقع الذي يمكن الدخول إليه للحصول على مزيد من المعلومات ، وهو ما لا يحدث بالنسبة للموضوعات والإعلانات العربية . واستطرد قائلاً : إنه يرغب في الدخول إلى مواقع عربية ، لكنه لا يعرف أسماء المواقع المعنية بمجالات اهتمامه ولا كيفية الوصول إليها ، ما يدفعه للجوء كثيرا للمواقع الأجنبية .وأشار أيضاً إلى أن المواقع الأجنبية ليست أفضل من المواقع العربية دائما ، لكن معظمها يتفوق على المواقع العربية شكلاً ومضموناً ، وإن على الحكومة دور كبير يجب أن تقوم به لإثراء المحتوى العربي ، مؤكداً على أهمية الاستفادة من تجربة دبي التي يرى أنها الأفضل عربيا في مجال الإنترنت . التجربة الهندية في مجال تكنولوجيا المعلومات وفي ضوء استعراض الوضع الحالي للمحتوى العربي على الأرقام وآراء الخبراء والدراسات وتوصياتهم للنهوض بمستواه ، يبقى أن نشير إلى أن هذه التوصيات لا يصعب تنفيذها إذا ما توافرت النية الصادقة وتضافرت الجهود نحو تطوير المحتوى العربي على الإنترنت ، والإيمان بأن هذه القضية تمثل ركناً رئيساً من أي خطة تستهدف الارتقاء بالأداء العربي في مجال تكنولوجيا المعلومات . فعلى سبيل المثال يمكن أن نقارن وضعنا بدولة مثل الهند ، وهي دولة تعاني مثلنا من العديد من المشكلات . فبالرغم من أن الهدف التنموي المعلن للهند هو رغبتها في أن تصبح قوة اقتصادية رئيسة في عام 2020، وإنها ستسعى لتحقيق معدل نمو حقيقي يتجاوز 8% في المتوسط سنوياً ، ورغم أن أكثر من مليون من أبنائها من خبراء المعلوماتية يعملون في مختلف أرجاء العالم .. وأنها تسعى لتحقيق طفرة رقمية برغم الصعوبات الكبيرة التي تواجهها بسبب معاناة السكان من الأمية ، وأن أكثر من 500 مليون من الهنود يعيشون على دخل يقل عن الدولار الأمريكي الواحد يومياً ، وأن انتشار خدمة "الإنترنت" يغطي أقل من نصف من الواحد بالمائة من السكان وهو ما يقل كثيراً عن المتوسط العالمي (5%) ، وأن توافر التليفون هو في حدود 2,2 خط لكل مائة من السكان ، وهو معدل متدن مقارنة بالمتوسط العالمي الذي يقدر بنحو15.5 خط لكل مائة فرد ..نقول إنه بالرغم من ذلك كله ، فإن الهند ما زالت تصر على البقاء في الحلقة الرقمية وكسب الجولات لصالح اقتصادها الرقمي ، عبر تصميمها على إيجاد بنية وبيئة حاضنة ومنافسة من التشريعات والحوافز والمزايا . حوة عربية والتعلم من دروس الماضي وفي النهاية .. نعود ثانية للتوصية التي نادى بها جميع المعنيين بهذا الموضوع وتطويره ، وهي أن الوصول لمرحلة مجتمع المعلومات هو فرصة للوطن العربي من أجل التواصل مع الدول المتقدمة ، بدلا من تكرار الوقوع في فجوة مقيتة كتلك التي حدثت في الحقبة الصناعية ، وأن على المجتمعات العربية حكومات وشعوباً الاهتمام بخطورة الفجوة الرقمية التي ستزداد تفاقماً طالما استمرأنا مشاهدة الدول الأخرى تعمل وتجتهد واكتفينا بشراء منتجاتها . فبعيدا عن التصريحات والدراسات التي تُصوّرنا على أننا نسير على الطريق الصحيح ، وأن الوطن العربي أصبح يجتذب كبرى الشركات المعلوماتية ، يجب أن نتيقن من أن ما يحدث الآن هو على النقيض من ذلك تماماً ، وأن لا نكرر المأساة التي حدثت للعالم العربي خلال الخمسين عاماً الماضية ، حين جاءت كبرى الشركات البترولية لاستخراج النفط العربي ، حيث كان النفع يعود على تلك الشركات وعلى دولها ، أما نحن فقد أكتفينا بشراء ما يقومون بتصنيعه من خير بلادنا بأثمان باهظة ، دون أن نبذل أي جهد للحاق بركب الثورة الصناعية التي شهدها العالم في تلك المرحلة .وها هو المشهد يتكرر الآن .. فالكثيرون يعتقدون أنه بمجرد إقامة المؤتمرات والاحتفالات تتحقق التنمية المعلوماتية . فهذه الشركات العالمية التي أصبحت تهتم بالمنطقة العربية هدفها ربحي بالدرجة الأولى ، وهذا ليس عيبا ولا خطأ منها ، لكنه عيب فينا أن نعتبر هذا هو التقدم التكنولوجي .فالمقولة الصينية الشهيرة التي تقول "بدلا من أن تعطيني سمكة علمني كيف أصطاد " ، يجب أن نأخذ بها في تعاملنا مع مثل تلك الشركات والمؤسسات الدولية ، وذلك بالاهتمام بتدريب أبناء الوطن العربي لدخول عصر المعلومات ، وتعليمهم كيفية إنتاج ما يتطلبه العصر الحديث ، بدلا من الاكتفاء بتعليمهم كيفية استخدام التقنيات المعلوماتية الحديثة .فبعد أن فشلنا في اللحاق بالمجتمعات المتقدمة في الفترة الصناعية ، وقلنا : "يجب ألا نبكي على تخلفنا في الحقبة الصناعية .. علينا الاهتمام بالعصر القادم" ، نأمل أن لا يتكرر ذلك في حقبة ثورة المعلومات التي تجتاح عالم اليوم ، فنقول : "يجب ألا نبكي على تخلفنا في عصر المعلومات .. علينا الاهتمام بالعصر القادم" ، ثم نعود كالعادة إلى صفوف الحالمين الذين يحلون مشاكلهم بأحلام اليقظة ليس إلاّ . ***

صقر الخالدية
10/03/2004, 12:15 PM
أميركا والإعلام العربي: حزمة أغاليط وادعاءات
فهمي هويدي
نواجه هذه الأيام بحزمة أغاليط تنتقد موقف الاعلام العربي من الولايات المتحدة، وتساق تلك الأغاليط في معرض تسويغ الحملة الاعلامية المضادة التي تشنها واشنطن، موجهة الى الادراك العربي، بهدف «تصحيح الصورة» و«انصاف» السياسة الاميركية «المظلومة» في المنطقة. ومع اطلاق القناة الاميركية الجديدة «الحرة» الموجهة باللغة العربية، ارتفعت وتيرة ذلك الانتقاد، الذي تردد على ألسنة مسؤولي المحطة التلفزيونية وضيوفهم على مدار يومها الأول (السبت الماضي 2/14). وكنا قد سمعنا الكلام ذاته في أوقات سابقة، حينما وجهت الولايات المتحدة محطة اذاعة جديدة للشباب «سَوَا» ثم أصدرت مجلة «هاي». إذ قيل في كل مرة ان هذه المنابر يراد بها تعويض التوازن المختل في الخطاب الاعلامي العربي، بحيث تطرح وجهة النظر الأخرى في قراءة الأحداث الجارية بالمنطقة.
لست في معرض الدفاع عن الاعلام العربي الذي أزعم ان السياسة تضغط عليه بأكثر مما ينبغي، حتى حولته في أغلب الأحيان الى تابع أو بوق لها، ولي كتابات سابقة في هذا المعنى لا محل لاستعادة مضمونها. من ثم فلدي ـ ولدى غيري بكل تأكيد ـ الكثير من المآخذ التي يمكن أن نسجلها على الاعلام العربي، لكن ليس من بينها تلك الحجج التي تساق لتبرير اطلاق الحملة الاعلامية الاميركية، التي تطرق أسماعنا وأبوابنا في إطار ما أسماه وزيرا الدفاع والخارجية الاميركية «حرب الأفكار»، التي تستهدف التأثير على عقول الناس ومداركهم في العالم العربي والاسلامي.
بل لعلي لا أبالغ اذا ما قلت انه اذا كان للاعلام العربي من حسنات ـ وهي قليلة ـ فلعل موقف بعض منابره الكاشف للسياسة الاميركية هو أحد تلك الحسنات، حتى يخالجني شك كبير في أن يكون الهدف من الحملة الاعلامية المضادة هو ستر عورات السياسة الاميركية ومداراة ذلك الانكشاف، ومن ثم التشويش على الحقائق وليس تبيان وجهها الآخر كما يدعي، ولا أريد أن أستبق، لأن التجربة ما زالت في بداياتها، لكنني ألفت النظر الى أن الأبواق الاميركية الجديدة ستواجه امتحانا مهما في تعاطيها للشأن العراقي الفلسطيني بوجه أخص، وسنرى اذا كانوا سيعتبرون الوجود الاميركي في العراق احتلالا أم تحريرا، ودفاع الشعب الفلسطيني عن حقه وأرضه مقاومة أم إرهابا، ورئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون «رجل سلام» كما قال الرئيس بوش، أم سفاحا ومجرم حرب كما يقول سجله المبسوط بين أيدي الكافة.
حزمة الأغاليط التي أشرت إليها تتضمن انتقادات وادعاءات عدة في مقدمتها مايلي:
* ان الاعلام العربي «متحامل» على الولايات المتحدة كأنما يتعامل معها بحسبانها «الشيطان الأكبر» والمصدر الأول للشرور في العالم، وهي حجة تفهم اذا كان ما تنشره أو تبثه وسائل الاعلام العربية من قبيل الافتراء وليس تسجيل الحقيقة. من هذه الزاوية فأحسب أن السؤال المهم الذي تثيره الملاحظة هو ما اذا كانت المعلومات التي يقدمها الاعلام العربي صحيحة أم لا، ذلك ان المشكلة لا تكمن في تحامل الاعلام العربي على الولايات المتحدة، بقدر ما تكمن في طبيعة السياسات والممارسات الاميركية ذاتها، التي أدت الى «تقبيح» الصورة الاميركية في الخارج، وهذا القبح يبلغ ذروته في موقف الادارة الاميركية من الجرائم الاسرائيلية في الأرض المحتلة، وهو موقف لايشجع على أي احسان للظن بالسياسة الاميركية ناهيك عن التعاطف معها.
* ان الاعلام العربي ينقل رأيا واحدا، ولا يتيح الفرصة لتسجيل وجهات النظر الأخرى في السياسة الاميركية. وهذا ادعاء غير صحيح بالمرة، ليس فقط لان 80 بالمائة من التقارير الاخبارية التي يبثها الاعلام العربي مصدرها وكالات الانباء الاميركية، ولكن أيضا لأن أغلب الصحف العربية المهمة شهدت في أعقاب 11 سبتمبر ما يمكن أن نسميه غزوا اميركيا واسع النطاق، فأغلب التحليلات الخارجية أصبحت تعتمد على الخدمات الصحفية التي تسوقها الصحف الاميركية (واشنطن بوست، نيويورك تايمز، لوس انجيليس تايمز...إلخ)، وعدد غير قليل من كبار الكتاب الاميركيين أصبحوا ينشرون مقالاتهم في كبريات الصحف العربية، ذلك بالاضافة الى الكتاب العرب الذين أصبحوا أبواقا للسياسة الاميركية في المنطقة، هؤلاء جميعا لهم حضور قوي الآن في الصحافة العربية خاصة (لا تنس ان الوجود الاميركي بل والاسرائيلي دائم في أغلب البرامج التلفزيونية الحوارية والتحليلية)، حتى ان أحد أساتذة الجامعة الاميركية في القاهرة قال لي ضاحكا ذات مرة انه أصبح يقرأ بعض الصحف العربية مستعيضا بها عن قراءة نيويورك تايمز، ليس فقط لكي يقوي لغته العربية، ولكن أيضا لأنها أصبحت حافلة بالأخبار والتعليقات والتحليلات الاميركية.
* ان الاعلام العربي عبأ الناس ضد الولايات المتحدة حتى شاعت بينهم مشاعر الكراهية لها، وهي حجة غير صحيحة من وجهين، الأول ان الحقائق التي تجسد السياسة الاميركية على أرض الواقع لا تدع مجالا لزرع بذور الود إزاء الولايات المتحدة، واذا كانت تلك الكراهية قد تضاعفت في ظل الادارة الاميركية الحالية ـ وهو صحيح ونص ـ فمن غير المعقول ان يفسر ذلك باعتبار ان الناس قد تغيروا، وينبغي الاعتراف بأن السياسة الاميركية هي التي تغيرت حتى نفرت الناس منها.
أما الوجه الثاني، فيتمثل في اننا اذا صدقنا ان الاعلام العربي هو الذي عبأ الناس ضد الولايات المتحدة، فان ذلك لا ينسحب على مجتمعات أخرى في العديد من أنحاء العالم، وبوجه أخص في أوروبا، ذلك ان أحدا لا يستطيع القول إن المشاعر الرافضة للسياسة الاميركية والناقمة عليها في أوروبا متأثرة «بتميزات» الاعلام العربي، واذا لاحظنا في هذا الصدد ما أسفرت عنه نتائج استطلاع الرأي الذي أجرته المفوضية الأوروبية، واعتبر ان الولايات المتحدة تأتي ـ مع دول أخرى ـ في المرتبة الثانية لمصادر تهديد السلام العالمي (اسرائيل احتلت المرتبة الأولى)، فان هذه الملاحظة تشير بقوة الى أن النفور من السياسة الاميركية ليس مقصورا على العرب وحدهم، وهو ما يبرىء ساحة الاعلام العربي من التهمة، كما تشير بذات الدرجة من القوة الى أن ثمة شيئا غلطا في السياسة الاميركية ذاتها يجب تصويبه.
* ان الاعلام العربي يشوه وعي الناس من جراء القصور في ادراكه بخريطة الواقع الاميركي، فهو يخلط بين السياسة الاميركية والشعب الاميركي، ثم انه غير مدرك للتمايزات الحاصلة في المجتمع، أو تلك الواقعة داخل الادارة الاميركية ذاتها تلك لعمري حجة واهية لا دليل عليها، بل ان الشواهد تدل على أنها حجة ضد الاعلام الاميركي وليس الاعلام العربي، ذلك اننا اذا قارنا كم حوادث الاعتداء على الاميركيين في العالم العربي، بحجم الاعتداءات التي يتعرض لها العرب في الولايات المتحدة، فان تلك المقارنة ستبين لنا بوضوح على أي جانب يجري الخلط بين السياسة والمجتمع، ذلك اننا لا نعرف ان مواطنين اميركيين عاديين تعرضوا للاعتداء في العالم العربي من أقصاه الى أقصاه خلال السنوات الثلاث الماضية (بعد احداث 11 سبتمبر)، وان وجدت تلك الحالات فهي لا تكاد تذكر رغم علم العرب أجمعين بالمواقف والممارسات الاميركية في فلسطين وأفغانستان والعراق بوجه أخص، بالمقابل فان العرب والمسلمين المقيمين في الولايات المتحدة تعرضوا في عام 2002 الى 602 اعتداء، بزيادة 46 بالمائة عن عام 2001، أما حوادث الاعتداء التي تعرضوا لها في عام 2003، طبقا لتقرير منظمة «كير» ـ المجلس الاسلامي الاميركي ـ الذي هو تحت الطباعة الآن يتجاوز الألف حالة، علما بأن هذه هي الحوادث التي تم الابلاغ عنها، ولابد أن تكون هناك حالات أخرى لم يبلغ عنها. وذلك كله بخلاف سبل الإهانات والملاحقات ومظاهر التمييز الجارحة التي يتعرض لها العرب والمسلمون المقيمون والوافدون الى الولايات المتحدة.
ان الحقيقة التي لا يريد أهل القرار في واشنطن الاعتراف بها هي أن ما يحتاج الى تغيير حقا هو السياسة الاميركية، التي لا تكف عن زراعة الشوك والمر في بلادنا، واستمرار تلك السياسة له معنى واحد هو أن تتسع رقعة المر والشوك، حيث ينبغي ألا يتوقعوا أن يكون الحصاد من غير جنس الزرع.
بطبيعة الحال، هم أحرار في ملايينهم التي يبعثرونها هنا وهناك آملين في أن يحصدوا شيئا على النقيض مما زرعوه، ولئن خصصوا ثلاثين مليون دولار لتمويل البث التلفزيوني الأخير، فإننا لا نرى في هذه الخطوة سوى أنها حلقة جديدة في سياسة الحرث في البحر التي أدمنوها في تعاملهم مع العالم العربي والاسلامي، ولو ان الأمر ظل تعلقا بوهم تغيير المنطقة لهان، لكن المشكلة ان ذلك يعبر عن غفلة شديدة عن حقيقة استمرار تنامي مشاعر الكراهية ضد السياسة الاميركية في العالم العربي والاسلامي، الأمر الذي يبقي على باب المفاجآت مفتوحا، وإزاء الاصرار على تجاهل تلك الحقيقة فإننا لا نملك إلا أن نرفع أكف الدعاء الى الله راجين منه اللطف في المقادير.





المصدر الشرق الاوسط

صقر الخالدية
13/03/2004, 12:00 PM
قضايا و اراء
42831 ‏السنة 128-العدد 2004 مارس 13 ‏22 من محرم 1425 هـ السبت


نحو التعاون العربي المتكافل
بقلم‏:‏ الحسن بن طلال



إن التحديات التي تواجه الأمة العربية‏,‏ وكذلك التحديات التي يواجهها عرب المهجر‏,‏ والفساد بصوره المختلفة‏,‏ أدت لدعوة زعماء العالم لصياغة عبارات جديدة عن الشرق الأوسط الكبير‏.‏ فمحاولة الخروج العربي من دائرة التأثر إلي دائرة التأثير أوجدت ضرورة إصلاح توجه الجامعة العربية وتحصين مضمونها كما هو متوقع في طرح المبادرة السعودية‏-‏ المصرية‏-‏ السورية علي مؤتمر القمة العربي المنعقد في تونس نهاية شهرمارس‏.‏
إذا عدنا إلي البدايات فإن العمل العربي المشترك‏,‏ بدأ في بروتوكول الإسكندرية عام‏1944,‏ وتضمن مبادئ أدت إلي قيام جامعة الدول العربية‏,‏ لتحقيق التعاون في المجال الثقافي والاجتماعي والاقتصادي‏,‏ وفي عام‏1950‏ أقر مجلس الجامعة العربية معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين البلاد العربية‏,‏ الذي يعتبر الحد الأدني للتفاعل والمساندة المتبادلة‏,‏ كما أنه الخطوة الأولي علي طريق التكامل الاقتصادي العربي‏.‏ ولكن ضعف الإرادة السياسية العربية التي لم تصل إلي المستوي المطلوب لتنفيذ التزامات العمل القومي العربي بشتي الصعد‏,‏ مع غياب الفهم الدقيق لمعدلات العلاقات الدولية‏,‏ كشفت هشاشة النظام الإقليمي العربي وغيبت مفهوم الصالح العام في التعامل‏.‏ لقد كتب الكثير في سلبيات العمل العربي المشترك‏,‏ وفي عجز الجامعة ومؤسساتها عن تحقيق الأهداف التي تأسست من أجلها‏.‏ ولكن ما نحتاج إليه في ظل هذه الظروف‏,‏ هو النظرة الإيجابية لكيفية تطوير مؤسسات العمل الجماعي بما يخدم الإنسان العربي‏.‏

كما هو واضح من واقع الحال‏,‏ فإن تفعيل اتفاقيات العمل العربي المشترك‏,‏ تحتاج إلي إرادة سياسية جامعة من قبل الأنظمة العربية‏.‏ فعدم وجود تعريف لإقليمنا هذا المدعو بالشرق الأوسط‏,‏ وعدم التغيير في العلاقات البينية العربية بالرغم من أن النظرة العالمية للأمة العربية قد تغيرت وتحول مع هذا التغير مفهوم الحوار بين الحضارات إلي الهيمنة الحضارية من قبل الطرف الأقوي‏,‏ يستدعي توقفنا وقفة جادة للتعامل مع قضايانا الأساسية بشكل عملي ضمن الانفتاح علي العالم‏.‏ فمن الطبيعي إذا‏,‏ أن نبدأ من انتهاج الوسطية العقلانية‏,‏ التي يجب أن تكون سبيلنا الأوحد للإعلاء من الشوري والديمقراطية والتعددية‏,‏ والحيلولة دون الشرذمة الطائفية والمذهبية والإقليمية‏,‏ من خلال الاختلاف الواعي الذي يرسخ الصالح العام‏,‏ ونبذ الاجندات الخاصة وذلك للتلاقي مع القيم الإنسانية التي بقيت علي مر العصور جزءا من الوعي الإنساني الجماعي‏.‏ إننا نستطيع التكلم بإسهاب عن الكثير من الأنظمة‏,‏ أكانت منها السياسية أم الاقتصادية أم التكنولوجية‏,‏ ولكننا عندما يتعلق الأمر بالإنسان العربي‏,‏ نجد دائما صعوبة بالغة في إيجاد نظام يرتكز علي كرامة الإنسان وذلك لغياب القيم المشتركة وكذلك غياب الضمير العالمي‏,‏ ولكن لكي لا نبقي مع النظارة والمتفرجين‏,‏ بعيدين عن دائرة الفعل والتأثير‏,‏ علينا أن نتجه نحو التشبيك‏-‏ عربيا وعالميا‏-‏ مع تجمعات ومنظمات تهدف إلي ماتهدف إليه من خلال برامج عملية مدروسة تنأي عن التطرف وتكون جزءا من الحركة الوسطية العالمية‏.‏ لقد كنا كعرب وأعضاء في الجامعة العربية في السابق‏,‏ مع مفهوم عدم الانحياز إلي هذه القوة العظمي أو تلك‏,‏ وتعلمنا الكثير من الدروس والعبر من خلال نهجنا هذا‏,‏ ولكن تحديات هذا القرن تفرض علينا أن نكون مبادرين بحركة عالمية تنحاز من حيث المبدأ إلي السلام وثقافة السلام بإطلاق خريطة طريق اقتصادية واجتماعية محورها كرامة الإنسان واحتياجاته‏,‏ وغايتها صنع السلام المتجذر في الأفئدة والعقول‏.‏ سواء كان هنالك حديث عن شرق أوسط جديد أو كبير والذي لايزال حتي في هذه الصيغ غير معرف‏,‏ فلابد لنا من أن نكرس في مجتمعاتنا العربية ثقافة المشاركة التي تقوم علي احترام حقوق الإنسان‏,‏ ومشاركة الفرد في شئون مجتمعه‏.‏ فإن ثقافة كهذه تغري بالاستثمار من أجل التنمية‏,‏ وتعزز الثقة بالمناخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في أقطارنا‏,‏ كما أنها تضمن سلامة المسيرة ال
إنمائية والاقتصادية المتسارعة‏,‏ وعدالة توزيع مردودها‏.‏ إن الأمن الأساسي الذي يجب أن نأخذه بالاعتبار من خلال أطروحاتنا لا يتعلق فقط بالحرمان‏,‏ والجوع‏,‏ وفقدان المؤن‏,‏ ولكن أيضا بالحرمان للمواطن من المشاركة في بناء مجتمعه‏.‏
إن الثقافة هي القاسم المشترك الأعظم الذي يحدد هوية الفرد الواحد منا‏,‏ وهوية الأمة علي حد سواء‏,‏ كما أن التنوع الثقافي مصدر قوة وإلهام إذا ما أحسن توظيفه‏,‏ وفي هذا السياق لطالما تذمرنا من أن النمط الغربي وعالمنا المعولم يملي إملاء علينا حتي عن طريق ما يسمي المجتمع المدني العولمي‏.‏ ولكن إذا لم ينم المجتمع المدني أو الأهلي في بلداننا من القاعدة إلي القمة عبر القناعات المحلية وقناعات الجماهير‏,‏ وأيضا من خلال تعدد الحداثات‏,‏ حينئذ سيكون من الصعب فعلا أن نناوئ بنجاح التيارات السلبية للعولمة‏,‏ قد لا نستطيع أن نغير مجري التاريخ‏,‏ إلا أننا مطالبون بأن يكون لنا قولنا في هذه الحقبة العصيبة ومطالبون أيضا لإطلاق طاقات الشباب العربي خارج أطر الانكفاء والعزلة والإقصاء‏,‏ للتعاون والحوار الفاعل المتفاعل مع شباب العالم من أجل توضيح وجهنا الإنساني والثقافي‏.‏ إنه مما لاشك فيه‏,‏ أن الشباب هم الذين سيرسمون صورة ثقافتنا في العقود القليلة القادمة‏.‏

علينا أن نعني بشكل جاد‏,‏ في عصر المعلوماتية هذا‏,‏ بتوفير قاعدة معلوماتية دقيقة مبنية علي أسس موضوعية وعلمية توضح بإسهاب احتياجات ومتطلبات الدول العربية‏,‏ وكذلك إنجازاتها‏.‏ وقد تنشأ هذه ضمن إطار يعني بحوار السياسات والسيناريوهات يكون معلما من معالم كل قطر من أقطارنا‏,‏ علي أن ينتظم عقدها في اتحادنا عبر القطري والممثل بالجامعة العربية‏.‏ كما أنه وفي رأينا‏,‏ قد حان الأوان لأن نبادر إلي تأسيس هيئات عبر قطرية للمياه والطاقة والبيئة‏,‏ بمفهومها الإنساني الواسع‏,‏ وذلك علي غرار ما أنجزه الاتحاد الأوروبي بالفحم والصلب‏.‏
إن الأقطار العربية الممثلة بالجامعة العربية تقع ضمن الرقعة الجغرافية التي اسميها الهلال المتأزم‏.‏ وهي ذلك الإقليم الممتد من شاطئ الأطلسي عند الطرف الشمال العربي لإفريقيا‏,‏ الذي يتجه إلي الجنوب الشرقي عبر الصحراء الكبري‏,‏ ثم ينحني إلي الشمال الشرقي‏,‏ شاملا الكونغو والسودان والقرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية وشمالي القارة الهندية‏,‏ ثم آسيا الوسطي‏,‏ إن معظم هذه الدول المجاورة لعالمنا العربي ذوات خلفية حضارية إسلامية واحدة وثقافات متقاربة‏.‏ وهو متأزم لأنه يكاد لا ينقضي عقد من الزمان من دون اندلاع أزمة فيه أو أزمات تشده إلي النزاع والصراع‏.‏ فما أحوجنا فيه إلي ما يشبه خطة مارشال لإعادة تأهيل شعوبه المسحوقة في فلسطين والعراق وكشمير والشيشان وغيرها‏,‏ إلي صناديق زكاة وصدقات لتمويل فيالق سلام‏,‏ إلي سياسات بعيدة المدي تستند إلي رؤي نافذة‏,‏ لا سياسات نفط أو أسلحة‏,‏ وإلي حوارات عربية عربية‏,‏ وإسلامية اسلامية‏,‏ إضافة إلي حوارات مع الآخر‏.‏ وفي هذا الصدد أود أن أنوه بالانجازات التي تم تحقيقها من خلال تجمع هلسنكي للمواطنين والاستفادة منها‏,‏ فبالرغم من العداوات القائمة كما الحال في البوسنة وكذلك بين أذربيجان
وأرمينيا‏,‏ فلقد نجحت هذه التجمعات بإيصال فكرة سبل العمل من أجل السلام بالطريق السلمية‏.‏
إن احترام قدسية الحياة هو أساس كل المعتقدات العظيمة‏.‏ فأعمال عنف تجعل من الأبرياء رجالا ونساء وأطفالا هدفا ومأربا‏,‏ هي أعمال لا يمكن تبريرها‏.‏ وليس هنالك من مفاهيم وتقاليد دينية تتسامح مع مثل هذا العمل‏,‏ لا بل أن جميعها تستنكره بصوت عال‏.‏ فالتعامل الجزئي في مكافحة الإرهاب لن ينفع‏,‏ ولن ينفع كذلك رد الفعل المبني علي الحدس‏.‏ ففي أوقات كهذه يسهل التصرف علي الفور‏,‏ ولكن يجب التفكير حاليا حين اتخاذ قرارات لا رجعة عنها‏.‏ إن جميع أتباع الديانات السماوية يشتركون في إرث واحد‏.‏ وعليه فإنه من الواجب عدم جعل سياسات الشرق الأوسط تحول دون قدرة المؤمنين علي أن يتعايشوا‏,‏ وأن يعملوا سويا‏.‏ فيجب علينا أن نتمسك دائما بالقيم الأخلاقية المستوحاة من إرثنا المشترك بغض النظر عن مبدأ الحقوق المتناقضة ونسبية عدم العدالة اللتين لا تزالان تفصلاننا عن بعضنا البعض‏,‏ إن سيل الدماء ليس بجواب‏.‏

هناك حاجة ماسة لإيضاح مجموعة القيم التي نؤمن بها لشعوبنا أولا وللناس كافة‏.‏ ولذلك لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إيجاد أرضيات مشتركة للحوار المؤسس علي قاعدة الحرية المسئولة‏.‏ فإن ما نحن بحاجة إليه جدول أعمال مشترك بعد عن الاستقطابات‏,‏ وإجماعي تعاقدي يرتكز بالأساس علي أهمية إعادة العدالة إلي المواطن العربي‏.‏






المصدر جريدة الاهرام

صقر الخالدية
18/03/2004, 05:27 PM
ملاحـظات حول الطبقة..التسلح..والنخبوية


فريدة النقاش


يكاد تقرير التنمية الإنسانية الثانى للوطن العربى الذى صدر فى نهاية 2003 يمشى على الزجاج مستخدما لغة الأمم المتحدة التى لا تغضب أحدا بادئا سلسلته الجديدة حول المعوقات الثلاثة التى تعطل التنمية الإنسانية فى الوطن العربى وهى غياب الحريات وتدهور المعرفة ونقص تمكين المرأة ـ بادئا بالمعرفة ومنح لتقريره الجديد عنوان نحو إقامة مجتمع المعرفة .
ويبدأ التقرير بشرح فحوى اختيار صفة الإنسانية بدلا من البشرية، حيث إن التنمية البشرية هى المصطلح الشائع مبررا هذا الاختيار بأن التنمية الإنسانية عندنا هى تعريب أصدق تعبيرا عن المضمون الكامل والأصيل للمفهوم.
ويضيف: فعلى حين تستعمل كلمتا البشرية والإنسانية تبادليا فى العربية يمكن إنشاء تفرقة دقيقة، ولكن دالة بين الأولى كمجموعة من الكائنات والثانية كحالة راقية من الوجود البشري..
فلفظة الإنسانية تعبر عن سمو الوجود البشرى وفى القرآن الكريم يستخدم لفظ الإنسان فى مواضع المسئولية والتكريم، بينما يستعمل لفظ البشر لوصف مجموعة من المخلوقات انظر مثلا خلق الإنسان علمه البيان ومن محاسن لفظة إنسان فى اللغة العربية أنها تجمع النوعين الذكر والأنثى فى صنف واحد.
وهذه التفرقة هى أساس تفضيلنا لمصطلح التنمية الإنسانية .
نتيجتان مهمتان

فللبشر لمجرد كونهم بشرا حق أصيل فى العيش الكريم ماديا ومعنويا، جسدا ونفسا وروحا ويتفرع عن هذا المنطلق نتيجتان مهمتان الأولي: ترفض التنمية الإنسانية بداية أى شكل من أشكال التمييز ضد البشر على أى معيار كان النوع أو الأصل أو المعتقد، والثانية أن مفهوم الرفاهية الإنسانية لا يقتصر على التنعم المادى وإنما يتسع للجوانب المعنوية فى الحياة الإنسانية الكريمة مثل التمتع بالحرية واكتساب المعرفة والجمال والكرامة الإنسانية وتحقيق الذات الذى ينبع من المشاركة الفعالة فى شئون الاجتماع البشرى كافة.
ولا أظن أن أحدا يمكن أن يجادل فى أهمية هذا كله للتنمية الإنسانية ولكننا ينبغى أن نجادل فى تعريف التمييز ضد البشر الذى حدده فى ثلاثة مجالات هى التمييز فى الأصل أو النوع أو المعتقد متجاهلا مجالا لابد أن يأتى فى مرتبة متقدمة إذا شئنا أن نرتب المعايير وندققها بصورة شاملة ألا وهو الطبقة، فطالما أدى الانقسام الطبقى خاصة إذا كان حادا..
بل فاضحا كما هو الحال فى مجتمعاتنا العربية إلى تحويل كل الشعارات البراقة والجميلة حول المساواة والكرامة الإنسانية إلى سراب.
عجز جماهيري

وقد ارتبط ذلك الانقسام فى البلدان التى تكبلها نظم استبدادية وفاسدة تصادر الحريات العامة بالعجز المزمن لحركة الجماهير المنظمة من أجل الدفاع عن مصالحها وانتزاع حقوقها من الطبقات المالكة، إذ إن الحريات العامة والديمقراطية هى أدوات لا فحسب لتغيير النظام السياسى وتداول السلطة، وإنما أيضا لإعادة توزيع الثروة داخل المجتمع وتقليص الفجوة بين نصيب رأس المال ونصيب العمل من هذه الثروة، بل وتحديد المكانة والنفوذ اللذين لا يقتصران فى هذه الحالة على التملك فقط، وإنما أيضا على الفعالية الاجتماعية والاحترام والصوت المسموع.
وتتعزز هذه الملاحظة حول غياب البعد الطبقى حين يتحدث الفصل الأول من القسم الثانى من التقرير حول المعرفة والتنمية الإنسانية ومجتمع المعرفة فى البلدان العربية، قائلا: إن أحد المحددات الجوهرية لتوافر المعرفة، ألا وهو قيام طلب مجتمعى قوى ومطرد وفعال تسنده قوة شرائية بالمعنى الواسع أى رغبة ومقدرة على تخصيص الموارد اللازمة بحيث يحفز العمليات المجتمعية لنشر المعرفة وإنتاجها.
ولا يمكننا أن نرجع تدنى عدد ونسبة مستخدمى الإنترنت فى الوطن العربى الذى تتردى فيه التنمية الإنسانية على حد قول التقرير ـ فقط إلى تراجع مستوى التعليم ومضمونه مع انتشار الأمية وتسرب الفقراء من المدارس، وإنما لابد أن نضيف الانتشار الواسع جدا للفقر كعامل إضافى رغم الثراء الفاحش فى الوطن العربى باعتباره أغنى مناطق العالم بالنفط.
معطيات مخيفة

وليس أدل على ذلك من هذه الإحصائية التى برزت فى أوراق مؤتمر الطفولة العربية الأخير فى تونس التى تقول إن هناك 70 مليون مواطن عربى أميون ونصف النساء العربيات أميات وثلث الرجال أميون وهناك 11 مليون طفل عربى محرومون من الدراسة، وهؤلاء جميعا لا يعجزون فقط عن القراءة سواء الأبجدية أو لغة الكمبيوتر ولكنهم يعجزون أيضا عن شراء أجهزة الكمبيوتر للتعامل مع العصر بأدواته، ونحن نعرف أن الكمبيوتر أصبح فى البلدان المتقدمة جهازا أساسيا فى أى بيت شأن التليفون والراديو والتليفزيون.
يقول التقرير: تتمثل المقومات الحاكمة للسياق المجتمعى لمنظومة اكتساب المعرفة، خاصة فى منظور الوطن العربى فى الثقافة السائدة شاملة عوامل حاكمة مثل التراث الفكرى والدين واللغة والتشكيلة الاجتماعية والاقتصادية بما فى ذلك طبيعة نمط الإنتاج ومستوى النمو وتوزيع الدخل والثروة وما يرتبط بها من نسق حوافز مجتمعى .
والثقافة السائدة فى أى مجتمع هى فى المقام الأخير وعبر تجليات معقدة تعبير عن طبقة سائدة تتميز بطابع أساسى لنمط نشاطها الاقتصادى والإنتاجى ورؤيتها للعالم وللعلاقات الاجتماعية، وفى الوطن العربى سوف تجد هيمنة نمط الإنتاج الريعي، الذى تشتق القيمة الاقتصادية فيه أساسا من استنضاب المواد الخام القائم الآن فى أغلب البلدان العربية، إما مباشرة فى البلدان العربية النفطية أو اشتقاقا فى غيرها نتيجة للاعتماد على المعونات وتحويلات العاملين من الأولى .
وقد تبلور هذا الطابع الريعى للطبقات الحاكمة فى الوطن العربى بدرجات متفاوتة عبر عملية تاريخية معقدة ارتبطت بانهيار حركة التحرر الوطنى ومعها التنمية المستقلة غير القائمة على التبعية ثم عودة الاستعمار للمنطقة عن طريق هشاشة هذه النظم الريعية.
تدهور معدلات الادخار

وقد أدى هذا الطابع الريعى لكل من الطبقات والثقافة السائدة إلى تخلق قيم استهلاكية بل إنه سعار استهلاكى من جهة وتدهور معدلات الإدخار من ثم من جهة أخري، ويكفى أن نعقد مقارنة بسيطة بين الهند وهى بلد فقير متوسط دخل الفرد فيه هو بالكاد نصف متوسط دخل الفرد فى مصر وفيها أيضا نظام رأسمالى ومع ذلك، ولأن رؤية الطبقات المهيمنة للعالم وثقافاتها هى رؤية إنتاجية ومن ثم إبداعية فإن معدل الإدخار فيها من جهة هو ضعف معدل الإدخار فى مصر، بل إن الهند تصدر بما قيمته سبعين مليارا من الدولارات برامج كمبيوتر أى أنه انطبق عليها قول التقرير يعنى مجتمع المعرفة اعتماد المعرفة مبدأ ناظما لجماع الحياة البشرية ..
وهو ما لا ينطبق على الوطن العربى بسبب هذا الطابع التبعى والريعى للتطور الذى أسسته الطبقات الحاكمة.
وبما أن السمكة تفسد من رأسها كما يقول المثل الشائع فإن الطابع الريعى الاستهلاكى المظهرى لتكوين الطبقات السائدة وثقافتها قد أفسد لا فحسب منظومة المعرفة فى الوطن العربى الذى يقف فى ذيل الأمم فى هذا الميدان وفى ميادين أخرى كثيرة، بل أفسد حياتنا كلها.
لذلك جادل كثيرون حول ترتيب أولويات القضايا الثلاث الحاكمة التى أسس التقرير الأول عام 2002 عليها بناءه كله وهى قضية الحريات وقضية المعرفة وقضية المرأة، ورأوا أن الحكم الصالح فى ارتباطه بمسألة الحريات العامة الغائبة والتى تتردى أوضاعها كان ينبغى أن يصبح هو البداية وأن يحظى بالأولوية.
قضية الاتفاق العسكري

ويطرح التقرير قضية الإنفاق العسكرى فى البلدان العربية على النحو التالي: وأن احتلال الأراضى الفلسطينية والأراضى العربية الأخرى يضع عبئا مباشرا ومتواصلا على اقتصاديات البلدان العربية، ويقود إلى وضع هرم للأولويات، ما كان له أن يقوم حينما يغيب الاحتلال والمخاطر الخارجية، فهو يخلق حالة من القلق فى الوطن العربى تجعل للإنفاق العسكرى أولوية على برامج التنمية الإنسانية .
وإذا كان هذا يصح تطبيقا على دول الجوار لفلسطين التى اضطرت دائما لتخصيص ميزانيات باهظة للتسلح، فإنه لا يصح تطبيقا على دول أخرى ودول الخليج بشكل خاص التى كان إنفاقها لجزء كبير من عوائد النفط على التسليح جزءا عضويا من علاقات التبعية للولايات المتحدة الأمريكية، فتكدست الأسلحة دون قدرة بشرية على استيعابها أو استخدامها وظلت بعض دول الخليج والجزيرة العربية ـ والسعودية على نحو خاص ـ تأتى على رأس قائمة الدول المشترية للأسلحة، ولم يحدث أبدا أن دخلت هذه الدول فى مواجهة مع إسرائيل فكان السلاح على هذا النحو استنزافا مباشرا لعوائد النفط بدلا من إنفاقها على التنمية فى البلدان العربية الفقيرة أو حتى لتصنيع عربى مشترك للسلاح وربما سوف يأتى الوقت للتعرف على الجوانب الخفية فى عملية تصفية هيئة التصنيع الحربى العربى وتغيير طابعها لتتخصص فى الإنتاج المدنى بدلا من العسكري.
ولكن التقرير يتوقف عند استخدام آخر للسلاح الذى تشتريه الحكومات العربية إذ إن الحكومات قد تتوسل بها لتحقيق مآرب سياسية واقتصادية أخري، فهى قد تصبح ذريعة لمنع التحول السياسى المطلوب أو إبطائه، أو التلكؤ فى تمكين القوى المحرومة والمهمشة وإدماجها فى سياق العملية السياسية وفى سياق مسار التنمية الاقتصادية .
وترجمة هذه الفقرة تقول: إن بعض النظم تستخدم السلاح الذى تستورده بكثافة لقمع المجتمع وتخويفه وتعطيل التطور الديمقراطى فيه، سواء فى ذلك النظم التى قامت بعد الانقلابات العسكرية أو تلك التى تحكمت فيها أسر وعشائر وقبائل.
تغييب الشعب

ومرة أخرى سوف نجد أن تغييب الشعب فى ظل نظم التحرر الوطنى بعدوان هذه النظم على الحريات العامة أدى إلى إهدار فرصة ثمينة كانت قد توفرت لها فى ظل النظام العالمى ثنائى القطبية حين حصلت على السلاح المتطور من الاتحاد السوفيتى وبلدان المنظومة الاشتراكية آنذاك بتسهيلات كبيرة وشروط ميسرة وأدى كل من الفساد والاستبداد وتغييب الشعب وإهدار الرقابة المجتمعية على الجيوش إلى تدمير الأسلحة على الأرض كما حدث فى هزيمة 1967 وحين عوض المعسكر الاشتراكى هذه الأسلحة المدمرة بتسهيلات كبيرة انقلب عليه العرب وأعلن الرئيس الراحل أنور السادات استراتيجيته الجديدة وشعارها أن 99% من أوراق الحل للصراع العربى ـ الصهيونى هى فى يد أمريكا ثم عقد اتفاقيات الصلح المنفرد مع إسرائيل أى مرة أخرى نعود إلى موضوع الحرية والديمقراطية والحكم الصالح كموضوع لابد أن يحظى بالأولوية، ولا يمكننا معالجته بمعزل عن قضية إعادة توزيع الثروة فى الوطن العربي.
لا يستطيع قارئ هذا التقرير أن يمنع نفسه من الشعور أنه معنى فقط بالطبقة الوسطى العربية وتطور معرفتها وطرق تعليمها وقدراتها باعتبارها كما يرى الكثيرون من الباحثين وحتى من السياسيين هى رافعة التقدم وقاعدته، أما الفئات الدنيا فى المجتمعات العربية فإن العناية بها هامشية وعابرة وكأن أوضاعها سوف تتغير بمجرد تغير أوضاع الطبقة الوسطى وتقدمها وهى فكرة شائعة فى بعض الأدبيات السياسية الليبرالية.
أسلوب التربية

فمثلا فى سياق الحديث فى الفصل الثانى عن نشر المعرفة فى البلدان العربية عن نوعية التعليم ما قبل المدرسى ومن أجل تنمية قدرات الطفل وتوسيع مداركه لكى يصبح عنصرا فعالا فى مجتمع المعرفة يتعين الانتباه إلى أسلوب التربية داخل محيط الأسرة وداخل رياض الأطفال ..
وذلك دون انتباه لحقيقة أن هناك ملايين الأطفال خارج المدارس وبالطبع هم خارج رياض الأطفال 11 مليون طفل ومن بين هؤلاء أطفال الشوارع الذين يقدر عددهم فى مصر طبقا لإحصائيات وزارة الشئون الاجتماعية بما يقرب من مليونى طفل.
والخروج من إطار الطبقة الوسطى وحدها فى التفكير والتخطيط والتنظير وبناء استراتيجيات المستقبل للتعامل مع الطبقات والفئات الشعبية هو وحده الكفيل بتعميم فائدة هذا التقرير المهم وتحوله إلى أداة للتغيير لا فى يد النخبة من الطبقة الوسطى وحدها وإنما أيضا فى يد طلائع الطبقات الشعبية التى تكافح لتغيير حياتها، وبناء مجتمع أفضل يتوفر فيه العدل والكرامة الإنسانية لجميع الناس حتى يسيطروا على مصيرهم.
دور الدين فى الثقافة

وتتعلق الملاحظة الجزئية الأخيرة على هذا التقرير ـ نحو إقامة مجتمع المعرفة ـ تتعلق بحديثه عن الدين فى الفصل السادس الخاص بالثقافة حين يقول إنه من الطبيعى أن يكون الدين الإسلامى هو المقصود هنا أكثر من غيره، ذلك أنه دين الأغلبية فى البلدان العربية، فضلا عن أنه كان باعثا أساسيا فى تشكيل الحضارة العربية الإسلامية، لكن هذا لا يقلل أبدا من شأن الجماعات العربية التى تدين بغير دين الإسلام لا سيما المسيحيون الذين احتلوا مكانة جليلة فى الثقافة العربية الكلاسيكية والحديثة.
والتقرير يتجاهل هنا ــ لأسباب سياسية على ما أظن ـ الدور الكبير الذى لعبه اليهود فى الثقافة العربية الإسلامية قديمها وحديثها خاصة قبل زرع إسرائيل فى قلب الوطن العربى واغتصاب فلسطين.
أما معالجة التقرير لموضوع المرأة فسوف أناقشها فى مقال مقبل.



فريدة النقاش -كاتبة وصحفية مصرية

المصدر عرب اون لاين .......

صقر الخالدية
24/03/2004, 08:58 AM
من المستفيد من التدفق الحر للمعلومات؟

د. حامد شظا المرجان

يكثر الحديث هذه الأيام عن التدفق الحر للمعلومات، ومن المستفيد من هذه المعلومات وما تأثيرها على دول العالم، وإذا كانت المنظمات الدولية ذات الشأن المعلوماتي وعلى رأسها منظمة اليونسكو تؤكد على التوازن والموضوعية في تدفق المعلومات بين دول العالم، فهناك دول تتحكم في تدفق المعلومات وترى ان سيطرتها على المعلوماتية يمكنها من السيطرة على العالم ثقافياُ واقتصاديا.
وبما أن العالم اليوم ينقسم انقساماً حادا بين المجتمعات الغنية والشعوب الفقيرة، وان جاذبية الحداثة والتنمية أصبحت ذات إغراء قوي يمكنننا فهمه وربما لا يمكن إدراكه بالنسبة للبلدان الفقيرة، حيث لا تحظى الظروف المصاحبة للتنمية دفعاً للنمط العربي بتقدير كاف، فالتكنولوجيا وطريقة استخدامها تؤثر على الاتصال الاجتماعي والثقافي وان قبول التنمية أو الحداثة في دولة ما يجلب معه الكثير من المعدات والتقنيات مغلفة بثقافة الصانع وطبيعة الاتصال التكنولوجي بين البشر يحدد العلاقات الاجتماعية بينها.
وقد عبر الكثير من علماء الغرب عند مناقشتهم لموضوع التنمية ووصلوا إلى قناعة بأن التأثير الذي يمكن أن تضطلع به وسائل تكنولوجيا الاتصال عن طريق النصح والمحاكاة في إرشاد الشعوب "التقليدية" إلى اتباع النهج الذي سلكته المجتمعات الأكثر تقدماً وهكذا رأى أنصار هذه الآراء أن تعزز وسائل الإعلام الحديثة بما يسمى "بالتقمص الوجداني" من أجل إحداث التغيير والاتجاه إلى العصرية والتخلي عن النزعة التقليدية وتفضيل السلع التي ينتجها المجتمع الاستهلاكي الغربي. والمتتابع للمتغيرات الاجتماعية والثقافية في البلدان التقليدية يلاحظ أن نظرية التقمص الوجداني قد أثبتت نجاحها في الدول التقليدية وبالأخص في الدول النامية أو التقليدية ذات الوفرة المالية فنرى التقمص الوجداني في هذه الدول اصبح ذا تأثير قوي ليس فقط في تفضيل السلع الاستهلاكية التي ينتجها الغرب وانما الأكثر خطورة التأثير الثقافي للغرب في المجتمعات التقليدية.
إن نظرية الحداثة التي تمت دراستها من قبل علماء الاجتماع السياسي في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا تؤكد أن الحداثة تمر بأربعة متغيرات هي التحضر والتعلم والتعرض لوسائل الإعلام والمشاركة ومن ثم فان التحضر المتزايد اتجه إلى زيادة التعلم وازدياد نسبة التعلم اتجهت إلى الزيادة في نسبة التعرض لوسائل الإعلام والقنوات التلفزيونية والإنترنت وغيرها مع اتساع المشاركة الاقتصادية والسياسية ولاشك يجب أن يضاف إليها الأهم وهي المشاركة الثقافية التي تشكل بعدا خطيراً على كثير من الشعوب.
وبالمقابل تنبهت كثير من المؤسسات الدولية للعلماء الأمريكيين وعبّرت المنظمة الدولية لليونسكو عن رأيها بأن يجب أن تكون هناك معايير تتحكم في وسائل الإعلام والاتصال حتى تكون ملائمة للتنمية، والمتتابع لعلماء الاجتماع الأمريكيين يعرف أن هذه النظريات تتم دراستها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي ولكن اصبح لها تأثير شديد بالرغم من تطور وسائل الاتصال من إنترنت وغيره ساعدت بقوة من المشاركة لشعوب العالم عن طريق أدوات الاتصال الحديث.
وما يهمنا في هذا المقال الكيفية التي يمكن بها حماية مجتمعاتنا من الجوانب السيئة للحداثة الغربية وثقافتها و الاستفادة منها إيجابيا. طبعاً من المستحيل أن تستورد التكنولوجيا الغربية وتطور اتصالاتها إيجابيا فقط ولكن يمكننا تطوير هويتنا الثقافية لتكون قادرة على مواجهة الغزو الثقافي الغربي.
ومجمل القول ولاسيّما تكنولوجيا الاتصال قد تم ادراكها وتطويرها وتشعبها بمصالح الرأسمالية الأمريكية ومواصفاتها منذ الحرب العالمية الثانية وما زالت كذلك حتى الآن.
وبما ان التكنولوجيا الغربية لا تعد جزءا لا يتجزأ من النظام الاستغلالي فحسب، إنما تعمل على توسيع وتعميق ذلك للاستغلال فهل يمكن تصور وجود بديل، وبأن النظام العولمي الجديد هو نتاج ما تم الاتفاق عليه في الحرب العالمية الثانية وتم تطويره بعمل المؤسسات تحت ما يسمى بالمنظمة العالمية للتجارة وظهرت هناك الكثير من المعارضة الدولية والشعبية على نطاق العالم مما أدى إلى البحث عن بديل للنظام العالمي الجديد.
وبدأت في كثير من الدول وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا تدعمها كثير من المؤسسات و الجامعات العالمية ومنظمات ذات توجهات انسانية لتبني ما يسمى بالطريق الثالث الذي يرى اعادة النظر في النظام العولمي الجديد وتبني أفكار وأنظمة اقتصادية جديدة تراعي فيه الدول الذات المختلفة والحفاظ على التعددية الثقافية للشعوب خوفاً منها من تسبب هذا النظام في حرب عالمية ثالثة لا يحمد عقباها.
لا شك أن العالم أجمع لا يرغب في تكرار الحرب العالمية الأولى أو الثانية وان التقدم التكنولوجي صاحبه تقدم في الآلة العسكرية يمكنه فناء العالم في ثوان، لهذا يدرك حكماء العالم بأنه يجب البحث عن اتجاه جديد يراعى فيه الظروف الاقتصادية والثقافية لشعوب العالم أجمع يكون أساسه العدل والتوزيع العادل للثروة ومراعاة الشعوب الفقيرة وتنميتها مع الحفاظ على ثقافتها هذا إذا أردنا ان نعيش في عالم يسوده السلام والوئام.
ويرى الكثير من العلماء والسياسيين ان ظاهرة الإرهاب ما هي إلا نتيجة لما يحصل في العالم من سياسات غير حكيمة لاتراعي المصالح العالمية ولا تنظر إلى العالم إلا من وجهة نظر أحادية وأن الاستمرار في السياسات الاقتصادية ذات التوجه الأوحد سوف تزيد من هذه الظواهر.



--------------------------------------------------------------------------------
المصدر جريدة عمان

صقر الخالدية
29/03/2004, 01:25 PM
تحدي القراءة !


ثريا الشهري *

من حق القارئ أن يسأل عن بذور الثقافة التي نمت في حياة الكاتب أو المؤلف التي على أساس ثمارها الناضجة كان النتاج المقروء، ولكن الأصعب هو أن يتحدث المرء عن بستانه الذي قد لا يرى فيه ما يميزه عن غيره من البساتين الأثمر والأرحب.
مع هذا، وبالرغم من حساسية الطرح بكل ما فيه من تحدث عن النفس قد يُفهم على أنه تضخيم للذات، وبالرغم من تشابك عناصر أخرى مكونة لا تقف عند حدود عناوين الكتب المقروءة ونوعيتها، إضافة الى عامل البيئة العائلية والتعليمية المحيطة، ومشوار الحياة بطوله وما صاحبه من تفاعل مستمر بين الشخصية والظروف التي مرت بها، ما لا يستوعبه مقال موجز. لكن لابأس في المحاولة.
لكن لا يمكن إغفال تأثير العناصر السابقة في التكوين العام لشخصية الكاتب، لذا سأتجاوز المهم للأهم، والسؤال المطروح: كيف بدأ معي حب القراءة؟ وبم استعنت في ترجمة هذا الشغف الذي تملكني منذ الثامنة من عمري؟ إنه قدر جاء بهديته في يوم من أيام الدراسة وبالتحديد في فترة اختبارات الصف الثالث الابتدائي، حين اجتمعت مع زميلات لي لنقص على بعضنا الحكايات، فكانت زميلتنا (هدى) أقدرنا على السرد، مما دفعني لسؤالها عن مصدر ما جاءت به، لتجيبني بكلمة واحدة «قرأته». لم تكن في حاجة لتزيد عليها، فمنذ تلك اللحظة بدأت علاقتي «الفسيولوجية» بعالم الكتاب، جوع عقلي ينتظر الشبع، وظمأ نفسي يتوق إلى الارتواء، وهو عالم كان بسيطاً في بداياته، لا يزيد عن مجموعة قصص، كانت الصفحة الواحدة منها تأخذ مني وقتاً وجهداً لأنتهي من قراءتها، وقد يحدث وأسأل نفسي: بماذا خرجت! فلا أملك جواباً، فأستشيط غضباً من كاتب لم يراع قدراتي، ولا أغضب من إصراري على قراءة كتب لا أملك معاني مفرداتها! ولكن أبداً لم يثنني ذلك الشعور عن المضي في عالم القراءة، وما لم أكن أستوعبه، وجدتني أستمتع بقراءته فيما بعد، وكيف لا يكون وأنا أقرأ لأحمد أمين، فالحق أن هذا الكاتب الأزهري الموسوعي الذي استطاع المزج بين الثقافتين العربية والأوروبية، قد كان له الأثر الإيجابي في نفسي وفكري، فمن يقرأ ما كتبه من تاريخ للحياة العقلية في سلسلته عن «فجر الإسلام وضحاه وظهره»، ومن يهضم «فيض الخاطر» بأجزائه العشرة لا بد وأن يجتمع له من الثراء اللغوي والمعرفي ما يعينه على التمكن عند تأسيس بنائه الثقافي، ولا يفوتني في هذا السياق التنويه بدور والدي في متابعة قراءاتي، فلا أذكر أنه منعني يوماً واحدا من قراءاتي، وإنما كان الطلب المعتاد بأن آتيه بما لديّ من كتب لأسمع تعليقه عليها، وخاصة ما اشتريته منها أثناء العطل الصيفية للمدرسة، وكم نصحني باقتناء مؤلفات كانت مكتبتي المحدودة آنذاك تفتقر إليها. وأذكر ذات يوم أنه رافقني إلى المكتبة وطلب مني شراء ما أرغب، فكنت من فرط سروري وعلمي بميزانية الشراء المفتوحة أشتري بدون قراءة التعليق الذي ألفناه في نهاية الكتاب، وهي عادة ما زالت تلازمني حتى اللحظة، فكما تتفحص المرأة ثوباً لتشتريه، كذلك الحال عندي مع استبدال الثوب بالكتاب هذه المرة، فالمرء يبتدئ في الثقافة هاوياً، فإذا بها وقد تحولت إلى عادة تملك عليه لباب عقله، فيمضي الوقت معها، ويضن بها على غيرها، وهي صناعة ثقافية يعود نجاحها إلى التنشئة الابتداعية لا إلى تلك الإتبّاعية، ولم أر غير الكتاب، قراءة وتمحيصاً يتبعها النقد وعقد المقارنات، أكثر قدرة على غرس هذه النزعة الابتكارية في طريقة التفكير منذ الصغر، وهو أسلوب يأتي إلى صاحبه بالتعود والإصرار مع توقد الذهن والتدقيق أثناء القراءة.
فالكتاب الذي لا يحفز فينا روح التساؤل ولا يضيف إلى خزانة معلوماتنا ما يبعث على الرغبة والنشاط في الارتقاء، فهو إما أنه اختيار سيئ لكتاب مسطح، أو أن المتبع في تلقي المعلومة قد ركن عند درجة الجمود لا التغيير، إذ يجب على من ينشد الثقافة ألا يترك ما قرأه إلا وله عليه حكم، فلو علم المشتغلون بالحرف أن غاية قرائهم أن ينتفعوا ويرتقوا بما يقرأون، لعمدوا إلى التركيز الأكثر، وإلى البحث الأشمل قبل كتابة ما لا ينفع وما لا يرفع، وللإنصاف ينبغي الاتيان على ذكر الشق الآخر من المعادلة الذي يقرر أنه لو كانت النزعة الارتقائية عند القارئ، أو كما يسميها برناردشو «شهوة التطور» هي الهدف المرتجى دائماً من وراء القراءة، للسمو بالنفس إلى مستويات أرفع من المستوى المعاش، لكانت وطأة إرضاء جميع الأذواق أقل حدة عند اختيار الموضوعات المطروحة، لأن الذوق العام وقتها سيتحدد بكل ما هو راق، ولكن، وبما أن المطبوعة إنما يحددها طلب السوق، والمعتمد في رواجه على الشريحة الأكبر التي قد لا تعي إلا مستوى معين في اللغة والتناول، فإن قانون الاستمرارية أحياناً قد يفرض منطقه على حساب النوعية.
أعود لمحور المقال، أكثر ما أضاف إلى عقلي لم يكن مجرد دراستي الجامعية للغة العربية وما أرسته من قواعد لكتابتي، وإنما هي القراءة باللغة الإنجليزية، التي وصفها أحمد أمين عند تدوينه لسيرته الذاتية وكأنها العين الأخرى للإنسان، فتخصصي عند دراسة «الماجستير» الذي حتم عليّ الخوض في فروع لم أتعود التبحر في عوالمها، كان من ضمنها السياسة والاقتصاد، قد فرض عليّ التخصص في مجالات قد ينفر منها المرء أحياناً، ناهيك ممن دأبت أن تقرأ في الأدب القصصي والاجتماعيات، فكنت أقرأ الكتاب الواحد ثلاث مرات، الأولى لفهم اللغة وما استعصى من كلمات، والثانية لقصد المؤلف من تناوله، والثالثة للتلخيص والاستنتاج، وهي عملية متواصلة للاطلاع كانت تستحوذ على جزء كبير من ساعات المساء، باستثناء وقت المحاضرات، وما يتطلبه البحث والتنقيب في مكتبة الجامعة أثناء النهار.
وغاية القول ان القراءة تحتاج إلى الصبر، ثم الرغبة والحافز الذي ينشأ عنه ما يسمى بالعاطفة والميل نحو الكتاب، وهو أمر ينبغي أن تتخلق النفس به، بعيدا قدر الإمكان عن التأثير السلبي لمركب نقص في الشخصية أو لتجارب واقع أليم، حتى لا يقع المرء في دائرة الغرور والاحتقار للغير، اللذين قد يكونان النتاج الطبيعي لهذا النوع من الثقافة الاستعلائية، المغلفة بمنطق التميز الفوقي وليس التطوري.
إن القصد من الثقافة هو التعلم، أي نقل المعارف إلى حياتنا بحيث ننتفع بها في سلوكياتنا وميولنا وتصرفاتنا العامة والخاصة، فلا قيمة تذكر لثقافة لا تتفاعل مع الحياة، أي ليس لها من وظيفة عضوية في الكيان النفسي، ولئن وجد هذا الاستعداد، فلا ينبغي التعويل على مقدار الذكاء الفردي، فذكاء متوسط مع كثير من الرغبة في التحصيل، هما خير من ذكاء متوقد مع انعدام هذه العاطفة، وكم من ذكي انتهى بترهل ذهني وحياة منطفئة، وكم من آخر أقل في قدراته الذاتية وصل باجتهاده وتحديه إلى احترام الناس له وانبهارهم من قدرته على الإلمام الواسع بمختلف المعارف، خاصة إذا توجت بعمل ينتفع به المجتمع، فالمسألة برمتها خاضعة للإنسان وإرادته بقطع النظر عن امكاناته.
وبعد، هل أكون بحديثي هذا قد استوفيت الموضوع حقه! لا أبالغ إذا قلت أنني لم أبدأ بعد، ولكن لعلمي بتجربتي وما قد تعود بمضمونها من إضاءة ما عند بعض القراء والقارئات، فقد حملني هذا العلم على إلحاق مقالي بآخر أتحدث فيه عن جوانب أخرى لم تسعفني المساحة لتناولها! فإلى الأسبوع القادم إنشاء الله.

المصدر جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
30/03/2004, 11:04 AM
ببغاوات تبحث عن مؤلف
2004/02/14


خيري منصور


اول ما خطر ببالي عندما نعت بريطانيا الصغري ببغائها العظمي، او المس تشارلي، التي عاشت اكثر من صاحبها بعقود، هو ما تردده الببغاء من عبارات انتهت صلاحيتها السياسية منذ الحرب العالمية الثانية، والمس تشارلي هي ببغاء ونستون تشرتشل، التي لم تكن طوال تلك العقود التي اعقبت رحيله مجرد يتيمة، فهي اقرب الي الأرملة، ولا بد انها كانت تهذي في لحظات الاحتضار الطويلة التي تليق بالببغاوات المعمرة في الامبراطوريات غير المعمّرة بكلمات تهجو هتلر، وتنذر النازية بالسقوط، ولعلها ايضا رددت في لحظة ما عبارة تشرشل الشهيرة وهي (بترلة) الاسطول البريطاني، والكلمة مشتقة من البترول.
واذا كان روائي الماني هو غراس قد كرّس نصا للبحث عن كلاب الفوهرر المدللة، والمصير الذي انتهت اليه بعد أفول الرايخ، فان ببغاء تشرشل او ارملته ذات الاجنحة ما تزال تبحث عن روائي من طراز داريل او اورويل او حتي غرين ليكتب حكايتها.
والتداعيات التي يثيرها نعي ببغاء انجلوساكسونية تجاوز عمرها القرن لا حدود لها، منها مثلا تلك الأوصاف النادرة، المفعمة بالرثاء الممزوج بالهجاء التي قدمها ماركيز في خريف الباتريارك، جيف ومومياوات، وهياكل عظمية، لأبقار وغزلان ونسور، وروائح عريقة، تلاشت مصادرها لكنها بقيت مبثوية في الهواء الفاسد داخل الغرف الموصدة في القصر المهجور!
أذكر ان الراوي، تساءل في خريف الباتريارك عن اعشاش غربان السلطة، وهو يملأ عينيه بالمرمر والرخام، والقفازات الحريرية البيضاء لخدم بالغي التهذيب، وذلك كله وسط روائح حريفة لقهوة طازجة وعطور برية تنبعث من عدة زوايا في المكان!
وتذكّرنا ببغاء تشرشل او أرملته المجنّحة بالكلب هول الذي طالما امتدحه اللورد راسل في ثلاثينات القرن الماضي، لأنه *** مدرب علي عض الثوار المصريين.
وقد يكون مدربا ايضا علي شم روائح نوايا الناس، فهو *** مسيّس، وله رتبة كولونيل، وقد يؤدي له الجنود او الضباط الانكليز من الرتب الادني التحية، وقد يرد عليها، لأنه كان يرتدي سترة عسكرية، ويمشي الخيلاء مثل صاحبه، ومن معه من الجنرالات!
لقد رحل الكلب هول ، مثلما نفقت كلاب الفوهرر، وتحوّلت الحيوانات والنسور المدللة للباتريارك الي جيف ناشفة بلا تحنيط في ممرات الرخام، وهذا ما حدث لمس تشارلي ببغاء الرئيس، الذي لا بد انه جعلها تدمن رائحة السيجار الكوبي الذي لم يكن يفارق شفتيه حتي وهو يداعب ببغاءه!
واذا كانت الوثائق السرية حسب التقاليد الدبلوماسية يمكن الافراح عنها في المتحف البريطاني او أطلال وزارة المستعمرات بعد ثلاثين سنة، فان اكثر من سبعين سنة تكفي لكي تستجوب الببغاء، فلعلها تعرف عن اسرار الحرب العالمية الثانية اكثر من جنرالات، لكن المشكلة هي ان الببغـاء حين تسمع ســـؤالا، تكرره، فهي تــــــردد الكـلام فقــــــط، ومن يدري لعلها كانت تعرف موعد نهاية الحرب الكونية الثانية اكثر من اقرب القـــــادة الي تشـــــــرشل، الذي سأله سائقـــــه ذات يوم ... متـــــي ستنتهي هذه الحـرب يا سيدي؟ فأجابه تشرشل: عندما تعرف ارجوك ان لا تتردد في ابلاغي بذلك الموعد!
ان طيور وحيوانات وزواحف الزعماء لها من المزايا ما لم ينعم به المقربون، فلا بد ان كلاب الفوهرر عاشت حياة أكثر سعادة واطمئنانا من غوبلز نفسه، مثلما عاش الكلب هول في مصر حياة اكرم من حياة من تعاونوا مع الاحتلال او حتي من كانوا من ضباط الاحتلال.
وثمة مشهد اقترن بسقوط بغداد في تلك الظهيرة الربيعية غير الخضراء، عندما شاهد الناس علي الشاشة مهرا عربيا رشيقا تائها كاليتيم بين السيارات، هو من خيول عدّي ابن الرئيس التي كانت تعيش حياة كريمة في مزرعته، ولأن فضولنا نحن العرب داجن، ومقتصر علي العناوين السياسية الكبري، فما من مقالة او تعليق كتب عن ذلك المهر.. الذي قد يكون انتهي الي حصان كسير، يجر عربة كاز في بغداد، او يحرث حقلا رغم انه لم يعرف مثل هذه المهنة من قبل!
لقد خشيت شاعرة ذات شأن هي ايديث سيتويل علي مصير قطتها المدللة لحظة الاحتضار اكثر مما خشيت علي نفسها من الموت، ويروي انها عندما جاء القس لتعترف امامه في لحظات الوداع، اغمضت عينيها وافتعلت النوم او الغيبوبة، لتفاجأ بأن القس مدّ يده واخذ حصة القطة من الحليب! واخذ يلعقه ببطء وثقة! مما دفعها الي طرده ورفض مواصلة الطقس الاعترافي، دفاعا عن القطط التي احبّتها!

ہہہ

ولأن الشيء بالشيء يذكر، والببغاء تذكر ببنات جنسها، فقد روي اندريه مالرو في اللامذكرات، حكاية طريفة عن ببغاء العائلة وكان اسمه كازيمير ، حصل عليه جد مالرو من سيرك اقيم في قريته، ثم لقّنه جملة واحدة كان يكررها كلما مر به الصبّي المتمرد اندريه... العبارة تقول: افعل ما ينبغي عليك .....
وذات يوم ارتكب الطفل اندريه مالرو خطأ عاقبته عليه العائلة، مما حفّز الببغاء الي الالحاح في تكرار تلك الموعظة ... افعل ما ينبغي عليك، وعندما ضاق الطفل المتمرد بتلك الببغاء التي وصفها بأنها شمطاء ثرثارة أحضر لها باقة من البقدونس، لأنه سمع من بعض اصحابه ان الببغاء تموت علي الفور اذا اكلت البقدونس، لكن حظ الطفل كان سيئا، فبعد ان القمها البقدونس كله، تحسنت صحتها، وازدادت عافية وثرثرة، ولعلها الببغاء الوحيدة في التاريخ التي شذّت عن القاعدة، وحوّلت اسباب الموت الي اسباب عافية، بالطبع تعلم اندريه مالرو من الببغاء كازيمير اكثر مما تعلّم من الموسوعيين الفرنسيين، او حتي جان جاك روسو، وعاش حياة علي الحافة من كل شيء، وأدمن المغامرة حتي المجازفة لكنه لم يمت كما ينبغي له ان يموت، وانتهي علي فراشه مشلولا، وان كانت الببغاء كازيمير لم تعمر مثل المس تشارلي ببغاء تشرشل، لأنها لو عاشت مئة عام، فلا ترددت في ترديد عبارات بعينها علي مسمع العجوز مالرو!

ہہہ

في ادبياتنا الشعبية، خصوصا تلك التي تتغذي من الفروسية، يطــــيب للراوي ان يقتل حصان او فرس الفارس بعد رحيله، لأنها تأبي ان يمتطيها رجل آخـر، وقد تذهب بعض الحكايات بعيدا، فتصور الفرس ارملة، تصهل طوال الوقت بعينين دامعتين، وهي تفتش عن فارسها!
لكن الببغاوات والكلاب والقطط ليست افراسا، والبعض منها يقترن اسمه بالخيانة، لأنه يدين فقط لمن يعلفه ويؤويه ويداعب فروته.
لم يقل لنا احد اين وكيف عاشت الببغاء تشارلي طوال تلك الاعوام بعد رحيل صاحبها وبقي مصير الكلب هول الذي عشقه اللورد رسل في مصر غامضا، تماما كمصير كلاب الفوهرر التي لم تكن معه وبصحبة طبيبه د . مايلر وعشيقته ايفا براون في الملجأ الذي شهد المصير التراجيدي.
ولا أظن ان الدعوة الي رحمة عزيز ذلك تشمل الحيوان او الطير، لأنها لا تشمل الناس انفسهم احيانا!
وقد يبدو افراغ الطاقة في تأمل مساحات صغيرة وهوامش صغري كهذه من قبيل البطر الثقافي، وذلك لأن بعض الثقافات في عالمنا ابتليت ونكبت بمن ضيّقوا الخناق عليها، وجعلوها حكرا علي العناوين، والكليات، لهذا فهي ثقافات يأسرها التجريد بمعناه السلبي، لا الموسيقي، فهي تمجّد الصنف او النوع لكنها تزدري الفرد المنتسب الي هذا الصنف، ولو شئنا ترجمة هذا الكلام العام الي ما هو محسوس ويومي، فلنتأمل خطاب ثقافتنا الذي يعلي من شأن العرب كقوم، لكنه ينكّل بالعربي، ويزدهي بالشّعر ويزعم انه صاحب ديوانه الأبدي، لكنه يصلب الشعراء ويتفنن في تعذيبهم، وانكارهم!

ہہہ

بين الببغاء تشارلي التي عاشت في كنف ونستون تشرشل وبين الببغاء كازيمير التي ادمنت البقدونس، ما بين سياسي محترف ومثقف وجودي، فونستون تشرشل رغم شغفه بالثقافة في بعدها القومي كاعتزازه ذات يوم بأنه من بلاد شكسبير، لم يكن مثقفا بالمعني التاريخي الدقيق، ورغم انه رسم العديد من اللوحات الا انه لم يندرج في قائمة الرسامين المهمين في اوروبا.
بعكس اندريه مالرو الذي فشل في ان يكون مجرد ظل للجنرال ديغول، كما فشل في أن يجعل دوره في الهند الصينية، او في الحرب الاهلية الاسبانية أهم من رواياته مثل الطريق الملكي، وقدر الانسان، واشجار الجوز في التنبورغ.
وكأن الببغاوات ايضا لها اقدار، تستمدها رغما عنها من اصحابها الذين عاشت معهم، فلو عمّرت ببغاء عائلة مالرو حتي اصبح الصبي كاتبا فاعلا في فرنسا، لرددت عبارات عدمية، واخري وجودية، من فرط ما تسمع من المؤلف المهجوس بأبطال عصرنا، هؤلاء الضائعون التائهون بين جحيمين.
وقد لا يكون ابطال روائي ما ينطقون باسمه لأنهم ليسوا ابواقا للمؤلف، لكن ما قاله ابطال مالرو عن المثقف العظيم في احدي رواياته، لا بد انه ترديد لما كان يدور في رأس المؤلف، وهو ان المثقف العظيم هو الذي يعتني بالفروق لكي يبعثا.
ومن يدري، لعل بعض شخصيات الروايات، هم ببغاوات ايضا، علفوا بالبقدونس ليموتوا لكنهم اخرجوا ألسنتهم للمؤلف، وسمنوا من السم بدلا من ان يموتوا به!
0

المصدر جريدة القدس العربى

صقر الخالدية
31/03/2004, 11:13 AM
دورة المجتمع المدني والعنف السياسي.. في البلاد العربية


د. علي الطراح

كان للتغيرات التي حدثت على الساحة الدولية، تأثير كبير على إعادة طرح موضوع المجتمع المدني، فقد أدى انهيار الاتحاد السوفيتي سابقا وسقوط جدار برلين والنضال الذي لعبته المعارضة للنظام الشيوعي في بولندا وبقية الدول الاشتراكية، إلى الإسراع في طرحه من جديد.
أيا كان الأمر، فإن طرح هذا الموضوع من جديد يشير إلى فشل النظام السياسي العربي في تأطير المجتمع والسير به إلى بر الأمان، فسنوات الأحادية الحزبية والنظام السياسي الشمولي والقمع الذي مارسته السلطة الحاكمة ضد كل من يعارضها في التوجه وطمس المجتمع المدني وعدم تفعيله والحاقه قسرا بالنظام السياسي، كلها عوامل ساعدت على بروز الأزمات التي عرفتها بعض الدول العربية من عنف سياسي، الذي مهما كانت مبرراته فإنه يعتبر كمؤشر لفشل الدول الوطنية ما بعد الاستعمار في جميع الميادين: اقتصاديا فشل برامج التنمية، اجتماعيا غياب فعلي لمؤسسات المجتمع المدني، سياسيا فقدان للشرعية السياسية وما يتبعها من حرية التعبير وغياب الديمقراطية.
فقد بدأ بعض الباحثين في العالم العربي استخدام هذا المفهوم النسبي «المجتمع المدني»، عندما ساد الاقتناع بأن الدولة العربية القطرية الحديثة (أي دولة ما بعد الاستقلال) فشلت في إيجاد الحلول للتحديات الناتجة عن التطورات السكانية والاقتصادية والسياسية التي واجهها المجتمع العربي في النصف الثاني من هذا الفشل فسّره كثيرون بأنه نتج ـ جزئيا على الأقل ـ عن الطابع السلطوي الذي اتصفت به معظم الأنظمة العربية والذي لم يتح مجالا كافيا للمشاركة الشعبية.
وهكذا غدا مفهوم المجتمع المدني يقدم إجابة عن العديد من المسائل، فهو الرد عن سلطة الحزب الواحد في الدول الشيوعية بإيجاد مرجعية اجتماعية خارج الدولة، وهو الرد على بيروقراطية وتمركز عملية اتخاذ القرار في الدول الليبرالية، وهو الرد على سيطرة اقتصاد السوق على الحياة الاجتماعية، وهو الرد على دكتاتورية العالم الثالث من جهة، وعلى البنى العضوية والتقليدية من جهة أخرى.
يشير مفهوم المدني إذن إلى التحول الهائل والحاسم الذي حدث في الفكر السياسي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر بوجه خاص. ويعبر عن الإرادة التي أظهرها الفكر الغربي الحديث عامة في الانتهاء من أزمنة العصور الوسطى والتخلص منها، بل وفي إعلان القطيعة مع النظام القديم جملة وتفصيلا والقول بنظام جديد يقوم على أسس مختلفة ومخالفة.
إن مفهوم المجتمع المدني يتجاوز المصالح الآنية الضيقة، إذ ان هدفه هو الصالح العام ومنشأه ودافعه هو العمل الحر الطوعي لصالح المجتمع، بل هو صمام الأمان للدولة وهو بارومتر التوازنات التي تحدث في المجتمع وهو فوق هذا أداة للتوازن والتنظيم تقف بين الدولة بسلطتها القهرية والمادية وبين المجتمع وتطلعاته التي قد تتجاوز ما هو مسموح به قانونا والحد من هذه النزوعات الأنانية التي قد تتخذ أشكالا تعبيرية تتنافى مع فلسفة ومبادئ المجتمع المدني.
قد يبدو للوهلة الأولى أن مقولة العنف السياسي أو اقتران كلمة السياسي بكلمة العنف، تعني أن العامل السياسي هو الدافع الحقيقي للعنف، وهذا الطرح ليس سليماً ولا يعبّر عن حقيقة الظاهرة ـ العنف ـ إذ تتشابك عدة عوامل وتتضافر لتفسير ذلك، وإذا كان ظاهرياً أن العنف الذي ظهر في بعض الدول العربية ارتبط بالأصولية والإسلام السياسي في العقود الأخيرة. ومن المفارقات، أن ذلك ارتبط أيضاً بدخول مصطلح المجتمع المدني إلى قاموس علماء الاجتماع العرب ـ ومن بين هذه الأسباب ما هو اقتصادي، وما هو ثقافي، وما هو اجتماعي، اضافة إلى العامل السياسي.
ان العنف ليس ظاهرة خاصة بمجتمع دون غيره، وليس بزمان دون غيره، فهو ظاهرة تاريخية عالمية، من هنا، وانطلاقاً من التفكير المنهجي العلمي السليم الذي يقول إن لكل ظاهرة سببا أو أسبابا تؤدي إلى حدوثها، وأنه لا توجد ظاهرة اجتماعية تنشأ من فراغ، يمكننا القول إن هذه الظاهرة ليست ظاهرة ذاتية المولد، بل ان أسباباً عديدة ومتضافرة تؤدي إليه وإلى ممارسته.
ان أحد الأسباب المهمة لظهور ظاهرة العنف السياسي، هو غياب مجتمع مدني أو عدم فعاليته، ويكفي أن ندلل على ذلك اقتران ظهور هذا المصطلح على الساحة الفكرية والعملية بظهور بوادر فشل الدولة الوطنية في تحقيق مطالب شعوبها وعلى جميع الصعد سياسيا فقدان الشرعية وغياب الديمقراطية والمشاركة السياسية الفعالة، والتعددية السياسية.. الخ، التي أدت في النهاية إلى توفير الأرضية الخصبة التي ترعرع فيها العنف السياسي وعلى ما يقول المفكر المغربي «عبد الإله بلقزيز»، لا يحتاج المرء إلى كبير شرح لبيان درجة الانسداد التي بلغها النظام السياسي لـ «الدولة الوطنية» في الوطن العربي الحديث، وليس من دليل أبلغ على ذلك من عجزه عن تقديم أجوبة حقيقية عن المطالب التاريخية للمجتمع العربي: النهضة، التقدم، والديمقراطية، التي كان بعضها في أساس قيامه أو على الأصح ـ من مزاعم قيامه، وليس من شك في أن هذا الإخفاق السياسي الذي يعيشه النظام الحاكم في دول العرب المعاصرة مرده إلى فقدان الشرعية التي يقوم عليها كل نظام حديث: الشرعية الديمقراطية الدستورية: فهو إما نظام نخبات عسكرية نشأت خارج الحياة السياسية الليبرالية المتواضعة، أو اما نظام قبائل وعشائر وطوائف ينهل ثقافته من النظام السياسي العصبوي القروسطي أو من نظم الحكم المحلي في أوائل العهد الحديث، أو نظام ثيوقراطي يستعيد تقاليد الدولة السلطانية التقليدية.
إذن العنف السياسي التي تقوم به الحركات الأصولية المتطرفة في البلاد العربية، يترجم حقيقة ويعبر عن الأزمة العميقة التي تعيشها الدولة الوطنية التي احتكرت لسنوات طوال كل المجالات والمنابر، وألحقت مؤسسات المجتمع المدني، إن وجدت بها، لخدمة مصالحها ومشروعها الآيديولوجي الذي فشل في الأخير نتيجة لقوة القمع والقهر التي مارسها النظام الحاكم على المجتمع. وللتدليل على صحة ما نقول، نجد ان النظام السياسي هو نفسه الذي كان سباقا إلى استعمال هذا المصطلح ـ المجتمع المدني ـ وشجع على استعماله وهذا لمواجهة الأصولية الدينية. وهذا اعتراف صريح أن غياب مؤسسات المجتمع المدني كان يمكن أن يكون صمام الأمان للدولة لتجنبها العنف السياسي الذي تحول في الأخير إلى إرهاب أعمى.
ان وجود مؤسسات فعالة للمجتمع المدني كان يمكن أن ينشر الديمقراطية والحوار وثقافة التسامح بدل ثقافة العنف والإقصاء، فالمجتمع المدني هو فضاء للحرية والديمقراطية والمشاركة البناءة والمساهمة في تحقيق مشاريع التنمية وتجنب المجتمع والدولة التجاوزات التي قد تظهر نتيجة للإفراط في الذاتية والأنانية.
ان أهمية وجود مؤسسات فعالة للمجتمع المدني دفعت بالبعض إلى وصفه بـ «رأس مال اجتماعي» ففي كتاب صدر في السنوات الأخيرة للعالم الأمريكي «روبرت بونتام» أستاذ بجامعة هارفارد بعنوان «جعل الديمقراطية تعمل» يؤكد المؤلف عبر هذا الكتاب على العلاقة الوطيدة بين المجتمع المدني والديمقراطية، وبعد أن حاول كل التفسيرات الممكنة خلص إلى تفسير رئيس وهو ما أسماه رأس المال الاجتماعي.
ان تأكيدنا على أهمية المجتمع المدني وضرورة وجوده في مجتمعاتنا العربية، ينبع من التاريخ السياسي والاجتماعي للمجتمعات العربية أين غيبت مؤسسات المجتمع المدني وبدلاً من الحوار والمشاركة البناءة حل محلها القمع والإقصاء؟ وهكذا على مر السنين تراكمت الأخطاء والكبت ومع رياح الديمقراطية القادمة من الغرب، وجد المجتمع العربي نفسه مدفوعاً إلى الانتفاضة ضد الأشكال السابقة من التسيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكان من بين مظاهر هذه الأزمة متشعبة الجوانب ما شهدناه من عنف سياسي كاد يعصف ببعض الأنظمة العربية.

أستاذ علم الاجتماع وعميد كلية الدراسات الاجتماعية ـ جامعة الكويت

المصدر جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
31/03/2004, 12:55 PM
متي يعلنون وفاة التليفزيون المصري؟!
2004/03/31


سليم عزوز

النقد الجاد لأداء التليفزيون المصري محفوف بالمخاطر، لان القائم علي امره هو الرجل القوي في مصر السيد الأستاذ الرائد متقاعد صفوت الشريف، وهو رجل مبدع.. وفي كل شيء، ويكون مبدعا غاية ما يكون الإبداع وهو ينتقم من خصومه، الذين يتصورون ان الديمقراطية المصرية الخلاقة تسمح بالاقتراب من رحابه.. الطاهرة طبعا !
وقد جربت هذا الاقتراب وتلقيت تحذيرا لم آبه به، وكان الرد رادعا وصاعقا، وعندما تلقيت عرضا من القدس العربي للكتابة في هذا الباب فضائيات وارضيات وجدتني اردد اغنية جرح تاني مع المطربة المصرية المستجدة التي يذكرنا نجاحها بالقول المأثور: وعزتي وجلالي لأرزقن من لا حيلة له حتي يتعجب من ذلك أصحاب الحيل !
وفي الواقع فان مشكلتي مع نفسي، لاني صعيدي الذي علي قلبي علي لساني، وشعاري في الحياة: ليس لدي ما اخسره ، وزاد الطينة بلة ان أصبحت تحت يدي مساحة متخصصة في النقد التليفزيوني، وانا من المتابعين للحال المائل للتليفزيون المصري العملاق، وان كنت لم اعد من مشاهديه كما كنت في السابق، لان من مشاهدته باستمرار خشيت ان يكون عقلي قد أصابه الخفيف !
التليفزيون المصري الباسل راحت عليه ، وقد اصبح وجوده في حياتنا نحن المصريين فيه اكبر إساءة لنا، ولن أتحدث عن حضارة آلاف السنين، ولا عن ان التليفزيون المصري بث إرساله بينما هناك دول كانت لا تعرف كيف تتعامل مع أحذيتها، وهل تضعها في الأقدام ام فوق الرؤوس، فهذا كلام لا يؤخر ولا يقدم، فالشاعر الذي لا يحضرني اسمه الان ولا شكله قال: ليس المرء من يقول كان ابي وجدي. فما يعنيني هنا انه بسبب حال تليفزيوننا الذي لا يسر عدوا ولا حبيبا، أصبحت النظرة الي الإعلامي المصري لا تتسق مع قدراته، ولهذا تتهافت الفضائيات الجديدة علي الشوام، لان أصحاب هذه المحطات معهم عذرهم ان تصوروا ان التليفزيون المذكور يعكس قدرات العاملين فيه!
وان كانت التجربة قد اثبتت ان هذه النظرة ليست في محلها ، فالمذكور لا يعكس الا قدرات قياداته بقيادة المهيب الرائد صفوت الشريف، فهناك كثيرون قد اثبتوا جدارة خارج أسواره، ولعلنا نذكر ان المسئول عن قطاع الأخبار في قناة الجزيرة كان مصريا، وقد عمل في مصر فلم يكن يعرفه أحد، ولم يكتشف نبوغه مخلوق، وهو الذي كاد سمو الرائد ان يسحب منه الجنسية ويقدمه للمحاكمة بتهمة الخيانة العظمي، بحجة انه يعمل في قناة تهاجم مصر، وقد ناشد سموه الكتاب والمفكرين المصريين الا يشاركوا في برامجها علي أساس انها لم تقم الا علي عاتقهم، ولم تثبت نجاحا الا بالاستعانة بهم، ولم يسأل أحد سيادته ما دام الامر كذلك فلماذا لم يستعن بهم تليفزيونه لعله ينجح ويصبح جديرا بمصر وبتاريخها، ولماذا تقتصر استضافته في البرامج علي الهاجع والناجع والنائم علي صرصوره، ومن ثبت ـ بحكم القضاء ـ انهم يدفعون مقابل ظهورهم، مع ان المتعارف عليه ان المصدر يحصل علي اتعاب مقابل ظهوره وليس العكس!
وفي الواقع ان هذه الغضبة التي بدت علي الوجه الكريم لسعادة الوزير وهو يهدد ويتوعد، وهو ايضا يستجدي ويستعدي الكتاب والمفكرين المصريين، لم يكن لمصر فيها نصيب، فقد كان المحرض عليها هي الغيرة من ان تتفوق علينا قطر بقناتها التي هي مثل علبة الكبريت . ويلاحظ هنا ان يسري فوده الذي اثبت وجوده ونجوميته في قناة الجزيرة كان يعمل في قطاع الأخبار بالتليفزيون المصري، ولم يكن يعرفه انس ولا جان، ولو ظل في وظيفته لمات دون ان يسمع به احد، الامر الذي يؤكد ان المشكلة ليست في الإعلاميين، ولكن في القيادات الفاشلة، والتي شاخت في مواقعها ـ وهو الامر الذي يؤكد أيضا ان الغضبة كان لها ما يبررها، فنجاح الجزيرة كان كاشفا عن ان الفشل يرجع الي أصحاب القرار (الذين لم تعد لديهم القدرة علي ان ينافسوا خصما او يكيدوا عزولا) وليس في العاملين في عزبتهم!
وقد سعوا الي المنافسة، وهم لا يملكون متطلباتها، ولان الرغبة وحدها لا تكفي فقد فشلوا، وتحولنا بسببهم الي مسخرة يتغني بها الركبان، فالمحاولة كانت كمن شرب كوبا من اللبن الحليب، وظن انه بذلك اصبح اقوي رجل في العالم ونزل ليصارع محمد علي كلاي في عز مجده.. انظر الي المشهد لو ان هذا قد حدث، حتي تعلم حال تليفزيوننا العملاق وهو ينافس ويدوحر ويحاول علي طريقة شد الحبل !
في الأحداث المهمة والمفاجئة فان التليفزيون يصبح في حال يصعب فيه علي الكافر، ففي الأسبوع الماضي عندما ارتكب العدو الإسرائيلي جريمة اغتيال الشيخ احمد ياسين، كان التليفزيون المذكور اخر من يعلم، وقد سقطنا في الامتحان بجدارة، ولم نكن نحتاج الي امتحان من أي نوع لنكتشف فيه ان القوم لم تعد لديهم القدرة علي ان يصلبوا طولهم ، ولعلنا نذكر ان حاله كان يثير الضحك ـ علي اعتبار ان شر البلية ما يضحك ـ عندما وقعت أحداث البرجين، فقد كان تصرف القائمين عليه كمن تتخبطهم الشياطين من المس، ويكفي ان ألفت النظر هنا، الي انهم كانوا ـ طبعا بعد ان ذهبت السكرة وحلت الفكرة ـ ينقلون من الـ سي ان ان بشكل مضحك، فلم يعد خافيا علي احد ان هذا الحدث كان تكريسا لمكانة الجزيرة ودليلا علي نجاحها، ولم يعد ينفع في الامر، ان يخرج أكاديمي كالنائحة المستأجرة او كاتب يخطب ود صاحب ماسبيرو ليؤكد ان الجزيرة قناة فاشلة وان أعجبت العوام والدهماء!
لقد كانت الـ سي ان ان تنقل عن الجزيرة ولم تجد في ذلك حرجا، ولان تليفزيوننا الباسل كان يري ان النقل عنها عيبة في حق اقدم تليفزيون اخرج للناس، فقد تم التحايل علي ذلك بحيلة تنتمي الي قبيلة الماسخر حماها الله ـ القبيلة وليس الماسخر ـ حيث كانت الأحداث يتم نقلها من الـ سي ان ان ، والتي تنقلها من الجزيرة، ولان المحطة الأمريكية كانت تترجم تعليق المذيع الي الإنجليزية، فقد كان القوم عندنا يترجمون الترجمة، لنسمع هيصة ، فالمذيع الجزيري يتحدث بالعربية، والأمريكي يترجم عربيته الي الإنجليزية، والمصري يترجم الإنجليزية الي العربية، ضوضاء ما بعدها ضوضاء وكأننا في مولد سيدي احمد البدوي!
ولم يكن اداء التليفزيون التاريخي بأحسن حالا في أحداث الحرب علي العراق، وان كانت هناك مفارقة واضحة الدلالة هنا!
ففي أحداث البرجين وملحقاتها كان هناك اعتراف ضمني بالعجز، وكانت هناك محاولة خائبة لتبريره، اما في أحداث العراق فقد اتحفنا احد كبار صغار المسئولين بقولـه الذي قطع قول كل خطيب: (اننا تفوقنا علي الجزيرة و العربية ).. وهي بجاحة أخرست الجميع، ولعل هذا هو السبب في ان أحدا لم يعلق علي وكستنا في حادث استشهاد الشيخ احمد ياسين!
وان كنت اعتقد ان هذا الصمت المريب راجعا الي اعتقاد الجميع ان التليفزيون المصري قد مات ولم يبق الا إعلان ذلك، فمتي يعلنون وفاته ـ يرحمه الله ـ حتي نستريح؟



كاتب وصحفى مصرى

صقر الخالدية
05/04/2004, 05:13 PM
267 ـ 1 ابريل 2004
Issue 267 April 1, 2004




سياسة

لا نسمع إلا المديح الأجوف للأشخاص والمؤسسات
صمت في الإمارات

بقلم: محمد عبيد غباش








































الإمارات هي الدولة الخليجية الوحيدة الصامتة عن قضية الديمقراطية. كل دول الخليج بما في ذلك العربية السعودية قامت بمراجعة سياسية لنظامها السياسي, وأدخلت تعديلات على آلية الحكم فيها, أو على الأقل هي تبذل جهداً معلناً يتبنى فكرة الإصلاح السياسي للمؤسسات القائمة, ويقوم بفتح حوار مع نخب مثقفة بغية توليد أفكار إصلاحية وتوافق حول خطوات التغيير.

أما في الإمارات فلا نسمع سوى صوت الصمت. هل أوضاعنا جميلة إلى الحد الذي لا نرى فيه أهمية للإصلاح والتغيير؟ هل تتمتع مرافقنا بالكفاءة وحسن الأداء إلى حد أننا لا نحتاج لإدارتها ديمقراطياً, بل نكتفي بالأسلوب الذي نديرها فيه طيلة العقود الثلاثة الماضية؟

إن أي رصد لمؤسساتنا العامة ومرافقنا التعليمية والصحية والسكنية يكشف أن مشكلاتنا كبيرة. بل إن أي تلمس لبعض جوانب الحياة العامة يُظهِر لنا أن هناك كوارث وأشباه كوارث... والمأساة أن نظامنا السياسي عاجز عن التصدي لها أو هو قد قرر سلفاً ألا يتصدى لها.

فهناك عدد هائل ممن فاتهنّ قطار الزواج, حُدد بـ35 ألف حالة لفتيات لا ذنب لهن في أن يُحرمنَ من الحياة الأسرية, ومهددات بفقد الجنسية إن هنّ أقدمن على الزواج من غير المواطنين, وهي الممارسة ذاتها المباحة للشباب المواطنين دون أن يتهددهم قانون بفقد الجنسية.

وهناك عدد هائل من العاطلين عن العمل الذين يتأخر توظيفهم أو يتم توظيفهم في غير المواقع المتوافقة مع رغباتهم, والأسوأ أن التوظيف بات متعذراً إن لم يكن مستحيلاً لفئة ليست بالقليلة.

هاتان ظاهرتان من أشباه الكوارث التي لا تقدم الدولة حلولاً حقيقية لها. لكن الظاهرة الأسوأ هي المشكلة السكانية التي يبدو أن الدولة بلغت فيها حالة اليأس التام. في الماضي كانت هناك محاولات (فاشلة دائماً), لكن على الأقل كانت هناك محاولات متعددة تحاول فهم الظاهرة ووضع بعض الحلول لتخفيف وطأتها. أما اليوم فلا يوجد أي جهد يبذل لمعالجة هذه الكارثة التي تجعل نسبة المواطنين تنخفض في بلدهم إلى ما بين 20% ـ 10%, وعليك أن تصدق بنفسك النسبة التي تريدها حسب المصدر الذي تود أن تصدقه... بدلاً من مواجهة الوضع المأزوم بشكل علمي وتحديد العلاجات المناسبة الكفيلة بعدم المساس بحاجات التنمية, فإن الدولة لا تفعل شيئاً, بل تفتح مطاراتها وموانئها للمزيد من التدفق السكاني الذي أصبح كالطوفان.

والالتفات لمرافقنا العامة وخدماتها يكشف هو الآخر أن المحاسبة غائبة عن كثير من هذه المؤسسات الأمر الذي يجعلها تقدم خدمات منخفضة للمواطنين. ومن الغرائب التي لا يستطيع أحد فهمها أن دولة نفطية غنية كالإمارات, سخية في مساعداتها الخارجية الإنسانية, لكنها بخيلة للغاية في الإنفاق على مرافقها العامة الأمر الذي بالضرورة يجعل هذه الخدمات متدهورة وهزيلة.

السياسة معطلة بالكامل في الإمارات. فلا مجلس الوزراء يتصدى للأزمات الكبيرة, ويشكو وزراؤه من قلة الموارد المتاحة لهم, ولا المجلس الوطني يحاسب مجلس الوزراء على مهامه المعطلة ومرافقه العاجزة. وحينما نأتي للإعلام والصحافة فلا نسمع أو نرى إلا هذا الطوفان العارم من المديح الأجوف للأشخاص والمؤسسات. ولا نسمع إلا صوت الصمت إزاء قضايانا المصيرية.



مجلة الازمنة العربية

صقر الخالدية
07/04/2004, 11:28 PM
عامر بن عبد الله الشهراني
: تحديات السعودة
الخميس 25 مارس 2004 06:43

هناك العديد من المفاهيم المتعلقة بإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة، وهذه المفاهيم تختلف باختلاف الدول، ففي المملكة العربية السعودية يطلق على مفهوم إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة "السعودة" وفي الكويت "الكوتتة"، وفي الأردن "الأردنة"، وفي قطر "القطرنة"، وفي الإمارات "الأمرتة"، وفي بعض الدول التي لا توجد بها عمالة وافدة تعد هذه المصطلحات غريبة بالنسبة لها نظراً لأن مواطنيها يؤدون جميع الأعمال التي تقوم بها العمالة الوافدة، وحقيقة الأمر أن السعودة من أكثر الموضوعات التي تمت مناقشتها وتناولتها وسائل الإعلام المختلفة بالحوار والمناقشة واللقاءات المتعددة مع المسؤولين ومن جوانب مختلفة .والهدف من ذلك هو تحقيق أهداف السعودة، وتوعية أفراد المجتمع بالدور المطلوب منهم في هذا المجال.
وفي إجازة عيد الأضحى المبارك وبالتحديد في مدينة جدة، وأثناء التسوق في أحد الأسواق القديمة وجدت نفسي غريباً وقد أجزم بأنني كنت السعودي الوحيد الموجود في هذا السوق، وقد لاحظت أن جميع العاملين في هذا السوق من العمالة الوافدة سواء من الجنسيات العربية أو الآسيوية. وفي أثناء تجوالي لفت انتباهي إعلان صغير فوق أحد مداخل مؤسسة تجارية متخصصة في بيع العطور، والأدوات الكهربائية، والخردوات الأخرى، ونص الإعلان "يوجد لدينا وظائف للسعوديين وفق الشروط التالية: مؤهل جامعي، العمر لا يقل عن أربع وعشرين سنة، يجيد اللغة الإنجليزية تحدثاً وكتابة" وبعد الانتهاء من قراءة هذا الإعلان دار في ذهني العديد من الأسئلة ومنها:
- لماذا تحتاج هذه المؤسسة إلى الشهادة الجامعية لشخص سيقوم ببيع العطور، ولعب الأطفال؟
- هل أصبح التعليم العالي يؤهل لمثل هذه المهن التي تحتاج إلى خبرة أكثر من حاجتها إلى الشهادة الجامعية؟
- لماذا لم تسهم هذه المؤسسات بالتنسيق مع الغرف التجارية في تقديم دورات تدريبية قصيرة في مهارات الاتصال والتعامل مع الآخرين؟
- هل جميع الذين يعملون في الوقت الحاضر من عمالة وافدة في هذه المؤسسة لديهم درجة جامعية؟
- هل التعليم الجامعي مسؤول عن تخريج أفراد مؤهلين بشهادات جامعية ليعملوا في مهن غير مرتبطة بتخصصاتهم؟
كما أن تحديد العمر بأربعة وعشرين عاماً كشرط من شروط التوظيف في القطاع الخاص لا يستند إلى أساس واضح ومحدد، وهل شرط السن يطبق تماماً على العمالة الوافدة عند الاستقدام؟ الشرط الآخر هو إجادة اللغة الإنجليزية تحدثاً وكتابة وهنا أقول إن الشخص الذي لديه هاتان المهارتان (التحدث والكتابة باللغة الإنجليزية) لن يبحث عن هذا النوع من الأعمال البسيطة ولن يقبل به، حيث إن المتمكن من اللغة الإنجليزية بهذه الدرجة سيجد عملا بسهولة سواء في القطاع العام أو الخاص، مع العلم أن كثيراً من العمالة الوافدة لا يجيدون اللغة الإنجليزية تحدثا أو كتابة، بل لا يجيدون اللغة العربية، والشروط التي يضعها القطاع الخاص لتوظيف السعوديين ولتحقيق أهداف السعودة ما هي إلا شروط تعجيزية بالإضافة إلى المرتب الشهري المنخفض الذي يقدمه القطاع الخاص، وهذه بعض الأساليب التي يتبعها بعض أصحاب المؤسسات والشركات الخاصة (القطاع الخاص) حيث ينشر الإعلان في الصحف، أو يعرض إعلانه في الأماكن العامة وفق الشروط المحددة التي لا تناسب طبيعة العمل، ولا يمكن تحقيقها، وهذا بمثابة تحايل أو تهرب من سعودة الوظائف لعدم تقدم من تنطبق عليهم الشروط، وهنا يمكن القول إن القطاع الخاص مطالب بأن يستشعر المسؤولية حيال مشروع السعودة وجعله من أولوياته ومسؤولياته تجاه الوطن. وقد يكون ذلك ممكناً من خلال تحديد استراتيجيات وأساليب منطقية لجذب، واختيار، وتأهيل بعض خريجي الثانوية العامة أو الجامعة ليقوموا بشغل الوظائف الملائمة لتخصصاتهم وقدراتهم والتي تقدم عائداً مادياً يناسب ظروف المعيشة.
وهناك تجارب للسعودة في قطاعات مختلفة، فقد أثبتت شركة أرامكو السعودية تجربة ناجحة في هذا المجال، كما نجحت شركة " سابك " إلى حد كبير في توطين هذا المفهوم، واستقطاب عدد كبير من السعوديين للقيام بالعمل في المجالات المختلفة، كما أن هناك بعض المؤسسات الأخرى التي استثمرت الموارد البشرية السعودية، ونجحت في ذلك، بل أسهمت في تحقيق أهداف السعودة، وبدأت تعتمد على الأيدي السعودية المؤهلة في كثير من مجالاتها. وفي السنوات القليلة الماضية بدأت السعودة في أسواق الخضار بالمملكة، وبدأت هذه التجربة بقوة وبمتابعة الجهات المعنية ونجحت في البداية إلى حد كبير، ولكنها بدأت تتراجع نظراً لعدم وجود الرقابة المستمرة على تطبيق هذا المفهوم، وقابلت بعض الصعوبات في البداية التي بالإمكان التغلب عليها، والتجربة الأخرى في مجال السعودة تتمثل في سعودة سيارات الأجرة المنتشرة في جميع مدن المملكة، وقد قدمت الحكومة التسهيلات الضرورية لتحقيق سعودة سيارات الأجرة مثل تقديم القروض لمن أراد الحصول على سيارة أجرة، ويتم تسديدها على أقساط ميسرة، وتم ذلك وفق تنظيم محدد وفق جدول زمني مناسب، ومع ذلك فلا يزال هناك بعض العقبات التي تواجه تطبيق هذا المفهوم بفعالية ونجاح.
ومن التجارب أيضاً في مجال السعودة في القطاع الخاص سعودة العمالة في محلات وأسواق الذهب في السعودية، ولقد تمت هذه الخطوة على مراحل وتم تدريب الأطر (الكوادر) السعودية في مجال تسويق الذهب وبيعه. وقد أعطيت هذه الخطوة وقتا كافيا وتمت بالتدريج حيث تم التخطيط لسعودة هذه الأسواق وفق نسب معينة، وكانت غرة محرم 1425هـ هي الموعد الأخير لسعودة أسواق الذهب بنسبة 100%، وهذه خطوة في الطريق الصحيح، وتحتاج إلى متابعة دقيقة، وأن يكون لها آلية، أو استراتيجية واضحة ومحددة تضمن لصاحب العمل الإنتاجية المناسبة، وتضمن للعامل أو الموظف السعودي حقوقه وواجباته.
ومن الصعوبات التي واجهت السعودة في القطاع الخاص عدم استمرار الأفراد السعوديين في العمل لفترة طويلة حيث يتم التوقف عن العمل، أو الفصل في حالة حصولهم على عمل آخر أفضل سواء في القطاع العام أو الخاص، كما أن بعض طالبي العمل من السعوديين يريدون العمل في المجال الإداري وأن يصبح الفرد مديراً من أول يوم يلتحق فيه بالعمل. والبعض الآخر من الأيدي العاملة الوطنية لم يثبت لصاحب العمل الجدية، والإنجاز في العمل بالمستوى الذي يتوافق مع التوقعات.
وفي الجانب الآخر يعاني بعض العاملين من السعوديين في القطاع الخاص من صعوبات خاصة بأصحاب العمل مثل عدم ثقة أصحاب العمل بقدراتهم، وإمكانياتهم، وعدم إعطائهم المسؤولية التامة، والاعتماد عليهم في بعض الجوانب، كما أن الرواتب أو الشروط التي يتم تحديدها تُعد بمثابة عائق في سبيل تحقيق أهداف خطط السعودة بصفة مباشرة أو غير مباشرة لعدم مراعاة البعد الاقتصادي، والاجتماعي عند تحديد الرواتب الشهرية، ويمكن وضع نظام للرواتب حسب الشهادات، والتخصصات، والخبرات، ونوعية العمل (إداري، وفني، وغير ذلك).

*أكاديمي وكاتب سعودي

موقع ايلاف

صقر الخالدية
09/04/2004, 01:09 AM
مهنة تصيّد الأخطاء


أنور بن محمد الرواس


عجيب أمر مجتمعاتنا العربية، فهي تصور لنا مدى عجز الإنسان الواضح عن فهم أمور حياته، هذا الإنسان الذي قدر له العيش على هذه البسيطة، نجده يكيّف الدين على طريقته الخاصة، ويأتي بالحجج والبراهين التي تدعم رأيه، غير مبال بالقيم والأخلاق الحميدة، ولا يضع احتراما لآراء الآخرين.
في هذه العجالة السريعة أود أن أضع بين أيديكم قضية أو ظاهرة قد تكون طبيعية نظرا لطبيعة الإنسان في سعيه نحو المجد والشهرة وإن تطلب الأمر الالتفاف والتحايل على القانون. إن الهدف من فتح هذا الملف للنقاش ليس من باب التباهي بالشيء، ولكن ما نراه ونسمعه بشكل يومي يجعلنا نقف حائرين حيال ما يجري من تجاوزات غير حميدة في مجال نقل الأخبار بطريقة تدخل فيها المكيدة أحيانا، والخبث في أحايين كثيرة، أو نصب فخ سواء كان ذلك الفخ تقنيا من خلال الأجهزة الإلكترونية أو ورقيا من خلال تسجيل النقاط على الزملاء فيما يقولونه أو يكتبونه.
نحن نعرف أن هذه سنة بشرية، ولكن لماذا يمتهنها كثيرون من الناس، ويجعلونها جزءا عمليا من حياتهم؟، وإذا كنا نرى الأطفال يتصيدون أخطاء بعضهم البعض آملا في استرضاء والديهم، فيظل الأمر محصورا في عالم بريء لا يتعدى كونه دعابة وقتية تنتهي بتدخل الوالدين لإصلاح الاعوجاج، وإعادة الوضع إلى نصابه الصحيح. ولكن ما أن يصل الأمر إلى عالم الكبار، حتى نرى الخسائر كثيرة، فهذا العالم الذي غلبت عليه الماديات وحب الذات، وحب التملك، والتفنن بأساليب الحسد، لا يأبه بالقيم، ولا بالأخلاق، فالضمائر هنا تسيطر عليها الغرائز، وتمتلكها شهوة العبث بكل ما هو مقدس. حيث نجد الموظف الصغير يتصيد أخطاء زملائه، ولا يقتصر الأمر على الموظف الصغير فحسب، فهناك من هم في مراتب عليا وظيفيا يتصيدون أخطاء بعضهم البعض إلا من رحم ربي، وهؤلاء قلة في عالم الماديات. وبطبيعة الحال فالعاقل منا يعي تماما أن المدينة الفاضلة لا مكان لها على الخريطة، ومن يعتقد أن المجتمع باستطاعته تحديد معالمها على الخريطة، فإنما يطالب بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء. ولكن هناك اسس ثابتة وشرائع سماوية تقتضيها الأمانة الخلقية أن نتمسك بها، ونطبقها على أرض الواقع، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، وكما هو معروف فالدين المعاملة، وأقرب الناس إلى الله أنفعهم للناس، فإذا طبق المجتمع القيم الدينية، فإنه يحفظ ما تبقى من كرامة للإنسانية جمعاء.
وعلى الرغم من كون مهنة تصيد الأخطاء مهنة رخيصة، إلا أن لها رواجا ومريدين في مجتمعاتنا، فهم وإن لبسوا ثوب الكياسة ودماثة الأخلاق، إلا أن البواطن تحمل جوانب سيئة ودنيئة، فهي مهنة تعشق الخبث وتروج لها بطريقة مريضة، وتهيم في ديباجة الغيرة وتسعى الى حرق القيم والأخلاق، وتناضل من أجل نصرة منطق الحسد لتدفن ما تبقى لمنطق التكافل والتعاضد. أمور كثيرة يناور فيها هؤلاء حبا في ذات مريضة تسعى الى تحقيق مكاسب لنفسها ومن معها لتشق به طريقها نحو المجد والشهرة على حساب روحانية القيم والأخلاق. فالمجد لا يأتي على أكتاف الآخرين، فهناك معايير كثيرة، فإلى جانب العلم والثقافة، هنالك الأخلاق واحترام الآخرين، والكفاءة المهنية التي تزيد من مكانة الإنسان إلى جانب الصفات التي ذكرت سابقا.
سبحان الله على أولئك الذين يقفزون الحواجز، ولا يبالون بالأعراف أو القيم ليصلوا على أكتاف الآخرين بأية وسيلة لتحقيق مصلحة ذاتية. فإذا رأوا شخصا ناجحا ومتميزا في مجال عمله، ويكسب رزقه بعرق جبينه، تقام الدنيا ولا تقعد، ولا يهنأ لهم مقام حتى يروه فاشلا، ويتصيدون له الأخطاء بطريقة أو بأخرى، فالنجاح عدو هؤلاء، وما دام هناك بشر يعشقون الحسد ومحاربة الناجحين حتى من داخل الأسرة الواحدة، فيجب علينا أن نواجههم ونفند مزاعمهم التي لا تستند إلا على سراب يبعدنا عن جوهر الحقيقة ألا وهي حب الذات مهما كان الثمن. إن محاولة الكشف عن الجانب الآخر للحقيقة فضيلة ربما لا يجرؤ الكثيرون على الاقتراب منها ، إيثارا للسلامة، ومسايرة للموجة الغالبة، أو خشية من وضعهم في القائمة السوداء على حساب وقوفهم العلني إلى جانب الحق والحقيقة. لا نزايد على بعض فكل واحد فينا لديه منظوره الخاص عن الحياة يفسرها بالطريقة التي يراها مناسبة لنفسه، ولكن عندما يتعلق الأمر بزرع بذور الشقة والحسد فعلينا التصدي لمثل هذه النوعية من الأعمال. وعندما يصل الأمر إلى مروجي الشائعات وهم الفئة التي تلقى رواجا كبيرا في المجتمع، نظرا لاعتمادهم على الثقافة السمعية ومعرفة سلبيات الآخرين، فعلينا أن نقف في وجههم ونتصدى لهم بالكلمة الصادقة، والعمل الدؤوب حفاظا على تماسك المجتمع، و إلا فسيجد هؤلاء ضالتهم ومن على شاكلتهم في تكثيف مهام عملهم المتخصص في الحسد، وإلصاق التهم والمكائد بالاشخاص الناجحين والمتميزين من أبناء المجتمع، إنها مهنة تدخل فيها المصالح وحب الذات بأسلوب إجرامي، حتى وإن تطلب الأمر قيادة أبرياء إلى حتفهم الوظيفي والحياتي معا. والله يحفظ الجميع.
المصدر جريدة عمان

صقر الخالدية
14/04/2004, 11:35 PM
الثقافة الثالثة)... ولكن!


الخوف من طغيان الثقافة العلمية خوف مشروع حتى لا تتحوّل إلى بديل شامل عن مجمل الثقافة الإنسانية.
نشر الثقافة العلمية كفيل بحماية المجتمع من الاستخدامات السيئة للعلم ومفرزاته في الاستهلاك اليومي أو المشاريع الاستراتيجية.

الندوة الموسعة التي أقامتها (العربي) تحت عنوان (الغرب بعيون عربية), لا تزال أصداؤها تتردد, ليس فقط على مستوى الإعلام والصحافة الثقافية, بل أيضًا في جوهر المواضيع التي تبرز كأولويات جديرة بالبحث في عالم اليوم إزاء الغرب, الذي لا يمكن تجاهل موقعه المؤثر على ظهر كوكبنا. ومن بين هذه المواضيع يطفو مصطلح (الثقافة الثالثة) الذي يعكس انشغال الغرب بتأثيرات التقدم العلمي والتقني, منذ ما يقارب الخمسين عاما, بينما الكثيرون منا لا يزالون يجترون ثقافة (ِمكَرِّ, ِمفَرِّ), بالرغم من تغير الزمان. (الثقافة الثالثة) مصطلح يكاد يكون مجهولاً في الساحة الثقافية العربية, بالرغم من خطورته وإلحاح دلالاته, وهو مما ينبغي عدم تركه, أو تمريره دون فحص ومراجعة.

حين تناولت في حديث الشهر لعدد أكتوبر الماضي موضوع (التعليم العلمي والتكنولوجي) كحلقة غائبة من حلقات التعليم العربي, الذي لا يماري أحد في تأزمه, واخترت لمعالجة الموضوع منطق المقارنة مع غيرنا, خاصة إسرائيل, وجعلت العنوان الثاني (إنهاض الذات بألم المقارنة), لم أكن أتصور أن تكون المقارنة موجعة إلى هذا الحد, فقد انتبه كثيرون من المثقفين الأصدقاء, والقراء الأعزاء, إلى هول وقائع وأرقام المقارنة التي تشير إلى تقصيرنا العلمي. وهو تقصير في حق أنفسنا, يضعنا في موقع الأضعف دون مبرر حقيقي, فمن نواجهه ليس متفوقًا عنا بالخلقة أو الجبلة, بل الأمر كله أخذ بالأسباب التي أهملناها طويلاً, وآمل ألا نهملها أبدًا. لهذا أجدني مدفوعا لمواصلة هذا الإيلام, حالمًا بأصغرمساهمة ممكنة, من أجل إيقاظ الذات بحقائق المقارنة مع الغير. والغير هذه المرّة ليس وقفًا على من نواجهه داخل منطقتنا العربية, بل من يطل علينا بتقدمه العلمي من شرفات الغرب ونوافذ الشمال, وننظر إليه في عجز مموّه, أو قعود استهلاكي, وهو مصدر هذا التخريج الثقافي الجديد الذي يدور حوله حديثنا في هذا الشهر.

لقد تحدثت عن (التعليم العلمي والتكنولوجي) من قبل, مؤكدا أهميته وخطورته لردم الهوة بيننا وبين غيرنا, وأود أن نتحدث اليوم عن (ثقافة العلم والتكنولوجيا) التي بات يُشار إليها بمصطلح (الثقافة الثالثة) للدلالة على تغيير خطير وواقعي في مفهوم الثقافة وتعريف المثقف, وهذا بالضرورة يقودنا إلى التساؤل عن كنه النخبة التي تقود عملية التعريف بهذه الثقافة الواقعة والضرورة, وهي نخبة يشار إليها بتعريف (مفكرو الثقافة الثالثة) (Third-Culture Thinkers).

والجديد في الأمر, من زاوية ما عرفناه من معتاد التاريخ الثقافي, أن هذه (الثقافة الثالثة) ومفكريها, لم تعد نوعا من ترف النخبة الثقافية التقليدية وسمر الصالونات وترفّع الأبراج العاجية, بل هي بالمعاينة والاختبار, صارت ضرورة وجود في عالم اليوم, وضرورة معاش بالشكل الذي يليق أو ينبغي أن يليق بالإنسان في مطلع الألفية الثالثة وبدايات القرن الواحد والعشرين. ومادام الأمر كذلك, فإنه لا مفر من ضرورة العودة إلى البدهيات في استقراء كُنه هذه (الثقافة الثالثة) ومفكريها, وما يعنيه وجودهم أو غيابهم أو تغييبهم في ساحتنا العربية. كما لا يفوتني أن أحذر من التمادي في اعتبار هذه (الثقافة الثالثة) بديلاً شاملاً عن مجمل الألوان الثقافية الإنسانية التي من دونها تغدو هذه الثقافة الثالثة نفسها مثل السحر الذي يرتد على الساحر, وهو أمر سأعود إليه, وإن كنت أفضل الرجوع إلى حكاية هذه (الثقافة الثالثة) نفسها, فلها معي صحبة خاصة, ودلالات عامة.

عود على بدء

منذ ما يقارب السنوات الثلاث لفت نظري عنوان كتاب مما تعرضه صفحات التعريف بالكتب المهمة في الدوريات الأجنبية وكان عنوانه الرئيسي The Third Culture, وبعد ذلك بعدة أشهر قدم لي صديق عزيز ممن ينظرون إلى الغرب بعيون عربية متحضرة, ويعودون من أسفارهم إلى هذا الغرب بكل جديد من زاد العقول العطشى إلى جديد المعرفة.. قدم لي الكتاب, وما إن راجعته حتى أدركت أهميته الشديدة لنا كعرب, من موقع أن الفجوة الحقيقية بيننا وبين غيرنا من أهل الشمال السياسي (ومن يمشي على خطاهم من أهل الجنوب والشرق), هي فجوة في التقدم العلمي وتطبيقاته المتجسدة في التكنولوجيا والمتجلية في المعرفة.

دفعت بالكتاب ليتم عرضه على صفحات (العربي), ونُشر هذا العرض في عدد نوفمبر الماضي (2003), أي بعد شهر من نشر افتتاحية عدد أكتوبر التي أشرت إليها. وهكذا خلال شهرين متواليين كان العلم والتقنية هما محور التنبيه إلى نقيصة من نقائص التعليم والثقافة لدينا. لكن ردود الفعل, الحماسية, التي لاحظتها, تجعلني أراجع مفهوم (الثقافة الثالثة) هذا بمنطق نقدي لا احتفائي, فأقول ما لهذا المفهوم من أهمية وانعكاسات, وأذكر ما أتصور أنه يرتبط به من محاذير وتحفظات.

من الإنكار إلى التعظيم

عام 1959 أخرجت دار نشر جامعة كمبريدج كتابا لـ (س.ب. سنو) تحت عنوان (ثقافتان حيال الثورة العلمية), وكان جوهر هذا الكتاب القول إن هناك ثقافتين ترتبط إحداهما بالعلم والأخرى بالإنسانيات, وواجه هذا الكتاب انتقادا واسعًا لاعتباره أن العلم رافد من روافد الثقافة. ولعل هذا مما حدا بسنو إلى إعادة نشر كتابه عام 1962, مضيفًا إليه مقالة جديدة لا تقول إن هناك ثقافتين - كما سلف - بل تتوقع ظهور ثقافة ثالثة قوامها التواصل بين المثقفين أدبيًا والعلماء. ولم تكد تمضي بضع سنوات حتى أخرجت دار نشر كمبريدج كتابًا لـ (ج. بروكمان) عنوانه الثقافة الثالثة (The Third Culture) وأعيد نشره بعد ذلك عدة مرات حتى وصل إلى الطبعة الأحدث والأشهر التي ذاع صيتها أخيرًا, وحملت عنوانًا ثانويا جديدا يشير إلى أن هذه (الثقافة الثالثة) هي ظهير ثورة العلم والتكنولوجيا. وكانت وجهة نظر المؤلف جديدة حقًا, وصادمة لمن أغلقوا باب الثقافة على الإنسانيات, ولم يسمحوا للعلم بأن يكون مجرد منتسب إلى مفهوم الثقافة. فقد قطع الطريق حتى على الحل الوسط الذي يمزج بين معطيات العلم وإعادة تقديم هذه المعطيات للجمهور من قبل مثقفي الإنسانيات من آداب وفنون وفلسفة وعلوم اجتماع وغيرها, وأعطى للعلماء أنفسهم حق تقديم هذه الثقافة الجديدة المرتبطة بالعلم للجمهور مباشرة. وكان لهذه القفزة مبررات منطقية هي أن العلم - خاصة في ذراه العالية الحديثة - لم يعد معبرًا عن إدراك بدهي بل صار مرتبطًا بأسلوب خاص في التفكير يناقض التفكير البدهي الذي تكثر احتمالات ارتكابه لأخطاء ضخمة عند تطبيقه على مشاكل تحتاج إلى نظام تفكير كمي صارم كما في مجال العلوم. وقد صادق على هذه الملاحظة بالرأي والفعل كثيرون ممن ينتمون إلى العلم والثقافة العلمية. فيقول (لويس وولبرت) في كتابه (طبيعة العلم غير الطبيعية) الذي ترجمه الدكتور سمير حنا صادق: (إن المجتمع العلمي أصبح الآن معتادًا على شرح مجالات عمله للجمهور, بعد أن تخلى العلماء عن فكرة الارتياب في عملية تبسيط العلوم) ولم يكن هذا الزعم بعيدًا عن الحقيقة الواقعة إذ شهدت السنوات الأخيرة بزوغًا ساطعًا لكتب الثقافة العلمية التي يتصدى لتقديمها علماء مرموقون, وصارت كتبهم تنافس الروايات الجماهيرية في الحصول على لقب أفضل الكتب مبيعًا في العالم مثل كتاب (تاريخ موجز للزمان) و(عالم جديد شجاع) و(كيف نموت) وغيرها من الكتب التي جعلت مؤلفيها نجومًا لهم جمهورهم الواسع من خلال وسائل النشر والإعلام المختلفة.

(الثقافة الثالثة) إذن, هي الثقافة العلمية, مقدمة من قبل علماء أو مشتغلين بالعلم, وبغض النظر عن التسمية التي ينبغي مراجعتها لما تتضمنه من معنى القطيعة مع ثقافة أولى وثانية تسبقها أو رابعة وخامسة تليها, إلى غير ذلك من إيحاءات الترقيم الذي لا يخلو من الخطورة, فإن تصدي العلماء والمشتغلين بالعلم لتقديم ثقافة المعرفة العلمية - وتطبيقاتها التقنية بداهة - هي خطوة مهمة وقيمة مضافة لرافد من روافد الثقافة لم يعد ممكنا للإنسان المعاصر الذي يعيش عصر تقنية المعلومات وثورة الاتصالات والمكتشفات المذهلة في أعماق الخلية الحية وآفاق الكون الفسيح.. لم يعد لهذا الإنسان أن يكون مثقفًا دون معرفة بها قدر من العمق الكافي لما يدور في حقول العلم وتطبيقاته التي وصلت إلى أبعد نقاط كوكبنا, وحيثما كان هناك بشر, حتى في البيئات الأكثر تخلفًا من العالم, وكما يقول (اسحاق آسيموف): (إن الجمهور الذي لا يفهم كيف يعمل العلم يمكن بسهولة أن يقع ضحية للجهلاء الذين يسخرون مما يجهلون, أو لأصحاب الشعارات الذين يزعمون أن العلماء اليوم هم جنود مرتزقة في خدمة العسكريين).

وما الفائدة.. أو العائد?

وأبعد مما قاله آسيموف فإن نشر الثقافة العلمية بدقة ووضوح من لدن عارفين بالعلم, لا يقف فقط عند حدود استكمال المنظومة المعرفية للمثقف المعاصر, بل يشكل مردودًا حقيقيًا على التنمية الإنسانية والتطور العصري في أي مجتمع ينتبه إلى ضرورة نشر هذه الثقافة العلمية بين مواطنيه.

إن نشر الثقافة العلمية - كما هو نشر الثقافة عموما - يشكل مساهمة في صقل وإرهاف الإنسان بفعل المعرفة. كما أن وعيه بالعالم الذي يعيشه زمانًا ومكانًا سيزيد من شدة بصره ودقة بصيرته, في الحركة نحو مواقع جديدة ورفيعة في الحياة المعيشة. ويضاف إلى هذا التأثير الفردي تأثيرات عامة يشير إليها (لويس وولبرت) بالقول: (إن الأمل المنشود في تفهم الجمهور للعلم هو أن يؤدي ذلك إلى مقدرة أصح على اتخاذ القرار في مسائل مثل البيئة والهندسة الوراثية وغيرها من المواضيع المهمة.

ولعل هذه الرؤية تستدعي إلى الذهن مباشرة صورة صانعي القرار العرب ومتخذيه, فبديهي أن تزودهم بالثقافة العلمية - خارج تخصصاتهم الوظيفية المتعلقة بالإدارة والسياسة - سيجعل هذه القرارات أصوب مستقبليا إذ تمنح الثقافة العلمية بصيرة مستقبلية, منطقية التتابع, ذات أسس ملموسة, للآثار السلبية والإيجابية لأي قرار ممتد النفاذ من الحاضر إلى المستقبل, فلا نفاجأ بمشاريع تتألق اليوم شكليًا وتتحول إلى وبال جوهري غدًا.. سواء على البيئة أو الإنسان أو الأنساق الاقتصادية أو الاجتماعية.

كما أن نشر الثقافة العلمية كفيل بحماية المجتمع من الاستخدامات السيئة للعلم ومفرزاته, خاصة في أبعادها الاستهلاكية.

أما عن استثمار الثقافة العلمية في التنمية الإنسانية, فهو عنصر تفوق عوائده أي استثمار آخر لأنها تنظر إلى المستقبل عبر براعم الحاضر مباشرة, فلا شك أن الطفل أو الصبي أو الشاب الصغير - المزود بالثقافة العلمية منذ نعومة أظفاره, سيكون قادرًا على اختيار مجال التخصص الذي يتلاءم مع مواهبه وقدراته الخاصة, فيحدد اتجاهه بشكل أصوب ويكون عطاؤه أنجح, ويصير المردود عليه أكثر اتساقًا وإبهاجًا, وعلى مجتمعه أوفر عطاءً وإنتاجًا, وأرفع قيمة.

كل هذا جيد, ولا مراء فيه, فهذه (الثقافة الثالثة) هي البعد المعرفي وراء المحرك المادي للحياة العصرية المعيشة, للعلم, لكن الحماس المفرط لهذه الثقافة يمكن أن يؤدي إلى تفريط يضر بمجمل المحتوى الثقافي اللازم للإنسان الفرد وللنسيج المجتمعي لهذا الإنسان.

تحسّبات ومحاذير

إن الخوف من طغيان العلم, وبالتالي طغيان الثقافة العلمية, أو (الثقافة الثالثة) هو خوف قديم, فها هو (د.هـ. لورانس) يعبر عنه قائلاً: (قتلت المعرفة الشمس, فجعلت منها كرة من نار مليئة بالنقاط السوداء.. عالم العقل والعلم: هذا هو العالم الجاف العقيم الذي يعيش فيه العقل التجريدي).

وعلى هذا النسق يقول فاسلاف هافيل: (إن العلم الحديث يلغي الأسس العميقة الأساسية لعالمنا ويعتبرها مجرد خيال.. أصبح العلم هو الوصي القانوني الوحيد والحكم المدعي لكل الحقائق. لقد ظن الإنسان أنه يمكنه تفسير الطبيعة والتحكم فيها. كانت النتيجة أنه حطمها وفقد حقه في إرثها).

بعض هذه المخاوف مشروعة, وبعضها الآخر مردود عليه, إذ يقول العالم (لوس وولبرت): (من الممكن أن يكون العلم مقلقًا على الأقل لبعض الناس, فهو يرفض السحر, ولا يعلمنا كيف يمكن أن نعيش, ولكن لا يوجد سبب وجيه لتصديق مقولة د. هـ. لورانس بأن الاكتشافات العلمية تخلق عالمًا (جافًا وعقيمًا) بإزالة الغموض عن الحياة, ولنذكر مقولة أينشتين: (إن أعظم لغز في العالم هو عدم الفهم الجزئي للعالم).

اللمحة الأخيرة لأينشتين, وبرغم بعدها عن لحظتنا الراهنة بعقود, هي لمحة ذكية وصائبة تمامًا كأنها ترى ما نراه نحن اليوم, من أعتى العلماء حتى الإنسان العادي الذي يشاهد بانبهار تلك الأفلام التسجيلية العلمية عبر شاشة التلفاز. فنحن جميعًا نزداد دهشة كلما كشف العلم الحديث عن صفحة جديدة كانت مطوية ومجهولة من قبل: نزداد دهشة مع هبوط أول مركبة من صنع البشر ترسل صورًا من المريخ, ونزداد دهشة عندما نرى نتائج الهندسة الوراثية في الاستنساخ, ونزداد دهشة ونحن نرى الزمن يتفتت أمام كاميرا أحمد زويل الليزرية فنصل إلى الفيمتوثانية التي تزداد تفتتا بدورها.

العلم الحديث مدهش ومليء بسحر يشبه سحر الفن, حتى أن هناك من يعتقد في أن الإبداع العلمي والإبداع الفني لهما طبيعة خلاقة واحدة, لأنهما ناتجان عن الخيال الإنساني فالعالم الألماني ماكس بلانك يقول: (العالم يجب أن يكون له خيال جامح فالأفكار الجديدة لا يولدها الاستنتاج بل الخيال الخلاق).

وهذا ما يردده أيضا جيكوب برونوفسكي في كتابه عن (بدهية العلم) إذ يقول: (إن اكتشافات العلم والأعمال الفنية هي استكشافات بل انفجارات لها تشابه داخلي, ويقدم المكتشف أو الفنان وجهين من الطبيعة ملتحمين ببعضهما البعض الآخر, وهذه هي عملية الإبداع في العلم والفن المبتكرين).

كل هذا جميل, وتكاد لا تختلف حوله العقول الممعنة, ولو قليلاً... لكن التحسب والتحذير هو من الاكتفاء بالثقافة العلمية مصدرًا واحدًا وشاملاً للثقافة, فهذا وإن أغنى العقل العلمي المعاصر قليلاً أو كثيرًا, يظل إغناءً مبتسرًا سرعان ما يرتد على نفسه بمظاهر الإفقار العقلي نتيجة للاختزال الثقافي.

الإنسانيات

إن المبالغة المفرطة في تقدير دور هذه (الثقافة الثالثة) عند من يستشعرون بؤس الموقع السياسي والاقتصادي في عالم اليوم, وكنتيجة للتخلف العلمي والتقني هي - أي المبالغة المفرطة - إهدار لحكمة التطور, بل التطور العلمي نفسه, فالتاريخ الثقافي,, وضمنه تاريخ العلم, يخبرنا أن ثقافة الأدب والفن والمعرفة الإنسانية بشتى ألوانها كانت ممهدة غالبا لظهور طفرات في مجال الاكتشافات العلمية وتطبيقاتها. وإنني لأستشهد هنا بما جاء في كتاب (قصة العلم) لـ(ج.ج جراوثر) تحت عنوان (ميلاد العلم الحديث وارتقاؤه)...يقول: (أقيمت أسس العلم الحديث بفضل مجتمع المدينة الذي نشأ إبّان عصر النهضة, وتطور بادئ ذي بدء في مدن إيطاليا, وقد خضعت الحياة في تلك المدن لهيمنة متفاقمة من الصيارفة والتجار ورجال الحرف, الذين أدخلوا التحسينات على مختلف تقنياتهم. وكان تزايد الثروة ذا آثار شتى, من ضمنها أثران لهما أهمية عظمى, ذلك أن أرباح التجارة والتصنيع جعلت الناس أكثر انكبابا على تحسين العمليات الفنية الأساسية لهم, والثروة المتنامية أتاحت مزيدًا من الفراغ للتأمل في سائر العمليات الطبيعية والاصطناعية. في البداية انصرف اهتمامهم إلى الآثار والآداب, فنقبوا عن الآثار الإغريقية والرومانية, وكشفوا عن تماثيل وأوان للزهور).

كانت هذه بداية عصر النهضة, عصر انتقال أوربا من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة عبر التيارات الثقافية والفكرية التي ظهرت - بداية - في إيطاليا في القرن الرابع عشر, حتى بلغت أوج ازدهارها في القرنين الخامس عشر والسادس عشر فانتقلت هذه النهضة من إيطاليا إلى فرنسا وإسبانيا وألمانيا وإنجلترا. وفي هذه البدايات المبكرة لصعود أوربا كان أعظم شخصيات عصر النهضة فنانين أعلاما مثل (ليوناردو دافينشي), و(مايكل أنجلو).

إذن كانت الثقافة, برؤاها الجمالية في الفن والعمارة والموسيقى والإنسانيات, هي التمهيد الحقيقي للنهوض الشامل في أوربا والغرب عموما, وما النهوض العلمي الأخير وما يواكبه من ثقافة علمية, أو (ثقافة ثالثة), إلا آخر ملامح هذا النهوض.

فلتكن (الثقافة الثالثة) هدفا من أهداف النهوض العربي المأمول, لكنها ينبغي ألا تكون الشكل الوحيد من أشكال الثقافة التي ينبغي إعلاء شأنها. فالثقافة طيف واسع من الألوان, ينبغي أن يبدأ بالرقي والجمال, ويظل يطمح إلى الرقي والجمال, ومن ثم لا يهمل الإنسانيات, فهي ليست فقط شرطا من شروط حدوث النهضة العلمية وغير العلمية, بل هي صمام أمان ليظل لأي نهضة وجهها الإنساني, وبالتالي جدارة استمرار هذه النهضة في الحياة الفاعلة لمصلحة البشرية, ولأطول وأفضل وقت ممكن.


سليمان إبراهيم العسكري


المصدر مجلة العربى لشهر ابريل

صقر الخالدية
15/04/2004, 11:33 PM
التأهيل والتدريب الإعلامي... مسؤولية من؟


د. عبيد الشقصي
هل توجد فجوة بين ممارسة الاعلام وتدريس الاعلام؟ وما هو دور كل من المؤسسات الاعلامية والمؤسسات التعليمية في تأهيل الكوادر الاعلامية؟ هذان السؤالان كانا محور اجتماع عقد بالخرطوم في الأسبوع الماضي برعاية المنظمة الاسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الايسسكو) وتنظيم الأكاديمية السودانية لعلوم الاتصال.

موضوع الاجتماع مهم جدا خاصة في تسارع تطور تكنولوجيا الاتصال والاعلام وتغير الكثير من القيم والمفاهيم الاعلامية السائدة قبل منتصف التسعينيات من القرن الماضي. وقد تميز الاجتماع بثراء التجارب الشخصية كما قدمها ممثلو الدول المشاركة. وأجدني هنا مضطرا الى أن أمزج في هذا المقال بين المعايشة الشخصية وتحليل الواقع الاعلامي السائد محليا وعربيا.
لعل أهم ما طرح في أوراق ومداخلات الاجتماع هو الصراع الدائر حول الاعلام بين الأنظمة الرسمية وأرباب المؤسسات الاعلامية وبين أفراد المجتمع. فنظرة السلطة وصناع القرار للإعلام ووسائل الاتصال في المجتمعات عموما قد تختلف عن نظرة المجتمع لها. ويتمحور هذا الاختلاف في الجهة التي تحدد حاجات ورغبات المجتمع من وسائل الاتصال، هل تحدد من قبل المجتمع أو الجمهور نفسه أم من قبل النظام وصناع القرار وأرباب هذه المؤسسات؟ وهذا الصراع ينسحب على طريقة تأهيل وتدريب الكوادر الاعلامية. فهل ستعمل المؤسسات التعليمية مثل أقسام وكليات الاعلام على تأهيل طلاب الاعلام وفقا للقيم والمبادئ الاعلامية المجردة أم وفقا لسياسات ومبادئ الأنظمة السياسية وصناع القرار؟ والحاصل هو أن المؤسسات التعليمية تسعى دوما للتجريد في تدريسها للإعلام خصوصا عندما توجد مجموعة من الطلاب من خارج المجتمع. وتترك مسألة مواءمة خريج الاعلام لسياسات الأنظمة والملاك وصناع القرار على المؤسسات الاعلامية التي يلتحق للعمل بها لاحقا. ولكن اوجد هذا التفاوت في النظرة نوعا من الانفصام والاحباط عند الطالب أثناء التدريب في المؤسسات الاعلامية أو الخريج الملتحق للتو للعمل. حيث تتم ملاقاة حماس الطالب أو الخريج في العمل الاعلامي بمجموعة من اللاءات والقوانين والتعليمات التي يجب عليه الانصياع لها دون مناقشة أو مبررات في كثير من الأحيان.
والسؤال الذي طُرح في الاجتماع أيضا، هو كيفية التوفيق بين أقسام وكليات الاعلام والمؤسسات الاعلامية؟ والى أي مدى يمكن أن تصبح المؤسسات الاعلامية والقائمون عليها معينا مهما لتأهيل وتدريب وتشجيع بحوث الاعلام؟ وهل ينبغي ربط التأهيل بسوق العمل المحلي أم أنه ينفتح على العالم خاصة في ظل العولمة؟ ويبدو أن النظرة بالاجماع كانت تتجه صوب ضرورة ربط التدريب بالتأهيل النظري وأن الاعلام أصبح مربوطا بمدى قدرة الشخص على توظيف واستغلال أجهزة الانتاج والبث المتقدمة. وتتجه أيضا نحو وجود شراكة بين المؤسسات الاعلامية والتعليمية في مجال التدريب وذلك لعدة أسباب. السبب الأول يعود الى أنه من الصعب على المؤسسات التعليمية المواصلة في تحديث أجهزة الاتصال لديها مثل الاستوديوهات الاذاعية والتلفزيونية نظرا لتجدد هذه الأجهزة بصورة سريعة ولارتفاع ثمنها. والسبب الآخر يعود الى أن مشاركة المؤسسات الاعلامية يهيئ طالب الاعلام لجو العمل والاختناقات التي قد تصاحبه. ولا تزال النظرة تتجه صوب ربط التعليم بسوق العمل المحلي ولكن من جهة التخصصات والمقررات التي تطرحها أقسام وكليات الاعلام وليس من جهة تحديد نسبة وأعداد المقبولين فيها. ورغم سلامة هذه النظرة، الا أنها تستثني انفتاح الأسواق المحلية على الأسواق الأخرى في اطار العولمة الاقتصادية.
وفي المحور الآخر المتعلق ببحوث الاعلام، تبين من خلال الاجتماع أن الدول العربية تعاني من فقر حاد في البحوث الاعلامية ومن مشكلة فقدان التعاون في البحث الاعلامي على مستوى الدول العربية. ويرجع هذا النقص في المقام الأول الى ضعف التمويل عموما. حيث لا تنفق الدول العربية كثيرا على البحوث العلمية. وفي السلطنة نجد أن مساهمة العمانيين في مجال البحث الاعلامي ضئيلة جدا. حيث لم تتعد تلك البحوث الثلاثين بحثا، والتي تم اعداد أولها في عام 1986. كما أن عدد الباحثين الاعلاميين لم يتعد 12 باحثا حتى الآن وارتبط معظم انتاجهم البحثي الاعلامي برسائل الماجستير والدكتوراة. وما يهمنا هو تشخيص حركة البحث الاعلامي في السلطنة. حيث ارتبط معظمهم بالبحث في مجال وسيلة الاتصال التي جاء التلفزيون في مقدمتها ومن ثم المتلقي. ومن الملاحظ
أيضا أن البحوث التي تتصل مباشرة بمؤسسات الاعلام بطريقة أو بأخرى الأكاديمية كانت تعطي نتائج مغايرة تماما. ويعود السبب في ذلك الى الخوف غير من المبرر من عرض الواقع خاصة من قبل غير العمانيين. ويلاحظ أيضا، عدم وجود شراكة حقيقية بين مؤسسات الاعلام وقسم الاعلام في مجال البحث الاعلامي على الرغم من التواصل بينهما على مستوى التدريب.
وعلى مستوى العالم العربي، فنجد أن الهوة بين هذه الدول على مستوى البحث الاعلامي تزيد بسبب عدم وجود قاعدة بيانات ومعلومات تربط بين هذه الدول، وبقاء الكثير من البحوث بعيدا عن الاستفادة. وغياب الكشافات والملخصات الخاصة ببحوث الاتصال فضلا عن غياب البحوث الجماعية بين الباحثين في الدول العربية. وخلاصة القول ان العالم العربي على المستوى المحلي أو القطري، يعاني من فقر في بحوث الاتصال، وعدم استغلال للبحوث القائمة وسوء توجيه للمواضيع والمشكلات التي ينبغي أن تدرسها تلك البحوث. كما أن المؤسسات الاعلامية لا تزال تنظر الى البحوث كعملية مكملة وليست أساسية لصنع واتخاذ القرارات بدلا من اعتبارها حجر الزاوية لذلك.
المصدر جريدة عمان

صقر الخالدية
16/04/2004, 02:45 PM
مواقع أخرىثقافة التمجيد وخرافة أدونيس!!
الأحد 04 أبريل 2004 06:19
كريم عبد








الثقافة العربية المعاصرة لم تخلق حقائق كبرى، بل هي لم تكتشف حقيقتها بعد. والسبب هي أنها لم تزل محدودة التجربة زمنياً في الأقل. ومقابل رطانة السلطات العربية التي ظلت تنعكس عليها بأشكال مختلفة، لم يتسن لهذه الثقافة أن تخلق تراكمات معرفية وخبرة نقدية تكفي لتحولها إلى مركز أو طرف جدي في الحوار الإنساني المعاصر. بل هي حيث بدأت تتلمس وجودها في العالم الحديث وجدت حولها ثقافات ناضجة وحيوية تكاد تسود العالم وتهيمن عليه، تلك هي ثقافات ولا أقول ثقافة الغرب. وقد انعكس ذلك على ( اللغة ) العربية المعاصرة ذاتها، فهي لغة مقطوعة عن تاريخها وذاكرتها بحكم انقطاعها الحضاري خلال قرون الهيمنة العثمانية، أي أنها بدأت تتأسس من جديد. فحين بدأت تستيقظ منذ نهاية القرن التاسع عشر، كان على الكتابة العربية أن تغير شكلها وأساليبها كل عقدين أو ثلاثة عقود !! ونستطيع أن نقارن بين لغة الكتابة في بداية القرن العشرين ولغتها أيام العقاد والمازني والرصافي والزهاوي وبين لغة الستينات وبين هذه الأخيرة وبين لغة التسعينات، لنجد اختلافاً بيناً بين هذه وتلك.
هذه التغيرات بقدر ما تدل على الحيوية والرغبة بالتجدد، إنما تدل أيضاً على كونها لغة تتأسس من جديد، مثلما تدل أيضاً عن البحث عن الذات وقلقها المشروع من تقدم العالم وتسارع أحداثه وإنجازاته الباهرة من حولها، بينما العالم العربي ظل يتراجع باستمرار، فحيث تنفق الدول العربية ستين مليار دولار على التسلح سنوياً فهي تنفق أثنين بالألف من الناتج القومي على البحث العلمي !! وإذا كانت نسبة البطالة تزيد على 25 بالمائة فإن ما يقارب 40 بالمائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر، وهذا التراجع الحضاري ينعكس على وعي المثقفين ومشاعرهم بأشكال مختلفة ولكن بنتائج سلبية في الغالب، حيث لا دور مهماً للمثقف هنا، ولا إمكانية لأديب أن يعيش من قوة عمله أي من واردات كتبه وسط هذا الفقر والأمية، إذ أصبحت دور النشر لا تطبع في الغالب أكثر من ألف نسخة لفضل المؤلفين !! لذلك وجدنا نسبة كبير من المثقفين تندرج في اللعبة الإعلامية المربحة للأنظمة العربية التي أصبحت تستعمل المثقف استعمالاً أو تشتري صمته أحياناً، أو هو يتنازل عن مواقفه كي لا يخسر شيئاً حقيقياً أو مفترضاً. وكمثال ملائم هنا : هل سمع أحدكم موقفاً لأدونيس حول ما يدور في بلاده سوريا التي تعيش تحت وطأة حالة الطوارئ منذ أربعين سنة وما دار خلالها من ويلات ومآسٍ، بما في ذلك اعتقال زملائه من الأدباء والأكاديميين؟! وما ينطبق على أدونيس ينطبق على كثيرين سواه !!
لقد أصبح تنافس المثقفين العرب على الوجاهة والمهرجانات والمنافع هو السائد على غيره، بينما يدفع فقر الواقع العربي وخلوه من الحقائق ومن البهجة أيضاً الكثيرين إلى خلق الخرافات والإيمان بها والدفاع عنها، كتعويض نفسي عن هذا الفقر الذي لا يحتمل. أدونيس وآخرون خلقوا ( خرافة الشعر ) وعمموها على أجيال متتالية من الأدباء اللاحقين، على طريقة هذا ( زمن الشعر ) أو الشعر هو الخلاص أو ( تغيير العالم بالشعر ) ليتم تتويج كل ذلك ب ( خرافة الشاعر الكبير ) !!
أي أنهم جمعوا كل خرافات الثقافات الأخرى حول الشعر وحشروها في صناديق الثقافة العربية كي تمتلئ وتصبح ثقيلة الوطء على الرؤوس التي لكي تتخفف من هذا الحمل تبدأ بنسج خرافاتها وكلُُ ُ على طريقته.
في هذا الخضم وُلدت خرافة أدونيس، خرافة الشاعر الكبير، دون أن يعرف مريدوه بأن أهمية الشعر التي يقصدها أدونيس هي أهميته هو وأهمية شعره هو وليس الشعر لذاته أو بذاته، ليس شعر الآخرين الذي قلما يمر عليه أدونيس أو يتوقف عنده، لكن الكاتب العراقي علي حسن فواز يقول في مقاله في ( النهضة ) 23 – 3 – 2004 : ( يبدو أدونيس قد نزع آخر القشور عن جلده ليكون لصق ذاته الشعرية، فلم تعد تحتوي - عريه – المدن أو الأمكنة، لأن الشعر ألقى عليه غباره السحري فغاب في هيولى غرائبية أعطته إحساساً بالخلاص والحرية من نفاق الآخرين واللغة والسلطة، يحاول أن يؤسس مكوثه المقترح بشروط شعرية هو يختارها وليس إغواء الأمكنة التي تضغطنا في التاريخ والتابو والمهيمن.. وهذا دليل آخر على قوة الشعرية حيث تتخلص من الخيانات والأكاذيب )
وهذا كلام تحتاج كل عبارة فيه إلى وقفة. فهو خطاب يريد أن يدين التابو والمهيمن، دون أن يشعر صاحبه بأنه يكتب خاضعاً لهيمنة خرافة ( الشاعر الكبير ) وللغة السحرية ( = اللا علمية واللا واقعية ) التي لا بد منها للشعور بلذة هذا الخضوع للخرافة. فهو لا يكتب عن ظاهرة واقعية هي شاعر اسمه أدونيس له دور وحضور معينين في خريطة الشعر العربي المعاصر، لا يكتب بلغة نقدية منهجية تجعل القارىء يفهم ما يريده بالضبط، بل يريد فواز أن يفرض علينا خرافة دون أن يدرك أننا غير مضطرين لتصديق ما يقول، فنجده يستخدم لغة خرافية ( ألقى عليه الشعر غباره السحري فغاب في هيولى غرائبية ) لتمرير فكرة شخصية عن شاعر اسمه أدونيس أصبحنا نعرف جميعاً بأن حضوره الشعري بدأ ينخفض عقداً بعد عقد مع تطورات الثقافة العربية وظهور أسماء شعرية وثقافية جديدة لم يعد يهمها أدونيس كثيراً.
ولنتساءل الآن، ما معنى ( يحاول أن يؤسس مكوثه المقترح بشروط شعرية هو يختارها وليس إغواء الأمكنة التي تضغطنا في التاريخ والتابو والمهيمن )؟! وإذا اتفقنا على كون الشعر هو نتاج صراع الشاعر مع العالم والظروف المحيطة به، فهل هناك شاعر خارج الأمكنة؟ بمعنى هل بوسع شاعر أن ينتج لغة لا علاقة لها بمكان وتاريخ معينين؟! وهل هناك مكان بدون تاريخ؟! وهل هناك ثقافة بدون صراع مع تابو ومهيمن؟! وهل هناك تاريخ شخصي أو وطني بدون خيانات أو أكاذيب؟! وهل أدونيس لديه طاقة سحرية حقاً تجعله ما فوق بشري بحيث يمتلك كل هذه الصفات التي أغدقها عليه فواز؟!
عندما نكتب نقداً أو تعليقاً نقدياً ينبغي أن نكون دقيقين باستخدام الكلمات، فالحكمة تقول ( أوصيك بالدقة لا بالوضوح ) وهي حكمة شاعر وليست حكمة فيلسوف. وإذا كانت الحكمة والحقيقة تأتي من وقائع الواقع، ليتأسس المنهج عليها، فمن أجل الخيانات والأكاذيب، سأحيل فواز إلى بعض الوقائع : بعد وصولي إلى بيروت ربيع 1979 بأسابيع، ذهبت مع عدد من الأصدقاء إلى أمسية شعرية لأدونيس في قاعة ( جامعة بيروت العربية ) أعاد أدونيس قراءة قصيدته ( هذا هو اسمي ) المنشورة في كتاب قبل سنوات، وفي المقطع الذي يقول ( باسم يافا سمني قيساً وسمي الأرض ليلى / باسم شعب شردته البشرية ) قام أدونيس بتغيـير كلمة ( بشرية ) إلى ( بربرية ) !! ولأن أكثرية شعر أدونيس خاضع لهواجس ومواضيع سياسية على عكس ما يدعيه ويدعو إليه، ففي اليوم الثاني قرأنا في جريدة السفير مقالاً للشاعر عباس بيضون، وربما لكاتب آخر، أوضح فيه أن تغيـير الكلمة لم يأت اعتباطاً، بل أن جهات لبنانية ذات علاقة، كانت قد أخبرت أدونيس بأنه مرشح لجائزة ( لينين للسلام ) وما تعنيه هذه الجائزة أيام وجود الاتحاد السوفيتي آنذاك، لذلك تم تغيير الكلمة، ف( البشرية ) في المقطع المذكور تنطوي على إدانة للولايات المتحدة والغرب عموماً وكذلك للاتحاد السوفيتي الذي سبق الجميع بالاعتراف بقرار تقسيم فلسطين الذي تسبّبَ بتشريد شعبها. وبعد شهور على هذه الفضيحة التي لم يرد عليها أدونيس طبعاً، نشر أدونيس مقالاً بعنوان ( العقل المعتقل ) في السفير أيضاً، وبعد يومين نشرت السفير مقالاً للروائي الراحل غالب هلسا بيـّن فيه أن الأفكار الواردة في مقال أدونيس مأخوذة من مقال لكاتب غربي ذكر أسمه وقارن بين المقالين، لكن أدونيس لم يرد أيضاً !! ناهيك عن كتاب الشاعر كاظم جهاد ( أدونيس منتحلاً ) لكن أدونيس لا يرد على أحد، لأن الرد والمناقشة تعيدانه إلى الواقع وحقائقه، وهو رجل خبير في صنع الخرافات وخاصة خرافته هو، ومن حسن حظه أنه يجد دائماً من يصدق هذه الخرافات ويتبنى ترويجها، ولكن ليس مجاناً طبعاً !! فالزميل فواز لم يأت بجديد في الواقع، وعملية أو نسق صنع الخرافات ليس من ابتكاره، فمثل مقاله قرأنا الكثير في العديد من الصحف العربية. وتفسير هذا الولع بالخرافات ولغة التخريف، هو أن ثقافة التمجيد التي أوصلها شعراء صدام حسين ومادحوه إلى ذروتها التي هي الحضيض بعينه، ثقافة التمجيد هذه هي نتاج الواقع، ونحن إذ نسقط تحت وطأتها فلأننا جزء من هذا الواقع، الواقع العربي الفاشل الذي أصابنا ( بعقدة البحث عن بطل )، وبقدر ما تكون الكتابة عن الخرافة، خرافة ( الشاعر الكبير ) أو ( البطل القومي )، انغماساً بلغة الأوهام ذاتـها وخضوعاً لسطوتها، فهي تنطوي على رغبة الكاتب بالتشبه بالشاعر الكبير على أمل الالتحاق بعوالمه السحرية، وهي لذلك لا تستطيع تلمس حقيقة واقعية فتسقط خارج معنى المعرفة من حيث هي تطمح لتصدر الواجهة. والمشكلة الناتجة عن كل ذلك هي أن إدمان مجتمع ثقافي معين على الأوهام والخرافات يحولها إلى ( حقائق ) بالضبط مثل حقيقة ( البطل القومي ) صدام حسين والذي لم يستطع الكثيرون من الأشقاء العرب أن يصدقوا بعد، أنه مجرد مجرم جبان وتافه، ما أدى إلى تحويل الخرافات والأوهام إلى ( ثقافة عامة ) فلا يعود المتابع قادراً على التمييز بين الواقع وبين الوهم، أو بين الحقيقة وبين الخرافة !!
يقول فواز ( بما أن الثقافة في النسق العربي لم تتحول إلى – إنتاج – مؤسسي خارج إطار السلطة !! فإن هذه السلطة تنظر للمثقف / الشاعر / العراف / عالم الديانات / الراوي المؤرخ / كاتب السيرة / حافظ الحديث /.. بعين الريبة وتحاول دائماً تهميشه أو وضعه في مكونها ومتماهياً مع نظرها للملك والملكية. وهذا ما يجعل البعض من مثقفينا ممن أغواهم الولع ( التملكي ) الاندفاع لاستبدال موقعهم في الثقافة الحرة مع موقع هامشي في النسق السلطوي مقابل إيهامات بالتملك ومن ضمنها – ملكية الكتابة - ) أنه يدين هذه الظاهرة وهي إدانة تنطوي على إطراء ضمني لأدونيس باعتبار بعيداً عن هذه الظاهر ونقيضاً لها، لكن واقع أدونيس ومواقفه تقول عكس ذلك تماماً، ففي مقابلة في ( القدس العربي ) 11 – 10 – 97 أجراها معه شاكر نوري الذي عمل وسيطاً لمهرجانات النظام السابق لسنوات طويلة، يقول نوري في المقدمة ( أتذكر أيام كان يعمل في اليونسكو، وجهت له دعوة لحضور مهرجان المربد وقد كلفني أحد الشعراء المسؤولين بمفاتحة الشاعر أدونيس آنذاك لكنه رد عليَّ بكل وده ولباقته المعهودتين : إنني لا أشترك في مهرجان يحضره ألف شاعر. ثم سألني بدهشة : هل تعتقد يا أخ شاكر بأن هناك ألف شاعر في الوطن العربي )؟! أعرف أن شاكر نوري غير مؤهل ثقافياً لطرح أسئلة جادة، بالإضافة إلى كون ( مهمته ) لا تسمح بذلك، وإلا لسأله : لماذا لا تتوقع ألف شاعر في أمة تتكون من ثلاثمائة مليون إنسان، خاصة وأنك القائل بأن هذا الزمن هو ( زمن الشعر)؟! لماذا لا تتوقع وجود خمسين شاعرا في كل بلد عربي إذن؟! أم أنك تعتقد بأن الشعر ملكية خاصة لا يحق لأحد أن ينازعك عليها؟! ولماذا لا يكون الشعر مباحاً للجميع كالفرح والماء والهواء؟! أم أن حديثك عن وجود ألف شاعر هو كلام حق يراد به شيء آخر؟!
هذا من الناحية الثقافية أما من الناحية الأخلاقية، فكنا نتوقع من أدونيس أن يرد على شاكر نوري بالسؤال التالي : كيف أستطيع أن أشارك في مهرجان رسمي لنظام شرد كل هذا العدد من الأباء والفنان والكتاب والأكاديميين العراقيين؟!
أسئلة من هذا النوع لا تخطر على بال أدونيس أيضاً، لأن من لا يدافع عن حرية التعبير ومصير المثقفين في بلاده لا يمكن أن يدافع عن هذه القضية في بلدان عربية أخرى، وهذا يشمل الكثير من المثقفين العرب بمن فيهم سوريون وعراقيون من المقيمين في الخارج. فالمصالح الدنيوية الواقعية أو المتخيلة لا علاقة لها بغبار الشعر وسحره يا عزيزي فواز، لأن الواقع شيء والخرافات شيء آخر. ورداً على سؤال عن سبب رفضه لحضور مهرجان للشعر في تونس وقبوله لحضور مهرجان مماثل في الكويت آنذاك، يتحدث أدونيس عن سلبيات مهرجانات الشعر العربية، ثم يورد نص الرسالة التي بعثها لوزير الثقافة التونسي، ومما جاء فيها ( الشاعر عامل منتج باللغة ويعيش من عمله ونتاجه شأن المحامي والمغني والموسيقي...، لذلك لا بد حيث يُطلب منه أن يقدم نتاجه في حفل ما، من أن يُقدَّم له، بالمقابل مبلغ مالي يتوازى مع عمله ومكانته... لا أقدر شخصياً لظروف صحية ضاغطة أن أسافر في الطائرة بدرجة سياحية. هذه بالنسبة إلي ضرورات لا غنى عنها، يمليها الحرص على الحق والمبدأ والمساواة... ) وهذا موقف واقعي وصريح، وسواء اتفقنا معه أم لا، فهو يتعلق بالمُلكية لنـتاج معين وأرباح مالية محددة تترتب عليها، والكلام موجه لأي سلطة عربية تدعو أدونيس لأمسية شعرية، وهذا الموقف يا أخي فواز لا علاقة بينه وبين ما تقول أنت : ( يبدو أدونيس قد نزع آخر القشور عن جلده ليكون لصق ذاته الشعرية، فلم تعد تحتوي - عريه – المدن أو الأمكنة، لأن الشعر ألقى عليه غباره السحري ) بينما أدونيس يبحث عن المدن وإغواء الأمكنة وبالدرجة الأولى في الطائرة، لذلك ذهب إلى الكويت ولم يذهب إلى تونس. وهذا عكس الصورة التي رسمتها أنت لأدونيس وتريد أن تقنعنا بها !! أم أنك تعتقد بأن في الكويت ( هيولى غرائبية أعطته إحساساً بالخلاص والحرية من نفاق الآخرين واللغة والسلطة )؟!
هذه هي خلفية مواقف أدونيس من بيروت أو تونس أو الكويت أو القاهرة أو بغداد كما يعلنها هو بشكل واضح ومحدد، وهناك أشخاص ومؤسسات تشاطره الرأي والمصلحة، فلماذا نضفي عليه مسحة سحرية هو لا يدعيها؟!
أن الخرافات تُصنع عادةً بعد أن يتم الانفصال عن الواقع وحقائقه. وهدفي من كل ما تقدم هو السؤال التالي : هل الثقافة العراقية والمجتمع العراقي ما يزالان بحاجة للاستمرار بصناعة الخرافات مع استبدال شخوصها أم آن لنا أن نعود للواقع وحقائقه؟!
لا أشك بموهبة وكفاءة فواز الثقافية ولا بنواياه الطيبة، وأعرف أن الكثير من الأدباء العراقيين الشباب يقاسمونه نفس المشكلة أو الإشكالية المتعلقة بطريقة تفكير معينة، لكن المأساة العراقية الراهنة والمرحلة الجديد ومئات الآلاف من عيون الأرامل والأيتام تفرض علينا التخلص من وطأة الاستغراق في الخرافات حول دور الشعر وأسطورية الشاعر وما تجره من استهلاك للوقت والجهد ناهيك عن الخلافات والأحقاد والصغائر التي غالباً ما تتأسس على تلك الأوهام بينما تتطور البشرية من حولنا عبر ثقافة المؤسسات والبرامج المحددة وحقائق الحياة الملموسة وأفراح الجسد الواضحة وغنى الروح بتلك الأفراح، فنحن في عصر العلوم ووسائل الاتصال الحديثة والإنجازات الكبيرة الأخرى، التي غيرت النظرة للآداب والفنون ودورها وطريقة إنتاجها وتداولها، وطبيعة الأديب والفنان وطريقة حياته وحقيقته كونه لا يختلف عن بقية البشر، فهو له أخطاؤه وتناقضاته ونقاط ضعفه، والنظر له على هذا الأساس أنفع لنا وله سويةً، علينا أن نعود إلى الواقع، إلى العراق وحقائقه لنكتشف مأساتنا ولغتنا وأهمية وجودنا ومشروع مستقبلنا بعيداً عن الخرافات والأوهام حول أنفسنا أو حول الآخرين.


المصدر موقع ايلاف

صقر الخالدية
18/04/2004, 05:01 PM
من أجل إعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام

د. محمد عابد الجابري
لم تكن الثغرات الدستورية التي برزت في أواخر عهد عثمان والتي كانت وراء "انقلاب الخلافة إلى ملك عضوض" هي وحدها الدروس السياسية التي يمكن استخلاصها من التجربة التاريخية للأمة العربية الإسلامية (انظر المقال السابق). هنا جوانب أخرى لابد من إبرازها، وبالخصوص منها الكيفية التي دأب الحكام في الإسلام على اعتمادها في إضفاء الشرعية على حكمهم ابتداء من معاوية أول ملك في دار في الإسلام.
لقد كان معاوية يعرف جيدا أنه اغتصب الحكم بالسيف، وأنه بالتالي يفتقد الشرعية التي تأسس عليها الحكم في الإسلام منذ أبي بكر، شرعية "الشورى"، فراح يلتمس الشرعية لحكمه من "القضاء والقدر" من جهة، ومن العمل، من جهة أخرى، على استرضاء الناس بالتلويح لهم بإشراكهم في ثمار الحكم، خصوصا المادية منها. وهكذا نجده من جهة يكرر في خطبه أن ما حدث من حرب بينه وبين علي بن أبي طالب، وما كان من انتصاره وانتزاعه الحكم، إنما كان "بقضاء الله وقدره"، وبالتالي فالله هو الذي قضى "بسابق علمه" أن يتولى الأمويون الحكم لأنهم أهل له وأكثر الناس خبرة بشؤونه. وقد ردد عماله هذه الفكرة نفسها، ومنهم زياد بن أبيه في خطبته المشهورة بـ"البتراء" التي قال فيها:"أيها الناس، إنا أصبحنا لكم ساسة وعنكم ذادَة نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا". وخطب معاوية أمام معارضي تولية ابنه يزيد وليا للعهد فكان مما قاله:"وإن أمر يزيد قد كان به قضاء من الله وليس للعباد خيرة في أمرهم".

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، سلك معاوية سياسة "واقعية"، وعمل جهده على حمل الناس على النظر إلى مسألة الحكم بعين "الواقعية السياسية" التي تقوم على التسليم بالأمر الواقع. خطب في المدينة بعد تمام "البيعة" له "عام الجماعة" فقال:"أما بعد فإني ما وليتها بمحبة علمتها منكم ولا مسرة بولايتي، ولكني جالدتكم بسيفي هذا مجالدة"، ثم قال إنه حاول أن يحمل نفسه على سيرة أبي بكر أو عمر أو عثمان، ولكنها أبت ذلك ولم تستطع، ثم أضاف:"فسلكت بها طريقا لي ولكم فيه منفعة: مواكلة حسنة ومشاربة جميلة". "فإن لم تجدوني خيركم فإني خير لكم ولاية". وقد سار "الخلفاء" الأمويون من بعده على هذا النهج فاعتمدوا القول بالجبر كإيديولوجيا والعطاء كممارسة سياسية، فكان هذا وذاك هما أساس الشرعية التي بنوا عليها حكمهم.

وعندما نجحت الثورة العباسية في إقامة دولتها، لم يكن من الممكن أن يعتمد رجالها صيغة إيديولوجيا الجبر الأموي، وهم الذين كان في صفوفهم رجال قياديون عارضوا الأمويين وحاربوهم رافعين شعارات إيديولوجية مضادة، وفي مقدمتها القول بقدرة الإنسان على إتيان أفعاله بحريته واختياره، وبالتالي تحمله المسؤولية على أعماله. من أجل ذلك عمدوا إلى التماس الشرعية لحكمهم، لا من فكرة "القضاء والقدر"، كما فعل الأمويون بل من عبارة "إرادة الله ومشيئته"، مع أن المعنى واحد: قالوا إن الله هو الذي شاء أن يحكموا، وإنهم إنما يحكمون بإرادته ويتصرفون بمشيئته. خطب أبو جعفر المنصور، المؤسس الفعلي للدولة العباسية، فقال:"أيها الناس إنما أنا سلطان الله في أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وتأييده، وحارسه على ماله أعمل فيه بمشيئته وإرادته وأعطيه بإذنه". وهكذا أصبح "الخليفة" الذي كان زمن الخلفاء الراشدين خليفة للنبي (أبو بكر)، أو خليفة لخليفته (عمر)، أو خليفة لخليفة خليفته (عثمان)، أقول أصبح "الخليفة" العباسي "خليفة الله" و"سلطانه في أرضه"، وأصبح ذلك هو أساس الشرعية عنده. وقد تكرس هذا الأساس، البعيد عن الإسلام كل البعد، بما نقله ابن المقفع وغيره من "الكتاب" (كتاب السلاطين) من مقولات الإيديولوجيا السلطانية الفارسية وغيرها التي تقوم على المماثلة بين الحاكم الطاغية المستبد وبين الإله... وفي بعض الأحيان المطابقة بينهما باتخاذ الحاكم إلها.

أما "فقه السياسة"، فلم يظهر إلا في فترة متأخرة مع الماوردي بصورة خاصة. لقد كان قبل ذلك "كلاما في الإمامة"، يرد به متكلمو أهل السنة على آراء الشيعة "الروافض" الذين رفضوا الاعتراف بخلافة أبي بكر وعمر وعثمان، وقالوا إن النبي كان قد أوصى لعلي بن أبي طالب بالإمامة من بعده، فقام متكلمو أهل السنة يردون على ذلك بإثبات صحة خلافة كل من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، مستندين إلى الوقائع التاريخية، ثم بنوا على ذلك ما اعتبروه شروطا في الإمامة وكيفية تعيين الإمام الخ، محاولين الارتفاع بالكيفية التي جرت بها الأمور زمن الخلفاء الراشدين إلى مستوى "السوابق" "التشريعية". وكان ذلك كله بهدف مواجهة الباطنية والروافض من الشيعة، فكان "فقه السياسة"، في حقيقته وجوهره، تشريعا لماضي الحكم في الإسلام، وبالخصوص فترة الخلفاء الراشدين، ولم يكن تشريعا لا للحاضر ولا للمستقبل. نعم لقد حاول الماوردي إضفاء نوع من الشرعية على الحكم في عصره على مستوى "الأحكام السلطانية"، أي الوظائف الإدارية و"الولايات الدينية" من قضاء وغيره، ولكن "تشريعه " ذاك لم يكن سوى وصف لأمر واقع، ومحاولة لإضفاء نوع من الشرعية الفقهية عليه. وقد تطور "فقه السياسة" بعد الماوردي عبر سلسلة من التنازلات والتخلي عن الشروط، حتى انتهى به الأمر إلى الاعتراف بأن الحكم إنما يتم بالشوكة والغلبة (الغزالي ومن جاء بعده) ثم انتهى الأمر بالفقهاء إلى صياغة "مبدأ كلي" يلغي "فقه السياسة" إلغاء تاما. مبدأ يقول:"من اشتدت وطأته وجبت طاعته". وقد عبرت عنه "العامة" في المغرب بهذا الدعاء:"الله ينصر من أصبح!".

تلك هي الدروس السياسية التي تقدمها لنا التجربة التاريخية للأمة العربية الإسلامية، الدروس المستخلصة من السياسة المطبقة، أولا قبيل "انقلاب الخلافة إلى ملك" (الثغرات الدستورية موضوع المقال السابق) ثم بعد انقلابها إلى نظام في الحكم يلتمس الشرعية لنفسه من التمويه الإيديولوجي والعطاء السياسي، وقبل ذلك وبعده: من الشوكة والغلبة.

ولكن التجربة التاريخية للأمة العربية الإسلامية ليست هي السياسة المطبقة وحدها، بل إنها أيضا ما نعبر عنه هنا بـ"الخلقية الإسلامية" في الحكم، تلك الخلقية التي بقيت تلهم الفكر الحر وتنعش الآمال في الإصلاح والتغيير. والعناصر الأساسية في هذه الخلقية، التي يجب التماسها في عهد النبوة، هي التالية:

ا- الشورى. لقد جعل القرآن الكريم من الشورى خصلة من الخصال الحميدة، جنبا إلى جنب مع الإيمان بالله والتوكل عليه وتجنب الكبائر وإقامة الصلاة... الخ، فقال تعالى:"فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى، للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون" (الشورى 36-39). ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى نفسه متوجها بالخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليجعل من الشورى صفة من الصفات الحميدة التي يجب أن تبنى عليها علاقته بأصحابه، فقال تعالى:"فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر"(آل عمران 159).

2- المسؤولية وتوزعها في جسم المجتمع. لقد كان الفكر السياسي في حضارات الشرق القديم، من فرعونية وبابلية وعبرانية وفارسية، يقوم على نموذج "الراعي" الذي يرعى قطيعا من الغنم. فالحاكم "راع" والباقي قطيع (أي رعية). ويقوم هذا النموذج على المطابقة بين "راعي الكون" (الله) وراعي "القطيع" من البشر (الرعية). أما في الإسلام- إسلام عصر النبوة، لا إسلام الإيديولوجيا السلطانية- فقد أصبح لمضمون "الراعي" معنى آخر، وذلك من خلال الحديث النبوي الشهير القائل:"ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: فالإمام الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم، وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه. ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته". وواضح أن الرعاية هنا تعني حفظ الأمانة وتحمل المسؤولية، وهي ليست من اختصاص شخص بمفرده، بل هي موزعة في جسم المجتمع كله من أعلى الناس إلى أدناهم. والأهمية السياسية التي ينطوي عليها هذا المبدأ هي أنه ينص على توزيع المسؤولية، فلا استئثار بها ولا استبداد.

3- أما العنصر الثالث من العناصر المؤسسة للخلقية الإسلامية في ميدان الحكم والسياسة وغيرهما من شؤون الدنيا التي ليس فيها نص فهو قوله عليه الصلاة والسلام:"أنتم أدرى بشؤون دنياكم". لقد مر ذات يوم بأناس يلقحون النخل فسألهم عما يفعلون، فقالوا: نلقحه لينتج. فقال: هلا تركتموه! ولما تركوه ولم ينتج أخبروه بذلك، فقال لهم:"أنتم أدرى بشؤون دنياكم". وبما أنه توفي عليه السلام من دون أن يعين من يخلفه، ولا طريقة تعيينه، ولا نوع اختصاصاته، ولا غير ذلك من شؤون الحكم والسياسة، فإنه لا مناص من اعتبار هذه الشؤون من جملة ما يدخل في قوله:"أنتم أدرى بشؤون دنياكم".

تلك في نظرنا هي الأسس التي تقوم عليها "الخلقية الإسلامية" في شؤون الحكم والسياسة. ونحن نستعمل هنا كلمة "الخلقية" لأن النصوص التي تقرر تلك المبادئ ليست نصوصا تشريعية، أو على الأقل اعتبرت وتعتبر كذلك، وهذا ما يجعل مجال الاجتهاد في شؤون الحكم واسعا غير محدود إلا بحدود المثل العليا التي يقررها الإسلام... ومن هنا يتجلى بوضوح أن إعادة بناء الفكر السياسي في الإسلام يجب أن تنطلق من إعادة تأصيل المبادئ الثلاثة المنوه بها أعلاه، وذلك بالصورة التي تجعلها تستجيب لحاجات عصرنا ومتطلباته: إن تحديد طريقة ممارسة "الشورى" بالانتخاب الديمقراطي الحر، وإن تحديد مدة ولاية رئيس الدولة في حال النظام الجمهوري، وإسناد مهام السلطة التنفيذية لحكومة مسؤولة أمام البرلمان في حال النظام الملكي والجمهوري معا، كما أن تحديد اختصاصات كل من رئيس الدولة والحكومة والبرلمان المنتخب انتخابا نزيها حرا بصورة تجعل هذا الأخير هو وحده مصدر السلطة... تلك مبادئ لا يمكن ممارسة "الشورى" في العصر الحاضر من دون إقرارها والعمل بها. إنها المبادئ التي بها وحدها يمكن سد الثغرات الدستورية الثلاث التي برزت في أواخر عهد عثمان، فأدت إلى "انقلاب الخلافة إلى ملك عضوض".

صقر الخالدية
19/04/2004, 03:27 PM
سحاب
لديك عقل حر!!

ناصر صالح الغيلاني

نعم أنت انسان حر لديك عقل حر هذا العقل بامكانه ان يفكر معتمدا على نفسه وأن يتساءل وأن يصل الى الحقيقة هذا العقل ملكك وهو اهم ميزة تتميز بها عن بقية المخلوقات الاخرى لذلك لا تسلم قياد هذا العقل لأحد ولا تمنح اي احد الفرصة لان يكون وصيا عليه , عليك ان تحافظ على استقلاليته وحريته في التفكير والوصول الى الحقيقة.
ستصادف في حياتك اناسا كثر حاولوا وسيحاولون ان يسلبوا منك هذا العقل ويحولونه تابعا ذليلا لهم ويحرمونك من حرية استخدامه وقد يكون من بين هؤلاء الناس من تحبهم ومن لهم افضال كبيرة عليك تذكر مثلا والديك ! لقد ظلا يصران على انهما يملكان الحقيقة وأن عليك ان تصدق كل ما يلقنونك اياه من اوامر على هيئة نصائح ولكم كرروا على سمعك بأنك لا تعرف شيئا وأن عليك ان ترجع لهم في كل كبيرة وصغيرة من شئون حياتك تذكر معلميك لقد كانوا يصبون على سمعك كلمات وجملا كثيرة ويطالبونك بأن تحفظها لانها مهمة دون ان تدري لماذا هي مهمة؟! عليك ان تحفظ لهم كل التقدير والاحترام والوفاء والشعور بالامتنان ولكن هذا لا يعني ان تسلمهم قياد عقلك وان تجعلهم اوصياء عليك تذكر ان عقلك حر هذه هي طبيعته الاصيلة وان بامكانه ان يكتشف حقائق اخرى غير التي يقولونها! وان عليك ان تثق به وتعتمد عليه ستصادف كذلك في هذه الحياة اناسا وجماعات كثيرة ومتنوعة سيوحون لك بشتى الطرق انهم يملكون الحقائق وأنهم على الطريق الصحيح وأنهم لا ينطقون الا بالحق وأن عليك ان تصدقهم هكذا بحسن النية وبدون براهين! ستجد منهم من يتحدث مدعما كلامه بقوة الايمان والصلاح ومنهم من يتحدث مدعما قوله بالمال او بنفوذ السلطة او بهيمنة الاعلام سيحاصرونك بالاوهام دون ان تشعر وسيحاولون ان يسلبوا منك هذا العقل كي لا تحتج كي لا تعترض سيؤكدون لك بآلاف الطرق ان ما يقولونه فقط هو الحقيقة وأن ما وجدنا عليه اباءنا هو الشيء الصحيح! لا تصدقهم تماما عليك ان تختبر كل ما يقولونه بعقلك تفحص مقولاتهم ابحث عن منطلقاتهم تفكر في مراميهم الخفية غير المعلنة ولا تغتر بما يقولونه في العلن تشكك دائما فيما يقال وفيما هو شائع ولا تقبل منه الا ما يتوافق مع المنطق الصحيح لا تقتنع بما يدعونه بالحقائق لمجرد ان بها رائحة الاباء والاجداد تذكر ان عددا كبيرا من الناس في الجاهلية ظلوا على كفرهم ولم يدخلوا الاسلام لمجرد انهم ارادوا ان يكونوا اوفياء لاصنام ابائهم واجدادهم! الماضي ليس كله صحيحا وليس كله خطأ وعليك لوحدك ان تستخدم عقلك لتكتشف الصحيح من الخطأ.
ولكن وقبل ان تقرر تحرير عقلك عليك ان تتذكر بأن طريق العقل شائك ملئ بالمصاعب والمصادمات والمواجهات وقد تقع مرات كثيرة وقد تصاب بالكدمات وقد تتعرض للمخاطر دون ان تجد احدا الى جانبك سوى نفسك! اما الطريق السائد فهو ممهد لقد مشى فيه الكثيرون لقد تم اختباره ونتائجه معلومة سلفا وهو خال من المغامرة والمفاجآت لكنك مع هذا الطريق لن تكتشف شيئا جديدا حياتك رتيبة مملة وتكرار لحياة الالاف قبلك اما طريق العقل فرغم صعابه الا انه ملئ بالمفاجآت والاكتشافات والاثارة والمعنى العميق والمتجدد للحياة طريق العقل سيجعل منك مكتشفا ورائدا لانه طريق المكتشفين والرواد الذين غيروا الحياة.
ان لديك عقلا حرا لا تكبله بالقيود ولا تجعله يتعفن مهملا في دماغك كما قال شكسبير ولا تسلم قياده لأي شيخ او امير او اي سلطة انت وحدك من عليه عبء تغيير مصيرك انت انسان حر وفرد لا يشبهك احد على وجه الارض ليست هنالك وصفة جاهزة وموروثة للنجاح في الحياة عليك ان تجرب وان تخضع كل شيء للتساؤل .. فقط حرر عقلك حرر فكرك حرر ارادتك كي تغدو انسانا حرا.

جريدة الوطن

صقر الخالدية
20/04/2004, 06:32 PM
المثقفون والزواج
2004/03/31


إدريس الخوري

ذات يوم، طرح علي أحدهم سؤالا عابرا كأنه يتقصّد نفسه : لماذا يفشل المثقفون المغاربة في الزواج ؟ هل بسبب نرجسيتهم الزائدة وحساسيتهم المفرطة أم أن نساءهم لسن في مستواهم الثقافي والفكري ؟ قد يكون الأمر كذلك إذا ما وضعنا، في عين الاعتبار، طباع المرأة وسلوكها وأنثويتها أيضا، لكن النزعة الذكورية تبقي سمة أساسية في هذه العلاقة الزوجية غير المتكافئة لأن موضوع الارتباط جد شائك اجتماعيا ونفسيا وثقافيا، ومع ذلك فإني أري أن موضوع زواج المثقفين وفشله ليسا ظاهرة مغربية عربية فقط، بل إنه ظاهرة أوربية وأمريكية أيضا، أمامنا نموذج الكاتب الامريكي سكوت فيتزجيرالد مع زوجته السكيرة زيلدا، آرثر ميللر مع مارلين مونرو، سارتر مع سيمون دوبوفوار، بول بولز مع جين، إلخ.. فثمة حالات استقرار هنا وهناك تعيش وفق "وئام مدني"، حيث يتحمل كل طرف عبء الآخر علي مضض من أجل الأطفال والعيش والملح، ذلك أن المثقف المفترض هنا سيجد نفسه محاصراً في حريته الشخصية مقيداً بعدة التزامات عائلية لا "ثقافة" له عنها ولا مناص من الوفاء بها، فلا هو متزوج مائة بالمائة ولا هو حر مائة بالمائة، إنه مذبذب بين متعته اليومية (المقهي- الحانة الأصدقاء) وبين ما يسمي ب "الواجب العائلي" (التغذية- الأطفال- المدرسة- السرير) لذلك يبدأ جدار العلاقة في التشقق تدريجياً ويحدث الانهيار.
المثقف المغربي، في إطاره النفسي والاجتماعي العام، حالة إنسانية ملتبسة إن لم أقل معقدة بحكم تربيته الدينية ونشأته المحافظة في بيئة عمالية- فلاحية، غير قادر علي التمرحل مع مظاهر الحداثة التي تزخر بها المدينة (مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة مثلا) حتي النهاية، فهو بين مد وجزر، بين الحفاظ علي هويته الذكورية (الفحولة والرجولة) وبين الاندماج في الحداثة مع ما تتطلب هذه الاخيرة من انفتاح ووعي، لذلك يجد نفسه موزعا بين عالمين متعارضين كلاهما مرٌّ. هل يستمر في وحدته النفسية والاجتماعية أم يؤثتها بكائن أنثوي يزيل عنه رتابة الوقت وأعباء البيت ؟ سيتزوج ذات يوم لامحالة من أجل ترميم وحدته، وعبره سيفرغ ما اختزنه من رغبات ظلت مكبوتة. هنا سينتمي إلي المؤسسة باعتبارها طقساً تقليدياً.
***
لا يختار المثقف كائنه- النموذج، بل يختار الجسد اللحم باعتباره استيهاماً، فهو حتماً لم يعرف المرأة في طفولته حتي تبقي قائمة في ذاكرته مع مر السنين، ولذلك تخلو العشيقة من حياة الكتاب والمثقفين العرب علي غرار ما نجد عند الكتاب الاوربين والامريكيين الذين لا يأبهون لمؤسسة الزواج، وحتي إن وجدت فهي مجرد كائن متخيل أو محلوم به في اللاوعي، أما إذا انخرطوا في مؤسسة الزواج فهو إرضاء لها وليس إرضاء للذات، كذلك الأمر في الأدب : إنه يكاد يخلو من عشيقات روائيات يلهمن الكاتب الروائي ويؤثتن فضاءه بنزقهن وتقلباتهن ورغباتهن اللاتنتهي.
ولعل الفارق الثقافي والاجتماعي، بله الطبقي، من المثقف وزوجته، سيساهم، بدوره، في حفر هوة عميقة بينهما ويجعل المسافة بعيدة، عندها يدب الفتور إليهما ويصبحان كائنين شبه منفصلين، فالزوجة تشد والرجل يطلق وبالعكس، وبتوالي الايام والشهور يسود الجفاء والبرود العاطفي والجنسي وتصبح العلاقة فاترة، هو نادم في سره علي الارتباط بها وهي كذلك، وسيزداد شروداً في أحلامه الطوباوية والنرجسية لأنه الزوجة، بالنسبة إليه، ليس إلا خادمة وسريرا بالليل، فإلي أين يتجه ؟ إلي الكتابة أم إلي البيت ؟ ينضاف إلي هذا المناخ المتوتر عنصر المصروف اليومي والنفقات الطارئة. ثمة شاعر لم يستطع إلي الآن أن يملأ ثلاجته، فكان يكتفي، كل يوم، بشراء وردة لزوجته وقنينة نبيذ أحمر وخبزة مستطيلة وربع كيلو من كفتة الخيول ! هو متزوج شرعاً، لكنه غير متزوج نفسيا، لذلك يهرب إلي الحانات. روائي آخر يضرب زوجته ولا يعود إلي البيت إلا في ساعات متأخرة من الصباح- مفكر وفيلسوف لا يُري حَرَمُه لضيوفه لأن عقليته ذكورية رغم ادعائه الحداثة- أستاذ جامعي كذلك- روائي آخر يلجأ إلي المقهي لأن زوجته ثرثارة وتحب الذهاب إلي الاعراس لسماع "الشيخات" !- ناقد يترك زوجته رهينة بالسيارة ليذهب إلي الحانة لاحتساء البيرة، قاص صموت ينام وحده لأن زوجته أصبحت إخوانية، إنها عقليات مزدوجة، ونحن لا ننبش في الحياة الشخصية للمثقفين، ولكننا نشير إلي المفترقات التي تجمع بين الوعي وبين السلوك، غير أن ثمة استثناءات نادرة.
أيضا، هناك مثقف متسلط ومعقد نفسيا وجنسيا وامرأة وديعة، امرأة متسلطة ورجل وديع. إن المثقف كائن استثنائي، فوضوي مثل شكري، لا التزام لـه غير نفسه، وقليلات هن اللواتي يتفهمن هذه الخاصية الفريدة التي "يتميز" بها المثقف فيخضعن لشروطها حفاظا علي سير المؤسسة، لقد مر مثقفون بتجارب زواج فاشلة وأصيبوا بصدمات نفسية- كهربائية لم يستطيعوا الفكاك منها، فكانوا أن أعادوا الكرة مع نساء أخريات لعل وعسي، لكن المسافة ما تزال محضورة.
فأين "السعادة " ؟
سعادة الكاتب وسعادة الحياة ؟
كاتب من المغرب
0

المصدر القدس العربى

صقر الخالدية
22/04/2004, 01:27 AM
المعرفة والتنمية في البلدان العربية

د.حامد بن شظا المرجان


جاء في تقرير التنمية الانسانية مطالبة العالم العربي بالانفتاح وبالغوص في منابع المعرفة العالمية. ويؤكد مؤلفو التقرير بالالتزام الحازم الواضح بالارتباط بالعالم ولكن العالم الخارجي فيما يبدو لهم انما يفرض هيمنة عسكرية ويرى التقرير ان لدى البلدان العربية امكانات هائلة لتطوير مقدراتها المعرفية لا بسبب مالديها من رأسمال بشري لم يستغل بعد ومعظمه مهمش أو مهاجر بل لان لها تراثا ثقافياً ولغوياً وفكرياً ثرياً.
يقر التقرير بان تجديد النظم التربوية البالية الشحيحة الموارد في المنطقة لن يكون امراً سهلاً غير انه يصر على الضرورة القصوى لان يقوم كل من الاقتصاد والمعرفة بتغذية الآخر اما الخيارالحاسم للأمة العربية مثل ما جاء في التقرير هو مواكبة العالم الجديد بروح ايجابية أو انكم ستتخلفون وراءه. وبالنسبة لمن يتخوفون من ان يلحق بثقافاتهم الضرر بفعل التأثيرات الخارجية فان هذه الدعوة للانفتاح قد تكون مدعاة للخلاف. لماذا المعرفة في الوطن العربي كانت اهم محاور تقرير التنمية الانسانية العريبة، لان المرحلة التي يمر بها العالم حاليا والتطور السريع يقوم على قوة المعرفة والتسارع في انتاجها. وتشير الدراسات بوضوح الى تخلف الوطن العربي في مضمار المعرفة وهي من القضايا الهامة التي تعيق بناء التنمية الانسانية.
يقول المفكر العربي ادوارد سعيد "لا نريد المعرفة كمنتج أو سلعة ولا نريدها كعملية اصلاح تعني المكتبات اكبر أو عدداً اكبر من الحواسيب فقط. المعرفة التي نريدها يجب ان تقوم على الفهم. اعتقد ما يقصده المفكر ادوارد سعيد انه يجب ان يصحب آليات اكتساب المعرفة القدرة على فهم المعرفة حيث هناك من يدعي فى العالم العربي ان لديه اعدادا هائلة من الحاسوب وخريجي الحاسوب ولكنه لم يستطع الانتاج لانه لم يستطع الفهم لينتج المعرفة وهو مضمون التنمية الانسانية الاساسية، واكتساب المعرفة هو سبيل التنمية الانسانية.
ان اكتساب المعرفة من خلال التعليم والبحث والتطوير وتوظيفها هي مسائل التنمية الانسانية في بدايات القرن الحادي والعشرين سواء كان ذلك في العمل لتوسيع نطاق الحرية وضمانها أو ضمان الصحة أو ضمان مقومات الرفاه المادي والمعنوي التي تساعد لاشك على اتخاذ القرار عقلانياً على المستويين الفردي والجماعي ومثل ما جاء في التقرير ان تطور البشرية يعتمد على المعرفة التي هي سبيل بلوغ الغايات الانسانية الاخلاقية الاعلى مثل الحرية والعدالة والكرامة الانسانية. فالمعرفة او مجتمع المعرفة على وجه التحديد هو المجتمع القادر على نشر المعرفة وانتاجها وتوظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي والاقتصاد والمجتمع المدني والسياسي في هذه المجتمعات تكسب المعرفة دوراً في تشكيل بناها المجتمعية وقوة ادائها في مجالات الاقتصاد والمجتمع المدني والسياسي للوطن العربي.
فتقرير التمنية الانسانية العربية لعام 2002 اشار الى النواقص الجوهرية المعوقة للتنمية الانسانية في بداية القرن الحادي والعشرين، فالتاريخ يعتبر انه كان للعرب في حقب سابقة مساهمات بارزة في انتاج المعرفة ومن ثم في اغناء الرصيد المعرفي للبشرية جمعاء. فاقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية تمثل استعادة لواحدة من درر تاريخ الوطن العربي. وجاء في تقرير التنمية الانسانية العربية 2002 انه بالرغم من الانجازات التي تحققت في مجال التوسع الكمي في التعليم في البلدان العربية منذ منتصف القرن العشرين الا ان الوضع العام للتعليم لايزال متواضعاً مقارنة بانجازات دول اخرى حتى في بلدان العالم النامي ويكمن التحدي الاكبر في مجال التعليم في مشكلة تردي نوعية التعليم المتاح، بحيث يفقد التعليم هدفه التنموي الانساني من اجل تحسين نوعية الحياة وتنمية قدرات الانسان بالاضافة الى عناصر اخرى تؤثر في تحديد نوعية التعليم ومن أهمها سياسات التعليم ووضع المعلمين والمناهج واساليب التدريس على سبيل المثال بعض الدول العربية لا تستطيع معظم الاسر تعليم اطفالها في مدارس الحضانات فبعض هذه الاسر تسجل اطفالها في الكتاتيب ذات التكلفة المنخفضة كما كان تسجيل الاناث في عام 2002 في المراحل التعليمية الثلاث 45% فقط. ويبلغ عدد الطلبة في الفصل الدراسي الواحد اكثر من 45 طالبا ويقدر بان 40% من خريجي التعليم العالي يبقون من غير عمل كما يترك اكثر من 50% من طلبة الجامعة قبل اكمال دراستهم. اما وسائل الاعلام فدورها مهم في نقل المعرفة وانتاجها ولكن لا يزال الاعلام العربي ووسائط النفاذ اليه وبنيته التحتية ومضمونه يعاني الكثير مما يجعله دون مستوى التحدي. ومن ناحية اخرى تؤكد الاحصائيات الدولية ان المواطن في الدول العربية لا يتواصل بالقدر الكافي مع وسائل الاعلام ويتضح ذلك جلياً من المقارنة بين عدد السكان في الدول العربية ووسائل الاعلام المتاحة لهم من جانب ومقارنة هذه البيانات بمناطق اخرى من العالم. فالبلدان العربية تتسم بانخفاض نسب وسائط الاعلام والصحف واجهزة الإذاعة والتلفزيون لكل 1000 شخص، فانخفاض عدد الصحف لكل 1000 شخص الى اقل من 35 في الدول العربية مقارنة مع285 صحيفة لكل 1000 شخص في الدول المتقدمة. وهذا يعني ان المواطن العربي لا يوجد طلباً كبيراً على الصحف بسبب انخفاض معدلات القراءة وارتفاع تكلفة الصحف مقارنة بالدخل وتراجع مستوى الصحافة العربية واستقلاليتها ومهنيتها جعلها غير مرغوبة عند فئات واسعة من القراء العرب. أما القنوات الفضائية فقد يتجاوز عددها 120 قناة فضائية واكثر من 70% من هذه القنوات تابعة رسمياً للحكومات العربية لاشك ان بعض هذه القنوات حققت تقدما ملحوظا فى مضمون رسالتها الإعلاميه. اما من ناحية مصادر المعلومات فيواجه الاعلاميون العرب في معظم الدول العربية وبدرجات مختلفة صعوبات في الوصول الى المعلومات والحصول على الوثائق والبيانات كما انه لا توجد مصادر مستقلة ومتنوعة للمعلومات واعتمادها على الوكالات الاجنبية بالرغم من ان كل دولة عربية لها وكالة انباء. وكشفت الدراسات والبحوث عن أن وسائل الاعلام العربية تسيطر عليها مضامين الترفيه ويغلب على بعضها السطحية والتشابه الشديد في المضمون وتؤكد على القيم الاستهلاكية واهدار قيمة العمل.أما من حيث الترجمة فتواجه المجتمعات العربية تحدياً ثقيلاً فبالرغم من ازدياد عدد الكتب المترجمة من حوالي175 عنواناً في السنة خلال الفترة من 1079 - 1975 الى ما يقارب من33 0 كتاباً وهو خمس ما تترجمه اليونان مثلاً ، ويقدر العدد الاجمالي التراكمي للكتب المترجمة منذ عصر المأمون حتى الان بحوالي 10000 كتاب و هو يوازي ما تترجمه اسبانيا في عام واحد ولنا حديث آخر في الاسبوع القادم عن انتاج المعرفة فى الوطن العربي.

المصدر جريدة عمان

صقر الخالدية
22/04/2004, 02:43 PM
التعليم العربي وتحديات القرن الحادي والعشرين

محمد بن خلفان الشكيلي

المقالة الفائزة بالمركز(( الاول )) فـي مسابقة المنتدى الادبي لهذا العام..



تعالت خلال السنوات القليلة الماضية العديد من الاصوات - الداخلية والخارجية - مطالبة الدول العربية باعادة النظر فـي مجالات التعليم العربي على وجه العموم، منطلقين فـي ذلك من عدة توجهات - كل حسب توجهاته ورغباته التي يسعى اليها - فالاصوات الداخلية تسعى الى ان يكون التعليم مسايرا للتغيرات العلمية والتكنولوجية المتسارعة بشكل لا مثيل له، فـي حين يرى العديد من المنادين باصلاح التعليم من خارج الوطن العربي على اعتبار ان التعليم كان سببا رئيسا فـي التحولات التي شهدها العالم اجمع بعد ان احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، حيث ترى هذه الاصوات ان تعليمنا العربي وخاصة التعليم الديني هو المحرك الرئيسي للارهاب وما صاحبه من شد بين العديد من الدول.
وعلى الرغم من ذلك .. لنا ان نتساءل - ما الاسباب الرئيسة التي تجعل المطالبة باصلاح التعليم العربي فـي هذا الوقت بالذات تتعالى؟ وهل تعليمنا بهذا السوء حتى يراه العديد من المعنيين بانه تعليم تقليدي غير قادر على تلبية احتياجات مجتمعة؟ .. ما هي التوجهات المستقبلية التي تسعى اليها الدول العربية - مجتمعة او منفردة - لتحقيقها من خلال التعليم وتطويره؟ .. هذه الاسئلة وغيرها الكثير غالبا ما يتبادر الى ذهن المواطن العربي عندما يسمع هذه الاصوات المتعالية من كل حدب وصوب. وسنحاول من خلال هذا المقال - بمشيئة الله - التعرف على جدوى اصلاح التعليم، وكيف لنا نحن العرب ان نستفيد من الثورة التكنولوجية بالشكل الصحيح حتى نستطيع ان نصحح من وضعنا بين الامم والشعوب الساعية للرقي الحضاري.
***
يعد التعليم هاجسا مؤرقا للكثير من الامم والشعوب على اختلاف توجهاتها ورؤاها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، نظرا لما للتعليم من اهمية بالغة فـي المجتمعات ولدوره اللامحدود فـي تحقيق الرقي والتطور لاي مجتمع كان، فالتعليم هو قطب الرحى والمحرك لجميع المجالات، ونستطيع القول انه اساس الاساسيات لصناعة المستقبل بكل اطيافه وتشكيلاته، وهو اكبر وأهم الصناعات التي تؤثر على موارد الدول وانتاجها، كما يؤثر على حضارتهاوتقدمها بين دول العالم؛ ذلك ان التعليم يهتم فـي المقام الاول بتكوين الانسان وصياغته وفق النمط الذي تسعى اليه الدولة، وبالتالي ايجاد الموارد البشرية القادرة على تلبية احتياجات المجتمع فـي جميع الميادين.
ولا يزال التعليم فـي الوطن العربي - بتعدد تسمياته ومجالاته - دون الطموحات الكبرى التي يأملها منه المجتمع والتربويون رغم ما يصرف حاليا من مبالغ باهظة فـي العديد من المجالات، فالكثير من المؤسسات التعليمية العربية عفى الزمن عليها ولم تستطع ان تساير التطورات التي يعيشها عالمنا المعاصر، واصبحت تدار بعقلية القرن التاسع عشر، فالبيروقراطية والروتين الممل اصبح ممسكا بكثير من خيوط تطوير التعليم فـي الوطن العربي. فهل السبب فـي ذلك قلة الانفاق على التعليم ام سبب آخر غير ذلك؟!
تشير الكثير من الدراسات ان الانفاق على التعليم العربي لا يقل عما تنفقه الدول الاخرى، فاذا كانت الولايات المتحدة الامريكية تنفق على التعليم (5.5%) من ناتجها القومي، والسويد تصرف 8.5% من ميزانيتها على التربية والتعليم، فان الدول العربية تنفق ما يقرب من 5.8% على قطاع التربية والتعليم، كما وجد فـي دراسة نشرتها احدى المجلات التربوية المتخصصة ان ما يصرف على الطالب المصري يعادل او يوازي تماما ما ينفق على الطالب الامريكي.(1)
ومما يدعو الى الاسف انه رغم هذا الانفاق العربي على التعليم إلا ان هناك فرقا شاسعا فـي المستويات التعليمية العربية والاجنبية، وكذلك الحال مع المخرجات التعليمية، ولعل السبب فـي ذلك يرجع الى عدة اسباب منها نوعية التعليم المقدم، وانتشار الامية بشكل رهيب فـي الوطن العربي التي تصل الى 50% من السكان، هذا بالاضافة الى عدم تحديد الاولويات بشكل صحيح فـي عالمنا العربي وكيفية إدارتها وتوجيهها الوجهة الصحيحة، وهذا يقودنا الى القول ان غياب الاستراتيجية الوطنية بعيدة المدى، والواضحة فـي الاهداف والمجالات هو ما ينقصنا فـي عالمنا العربي، فغالبية الأمور تدار بطريقة ارتجالية اكثر منها بطريقة علمية ومنظمة تحقق الهدف الاول الذي تسعى اليه الدولة - اي دولة - لتحقيقه، فخطط التعليم فـي بلادنا لا تبنى على الاستراتيجية العامة لمتطلبات الدولة واحتياجاتها المستقبلية، وانما تبنى كخطة قطاعية مستقلة، غير متصلة مع القطاعات الاخرى كالقطاع الصناعي والقطاع التجاري والقطاع الصحي والقطاع الاقتصادي. فكل قطاع يضع استراتيجية بعيدا عن الاخر، وهذا بالطبع ادى الى تخبط الجهود وازدواجية التخطيط وعشوائيته والى تضخم فـي بعض الاحتياجات ونقص فـي احتياجات اخرى.(2)
ولن تستطيع الدول العربية - والحالة كهذه - ان تحلق بالتطورات المتنامية والمتلاحقة فـي كل المجالات ومنها مجال التربية والتعليم اذا ظلت الجهود عشوائية وغير مركزة او مستندة على رؤية وطنية واضحة لما يجب ان تكون عليه الدولة فـي المنظورين القريب او البعيد، وستبقى الجهود متناثرة ليس لها تأثير على حياة الافراد، وليس ادل على سوء التنظيم والتخبط فـي الادارة انه على الرغم من معقولية الانفاق على التعليم بشكل عام 5.8%، كما اشرنا سابقا إلا ان نصيب الفرد فـي الوطن العربي من هذا الانفاق على التعليم لا يتجاوز 340 دولارا سنويا، فـي حين يصل نصيب الفرد فـي اسرائيل الى 2500 دولار سنويا. فالحاجة ماسة الى استراتيجية عامة تتبلور من خلالها جميع الرؤى والتوجهات الوطنية وصياغتها مجتمعة من قبل جميع الجهات المعنية بها.
ولعل ابلغ مثال على نجاح مثل هذه الاستراتيجية هو ما قامت به الجمهورية الماليزية عام 1985م عندما قررت ان تصبح دولة صناعية، فأقامت لذلك المؤتمرات والندوات التي تهدف الى مراجعة برامجها ونظمها التربوية واعادة تصميمها وتنفيذها بما يتواءم واحتياجاتها المستقبلية فـي ان تصبح دولة صناعية، وهكذا استطاعت فـي سنوات وجيزة مكللة بالعمل المدروس والمخطط فـي ان تحقق ما طمحت اليه، وأصبحت احدى الدول الصناعية المهمة فـي شرق آسيا التي اطلق عليها مجموعة (النمور الآسيوية).
ويواجه التعليم العربي فـي الوقت الراهن العديد من الصعوبات والتحديات المتجددة فـي عصرنا عصر الانترنت والتكنولوجيا الرقمية التي باتت تتدفق بكل لافت للنظر، الى جانب الضغوط الخارجية التي تتعرض لها الدول العربية من الخارج والمتمثلة فـي نظام العولمة والسوق المفتوحة واعلام الفضاء المفتوح بمصراعيه لاستقبال المعلومات والثقافات المتعددة والمتضاربة فـي آن واحد، والدعوات المتعالية من الولايات المتحدة الامريكية من اجل نشر الديمقراطية فـي الشرق الاوسط عامة والدول العربية على وجه الخصوص والمتمثلة فـي المشروع الامريكي المعنون (بالشرق الاوسط الكبير) الذي سوف يناقش فـي يونيو القادم فـي قمة الدول الصناعية الثماني الذي سيعقد فـي ولاية جورجيا الامريكية.
ونظرا لتسارع المعلومات فانه لزاما على الدول العربية. اذا ما ارادت ان يكون لها موطئ قدم فـي عالم متغير الاتجاهات. ان تبدأ من الآن فـي بلورة الاهداف، واعداد الخطط والموازنات المالية اللازمة لذلك واعتمادها بما يضمن ايجاد موارد مالية قادرة على تلبية وتغطية التكاليف الباهظة لارتفاع التعليم ونفقاته المعتمد على تقنية المعلومات بشكل كلي، ففيما يتعلق باستخدام الحاسوب يوجد فـي اسرائيل 217 جهاز حاسوب لكل الف شخص، فـي حين يوجد فـي الاردن 52 جهازا لكل الف شخص، و39 جهازا فـي لبنان و9 اجهزة فقط فـي مصر.
ولن تستطيع الدول بمفردها توفير النفقات المرتفعة اذا ظلت مقتصرة على الموارد المالية للدولة، وكمثال على ارتفاع النفقات فـي تطوير التعليم بما يتوافق مع متطلبات العصر الرقمي فاننا نجد ان الولايات المتحدة الامريكية قد صرفت فـي عام 1999م حوالي 6.9 بليون دولار فـي عام واحد فقط؛ وذلك لتوفير الشبكات والحواسيب فـي مدارس التعليم العام (3)، وفـي بريطانيا تسعى الحكومة هناك الانفاق (400) مليون جنيه استرليني بحلول عام 2006م لانشاء ما يسمى بمناهج الدراسة الشبكية التي تعتمد على شبكة الانترنت ولاتاحة سرعة اتصال المدارس بالانترنت. هذا الى جانب بليون جنيه استرليني تم انفاقها بالفعل من اجل وضع تقنية المعلومات والاتصال فـي العملية التعليمية. (4).
وللتغلب على ارتفاع نفقات التعليم لا بد على الدول العربية ان تجعل من التعليم قضية وطنية يتم التعامل معها على اعلى مستوى من صناعة القرار السياسي بمشاركة جميع القطاعات والفئات الخاصة والحكومية. وهي الدول التي تنظر للتعليم كاستثمار طويل الاجل وليس كخدمة اجتماعية تقدم للافراد فـي المحتمع، وهي الدول التي لديها رؤية واضحة وخطة شاملة تسير عليها ويؤدي التعليم فيها دورا مهما وهو تحمل عبء توفير الطاقات البشرية اللازمة لقيادة وتنفيذ خطط التنمية الشاملة وضمان عملها ونجاحها وهي الدول التي تعيش تحديات واضحة ولديها اهداف محددة ووسائل لتحقيق هذه الاهداف (5)، ولا بد للقطاع الخاص ان ينهض بدوره الوطني فـي المساهمة بتحمل اعباء قطاع التعليم فمخرجات التعليم ذات المهارة والكفاءة العالية ستعود بالنفع على جميع المؤسسات بما فيها مؤسسات القطاع الخاص على وجه التحديد، وهو ما سيقلل من نفقات التدريب والتأهيل التي تنفقها هذه المؤسسات من اجل إعادة تأهيل مخرجات التعليم بما يتناسب واحتياجاتها الفعلية.
ولكي يستطيع التعليم مستقبلا ان يلبي احتياجات المجتمع فلا بد ان تنقل العملية التعليمية من دور الحفظ والتلقين وتكدس المعلومات فـي المناهج الدراسية الى دور آخر اكثر جدوى، دور يتمثل فـي الارشاد والتوجيه الى مصادر المعرفة المختلفة وان يكون الطالب هو محور العملية التعليمية بجميع جوانبها، وعلى العملية التلعيمية ان تقيس جميع القدرات الشخصية للمتعلم بكافة ابعادها بدلا من قياس الجوانب التحصيلية له مع الاعتراف بالقدرات الفردية لكل متعلم ومراعاتها والعمل على تلبيتها بوسائل واستراتيجيات وانشطة مختلفة وان يتوافق هذا التعليم مع اعمدة المعرفة الاربعة التي حددتها اللجنة الدولية للتعليم فـي القرن الحادي والعشرين والمتمثلة فـي التعليم للعلم والتعليم للعمل والتعليم للعيش مع الاخرين والتعليم للكينونة وهي التي تحقق فـي ذات الوقت مبدأ التعليم مدى الحياة والتعليم المستمر الذي تنادي به العديد من المنظمات والهيئات الدولية.
اننا كشعوب عربية امام تحديات جمة لا نستطيع مواجهتها الا من خلال ايجاد بيئة تعليمية قادرة على الايفاء بمتطلبات هذاالعصر الآنية والمستقبلية، واعداد الطاقات والامكانيات البشرية المؤهلة والمدربة التدريب الذي يضمن لها المنافسة والابتكار فـي سوق المعلومات وتقنياته، وهذا لن يتأتى الا من خلال الاهتمام بالتعليم واعطائه الاهمية القصوى فـي سلم الاولويات بل على رأسها جميعا. فبالتعليم سنصل بمشيئة الله الى ما نطمح اليه من تقدم وازدهار لمجتمعاتنا.. وليكن شعارنا دائما (التعليم.. التعليم.. التعليم).
المصدر جريدة عمان

صقر الخالدية
25/04/2004, 05:45 PM
فضائية "الشرقية"... هل هي عراقية... أم... بعثية؟
السبت 24 أبريل 2004 16:52
داود البصري






في خضم الهجمة الظلامية الأصولية المسعورة والتي تهدد بإفناء البشر وحرق الحجر، وتدمير كل شيء جميل في عراق الأصالة والخير والجمال والحضارة، تكون الحاجة لتنفيس الأوضاع وتنقية الأجواء وتغييرها ومحاولة إعادة البسمة المفقودة للوجوه المتعبة والنفوس الحائرة الخارجة من رماد الحروب البعثية العبثية وإستنساخاتها المهدوية الظلامية أكثر من ضرورية بل أنها مهمة إستراتيجية تقتضي من النظام العراقي المقبل إتخاذ خطة إعلامية ذكية ومبرمجة من أجل تحسين الأوضاع النفسية ومحاولة بناء الإنسان العراقي بناءا نفسيا جديدا وبأسلوب علمي وحضاري متطور يعوض كل عقود الإرهاب والتخلف الطويلة التي مرت على العراق وهشمت كيان شعبه وحولت العديد من شخوصه ونماذجه السلوكية إلى صور عدوانية مرعبة تثير الرعب والأسى والحسرة، ومن يطالع صور وشريط الأحداث الإرهابية الأخيرة التي عصفت بالعراق وخصوصا عمليات حرق وسحل الجثث في (مدينة المساجد) الفلوجة!! والتمثيل الجاهلي الوحشي بها يعجب ويدهش لصور (أطفال العراق الفلوجيين) وهم يضحكون ملء أشداقهم لمناظر الجثث المتفحمة بل ومشاركتهم في (حفلات التمثيل) البشعة!! وهو إنحراف سلوكي خطير بحاجة لأكثر من الأطباء ووصفاتهم التقليدية لعلاجه؟ إنها مرحلة التوحش والبدائية والوحشية والموت قد بسطت جناحيها على براعم العراق ورجال غده ! وتلك نتيجة حتمية ومؤسفة لأسلوب وثقافة وتربية سلطة الموت البعثية البائدة التي حولت العديد من العراقيين لمسوخ وأشباح بشرية ومشاريع حقد متفجرة وظلامية وعلى الضد تماما من كل القيم الإجتماعية والدينية الموروثة والتي تتناقض تماما مع التصرفات السائدة ميدانيا! وهنا أؤكد من أن التخريب البعثي الفاشي قد نجح وبإمتياز في تشويه الثقافة الشعبية وتخريب النواحي السلوكية وفي الإجهاز على بذور الخير والإنسانية، وفي تعميق الحقد والكراهية لسلطة قامت أسسها على قيادات فكرية مريضة ومنحرفة وساقطة إستطاعت للأسف أن تعمم سقوطها الفكري والأخلاقي والسياسي على مساحات بشرية واسعة للغاية وبما يهدد مستقبل السلام الإجتماعي في المجتمع العراقي الذي يعاني المرض بشكله الشديد والمتأزم وهنا لايستطيع كل عاقل حصيف إلا أن يلقي بالمسؤولية المباشرة على إعلام النظام البعثي البائد الذي كان يعتمد على الأكاذيب وعلى تمجيد الحروب والعدوان وإشاعة الأحقاد الطائفية والقبلية وتهميش قطاعات واسعة من الشعب العراقي وإحتقارها ووصمها بسمات وأوصاف مخجلة كوصفه للشيعة بأنهم أولاد زنا ولأهل الأهوار بأنهم من الهنود!!، هذا غير إشاعة العداوات والحزازات الإقليمية وفصل الشعب العراقي عن جواره العربي المسلم كعدوانه الفظ والمجرم على جيراننا في إيران وأشقاؤنا في الكويت، بل أن أكاذيب (الفيلق الإعلامي والفني) البعثي كانت أخطر بكثير من قواته العسكرية الضاربة!، لقد كان نظام صدام مجرد قنبلة إعلامية قائمة على الرشوة القومية وشراء الذمم وإلتقاط المحاسيب والأزلام، ولعل (دبابة طارق عزيز) الشهيرة الدليل الأنصع على مفاهيم الرشوة الإعلامية القومية، وكان الإعلام البعثي رديئا ومريضا وسقيما وهو يعمم الأكاذيب ويمجد سلطة القهر والموت ويضفي من الصفات الآلوهية على قائده الفرد (الجرذ) مايثير العجب والتندر ! فشعراء النظام وفنانيه كانوا من سقط متاع القوم وكانت الهدايا المقدمة لهم لنشاطاتهم الإعلامية الفاشية هدايا ذات صفات إجرامية كالمسدسات الفضية أو الرشاشات الذهبية! وكان وزير الثقافة والإعلام البعثي الأسبق لطيف نصيف جاسم الدليمي لايختلف عن أي طبال أو مهرج بائس ورخيص! وكذلك كان الحال مع زمر الفنانين من المطربين والملحنين الذين تعاونوا معه لينتجوا فنا فاشيا رخيصا ومدمرا للذات العراقية وممجدا للقتل والدماء والجثث المسحوقة ليقبضوا الثمن مناصبا عليا وهدايا ومكرمات القيادة البعثية ولينزوي الفنان العراقي الحقيقي وضمير الشعب في كواليس اللجوء البعيدة الباردة وليقضي العديد منهم نحبهم في صمت لابل أن سرقة أعمال الفنانين العراقيين الأحرار المغضوب عليهم والمنتصرين لحرية شعبهم قد أضحت أمرا عاديا في ظل سلطة سرقت من الشعب حتى أحلامه وكما حصل مع الملحن والفنان العراقي المبدع (كوكب حمزة)! وغيره من المبدعين؟ كالفنان المطرب فؤاد سالم الذي تحول لضمير الفن العراقي الحقيقي في ظل حالة التعتيم المطبق التي طبعت كل شيء في العراق، واليوم وبعد أن تنفس الشعب العراقي عبير الحرية المقدسة لأول مرة في تاريخه الحديث رغم كل الأحوال العامة السيئة وجبال المؤامرات التي لايراد منها أن يستعيد العراق عافيته تفتقت أذهان ومبادرات بعض العراقيين لضرورة إستثمار مسألة التلفزيونات الفضائية فظهرت الإعلانات المتكررة عن فضائية عراقية جديدة تبث من إمارة (دبي) بعنوان (الشرقية) وحيث مافتأت تلك الشرقية تقدم مقاطعا من برامجها وأغانيها ومشاريعها التنموية أيضا! وقد علمت من ان المشرف على هذه الفضائية الوليدة في الفضاء السمعي البصري العراقي الجديد هو الأستاذ الإعلامي والصحفي العراقي المعروف سعد البزاز رئيس تحرير صحيفة الزمان والمدير السابق لإذاعة وتلفزيون بغداد في أوائل التسعينيات من القرن الماضي! أي أنه يمتلك الخبرة التلفزية اللازمة لإدارة وتشغيل تلك القناة الجديدة والتي لها دون شك أهداف عديدة بعضها مفهوم وبعضها في عالم الغيب والتكهن..! ولكن هنالك ملاحظات غامضة قد أطلت برأسها ونحن نرى الدعاية اليومية لتلك الشرقية وهي تركز على إستحضار العديد من فناني العهد السابق من البعثيين والمطبلين في إحتفالات الطاغية ومن الوجوه الكريهة التي عافها العراقيون لأنها تذكرهم بسنوات الذل والعذاب والموت السابقة وهؤلاء الفنانون هم من البضاعة الرخيصة المتبقاة من إرث الطاغية البعثي النافق والذين لامكان لهم في العراق الجديد لأنهم كانوا يمثلون فترة التألق النازي البعثي ويطبلون في مهرجانات المحارق العراقية في قادسية صدام وأم المعارك وحيث هربوا لدول الجوار الخليجية ليستعين بهم أهل (الشرقية)!! لابل أن الإستهتار بالذوق العراقي قد وصل لحد الإستعانة بصوت أحد المذيعين الذي كان متميزا في (الفضائية العراقية) السابقة ببث البيانات الكاذبة والتمجيد بسلطة القهر طيلة أكثر من عقدين ليعود هذه المرة وقد تزكى وتطهر ليكون بلبل السلام والمحبة! فأي مهزلة هذه، وهل عقمت الكفاءات العراقية الشابة؟ ولماذا لاتتم الإستعانة بالفنانين العراقيين الذين أبعدوا عن الواجهة زمنا طويلا بدلا من الإتكاء على نفايات الفاشية البعثية الهاربة في هذا الجحر أو ذاك؟ فهل هذه الخطوات تدخل ضمن السياقات الممهدة لعودة البعثيين (والعياذ بالله) للحياة السياسية في العراق؟ أم أنها (عودة الشيخ إلى صباه)! في إلتقاط هوائم البعث وإعادة الصبغ والطلاء والتلميع؟ بعد ذلك لانعرف متى تبث تلك الشرقية تحديدا، فماهو موجود مجرد إعلانات لبرامج وأغاني ومنوعات والإستعانة ببقايا البعثيين الذين دمروا الإعلام العراقي وحطموا الذوق العراقي وأساؤا أكبر إساءة للفن العراقي الحقيقي والراقي... فهل ستكون (الشرقية).. الإحتياطي المضموم للفضائية العراقية المنقرضة؟ أم أنها ستكون حصان طروادة الذي سيعيد البعثيين للواجهة الإعلامية من جديد؟

الجواب رهين بتطورات الأحداث.. ولكنني أرى رؤوس البعث قد أطلت بقرونها من جديد!.

المصدر موقع ايلاف

صقر الخالدية
26/04/2004, 05:39 PM
ويحدثونك عن الغزو الثقافي ومفاتيح البيوت واقفالها من صنعهم!
2004/04/26

د. فيصل القاسم
ما أن تطلق أمريكا أو الغرب عموماً فيلماً أو وسيلة إعلام جديدة أو حتي شريطاًً كرتونياً حتي يبدأ بعض رجال الدين والقوميين العرب يحذرون من غزو ثقافي جديد يهدف إلي تدنيس القيم الإسلامية أو تقويض الثقافة القومية. وقد وصل الأمر ببعض الشيوخ في السعودية مثلا إلي إطلاق فتاوي عاجلة قبل أيام تحّرم مشاهدة هذه القناة الأمريكية أو تلك، كما لو كانت رجساً من عمل الشيطان. ولا شك أنكم تذكرون جيداً تلك الحملة الشعواء التي شنناها علي مسلسل بوكيمون الكرتوني وحذرنا من مخاطره الرهيبة المزعومة علي الأجيال العربية الصاعدة. لا أدري لماذا لدينا هذه الحساسية المفرطة مما يسمي بالغزو الثقافي. لا أدري لماذا نحب أن نظهر للعالم وكأننا جنس مطهر كامل الأوصاف لا يقبل أي تلاقح ثقافي مع أحد مع العلم أننا مخترقون من رأسنا حتي أخمص قدمينا سياسياً واقتصادياً وثقافياً واجتماعياً وحتي دينياً. ألا نعيّر الغرب دائماً بأنه سرق الكثير من منجزاتنا الحضارية والعلمية وحتي الثقافية واستغلها في بناء نهضته العملاقة؟ لماذا قبل الغربيون بكل ما أخذوه منا دون أن يعتبروه غزواً؟ لماذا نتباهي بتأثيراتنا الثقافية والحضارية علي الآخرين ثم نستنفر عندما يأتينا شيء من الخارج وكأنه تهديد لأمننا القومي أو الديني ؟ ألم نمل من لعبة التصدي الأجوف للمؤثرات الخارجية؟ ثم من قال إن أمريكا خصوصاً والغرب عموماً يريدان أن يدمرا حضارتنا وثقافتنا وديننا؟ إنها أسطوانة مشروخة يجب أن نتوقف عن تشغيلها لأنها باتت تخدش مسامعنا بصريرها المتكرر وجرش صوتها المنفر.
لا بد أن نعرف أولاً أن ليس لأمريكا ثقافة أو قيم خارقة للعادة تريد أن تفرضها علينا كي نتخلي عن ديننا وقوميتنا وثقافتنا. ولا أبالغ إذا قلت إن آخر شيء يفكر به الأمريكيون هو تدمير ديننا أو قيمنا. وإذا كانوا يستهدفوننا فعلاً فليس للقضاء علي ثقافتنا العربية أو الإسلامية، لأنها في كثير من الأحيان تخدم مصالحهم وأهدافهم أكثر بكثير مما تضرها. فماذا أنتجت ثقافتنا المزعومة علي مدي قرون غير التخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي والعلمي كي ندافع عنها بأسناننا كلما هب عليها بعض النسيم العليل؟ دعوني أطمئنكم بأنه وبالرغم من كل ما يقال عن نفوذ اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنه لا يشكل أي خطر علينا من الناحية الثقافية أو الدينية. فالإدارات الأمريكية المتعاقبة لم يكن همها في يوم من الأيام تجريد هذا الشعب أو ذاك من ثقافته أو دينه ليصبح مسيحياً كاثوليكياً أو بروتستانتياً أو إنجيلياً . فالثقافة الأمريكية التي يحاولون تصديرها للخارج وتعميمها عالمياً ليست ثقافة دينية أو حتي ثقافية بالمفهوم العام، كي نخاف منها أو نخشي علي مجتمعاتنا من تأثيرها، فهي ثقافة مادية استهلاكية لا أكثر ولا أقل لا تستهدف العقول والوجدان بقدر ما تستهدف البطون والنزوات والاحتياجات البشرية. ولا يغرنكم شعار أمريكا المطبوع علي الدولار الأمريكيst In God We Tru نحن نؤمن بالله ، فهو للعرض فقط، بعبارة أخري فهو ليس شعارهم الحقيقي، فالشعار الأصلي لديهم هو نحن نؤمن بالدولار . وكان من الأفضل أن يزين هذا الشعار وسط العملة الأمريكية بدلاً من الشعار الديني الذي تحمله زوراً وبهتاناً. بعبارة أخري فإن كل ما يريده الأمريكيون منا هو أن نكون مستهلكين جيدين لمنتجاتهم وسلعهم وعملاء تجاريين لهم، وإذا كان لا بد من السجود فيفضـّل أن يكون لدولارهم الأخضر.
لا شك أن هناك حملات أمريكية قوية جداً لتغيير ثقافتنا، لكن ليس لاستبدالها بالثقافة الغربية المسيحية، لأن تلك الثقافة ذاتها لم يعد لها محل من الإعراب أصلاً في المجتمعات الغربية، فقد غدت مجرد كماليات. وهناك إحصائيات جديدة تشير إلي أن مرتادي الكنائس أيام الأحد في بريطانيا مثلاً في تناقص خطير. وبناء علي هذه المعطيات فإن المحاولات الغربية الرامية إلي تغيير ثقافتنا تهدف بالدرجة الأولي إلي تعويدنا علي استهلاك المزيد من البضائع الغربية. وإذا تطرفنا وسمينا تلك الحملات بغزو ثقافي أمريكي لنا فإنه بلا أدني شك غزو فريد من نوعه في التاريخ لأنه ليس روحياً ولا دينياً ولا ثقافياً حقيقياً، وبالتالي ليس تقليدياً. صحيح أن الأمريكيين يريدون منا أن نتأمرك ونصبح مستخدمين للغة الانكليزية وعاشقين لأفلام هوليوود وديزني ومسلسلات دالاس ولابسين للأزياء الأمريكية وغيرها من مظاهر الثقافة الغربية قاب قوسين، لكن ليس لنصبح تابعين للصليب الأمريكي بل لنكون مستهلكين نجيبين لما ينتجونه من طعام وشراب وملبس وألعاب وأجهزة الكترونية وغيرها من مستلزمات وضروريات وكماليات الحضارة الحديثة. فكلما تأثرنا بالثقافة الأمريكية زاد استهلاكنا للسلع الأمريكية والغربية عموماً. لهذا مثلاً نري المطاعم الأمريكية المنتشرة في بلداننا تقدم مع الوجبات أحياناً أشرطة فيديو للأطفال لأشهر أفلام الكرتون وأفلام الأكشن الأمريكية لإغرائهم بشراء المأكولات ثانية من المطعم. بعبارة أخري فهي تغرينا بالشريط (الثقافة) كي نستهلك بضاعتها، أي أن الثقافة الأمريكية هي في خدمة البضاعة. لاحظوا الربط بين أفلام الفيديو والوجبة الأمريكية! وإذا استخدمنا التحليل الماركسي سنجد أن شريط الفيديو هو بمثابة البناء الفوقي الهزيل للبناء التحتي الصلب المتمثل بالسلعة. إذن المستهدف من كل حملاتهم التي نسميها خطأًً غزواً ثقافياً هي جيوبنا أو بالأحري ما توفر لنا من نقود وثروات.
وهذا الغزو لو صحت تسميته كذلك لا يستهدف العرب والمسلمين دون غيرهم، بل يستهدف كل من لديه أي نوع من العملات يريد أن ينفقها. وقد يكون هذا الشخص في مجاهل أفريقيا أو في غابات البرازيل، فطالما لديه قدرة شرائية فهو مستهدف بالثقافة الأمريكية أو بالأحري بما يمكن أن نسميه مجازاً بالتنصير الاستهلاكي الأمريكي . والدليل علي ذلك أن المُـنتج الأمريكي غزا أوروبا واليابان وأمريكا الجنوبية بقدر ما غزا المجتمعات العربية والإسلامية. هل كان الأمريكيون يريدون تحويل اليابانيين من البوذية إلي المسيحية؟ بالطبع لا. هل كانوا يريدون تنصير أو إفساد الدين السائد في أوروبا وأمريكا اللاتينية؟ بالطبع لا أيضاً لأن سكان تلك القارتين يدينون بالمسيحية أصلاً. هل كانوا يريدون أن يحرفوا الهنود عن هندوسيتهم أو التايلنديين عن بوذيتهم؟ طبعاً لا. هل كان المتحكمون بمفاصل الاقتصاد والتجارة الأمريكية يريدون تنصير الشعب الأمريكي؟ بالطبع لا، فهو في معظمه خليط من الكاثوليك والبروتستانت وغيرهم من الطوائف المسيحية، فكل ما يبتغونه من الشعب الأمريكي أن يزيد من شهيته في استهلاك ما تنتجه المصانع الأمريكية من مأكل ومشرب وأجهزة. بعبارة أخري، فالعقلية الحاكمة والمتحكمة في الغرب عموماً ليست عقلية حضارية بمعاني دينية بل عقلية تجارية واقتصادية في المقام الأول، وكل ما يهمها من الشعوب الواقعة تحت سيطرتها هو أن تجود عليها بما توفر في جيوبها من نقود كي تبادله بسلع وبضائع. إنهم يتعاملون مع شعوبهم بنفس الطريقة التي يتعاملون بها مع بقية شعوب الأرض. إنه المنطق الرأسمالي القائم علي شريان الإنتاج والاستهلاك المتواصلين.
فهل يمكن أن نقول بعد كل ما تقدم إننا مستهدفون ثقافياً؟ بالطبع لا. وحتي لو قلنا ذلك، فالكلام لم يعد ينفع لأننا، كما أسلفت، أصبحنا مخترقين حتي أذنينا بهذا الغزو الثقافي الغربي إذا أصريتم وسميتموه غزواً. فكل ما في بيوتنا هو من إنتاج غربي تقريباً، التلفزيون، الراديو، الثلاجة، الكومبيوتر، الفاكس، الهاتف، الأضواء، النوافير، المكانس الكهربائية، إطارات الصور، الساعات والعطور، حتي مواد البناء ومفاتيح ومماسك الأبواب في بيوتنا ومساجدنا ليست من صنعنا. حتي أكلاتنا الشعبية بدأت تأتينا جاهزة ومعلبة من أمريكا مثل الفلافل والحمص والفول المدمس ناهيك عن مكونات المأكولات الأخري. ولا ننسي حتي أزياءنا التقليدية من غترة وعقال ودشداشة. ألا نتباهي بالإعلان عن وصول غترات من صنع سويسري وبريطاني وأمريكي وياباني إلي محلاتنا التجارية؟ ألا يتسابق أصحاب الماركات العالمية علي تصنيع ملابسنا الشعبية لنا، فهذه غترة من تصميم دانهيل وتلك صناعة انكليزية فاخرة. وحتي لو اتخذت ماركات بعض الغترات أسماء عربية أحياناً إلا أنها تكون مصنوعة في الغرب. وحدث ولا حرج عن ماركات الشماغ التي يتباري التجار الخليجيون في الإعلان عنها في وسائل الإعلام. فهي أكثر من الهم علي القلب ومصممة ومصنوعة أيضاً في سويسرا وبريطانيا وغيرهما. والأخطر من ذلك أن بعض أزيائنا التي كنا نعتقد أنها وطنية ليست وطنية أبداً، بل اخترعها لنا وفرضها علينا بعض المستعمرين، كالكوفية الأردنية الحمراء مثلا. فهذه الكوفية ليست الزي التقليدي لبدو شرق الأردن كما قد يتوهم البعض، بل استقدمها غلوب باشا الضابط البريطاني الذي كان قائداً للجيش الأردني أيام الانتداب، من مدينة مانشستر البريطانية وعممها علي الأردنيين لتصبح رمزاً وطنياً. ويقال أيضاً إنه وراء اختراع الكوفية الفلسطينية البيضاء والسوداء وجعلها رمزاً للهوية الفلسطينية. وحتي ملابسنا الداخلية فضلاً عن الخارجية ونعالنا مستوردة من الغرب. وهل نسينا أن كل أزيائنا باستثناء الزي الخليجي أصبحت غربية، بدءاً بالبنطالون وانتهاء بالكرافات. وحتي الزي الخليجي ليس صناعة خليجية، فالقماش المصنوع منه إما ياباني أو أوروبي وفي أسوأ الأحوال صيني!
وحدث ولا حرج عن المدارس الانكليزية والأمريكية، فكلنا نطمح إلي إرسال أولادنا إلي المدارس الأجنبية التي تنتشر في ديارنا كانتشار النار في الهشيم ونتسابق علي دخولها بأرجلنا. ألم تصبح أفلام ديزني ومنتجات هوليوود الترفيهية الزاد الترفيهي الأساسي لأطفالنا؟ هل يشاهدون غير سوبرمان وسبايدرمان وباتمان وسوبر زورو وبوكاهنتاس وتوم أند جيري وبوكيمون وغيرها؟ حتي ـ يا جماعة الخير ـ! الآليات التي تستخرج لنا النفط من باطن أرضنا لنبيعه ونقتات علي مداخيله ليست من صنعنا، ولو تـُرك الأمر لنا لتعفن البترول في قاع صحرائنا وحقولنا. زد علي ذلك أننا ما أن استلمنا ريع النفط حتي انطلقنا به لنودعه في بنوك أمريكية وأوروبية. ونري بعد كل ذلك شيوخنا الأكارم يصعدون المنابر ليصيحوا بأعلي أصواتهم: إننا نتعرض لغزو ثقافي، قاطعوا تلك القناة الأمريكية أو ذاك المسلسل الكرتوني! أرجو أن يجد أحد المستمعين لبعض المواعظ ذات مرة الشجاعة الكافية في نفسه ليقول لخطباء الجوامع: اخفضوا صوت الميكرفون الذي تعظوننا من خلاله كي لا يُصاب بعطل! لا. استمروا ودعوه يخرب، فبإمكاننا أن نشتري ميكروفوناً أمريكياً آخر! ويحدثونك عن الغزو الثقافي!


المصدر جريدة القدس العربى

صقر الخالدية
01/05/2004, 09:22 PM
الصحافة بين حرية التعبير وحرية التشهير
2004/05/01

أحمد السطاتي
من الحريات التي تميز مجتمعات التقدم حرية التعبير، فالتقدم في جانب مهم منه يقوم علي الحوار والتواصل وتبادل الرأي، إذ كل إنسان محمّل بطاقات شعورية تريد أن تعبر عن نفسها بالكلمة والكتابة والصورة والحركة وما إلي ذلك من صنوف التعبير وأشكاله. وكل تعطيل لهذه الطاقات بفعل إرادي أو إجباري يحد من إبداع الانسان وقدرته علي العطاء والابتكار ويدنيه من مملكة الحيوان.
من تجليات حرية التعبير الكلمة المنطوقة والمكتوبة.
ومن الثابت أن الانسان في خلواته وتوحده يكلم نفسه ويحدثها بحرية، فلا قيود إطلاقا علي عالمنا الداخلي، لكن الأمر يختلف عندما نهم بمخاطبة غيرنا أو نحدثه بما يجول في خاطرنا حيث نقيم وزنا للرقابة السياسية والاجتماعية ولقواعد التربية والاخلاق السائدة، والتي تحدد ما يجب، وما لا يجب أن نبوح به. وغني عن البيان أن التقدم لا يتحقق في مجالات البحث والمعرفة ومختلف النشاطات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، إلا إذا رفعت الرقابة والقيود عن حرية الفكر والتعبير. وقد ناضل الانسان طويلا للفوز لهذه الحرية. ففي مراحل قاسية من تاريخ البشرية لم يكن حق الحرية في التعبير متاحا ومشاعا للجميع، كان للكلام كواحد من تجليات التعبير ملوك وأباطرة وكنهوت يحتكرونه، لهم وحدهم أن يتكلموا وعلي الآخرين أن يسمعوا.
في العالم الحر باتت حرية الكلمة والتعبير حتما حقا مشاعا أنشئت لها قنوات ومنابر ومؤسسات من خلالها يمكن للأفراد والجماعات أن يعبروا عن آرائهم وهمومهم واهتماماتهم ومن أهم هذه المنابر الصحافة، وأقصد بذلك الصحافة الحرة التي أخذت تشكل في العالم الحرب سلطة رابعة لا يحيلها بالطبع إلي سلطة مطلقة، فالحرية لا تعني التحرر من كل القيود، تحرير الانسان من الاكراه والالزام لا يعني تحلله من أي التزام.
أنت حر فأنت مسؤول عن الفعل الذي صدر عنك وأضرّ بغيرك، لأنك كنت قادرا علي تركه بمقتضي الحرية التي تتمتع بها، وقبل أن يكون الانسان مسؤولا أمام القانون، الذي هو تعبير حر عن إرادة الأمة، هو مسؤول بدرجة أكبر إزاء ضميره الاخلاقي والمهني، والذي يشكل الضمانة الكبري ضد طيش الأصم ووساوس النفس الأمّارة.
يكمن دور الصحافة في التوعية والتنوير وتزويد المواطن بالاخبار الصحيحة التي لا يُراد إخباره بها وفتح بصره وبصيرته علي ما يراد له وما يراد به من طرف القائمين علي تدبير الشأن العام. لها أن تفضح الفساد والرشوة والتبذير وسوء التسيير والشطط في استعمال السلطة. فمن حق المواطن أن يعرف الحقيقة دون وصاية وأن يتواصل مع العالم بدون رقابة.
الحقيقة لا تؤلم ولا تضر إلا أهل الباطل، وفضح الفساد لا يتأذي منه سوي الفاسدين، بيد أن الصحافة تزلّ وتخطئ طريقها إذا اعتمدت الكذب والتضليل والقذف وأباحت لنفسها الخوض في أعراض الناس والمس بشرفهم.
قد يدعي الصحافي أن الحقيقة هي ضالته المنشودة يركض وراءها ركضا دائما، لكن ثمة حقائق لا تستحق الركض ولا الكشف مادامت لا تضر ولا تنفع، من حقي مثلا أن أكره زيدا أو أحب عمرو، لكن ليس من واجبي، أن أعلن هذه الكراهية علي الملأ وأطالب بتعميمها. فتلك عاطفة لا تخص أحدا سواي يمكن أن أتداولها مع من يحسون نفس إحساسي لكي لا أرفعها إلي درجة الحقيقة المطلقة، إلا إذا اعتبرت نفسي مقياسا مطلقا للحقيقة، ذلك أن الحقيقة في الحكم علي الناس هي ما يقع عليه إجماع الناس، وإن كان الأمر لا يخلو من تجوّز.
قد يقال ليس من الظلم ولا من القذف أن تنعت الانسان بأوصافه التي هو عليها، فمن المؤكد أن الظلم صفة مكروهة وفعل ضار مع ثبوت المحبة. التنديد بها مطلوب وواجب، لكن ليس من الخلق ولا من الواجب أن تقول للأعمي أو الاعرج أو المعوق عموما : إليك عني وتسخر منه بحجة أنك لا تنعته إلا ماهو عليه، وأن تلك هي حقيقة التي لا ينبغي أن يضجر منها. الكشف عن مثل هذه الحقائق يكشف نية خبيثة ورغبة وإيذاء الغير وإهانته ليس إلا.
الصحافة التي يرمي الجميع إلي حمايتها من شطط السلطة وتعسفاتها يجب ألا تسقط في الكذب وتخريب البيوت والتعريض بأعراض الناس وكذلك الحرمات وتشويه الحقائق لقاء ربح سياسي رخيص أو مكافأة دنيئة. علي الصحافي أن يدرك يوما أن ثمة خيطا رفيعا مثل الشعرة بين حرية التعبير وحرية التشهير، وأن يتذكر قول المتنبي :
جراحات السنان لها التئام
ولا يلتئم ما جرح اللسان.

كاتب من المغرب

القدس العربى 1/5/2004

صقر الخالدية
05/05/2004, 02:05 PM
وجهة نظر حول الجيش والسياسة والسلطة في الوطن العربي
2004/04/19


د. منذر سليمان

أنظمة ملكية عسكرية وتقليدية

شهدت العقود الأخيرة نوعا من الاستقرار النسبي أو الانتقال السلمي للسلطة في العالم العربي وخاصة في الدول التي كانت مسرحا تقليديا للانقلابات العسكرية المتتالية في عقدي الخمسينيات والستينيات. ويبدو النظام الرسمي العربي محكوما بنوعين من الملكية مهما تنوعت التسميّات: الملكية التقليدية للأسر الحاكمة والملكية العسكرية للأنظمة التي تطلق علي نفسها غالبا لقب جمهورية.
و لكن غياب حدوث الانقلابات العسكرية لم يرافقه تراجع في سيطرة العسكريين علي زمام الحكم في معظم الدول العربية، حيث يتربع علي السلطة عسكريون أفرزتهم المؤسسة العسكرية نفسها، أو أغدقت عليهم بالتراضي رتبا عسكرية رفيعة بالإضافة إلي الجمع بين منصب الرئاسة والقيادة العليا للقوات المسلحة. وحتي في الأنظمة الملكية التقليدية يتبوأ الملك أو أمير البلاد منصب القائد العام للقوات المسلحة أيضا.
وفي العديد من الملكيات العسكرية تم إضفاء الطابع المدني والشرعي علي استمرار العسكريين في السلطة عبر إجراء الاستفتاءات أو الانتخابات التي تجري بطريقة لا تسمح عمليا بحدوث منافسة للحاكم المرشح الأوحد وتجاوز القوانين والدستور من خلال تجديد العمل بقانون الطوارئ والأحكام العرفية التي تجعل محاكم أمن الدولة أو المحاكم العسكرية المرجعية المهيمنة للبت في القضايا المدنية والجزائية بحجة أنها تمس أمن الدولة.
لقد تحول الجيش في معظم الدول العربية إلي العنصر الحاسم في ضمان استمرار الحكم وأضحت مهمته الرئيسية أمنية داخلية كرديف قوي للأجهزة الأمنية الداخلية الأخري وتزايدت الحالات التي يتم فيها الاعتماد علي الجيش في مهمات الأمن الداخلي لدرجة أن طبيعة تدريبه واختيار ثكناته وتمركز تشكيلاته مرهون بالهواجس الأمنية الداخلية وليس لهواجس المخاطر الخارجية مع بعض الاستثناءات في الدول التي لا تزال تحسب حساب المواجهة مع المشروع الصهيوني.

عوامل ساهمت في غياب الانقلابات العسكرية

علي أية حال يبدو السؤال المنطقي والمشروع طرحه هنا لماذا غابت الانقلابات العسكرية عن المسرح السياسي العربي لفترة طويلة؟
كي لا نقع في التعميم المخل هناك حالات من الانقلاب العسكري المباشر وغير المباشر قد جرت في عدة بلدان عربية في الفترة الماضية رغم أنها لم تحمل برمتها الطابع الكلاسيكي للانقلابات وتجدر الإشارة هنا إلي ما جري في اليمن والسودان وفي تونس والجزائر دون أن ننسي ما تردد من أنباء عن محاولات فاشلة أخري في عدة بلدان عربية خليجية. ويبقي الاتجاه الغالب في الساحة العربية هو استقرار الأنظمة التي نشأت في أحضان الانقلابات العسكرية وعدم انتقال العدوي للأنظمة الملكية التقليدية.
يبدو أن الأنظمة الرئاسية (العسكرية أصلا) تمكنت من إتقان فنون البقاء في السلطة ومنع الانقلابات عليها بتضافر عوامل عديدة أبرزها:
ـ تكوين ميليشياتها الخاصة تحت مسميات الحرس الجمهوري أو الوطني أو القوات الخاصة، وربطها بشبكة من العلاقات العائلية أو القبلية ومنحها صلاحيات واسعة لحماية النظام مما جعلها عنصر موازنة مع الجيش الرسمي الذي تمسكه بيد من حديد عبر المغريات أوالمناقلات المفاجئة لكبار الضباط أو الترقيات والاقالات وحتي التصفيات. ومارست الأنظمة الملكية التقليدية سياسة موازية لمثيلاتها في تكوين الحرس الوطني أو الأميري وأخضعته أيضا لشبكة الولاءات العائلية والقبلية وجعلته منافسا طبيعيا للجيش، وكانت اكثر اقتدارا في السخاء عليه.
ـ في ظل غياب السعي الجدي لبناء مؤسسات المجتمع المدني تحولت المؤسسة العسكرية إلي أهم قطاعات الدولة وأوسعها حجما، والمتلقي للقسط الرئيسي من الميزانية السنوية للإنفاق الحكومي بحجة الإعداد للمواجهة مع المشروع الصهيوني. ورعت السلطة أفراد المؤسسة العسكرية عبر الإنفاق غير العادي بمنح الزيادات المتكررة في الرواتب وتقديم التعويضات والخدمات وتسهيلات الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية والسكنية وغيرها من المنافع التي ربطت الأفراد وعائلاتهم وجيش المتقاعدين في شبكة المصالح المشتركة، وهكذا تحولت الدولة إلي دولة الرفاه والرعاية الاجتماعية والاقتصادية للقوات المسلحة ومتقاعديها الذين يضمنون مداخيلهم ومنافعهم مدي الحياة طالما أن النظام قادر علي توفيرها وفي المقابل يضمن النظام ولاءهم.
ـ إن عدم انخراط المؤسسة العسكرية في معارك وطنية ضد العدو الخارجي حوّل النخبة العسكرية إلي مجموعة من الموظفين الإداريين بعيدين عن الاحتراف العسكري وإتقان العلوم العسكرية وفنون القتال وإدارة المعارك وحال دون بروز قيادات عسكرية تتمتع عبر خبرتها الميدانية في الصراع بمكانة خاصة لتكون رموزا وطنية تتجاوز بسمعتها وشعبيتها دائرة السلطة الحاكمة وتستجيب للمخيلة الشعبية الطامحة إلي الالتفاف حول أبطال وطنيين قادرين علي كسر الطوق المحكم حول الاستئثار بالسلطة وتحفزهم علي القيام بحركات إنقاذية داخلية انقلابية.
ـ واقع التجربة المريرة التي عانتها الحركات والأحزاب السياسية التي استلمت السلطة عبر جناحها العسكري الحزبي والتي وجدت نفسها ملحقة به ومهمشة جعلها تتراجع عن مجرد التفكير بالعمل الحزبي داخل القوات المسلحة كما تعلمت ذلك الأحزاب والحركات السياسية الثورية الأخري، وأحجمت أيضا عن توخي العمل مع العسكريين عبر الانقلابات العسكرية، من أجـــل إحـــداث التغيير المنشود. يضاف إلي ذلك تراجـــع العمل الحزبي المنظم في الساحة العربية نتيـــجة الـــهزائم المتكررة التي عانت منها فصائل حركة التحرر العربي بتياراتها المختلفة.
ـ مصادرة الحياة السياسية والفكرية والثقافية عمليا من قبل أنظمة الحكم وتطويع الحركات السياسية المعارضة والسماح لتيارات منها بالدخول إلي البرلمانات طالما أنها تشكل أقلية غير فاعلة وتضفي علي الحكم طابعا ديمقراطيا شكليا.
ـ سيادة المنطق الإقليمي في التعامل مع القضية القومية خاصة منذ عام 74 في مؤتمر الرباط، حيث تم تفويض منظمة التحرير الفلسطينية بالتمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وتكريس التنازل العربي رسميا من المشاركة الفعالة في القضية القومية وتكريس الفصل التعسفي بين الشأن الوطني الداخلي والشأن القومي وإزالة مفاعيل التأثير الطبيعي لقضية فلسطين المركزية في تثوير الواقع الداخلي لكل قطر عربي.
ـ انعدام الحاجة لدي الأطراف الخارجية الدولية بالتخطيط أو العمل علي إحداث انقلابات عسكرية كوسيلة مفضلة للإتيان بأنظمة حكم متعاونة أو تابعة لها. إذ أن التحولات الدولية والإقليمية أسهمت في جعل العديد من أنظمة الحكم في العالم العربي تتعاون بصورة طوعية معها. وتضمن عدم تعرض مصالحها للخطر.

دور المؤسسة العسكرية في الدولة الحديثة

هناك انطباع شائع وخاطئ باستقلالية وحياد المؤسسة العسكرية عن السلطة والنظام السياسي في الدول الغربية الحديثة. ويساهم في تعزيز هذا الانطباع ترسخ مؤسسات المجتمع المدني في هذه الدول وانحسار دور الزعماء العسكريين الذين تبوءوا السلطة في العديد من الدول الغربية الرئيسية بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن بإلقاء نظرة فاحصة علي هذه الدول يتبين لنا أنها تشهد تدخلا واضحا ونفوذا متزايدا من قبل القوات المسلحة في السلطة السياسية بصورة مباشرة أو عبر ممثليها أو حلفائها في المجمع الصناعي الحربي الذي يحتل مرتبة الصدارة في توجيه الاستراتيجية العالمية لهذه الدول ومثال الولايات المتحدة الأمريكية شديد الدلالة علي تعاظم دور ونفوذ المجمع الصناعي الحربي في تعزيز اتجاه إدارة بوش الجمهورية لضمان التفوق العسكري الأمريكي المطلق للولايات المتحدة وفرض الهيمنة والسيطرة علي العالم. لقد أتقن العسكريون وحلفاؤهم السياسيون في العالم الغربي الصناعي اللعبة السياسية الداخلية لدرجة لا يحتاجون معها للقبض علي زمام السلطة السياسية مباشرة وبصورة مكشوفة، ويفضلون البقاء وراء الستار وخلف الواجهة المدنية التي تتحرك وفقا لمشيئتهم. ولقد أضحي الـــكونغرس الأمريكي مضربا للمثل في الارتهان لإرادة المجمع الصناعي الحربي عندما يصوت لزيادة الميزانية العسكرية بصورة دائمة ويضيف عليها اعتمادات جديدة تتجاوز ما يقترحه العسكريون.
سيطرة العقلية الانقلابية
في العمل السياسي العربي

بالطبع يختلف الأمر في العالم العربي غير الصناعي والذي ترعرعت في معظم دوله ـ وبنسب متفاوتة ـ المؤسسة العسكرية في ظل سلطات الانتداب الأجنبي قبل نيل الاستقلال السياسي الشكلي واستمرت المؤسسة في نمط تكوينها وتطورها تعتمد علي خبرات دول الانتداب الفرنسي والبريطاني ولاحقا الأمريكي، ولا تزال النخبة العسكرية تتلقي تعليمها وخبرتها العسكرية في المعاهد الغربية من خلال إرسال البعثات التعليمية والتدريبية إليها.
وشكلت تداعيات الصراع العربي ـ الصهيوني منذ قيام إسرائيل ـ الكيان الوظيفي الاستيطاني ـ في قلب العالم العربي حافزا إضافيا لتعزيز مكانة المؤسسة العسكرية في بلدان خط المواجهة أو حتي البعيدة جغرافيا عنه وبحجج الإعداد لمواجهة المشروع الصهيوني تلقت المؤسسة العسكرية القسط الأوفر من الإنفاق الداخلي كما ذكرنا سالفا. ولم يكن مفاجئا أن تندرج معظم الانقلابات العسكرية التي شهدها العالم العربي في إطار التبرير كردّ علي عجز الحكومات وتخاذلها في مواجهة المشروع الصهيوني، ولا تخلو بيانات الرقم واحد من التعرض لمحاربة للفساد الداخلي والتبعية للأجنبي والخيانة الوطنية والقومية تجاه قضية فلسطين المركزية. لقد نشأت الانقلابات العسكرية أيضا في ظل ترسخ العقلية الانقلابية داخل الأحزاب الثورية بكافة اتجاهاتها العقائدية وبررت اللجوء إلي العمل داخل المؤسسة العسكرية بذرائع مختلفة، ولكن الأمر الجوهري هو انعدام الممارسة الديمقراطية داخلها وعدم إيمانها العميق بحركة الجماهير المنظمة رغم خطابها الدعائي التحريضي الداعي إلي تأطير الجماهير وتوعيتها وتنظيمها في اتحادات ونقابات ومؤسسات. لقد توهمت هذه الأحزاب أن بإمكانها اختصار الطريق الطويل وتحقيق الثورة والتغيير من فوق. ولا شك أن تفضيل هذه الأحزاب والحركات للانقلابات العسكرية علي التحرك الجماهيري والانتفاضة الشعبية يعكس أيضا نزعتها النخبوية التسلطية وافتقارها إلي روح التضحية والاستعداد لتحمل تبعات ومشقات النضال الجماهيري الثوري الذي يستوجب الاستعداد للسجن والتعذيب والنفي وحتي الموت.

سيناريوهات التغيير في المستقبل

يبدو أن الشغف العربي بالعسكريتاريا مغروس في التكوين النفسي والثقافي للفرد في مجتمعاتنا العربية الريفية/الزراعية الطابع أساسا. لقد كان طموح الفتية بأن يصبحوا ضباطا أو طيارين عندما يبلغون، وحتي مع عملية التحديث والتمدن المشوهة للمجتمعات العربية ـ بحيث تحولت إلي مجتمعات مدينية كبري معظمها محاطة بأحزمة البؤس ـ بقيت هذه الطموحات طاغية رغم تحول الناشئة إلي إضافة مهنة المهندس والطبيب وموظف الحكومة إلي قائمة تمنياتهم المستقبلية. وربما ساعد إرث الانتداب الفرنسي والبريطاني العسكري وقبله الحكم العثماني العسكري في ترسيخ حفر صورة مبهرة للبذلة العسكرية والنجوم اللامعة التي ترافقها، وتدافعت هذه الصور عبر الأجيال المتعاقبة تمنح مرتدي البذلة مكانة خاصة تستوجب الاحترام والمهابة وترمز إلي السلطة والنفوذ والامتيازات وتنتزع الإعجاب والاعتزاز. وليس مستغربا في هذه الحالة أن يكون مفهوم النخبة أوالصفوة في المخيلة الشعبية العربية منذ أواسط القرن العشرين قد انحصر بمرتدي البذلة العسكرية اكثر من اقترانه بنخبة الفكر والثقافة والأدب والعلوم والطب والهندسة. وجاءت الانقلابات العسكرية علي أيدي الضباط لتزيد من ترسيخ هذه المخيلة. ولم يتم طرد هذه الانطباعات من الذهنية الجماعية العربية بصورة نهائية رغم فشل أنظمة الانقلابات العسكرية في تحقيق الإنجازات الداخلية التي وعدت بها الجماهير أو تحقيق الكرامة القومية والانتصار علي المشروع الصهيوني.
وليس مستغربا أيضا أن نسمع عن آراء تتردد في أوساط الشارع العربي تفيد بأنه سيتعاطف مع أي تغيير يحصل في العالم العربي حتي لو جاء علي صهوة دبابة، لأن الشارع يتحسر علي غياب الطليعة الحزبية المنظمة القادرة علي إحداث التغيير الثوري ويتألم لتشتتها وهامشية دورها، لكنه أيضا سئم من العجز والإفلاس العربي الرسمي ويرغب في رمي أي حجر من أحجار التغيير في هذه البحيرة العربية الراكدة والآسنة، علّه يجد سبيلا لوقف الانحدار إلي قعر الهاوية، وتذكّره يوميا المجازر الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني بحالة المهانة والإذلال التي يعيشها قوميا واقتصاديا ولا يجد أمامه من يحاول ردع الهجمة الصهيونية الشرسة غير الأجساد الفلسطينية المتفجرة. فبقدر ما يعبر عن سخطه الشديد لاستقالة المؤسسة العسكرية العربية عن الفعل القومي لن يكون مستاء من أي تحرك داخلي تقوم به لإحداث تغييرما في المعادلة الداخلية القائمة رغم تحفظه التقليدي علي تجربتها حتي الآن. قد يتهم البعض هذا الطرح بأنه انسجام مع المشاعر العفوية الجماهيرية وتسويق للتغيير بواسطة الانقلابات العسكرية، ولكن القراءة المتأنية لخريطة القوي السياسية العربية المرشحة لإحداث التغيير في العالم العربي في المرحلة الراهنة تدفع المرء إلي ترجيح احتمالات حدوث موجة جديدة من الانقلابات العسكرية في العشر سنوات القادمة وتستند هذه القراءة إلي الاعتبارات التالية:
ـ لا تزال المؤسسة العسكرية هي الإدارة الأكثر تنظيما وانضباطا وجاهزية بحكم موقعها الرئيسي في الهيكلية التنظيمية للمجتمعات العربية وبقدر ما هي ضامن أكيد واحتياطي حاسم لضبط الوضع الداخلي إلا أنها مرشحة للانقسام وعرضة للتململ الداخلي تحت وطأة مواجهة الأزمة العميقة الاقتصادية والمعيشية المرشحة للإنفجار الوشيك.
ـ عدم حل معظم النظم العربية لمسألة الخلافة والانتقال السلمي للسلطة والغياب المريب حتي الآن لتحديد هوية الرجل الثاني أو الخليف العتيد وعدم رضي وامتعاض المؤسسة العسكرية من إمكانية اللجوء إلي تأسيس حكم وراثي عائلي في العديد من النظم الملكية العسكرية (الجمهورية).
ـ لن تكون الأنظمة الملكية التقليدية بمأمن من تدخلات المؤسسة العسكرية خاصة في ظل أوضاع تنجم عن غياب القيادات التاريخية فيها وتنازع مراكز القوي داخل الأسر الحاكمة علي تركة الحكم وإمكانية لجوء أطراف منها للمؤسسة العسكرية لترجيح كفتها في السيطرة علي الحكم.
ـ سيبقي سلاح الطيران وكبار الضباط فيه المصدر الرئيسي والحاسم لتدخل المؤسسة العسكرية بحكم دوره المميز وتركيبته الفريدة في دول العالم الثالث والإمكانات الواسعة والامتيازات التي يتمتع بها قياسا ببقية فروع القوات المسلحة.
إن الوضع الاستثنائي للمؤسسة العسكرية والأمنية في العديد من البلدان العربية قد يتحول تدريجيا إلي المدخل الطبيعي وربما الوحيد المتاح لهز لأوضاع الرسمية إذا لاحت مؤشرات انهيار النظام وفقدان تماسكه تحت وطأة التحرك الجماهيري الغاضب والقادم من تفاقم الأحوال المعيشية وتفشي البطالة واستمرار توفر صاعق التفجير القومي بعدم التوصل إلي حل عادل ودائم للمسألة القومية المركزية. إن اشتداد الضغوط السياسية والاقتصادية علي الأنظمة العربية التي تعاني من المديونية واستمرار انعكاس النتائج السلبية للكونية/العولمة والركود الاقتصادي العالمي، وارتهان هذه الأنظمة لضوابط وقواعد صندوق النقد الدولي ومتطلباته سيفرض عليها عاجلا أم آجلا البدء باسترجاع العديد من المنافع والخدمات المميزة التي يتلقاها أفراد المؤسسة العسكرية والأمنية من جيشها الاحتياطي من الموظفين العسكريين والمدنيي كما أن الهزات النقدية التي ستنشأ بسبب التضخم وارتفاع أسعار المواد الأساسية وانخفاض القدرة الشرائية وقيمة العملة الوطنية ستؤدي إلي هز صورة الاستقرار وستكون صرخة أفراد المؤسسة العسكرية والأمنية أقوي واندماجهم أسرع في حركة الشارع الجماهيرية خاصة عندما يتعذر علي السلطات إحكام السيطرة علي المؤسسة العسكرية خلال فترة مستديمة من التحرك الشعبي.
ربما يكون هذا السيناريو مغرقا بالتفاؤل حيال إمكانية انتقال المؤسسة العسكرية إلي خيارات بعيدة عن حماية النظام القائم ولكنه يبقي احتمالا واردا يستوجب علي القوي والمنظمات والأحزاب السياسية التي تنشد التغيير الديمقراطي والجذري في العالم العربي أن تدخل في حساباتها الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه المؤسسة العسكرية سلبا أو إيجابا في معركة التغيير وألا تدير ظهرها كليا لقطاع واسع من المجتمع وتصنفه بصورة أبدية في المعسكر العادي. إن عملية إخراج الجيش من المعادلة السياسية الداخلية هي محاولة غير واقعية أو منطقية وعملية الفصل بين الجيش والسلطة والسياسية في العالم العربي ستبقي محاولة لإحلال الرغبات الذاتية مكان الواقع العملي السائد، بانتظار أن يتم إعادة بناء حقيقية وتشكيل مؤسسات المجتمع المدني واعتماد التعددية السياسية والسماح بتشكيل الأحزاب وإصلاح الأنظمة الانتخابية واحترام الحريات والحقوق المدنية.



باحث وإعلامي مهتم بالشؤون السياسية والإستراتيجية مقيم في واشنطن
المصدر جريدة القدس العربى

صقر الخالدية
09/05/2004, 05:00 PM
نقد الذات في سبيل ترتيب البيت السعودي فكريا
2004/04/24


د. الطاهر بن عبد السلام حافظ

ادعو المثقفين السعوديين الي التفكر بعمق في معاني قول الله تعالي: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) (النور ـ 40)، وفي مقتضياتها وآثارها في حياتهم الشخصية والاجتماعية والسياسية! لندرك اننا بحاجة الي إعادة ترتيب البيت السعودي من حيث الفكر بنفس الأهمية التي تشعر الدول العربية بحاجتها الي إعادة ترتيب البيت العربي من حيث العلاقات السياسية. ومن اكثر قضايا بيتنا السعودي اهمية الجيل الذي يهيمن علي مواقع التفكير في السعودية، اذ ينتظر منه الاسهام في تقدم البلاد والحفاظ عليها.
لدينا اليوم عدد كبير من اساتذة الجامعات السعوديين يجوبون طرقاتها واقسامها العلمية بتكويناتهم العقلية والنفسية التي نشأت في عصر البترودولار فختم عليهم بصماته ولم ينج منها الا القليل. وان اردنا نهضة حقيقية بمجتمعنا لا بد ان نتعود علي نقد الذات ونقبله نبراسا للتحرك نحو الأفضل والأسلم. لو فكرنا في سمات عصرنا مليا لأدركنا ان عقول كثير من اساتذة الجامعات السعودية نشأت منذ عمرها المبكر علي الفوضي الفكرية والكسل الذهني والتخاذل النفسي والانهزامية والاتكالية، وهذه من اخطر سمات عصر البترودولار التي اضرت بمجتمعنا ايما ضرر. ويكمن خطره الأكبر في تخديره للعقول الي درجة رفض مجرد التفكير في الانتقاد ودراسة الذات. وهي صفات مضرة حتي للعوام ولكنها مهلكة ان كانت في اساتذة المجتمع. وان احتاج قارئ هذا المقال دليلا علي ذلك فلينظر ماذا يجول في قلبه هذه اللحظة من نفور وفي عقله من رفض واستغناء. تعودنا ان نسمع من معظم الاساتذة والمتعلمين العصريين ان كل شيء علي ما يرام وان ليس بالامكان خير مما كان رغم كل المشاكل من حولهم والتي يعجزون عن ايجاد حلول جذرية لها. وتعودنا في معالجاتنا لقضايانا العلمية والفكرية علي مبادئ عاجزة مثل بكرة يحلها الحلال واحلال البيروقراطية المنهكة محل التفكير المنطقي والتفكير العملي. وفهمنا ان الدبلوماسية في العمل هي مجاراة التيار الفاسد لا بذل الجهد بالحكمة علي اصلاحه. ولم نتعود علي التفكير بعمق والتركيز في الاتجاه الواحد، كما لم نتعود علي التخطيط الدقيق لأن عقولنا لم تتعلم معني الدقة.
فأما الفوضي الفكرية فقد اكتسبها جيل اساتذة جامعاتنا من نشأتهم علي الفوضي الأسرية منذ نعومة اظفارهم، حتي اذا كبر الابن واصبح استاذا اخذ ينظم عاداته شيئا ما ولكنه لا يستطيع ان يغير من الفوضي في غرف فكره، اذ الفكر امر تجريدي لم يتمرس علي نهج التعامل معه، ولن يستطيع من شكلت الفوضي عقله في الصغر ان يخرج من سجن التخبط الفكري. وأما الكسل الذهني فناجم عن أمرين: اولهما توجيه آباء هذا الجيل لأبنائهم (الاساتذة) نحو تأجيل التفكير في الامور التي تطرأ فطريا علي عقولهم في الصغر، وثانيا احاطتهم بمحيط اسري سطحي فلا يرد علي اذهانهم ما يشد خيالهم نحو الامور الاعلي شأنا من حاجاتهم البدائية، ويصل الابن الي مرحلة الشباب وقد كسلت ملكات عقله عن التفكير الجاد حتي اصبح استاذا يبحث عمن يكتب له ابحاثه او يفكر عنه ليقدم اليه افكارا جاهزة وربما احتاج الي من يصوغها عنه. ومن مظاهره كذلك الكسل عن قراءة ما يفيد والاقتصاد علي ما يمتع الشهوات الحسية، والكسل عن الخلوة بالنفس للتفكير مليا في معاني الحياة ومقصدها وفي قضايا المجتمع والامة والانسانية، ومن ثم الكسل عن العمل علي تنفيذ أي افكار ايجابية.
واما التخاذل النفسي فمرجعه الي نشوء هذا الجيل علي الانانية وحب الذات بما يحجب الفرد عن الاقدام والتضحية بملذاته فضلا عن ضروراته في سبيل المجتمع والأمة والحضارة، فيغدو كل واحد منهم وهو يقول امام قضايا الامة: ولماذا اكلف نفسي واتعب نفسي؟ . ولم يدركوا ان هذا قول العوام وليس قول الاساتذة! بل ان الاسلام لا يجيز حتي للعامي ان يكون متخاذلا عن مجتمعه. واما الانهزامية فتتبع التخاذل، اذ يتوجس الاستاذ خيفة من كل ما يضر بمصالحه الخاصة فيتراجع عما يمكن ان يفعله من اجل الناس، او ينهزم امام مشكلة لأنه يراها اكبر من دوره او طاقته. وكم من الاساتذة اليوم من يبقي علي فساد طلابه علميا وفكريا بسبب انهزامه امام علاج المشكلة ويتخاذل عن العلاج بالجراحة اذا احتيج اليها خوفا من الامها! وكم منهم ينهزم انتظارا منه لصلاح النظام التعليمي بنفسه اولا وينظر الي الطالب المدان علميا علي انه ضحية، فيضيف بذلك الي الفساد العلمي والفكري للمجتمع مصائب اخري! وأما الاتكالية فمرجعها الي الترف الذي عاشه هذا الجيل ماديا وفكريا وعاطفيا، وقد أدي هذا الترف الي نمو شعور باللامبالاة و ليحدث ما يحدث ، وحتي ان كان الامر من احتياجاته الشخصية يتوجه عقله الي ان هناك من يؤديها له عنه! ولنعلم ان التوبة من مظاهر الفساد قد تكون سببا في مغفرة ما لحقها من ذنوب ولكنها لا يمكن ان تعيد قوي العقل الذي حباه الله اساسا بنوره ثم انطفأ.
رأينا عبر العقود الخمسة الماضية تركيزا علي الكم لا علي الكيف: كم طالب يتخرج من الجامعات؟ وكم استاذا سعوديا يعين فيها؟ واعتقدنا (ايضا بسبب ظلام الفكر) ان سعودة الكم ستغطي علي سلبيات الكيف المفقود! فأصبح لدينا كم هائل من اساتذة سعوديين لكنهم يخلقون من المشاكل الفكرية والعلمية والاجتماعية والسياسية اكثر مما يحلون. الدولة اليوم تحتاجهم للوقوف الي جوارها في هذه الظروف الخطيرة فلا تجد منهم من يستطيع ان يكون فاعلا حقا الا القليل، وهم يشيرون علي الدولة بأفكار من نفس منطلق سمات الفوضوية والكسل والتخاذل والانهزامية والاتكالية التي نشأوا عليها فتنقلب نصائحهم اضرارا وشرورا. فما هي علاقة كل هذا بقوله تعالي (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) العلاقة مباشرة وقوية! اذ كيف يمكن للمجتمع ان يرجع بالتاريخ القهقري ليعيد تربية الجيل المعاصر علي غير سماته المضرة؟ ولأن الله تعالي يعلم ان من المجتمعات المسلمة من ستفسد مناهجه ويقع في مصائب اجتماعية عامة تعرضه للهلاك فقد جعل عز وجل ابوابا للخروج من هذه المآزق دون الحاجة الي الرجوع بالتاريخ الي الوراء ـ وهو امر مستحيل.
واول فتح الباب ان يقر الاساتذة في انفسهم بوجود سمات العصر الضارة فيهم وان تعتقد قلوبهم بأهمية استبدالها بسمات نبوية يكمن فيها النجاح العقلي الباهر الذي نجح به اسلافهم والذي يمكن لهم ادراكه بوضوح اذا قارنوا انفسهم بسمات اساتذة الأمة من قبل سواء في علوم الاسلام او في علوم اللغة والطب والفلسفة والكيمياء والرياضيات وغيرها. كلهم اشتركوا في صفة نور الحكمة الإلهية فاشتركوا في سمات صفاء الفكر والنظام والدقة والعزيمة والاقدام والتضحية والعالمية والاعتماد علي النفس، وفهموا حقيقة معني ان كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الاجسام ، وليس ان كانت الشهوات كبيرة كما يفهمها كثير منهم اليوم. فاذا تمكن الاساتذة من فتح الباب بهذا، استطاعوا ان يعيدوا تكوين عقولهم ونفوسهم بما يضيئه نور الله تعالي الذي يمنحه تعالي لمن يطلبه بصدق، فنور العقل اساسا من نور الله، ولكن البيئة تظلم نور العقل احيانا فيسير في غرف الفكر كما يسير الاعمي في غرف قصر مظلم سرعان ما تهلكه مداخله ومخارجه. ولا يمكن للعقل البشري ان يري خيرا حتي لنفسه الا بنور الله تعالي، وهذه الآية الكريمة صريحة في حصر النور في اعطاء الله له، وفي هذا السياق يفهم قول رسول الله صلي الله عليه وسلم (اللهم لا تكلنا الي انفسنا طرفة عين). أما المستغني عنه والمكتفي بعقله فليس له من نور يري به، ومشورته لا تقدم لمجتمعه خيرا بل تقدم خداعا حتي ان ما يراه خيرا يتحول فجأة الي مشكلة اخري او يخرق منفذا آخر للأعداء المتربصين. فأين عقول الاساتذة السعوديين عن قضايا الأمة الخطيرة؟ أين منتجاتهم الفكرية وجهودهم العملية عن تفشي ضعف الايمان بالله؟ وعن استبدال الحياة النبوية بالحياة الغربية الكافرة؟ وعن انحطاط التعليم حتي غدت الجامعات تخرج ثيرانا معممة؟ وعن انحلال الشباب وتدهور الاسرة؟ وعن تمرد المرأة وتسيب الرجل؟ وعن انتشار الرذيلة وتراجع الفضيلة؟ وعن تطرف الافكار والعواطف حتي اصابنا الارهاب الذي كنا نشاهده في غيرنا؟ وعن تفشي الشذوذ؟ والفساد الاخلاقي والاداري؟ وعن اختراق الاعداء للمجتمع؟ وعن الالحاد المغلف بالعصرنة والحداثة؟ وعن التشكيك في ماهية الاسلام ـ حتي اختلط المعتدل بالمتطرف؟ وعن فتن حقوق الانسان و حرية المرأة و الديمقراطية ، وغير ذلك كثير من القضايا الفكرية المصيرية يتركها الاساتذة السعوديون لغيرهم يفتون فيها بأهوائهم الفاسدة بينما هم يقبعون في دهاليز السلبية الباردة... فلا بد ايها الاخوة الكرماء من وقفة ناقدة جادة بدلا من المكابرة التي تهزم صاحبها.. وخير لنا ان نعيد حساباتنا قبل ان يزحف الغير علينا ليرينا مهالك هذه السمات السلبية التي تكون شخصياتنا.. ومن صدق الله في الطلب صدقه في العطاء.

ہ كاتب من السعودية


المصدر القدس العربى

صقر الخالدية
10/05/2004, 04:58 PM
د. فيصل القاسم: سامحكم الله يا آباءنا الطيبين
الاثنين 10 مايو 2004 05:41

آه كم فكرت برفع دعوى قضائية مجلجلة ضد والدي سامحه الله! آه كم خطرت على بالي ملاحقته وجرجرته في المحاكم والحصول منه على تعويضات لها أول وليس لها آخر. آه كم فكرت بالانتقام منه بشتى الوسائل كما انتقم منا في صغرنا وزرع في نفوسنا قيماً وخصالاً وفضائل بائدة أكل عليها الدهر وشرب وعادات مندثرة لا تناسب العصر الذي نعيش فيه هذه الأيام بأي حال من الأحوال. آه كم جنيتم علينا يا آباءنا الأعزاء! آه كم كنتم مخطئين وبريئين! آه كم أضعتم من أعماركم ووقتكم وأنتم تحاولون أن تغرسوا فينا الأخلاق الحميدة والقيم الإنسانية الطيبة التي لا محل لها لا من الإعراب ولا من الصرف في هذا الزمان العربي القبيح! آه وألف آه! لا شك أنكم "خجلانون" منا و"مكسوفون" أعلى درجات الكسوف لأنكم أخطأتم في تربيتنا. لماذا يا آباءنا الطيبين لم تقرؤوا كتاب "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" للمصلح العظيم عبد الرحمن الكواكبي كي تتعلموا منه كيف تربون أولادكم كي يستطيعوا العيش في عصور الطغيان والفساد العربية اللاحقة؟ لو فعلتم ذلك لما كنتم نادمين الآن على ما صنعت أياديكم بأبنائكم المساكين.
يقول الكواكبي في الفصل المعنون "الاستبداد والتربية" في كتابه المذكور الشهير : " إن الاستبداد المشؤوم يسطو على النفوس فيفسد الأخلاق ويضغط على العقول... وبناء عليه تكون التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، فكل ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته... فالاستبداد ريح صرصر فيه إعصار يجعل الإنسان كل ساعة في شأن، وهو مفسد للدين في أهم قسميه، أي الأخلاق. وأما العبادات منه فلا يمسها، لأنها تلائمه في الأكثر، ولهذا تبقى الأديان، في الأمم المأسورة، عبارة عن عبادات مجردة صارت عادات، فلا تفيد في تطهير النفوس شيئاً، فلا تنهي عن فحشاء ولا منكر، وذلك لفقد الإخلاص فيها، تبعا لفقدها في النفوس التي ألفت أن تلتجئ وتتلوى بين يدي سطوة الاستبداد في زوايا الكذب والرياء والخداع والنفاق، ولهذا لا يُستغرب في الأسير الأليف في تلك الحال أن يستعمل كل هذه الرذائل أيضا مع ربه ومع أمه وأبيه ومع قومه وجنسه وحتى مع نفسه". بعبارة أخرى فإذا أردت أن تعيش سعيداً في زمن الاستبداد فعليك أن تكون كذاباً ومرائياً ومخادعاً ومنافقاً وغداراً من الطراز الأول. آه يا آباءنا لماذا لم تستبقوا هذا الزمن العربي المنحط وتعلمـوّنا طبائع الغدر والخداع وبيع الضمير كي تسّهلوا علينا مهمة العيش لاحقاً بسهولة ويسر! هل كنتم تريدون أن تعذبونا؟ فقد كادت جهودكم أن تضيع سُدىً! اسمعوا ما يقوله الكواكبي:
"الاستبداد يُضطر الناس إلى إباحة الكذب والتحايل والخداع والنفاق والتذلل ومراغمة الحس وإماتة النفس إلى آخره، وينتج من ذلك أنه يربي الناس على هذه الخصال. بناء عليه، يرى الآباء أن تعبهم في تربية الأبناء، التربية الأولى، لا بد أن يذهب يوماً عبثاً تحت أرجل تربية الاستبداد، كما ذهبت قبلها تربية آبائهم لهم سدى. ثم أن عبيد السلطة التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم، ولا هم آمنون على أنهم يربون أولادهم لهم، بل هم يربون أنعاما للمستبدين وأعواناً لهم عليهم. وفي الحقيقة إن الأولاد في عهد الاستبداد سلاسل من حديد يرتبط الآباء بهم على أوتاد الظلم والهوان والخوف والتضييق، فالتوالد من حيث هو، زمن الاستبداد، حمق، والاعتناء بالتربية حمق مضاعف". اسمعوا جيداً يا آباءنا الأقدمين واتعظوا: "لماذا يتحمل الآباء مشاق التربية؟ فهم إن نوّروا أولادهم جنوا عليهم بتقوية إحساسهم فيزيدونهم شقاء، ويزيدونهم بلاء، ولهذا لا غرو أن يختار الآباء الذين فيهم بقية من الإدراك ترك أولادهم هُملاً تجرفهم البلاهة إلى حيث تشاء". لا شك أن ضميركم بدأ يؤنبكم بقوة يا آباءنا المساكين. لماذا لم تتركوا أولادكم "هُملاً" بلا أخلاق وضمير؟ لماذا ربيتموهم على الغيرة والحمية ونصرة المظلوم وقول الحق حتى لو أدى ذلك إلى قطع رقبتهم وأرزاقهم؟ لماذا، لماذا؟ لماذا لم تعلمونا أن نكون سميكي الجلد وفاقدي الإحساس وعديمي الوفاء؟ لماذا لم تعلمونا أن نجابه التجبـّر بالتذلل والتصاغر؟ لماذا لم تعلمونا مجابهة الشدة بالتلاين والمطاولة؟ لماذا لم تعلمونا التصامم عن سماع ما يُحكى عنا والتظاهر بفقد الحس؟ لماذا لم تعلمونا ستر العلم بالتجاهل والعقل بالتباله؟
لماذا لم تنتبهوا يا آباءنا الأكرمين إلى أن التربية الصحيحة غير "مقصودة ولا مقدور عليها في ظلال الاستبداد"؟ وحسبُ الآباء أن يزرعوا الخوف في قلوب أبنائهم من "شر الظالمين"، وهذا النوع من التربية يستلزم "انخلاع القلوب لا تزكية النفوس". هل تعلموا يا آباءنا أن أنظمتنا العربية قد وضعت سياسات إفساد منظم لحكم المجتمعات العربية، والويل كل الويل لمن لا يسير على هديها؟ هل علمتم أن النظام العربي الفاسد لا يستطيع العيش في مجتمع فاضل، وبالتالي كان لا بد له من إفساد المجتمع حتى يتمكن النظام من الاستمرار؟ لماذا غابت عنكم يا آباءنا حقيقة أن أولادكم مقبلون على عالم متخم بالوساخة والقذارة بكافة أشكالها؟ وطوبى لمن أتقن فن المداهنة والقوادة واللف والدوران والتضرع والخنوع وتخريب بيوت الناس والسمسرة ولعق الأحذية والطعن في الخلف وحفر الحفر لأخوته وتدبير الخوازيق وتأليف التقارير وامتهان التزوير وأكل الحرام وهتك أعراض الأنام وسرقة أموال اليتامى والمساكين والوشاية بأقرب المقربين والانقلاب على النازلين والصعود مع الصاعدين وبيع الأقربين بحفنة من تين!

آه يا لو تعلمون يا آباءنا المخدوعين كم يعاني أولادكم الذين انطلت عليهم الخصال الحميدة والأخلاق الإنسانية النبيلة! لقد انقلبت القيم ليصبح الخيّرون مُدانين والأوغاد واللصوص هم الشرفاء الميامين. ألا تعلمون أن شعار مجتمعاتنا العربية غير المعلن غدا: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف؟ فالمعروف أصبح جزاؤه في عصرنا الراهن أحياناً، للأسف الشديد، نكران الجميل. آه لو استمع أبناءكم إلى النصيحة الذهبية: "اتق شر من أحسنت إليه". فكم من أعمال الخير ذهبت أدراج الرياح لدى أناس تربوا على السفالة والنذالة وخيانة الخبز والملح. آه يا زمن الخيانات الصغيرة والكبيرة! لقد انقلبت الموازين، ومحظوظ كل من يُعطي ضميره إجازة مفتوحة كي يستطيع التأقلم مع زماننا اللعين.
لكن لا تحزنوا يا آباءنا الورعين ولا تندبوا حظكم العاثر المسكين! صحيح أن المعيشة البشرية في عهود الاستبداد "محض نماء يشبه نماء الأشجار الطبيعية في الغابات والأحراج يسطو عليها الحرق والغرق وتحطمها العواصف والأيدي القواصف، ويتصرف في جذوعها وفروعها الفأس الأعمى، فتعيش تحت رحمة الحطابين". إلا أن الكواكبي لم يكن متشائماً تماماً، فظل يحدوه أمل بانتصار الخير على الشر في النفس البشرية، ففي الوقت الذي يعترف فيه بأن الحياة الإنسانية في زمن الطغيان تبقى تحت رحمة الصدفة، إلا أنها برأيه قد "تعوَّج أو تستقيم، تثمر أو تعقم". بعبارة أخرى فإمكانية الاستقامة والإثمار تبقى قائمة رغما عن أنوف المستبدين والمتلاعبين بمصائر الشعوب وضمائرها وأخلاقها. وهناك مثل شعبي بسيط يقول: لو "خليّت بليّت"، أي أن الدنيا لن تخلوا أبداً من الناس الخيرين والطيبين، "وبفضل نفس صالحة واحدة تعمر جزيرة" كما يقول أهلنا البسطاء. ولهذا أحضكم يا آباءنا ألا تقعوا فريسة للندم والقنوط وأطمئنكم أننا سنبقى أوفياء لتعاليمكم الطيبة وموضتكم الأخلاقية المندثرة مهما عضنا الزمن، فلن نعلم أبناءنا ألا يسعفوا جريحاً أو يغيثوا ملهوفاً أو يطعموا جائعاً أو يروا ظمأ عطشان أو يساعدوا محتاجاً أو يدافعوا عن مظلوم أو يناصروا قضايا الشعوب المغبونة حتى لو كان فيها الكثير من السفلة والغدارين والأنذال والساقطين!

جريدة الشرق القطرية

صقر الخالدية
17/05/2004, 06:52 PM
ارهاصات نسائية خليجية وصناجة لغوية واقعية
2004/05/15


أنور القاسم

في الخليج العربي حراك صحي أنثوي هذه الأيام غير مسبوق، فأينما وليت ناظريك تري في وسائل الاعلام والتلفزات برامج وندوات ونشاطات نسائية مبرمجة، بدأت تطل علي استحياء تنشد دوراً حقيقياً أشمل وأفعل لمرأة تستحق ان تواكب ترائبها في المجتمعات الحديثة.
وقد شدني في هذه البرامج نقاش شيق عرضته محطة عُمان الفضائية عنوانه سنعمل استضاف سيدات خليجيات مسؤولات، استفاض في الحديث عن هموم وحاجات وتطلعات المرأة العُمانية خاصة والخليجية عامة، سابراً أعماق الوهاد التي ما زالت تغفو بها.
البرنامج يحاول تشجيع ودفع الفتيات الخليجيات لخوض غمار التعلم بكافة مشاربه والتأهيل في حقول العمل، الذي تتطلبه الحياة المعاصرة.
وقد دعا من خلال محاوريه أرباب المنازل للسماح للبنات بالتدرب والتأهيل خارج المنزل والمساهمة بنسيج المجتمعات الحديثة. وطالبت السيدة شكور بنت محمد الغماري الاباء والازواج بالتوقف عن التعفف من ارسال النساء الي حقول الانتاج.
واكدت السيدة ميمونة بنت عبد الله السرواري، وهي احدي المشاركات ايضا علي ضرورة انشاء واطلاق برامج تلفزيونية خليجية مشتركة لتوعية السيدات بأهمية العمل والاعتماد علي النفس لرفد حراك المجتمع ونهوضه، وبرامج اخري لتوعية أولياء الامور لحثهم علي اعطاء الفرص والدعم المالي والفني والمعنوي للنساء المترددات.
وتأتي هذه البرامج في الوقت الذي حققت المرأة العربية الخليجية بعض المكاسب السياسية علي مدي الاعوام القليلة الماضية، حيث باتت تشارك في مجالس الشوري والادارات وحتي الوزارات، فهناك نساء يمارسن حقوقهن في الحياة السياسية، كما هو الحال في عُمان او الانتخابات البلدية كما في قطر، تصويتا وترشيحا. وهناك النهوض والانفتاح اللذان تختبرهما الامارات والسعودية، لكن بتؤدة وهدوء واللذان كانا سرابا قبل اعوام فقط.
لكن هذه الحقوق لم يكن طريقها مفروشا بالورود ففي الكويت مثلا حينما صدر مرسوم اميري باعطاء المرأة حقها في الترشيح والتصويت قبل عام اثار موجة عارمة لدي المعارضة في الاوساط الاسلامية مما ادي لاجهاضه.
ومن اللافت مسارعة وسائط الاعلام، وخاصة الفضائية منها لتغطية هذا الحراك النسائي الخليجي ومتابعته، فقد شاهدنا كيف نقلت فضائيات الخليج مؤتمر نساء الاعمال السعوديات في مدينة جدة، والذي لاقي استحسانا، والمؤتمرات شبه الشهرية التي تعج بها دول الخليج العربية وترعاها سيدات المجتمع من اميرات وشيخات فاضلات.
وقد ارتقت مستويات هذه البرامج التلفزية، التي اخذت تنأي عن تقديم المرأة بين افراطين، اي اما هي قطعة هامة من اثاث المنزل او باربي للمتعة والاغواء.
الا ان واقع المرأة الخليجية ما زال يتنازعه تياران، تيار تحرري وآخر متزمت، وتحاول هذه البرامج ايجاد مكان للمرأة بينهما يتصف بالاعتدال والوسطية.
واذا ألقينا بعض تبعات تخلف واقع المرأة الخليجية مقارنة بالرجل علي المجتمع والتقاليد وبعض الآراء الدينية، التي تُستغل لمنع المرأة من الانتخابات والترشيح فان الامر الذي لا يقل أهمية هو عدم نضوج الجمعيات النسائية وغيابها احيانا كثيرة، كما هو حال جمعيات المرأة في البلاد العربية.
فتحسين واقع المرأة وتطويره ما زال يحتاجان قرارا سياسيا، ولم يكونا نتيجة تدرج في مطالب ومثابرة الجمعيات النسائية والاهلية والمجتمع المدني في نيل الحقوق، كما هو واقع الحال في المجتمعات التي تقدمت بهذا المضمار.
وربما نحن بحاجة اولا لنضج الوعي الاجتماعي والسياسي لدي الرجل قبل المرأة، فبهما ينتصر المجتمع علي العادات الباليات والمشكلات التي تواجه مجتمعاتنا الحديثة، فالمرأة العربية اشتركت عبر تاريخها في البيعة السياسية وفي الدفاع وفي المشورة وفي اختيار الخليفة الراشدي.
واي تخطيط واستثمار للمستقبل مرتبط ومرهون كليا بنصف المجتمع المغيب وغير ذلك انحراف عن مسار التنمية الحقيقية والتقدم وتأجيل للمؤجل.
فالمرأة العربية عموما كما يراها الراحل نزار قباني في برنامج قديم اعادت بثه فضائية تونس ليلة الجمعة ما زالت مواطنة من الدرجة الثانية. وقد رحل شاعر الانثي وهو يؤكد انه لا يقيم حدا جغرافيا بين المرأة والرجل، فالمرأة وطن قبل كل شيء.
وحان للمرأة العربية أينما كانت وحيثما وجدت ان تتحرر ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، فالوطن الذي يُهمل المرأة وطن مُستعمَر.

Mi Lebanon تيئبريني أبوشي

اتسعت أحداق صبايا تلفزيون الواقع علي وسعها وقد باغتهن مذيع آل. بي. سي الوسيم، الذي اختير لتدريسهن اصول النطق باللغة العربية سائلا اياهن تشكيل وقراءة بيت الشعر الجميل التالي، وتحديد الحروف المرققة والحروف المفخمة:
حاملُ الهوي تعبُ يستخفهُ الطربُ
إن بكي يحقُ له ليس ما به لعبُ
وتفرفطت الصبايا وتاهت ألسنتهن، فبدّلن كلمتي يستخفه الطرب بـ يستحقه التَرب وإن بكي يحقُ له الي يحكُ له. انتفض مدرس الضاد متذمرا، وقال: رجاء رجاء يا صبايا اللغة جمال وأناقة، ولفظـها صحيحا موسيقي.. ألم تسمعن بأن في اللغة أحرفا شمسية واخري قمرية.. فأنا لا اطلب منكنْ إلا اتقان لغة بسيطة وصحيحة. ودار حوار مطول حول اللفظ واللغة وتأثيرها علي المستمعين والمشاهدين.
وصحح لهن نطقهن بأن القول يستقيم بقول: قررت وليس أررت والقصة وليس الايصة ودنيا وليس دنيي ولا تقل وليس لا تكل والقوافي وليس الكوافي والافق وليس الافك .
ثم طالبهن بترديد بيت الشعر التالي بلغة صحيحة ومخارج صوتية سليمة: تعبجينَ من سقمِي صحتي هي العجبُ
فردد معظمهن: تعجبين من صقمي و سِحتي هي العجب، فيما سألت احداهن: شو يعني صقمي؟ فطالبهن أن يشددن حناكهن قليلا. وخرس الكلام حينما نطق كلمة تتبوأ فوقعت علي اسماعهن كالصاعقة، متسائلات شو بتعني .
وفيما هو منفتح كليا علي تفاصيل ومنعرجات اللغة كانت الصبايا سارحات شاردات مع اغاني عالي عالي بابا Uh baby.. baby و let us go party. ولست احسده علي نتائج دروسه هذه بل لوجوده بينهن يئبروني ابوشي .
وهذا البرنامج الذي احتل مكانه بجدارة في السابع من الشهر الحالي علي شاشة ستار اكاديمي والذي تبثه محطة LBC1 الذي ستناط به مهمة انتخاب ملكة جمال لبنان من هؤلاء الصبايا الست عشرة متبارية، اللواتي تتراوح اعمارهن ما بين 18 و24 عاما وقد اصطفين من بين ألف متقدمة.
وخصص للمتباريات الفاتنات الدلوعات شفافات الروح واللباس بناء زهري انثوي منعزل، يمضين فيه فترة اقامتهن التي تستمر ستة عشر اسبوعا متتاليا يمارسن فيها حياتهن اليومية بخفاياها وسجاياها، حيث ترصد حركاتهن وانفاسهن وسكناتهن كاميرات التصوير، مما يسمح لملايين المشاهدين بالتلصص والفرجة لساعات طوال علي مسلسل انثوي خالص، نصه مرتجل ومستقي من التفاصيل الحميمة جدا كما المملة علي مدار الساعة لبنات يعبرن عن مشكلاتهن وآمالهن وامانيهن ودلعهن ايضا.
وتتلقي هؤلاء الحوريات دورات في تابلوهات الرقص والازياء واللغات والسياحة والارشاد والمعلومات العامة.
وفيما تعتبره نسبة واسعة من المشاهدين مسليا ومشوقا، وجذابا، تجده شريحة اخري مضيعة للوقت وسخيفا بل ورتيبا ايضا.. وبينهما مشاهد انبهر للفكرة المستقدمة من اوروبا، في اشتهاء للجديد، والتي مثلت لديه انقلابا ابيض علي تقليدية المحطات العربية ومنهجيتها المملة.
والجانب الخفي في البرنامج هو تلك الصيغة العبقرية في ابتزاز المشاهدين من خلال التصويت لصالح مشتركة دون غيرها علي ارقام ظاهرة بأناقة علي مدار 24 ساعة، فقد حقق وصيفه برنامج ستار أكاديمي العربي ريعا بالملايين لم يصرح عنها بعد، فيما حقق Star Academy الفرنسي 120 مليون يورو. وهكذا فان التحالف بين أصحاب رؤوس الاموال والتلفزيونات بات امرا مسلما به ضمن معادلة السيطرة والربح.
وهي برامج ـ مهما قيل فيها ـ علي كل حال تروي لدي المشاهد عطشا مزمنا للمشاركة في القرار وحق تقرير المصير في مجتمع يمر بمرحلة قاسية جدا تشهد انهيار المشاريع الكبري، مما يدفع المشاهد المقهور للانطواء والانكفاء علي ذاته، هاربا الي الجانب الانساني والفني ليصنع من ممثليه الحقيقيين ابطالا في الحياة العامة بعد ان طال المطال وعز وجود الابطال.

كاتب من أسرة القدس العربي
المصدر القدس العربى

صقر الخالدية
20/05/2004, 02:22 PM
الانسلاخ من لغة القرآن الكريم
أنور بن محمد الرواس
باحث وأكاديمي ــ جامعة السلطان قابوس

كنت أحسب ان الذين يحملون درجات علمية عليا أحرص على الحفاظ على ثقافتنا وهويتنا من غيرهم في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة بسبب منظومة العولمة وتداخل الثقافات.
وكنت أحسب ان الذين يعملون في مواقع اقتصادية ومالية لديهم الحرص الكافي على تفعيل لغتنا العربية بين بعضهم البعض، ولكنني اكتشفت ومعي الكثيرون ممن لم تسمع أصواتهم بأن هناك تحركا خفيا يزحف بقوة للقضاء على ما تبقى من لغة القرآن الكريم أبطالها للأسف الشديد هم عرب أبناء حضارة عريقة.
ومما يدعو للاستغراب ان وسيلة التخاطب بين الأعضاء العمانيين في المجلس الأكاديمي بجامعة السلطان قابوس منذ افتتاحها في عام 1986 ولغاية يومنا هذا هي اللغة الانجليزية. ولا يقتصر الأمر على الأكاديميين العمانيين فحسب، فهناك الموظفون العمانيون في المصارف المحلية الذين يدفعون باللغة العربية الى طريق الهاوية والتمسك بما هو أبعد من ذلك من خلال فرض ثقافات جديدة على المجتمع العماني باستخدام لغات جديدة يفضلها هؤلاء كوسيلة تخاطب بين بعضهم البعض وهي اللغة السواحلية، واللغة القادمة من شبه القارة الهندية، عجيب أمر هؤلاء العمانيين الذين يفضلون لغات أخرى على لغتهم وهم الأكثر تقديسا واعتناقا وتمسكا بلغة القرآن الكريم.
إننا مصدومون من فلتان هؤلاء في تغريب الذات والعمل بطريقة منظمة على طمس الهوية الثقافية العربية بحجة ان العالم المتحضر يتجه الى تبني لغة عالمية لا مكان لمن لا يعتنق هذه اللغة ما لم ننسلخ من لغة القرآن، أمّا الأممُ الأخرى فنراها ترتقي سلّمَ التقدّم ومعها لغتها يقيناً منها انّ اللغة هي مفتاح التقدّم وشخصيّة الأمّة، ولا ينجح التقدّم مع الانسلاخ عن اللغة، لأنّ التقدّم لن يتأصّل في حياة الأمّة بلسانٍ غير لسانها مع ضعفها وزهدها بتراثها.وما هو أخطر على اللغة العربية في وقتنا الحاضر هو ان بعض الأكاديميين العمانيين وبعض العاملين في المجال المصرفي من أبناء هذا البلد يتبنون طرح التغريب ويروجون له بطريقة علنية للقضاء على اللغة العربية جملة وتفصيلا. والقارئ الفطن يستطيع ان يرى حقيقة مشهد انسلاخ مجموعة من الرموز العلمية والمالية وهم يحاولون تغيير ملامح ثقافتنا بطريقة مشينة تبعدهم عن جادة الطريق إكراما للغير وتحقيقا لرغبات مروجي العولمة دون الحاجة الى توجيه رسالة مكتوبة للقيام بذلك. وتحضرني في هذا الصدد مقولة للرئيس الفرنسي جاك شيراك بقوله "لن نكون عربا أكثر من العرب أنفسهم" في اشارة الى ان العرب باستطاعتهم فرض ثقافتهم بصورة حضارية مستمدة من روحانية القرآن الكريم.
وعلينا ان ننظر الى هذا الموضوع الخطير بجدية الحريص على مستقبل هويتنا، وان لا يمر مرور الكرام وكأنه نتاج طبيعي تمليه المتغيرات الدولية، فمن يظن نفسه أنه مدرك لمتطلبات العولمة باعتبارها الخلاص من التقوقع والتقليد، فإدراكه في حدود ضيقة وهو في غفلة من أمره وعليه ان يعيد حساباته. فعلى الرغم من ان العولمة تحمل جوانب مضيئة، الا أنها تحمل سموماً كثيرةً أهمها طمس الهوية الثقافية لكافة الشعوب، ولقد وجدت قلة ممن يدعون العلم وأصحاب الثقافة السطحية يقومون بترويج ثقافة العولمة بأسلوب هادئ دون الحاجة الى فرضها بالقوة على حضارة الشعوب. لقد تنبه العقلاء من العرب الأصيلين الى ان الخطر الحقيقي ليس ممن يروج للعولمة من الخارج، ولكن الخطر المحدق منبعه أساسا من بعض العرب الذين يظنون أنفسهم بأنهم وصلوا الى أعلى درجات الفهم والادراك في تغيير منظومة الثقافة التقليدية التي لا تستند الا الى واقع سحيق ساهم في تأخير العرب عن الوصول الى مصاف الدول المتقدمة.
واذا كانت هذه حسابات مروجي العولمة فهي حسابات خاطئة ولا يعتد بها، فالثقافة العربية التي تستمد قوتها وعطاءها من لغة القرآن الكريم، فهي لغة راقية وعظيمة بعظمة القرآن الذي قال عنه رب العزة والجلال (انّا أنزلناه قرآنا عربيّا لعلكم تعقلون)، وفي آية أخرى (قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون)، وفي أخرى (انّا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)، وقال تعالى عنه في محكم كتابه (انّا نحن نزلنا الذكر وانّا له لحافظون). فاللغة العربية ليست بحاجة الى هؤلاء الذين يروجون لثقافة الغير بقصد أو بغير قصد، ولن تثنينا عزائمنا عن اغلاق المنافذ على هؤلاء، وفتح ملفات مشكلة العمانيين مع اللغة العربية كقضية وطنية حان الوقت لمناقشتها لإنقاذ ما يمكن انقاذه من خلال التجاوزات المستمرة لهؤلاء، حفاظا على ثقافتنا وهويتنا، وان يعاد النظر في السياسات والآليات التي ينتهجها المسؤولون في جامعاتنا ومدارسنا والمؤسسات الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص وتحديدا المصارف المحلية دون خوف أو استحياء وان يقف الجميع موقفا موحدا من خطر طمس الهوية، و الا سوف يستشري هذا المرض السرطاني بطريقة سريعة وساعتها نفقد كل شيء، والساكت عن الحق شيطان أخرس.
وما نقصده من طرح أزمة اللغة العربية في مؤسساتنا الرسمية والخاصة للنقاش هو بمثابة جرس انذار هدفه الحفاظ على هويتنا من الانهيار التدريجي في ظل متغيرات العصر الذي تسيطر عليه اللغة الانجليزية وتفشي جنون العظمة بهذه اللغة التي فضلها بعض الناس على لغتهم العربية، بل وامتد الأمر بهم الى ما هو أخطر من ذلك وهو ان تتبنى الأسر العمانية لغة الخواجة في تربية أبنائهم وكأنها المنقذ من ويلات التخلف، مع العلم ان أرباب هذه الأسر تجهل حقيقة ان اللغة العربية هي مفتاح نجاح أبنائهم ووصولهم الى مستويات عالية في العلم والوظيفة. اننا أمام معضلة كبيرة، وعلينا جميعا ان نواجه أخطاءنا بشجاعة الحريص على تماسك اللغة العربية من الفلتان غير المبرر في عصر نحن في أشد الحاجة الى لغة القرآن من أي وقت مضى. اللهم اني بلغت اللهم فأشهد..

صقر الخالدية
22/05/2004, 05:00 PM
الكرة والسياسة
2004/05/19

محمد كريشان
صفر يا عالم ... هكذا صرخت بحرقة جريدة الأخبار القاهرية بعد خروج مصر بخفي حنين من تصويت تنظيم نهائيات كأس العالم 2010، وهكذا يفترض أن تعنون الصحف اللــيبية دون مكابرة وكذلك التونسية بعيدا عن التذرع بالانسحاب في آخر لحظة!!
تصويت أعضاء اللجنة التنفيذية للاتحاد الدولي لكرة القدم والذي توج باستضافة جنوب افريقيا لأكبر تظاهرة كروية عالمية بعد ست سنوات، والذي خرجت منه المغرب بنتيجة مشرفة، مناسبة يفترض أن يقف عندها كثيرون في هذه الدول العربية الإفريقية للتمعن في أسباب هذه الخيبة المتفاوتة الإيلام من بلد إلي آخر عسي أن تكون العبر الكروية سياسية أيضا:
ـ مصر هي الخاسر الأكبر وما أصابها يـُــعد فعلا، مثلما قـــالت جريدة الأهرام ، أقرب إلي الكارثة التي تستوجب تحقيقا واسع النطاق لإقصاء كل المسؤولين عن المهزلة ذلك أنه لم يكن مناسبا بالمرة أن تدخل مصر السبـاق وهي تمني النفس بالظفر مستقوية بما تراه عراقة التاريخ ورصيد البلد السياحي المفتوح والمكانة السياسية الرائدة في محيطها العربي والافريقي ثم تخرج خالية الوفاض ولو من صوت واحد يتيم. وبغض النظر عما يمكن أن يكون حمله الملف المصري من هنات رئيسية أو فنية فإنه من الصعب جدا إخراج نتيجة الصفر المجلجل عن تراجع مصر بشكل عام سواء في مكانتها القيادية التقليدية أو حتي لإإبداعاتها الفكرية والفنية فمصر اليوم لم تعد للأسف بــ أم الدنيا التي خبرها العالم والعرب وبالتالي فعندما تسود الرداءة ويعم الفساد كل المجالات من الصعب، بل ومن المستحيل، أن تكون الرياضة حتي بمعناها الحرفي البحت نقطة مضيئة في لوحة قاتمة.
ـ تونس وليبيا دخلتا في شراكة لم تقنع أحدا منذ البداية بل وألقت وبظلال كثيفة من الشك والريبة علي الساعين حقيقة للإستفادة من وراء صيغة لم يكن أحد يحبذ تكرارها بعد تجربة اليابانـ كوريا، ثم إنه لم يكن من الحصافة أصلا التقدم لاحتضان مناسبة دولية بهذه الضخامة فقط من خلال محاولة إقناع العالم بأن تعاون المال اللــيبي مع العقل التونسي سيفرز إعجازا فريدا بعد ست سنوات فقط!! وبعد أن اتضح أن استمرار هذه الشراكة لم يعد واردا فقد كان من المناسب الاقدام علي الانسحاب كليهما ولكن قبل وقت كاف وليس قبل يوم واحد، ولبلد دون الآخر، مع أن الاثنين كان يمكن أن يلعبا معا دورا متميزا في دعم الترشيح المغربي عوض هذا التشويش المجاني عليه.
ـ المغرب خرج مكسور الخاطر في منافسة خاض غمارها أربع مرات من قبل ولن تتاح له مرة أخري قبل أربعة وعشرين عاما أخري غير أن عزاءه الوحيد أنه خسر أمام منافس من الحجم الثقيل كاد أن يقتلع مثل هذا الشرف قبل أربع سنوات أمام ألمانيا. وقد يبدو إصرار الرباط الذي لا يمل علي احتضان كأس العالم أشبه بإصرار أنقرة علي دخول الاتحاد الأوروبي رغم كل العراقيل والمنغصات. وقد يكون من حق المغاربة إبداء العتب الشديد علي كل من ليبيا وتونس شقيقيها في الاتحاد المغاربي لعدم تعاونهما في ترشح كان واضحا أنه الأكثر بينهم جميعا إيفاءا بالشروط المطلوبة.
لا شك بأن اختيار البلد المحتضن لكأس العالم عملية معقدة وتتداخل فيها اعتبارات الشركات الكبري والبزنس وأشياء أخري لكنه ليس خاليا بالمرة من الاعتبارات السياسية المتضمنة لتقدير معين للبلد، من تجربة ديمقراطية وحريات و قداسة المؤسسات دولـــة القانون وشفافية التسيير الاقتصــــــــادي والبعد عن الفساد، أي باختصار الصـــورة الجيدة والصيت الحسن وهو ما تبدو جنوب افريقيا في سياقه الأكثر أهلية خاصة عندما يقترن كل ذلك بنضال أسطوري من أجل التحرر والانعتاق من نير التمييز العنصري بقيادة رجال من طينة نيلسون مانديلا وتابو مبيكي ولكن أين لنا رجال بهذه القامة؟!!


جريدة القدس العربى

صقر الخالدية
23/05/2004, 06:09 PM
ارهاصات نسائية خليجية وصناجة لغوية واقعية
2004/05/15


أنور القاسم

في الخليج العربي حراك صحي أنثوي هذه الأيام غير مسبوق، فأينما وليت ناظريك تري في وسائل الاعلام والتلفزات برامج وندوات ونشاطات نسائية مبرمجة، بدأت تطل علي استحياء تنشد دوراً حقيقياً أشمل وأفعل لمرأة تستحق ان تواكب ترائبها في المجتمعات الحديثة.
وقد شدني في هذه البرامج نقاش شيق عرضته محطة عُمان الفضائية عنوانه سنعمل استضاف سيدات خليجيات مسؤولات، استفاض في الحديث عن هموم وحاجات وتطلعات المرأة العُمانية خاصة والخليجية عامة، سابراً أعماق الوهاد التي ما زالت تغفو بها.
البرنامج يحاول تشجيع ودفع الفتيات الخليجيات لخوض غمار التعلم بكافة مشاربه والتأهيل في حقول العمل، الذي تتطلبه الحياة المعاصرة.
وقد دعا من خلال محاوريه أرباب المنازل للسماح للبنات بالتدرب والتأهيل خارج المنزل والمساهمة بنسيج المجتمعات الحديثة. وطالبت السيدة شكور بنت محمد الغماري الاباء والازواج بالتوقف عن التعفف من ارسال النساء الي حقول الانتاج.
واكدت السيدة ميمونة بنت عبد الله السرواري، وهي احدي المشاركات ايضا علي ضرورة انشاء واطلاق برامج تلفزيونية خليجية مشتركة لتوعية السيدات بأهمية العمل والاعتماد علي النفس لرفد حراك المجتمع ونهوضه، وبرامج اخري لتوعية أولياء الامور لحثهم علي اعطاء الفرص والدعم المالي والفني والمعنوي للنساء المترددات.
وتأتي هذه البرامج في الوقت الذي حققت المرأة العربية الخليجية بعض المكاسب السياسية علي مدي الاعوام القليلة الماضية، حيث باتت تشارك في مجالس الشوري والادارات وحتي الوزارات، فهناك نساء يمارسن حقوقهن في الحياة السياسية، كما هو الحال في عُمان او الانتخابات البلدية كما في قطر، تصويتا وترشيحا. وهناك النهوض والانفتاح اللذان تختبرهما الامارات والسعودية، لكن بتؤدة وهدوء واللذان كانا سرابا قبل اعوام فقط.
لكن هذه الحقوق لم يكن طريقها مفروشا بالورود ففي الكويت مثلا حينما صدر مرسوم اميري باعطاء المرأة حقها في الترشيح والتصويت قبل عام اثار موجة عارمة لدي المعارضة في الاوساط الاسلامية مما ادي لاجهاضه.
ومن اللافت مسارعة وسائط الاعلام، وخاصة الفضائية منها لتغطية هذا الحراك النسائي الخليجي ومتابعته، فقد شاهدنا كيف نقلت فضائيات الخليج مؤتمر نساء الاعمال السعوديات في مدينة جدة، والذي لاقي استحسانا، والمؤتمرات شبه الشهرية التي تعج بها دول الخليج العربية وترعاها سيدات المجتمع من اميرات وشيخات فاضلات.
وقد ارتقت مستويات هذه البرامج التلفزية، التي اخذت تنأي عن تقديم المرأة بين افراطين، اي اما هي قطعة هامة من اثاث المنزل او باربي للمتعة والاغواء.
الا ان واقع المرأة الخليجية ما زال يتنازعه تياران، تيار تحرري وآخر متزمت، وتحاول هذه البرامج ايجاد مكان للمرأة بينهما يتصف بالاعتدال والوسطية.
واذا ألقينا بعض تبعات تخلف واقع المرأة الخليجية مقارنة بالرجل علي المجتمع والتقاليد وبعض الآراء الدينية، التي تُستغل لمنع المرأة من الانتخابات والترشيح فان الامر الذي لا يقل أهمية هو عدم نضوج الجمعيات النسائية وغيابها احيانا كثيرة، كما هو حال جمعيات المرأة في البلاد العربية.
فتحسين واقع المرأة وتطويره ما زال يحتاجان قرارا سياسيا، ولم يكونا نتيجة تدرج في مطالب ومثابرة الجمعيات النسائية والاهلية والمجتمع المدني في نيل الحقوق، كما هو واقع الحال في المجتمعات التي تقدمت بهذا المضمار.
وربما نحن بحاجة اولا لنضج الوعي الاجتماعي والسياسي لدي الرجل قبل المرأة، فبهما ينتصر المجتمع علي العادات الباليات والمشكلات التي تواجه مجتمعاتنا الحديثة، فالمرأة العربية اشتركت عبر تاريخها في البيعة السياسية وفي الدفاع وفي المشورة وفي اختيار الخليفة الراشدي.
واي تخطيط واستثمار للمستقبل مرتبط ومرهون كليا بنصف المجتمع المغيب وغير ذلك انحراف عن مسار التنمية الحقيقية والتقدم وتأجيل للمؤجل.
فالمرأة العربية عموما كما يراها الراحل نزار قباني في برنامج قديم اعادت بثه فضائية تونس ليلة الجمعة ما زالت مواطنة من الدرجة الثانية. وقد رحل شاعر الانثي وهو يؤكد انه لا يقيم حدا جغرافيا بين المرأة والرجل، فالمرأة وطن قبل كل شيء.
وحان للمرأة العربية أينما كانت وحيثما وجدت ان تتحرر ثقافيا وسياسيا واجتماعيا، فالوطن الذي يُهمل المرأة وطن مُستعمَر.

Mi Lebanon تيئبريني أبوشي

اتسعت أحداق صبايا تلفزيون الواقع علي وسعها وقد باغتهن مذيع آل. بي. سي الوسيم، الذي اختير لتدريسهن اصول النطق باللغة العربية سائلا اياهن تشكيل وقراءة بيت الشعر الجميل التالي، وتحديد الحروف المرققة والحروف المفخمة:
حاملُ الهوي تعبُ يستخفهُ الطربُ
إن بكي يحقُ له ليس ما به لعبُ
وتفرفطت الصبايا وتاهت ألسنتهن، فبدّلن كلمتي يستخفه الطرب بـ يستحقه التَرب وإن بكي يحقُ له الي يحكُ له. انتفض مدرس الضاد متذمرا، وقال: رجاء رجاء يا صبايا اللغة جمال وأناقة، ولفظـها صحيحا موسيقي.. ألم تسمعن بأن في اللغة أحرفا شمسية واخري قمرية.. فأنا لا اطلب منكنْ إلا اتقان لغة بسيطة وصحيحة. ودار حوار مطول حول اللفظ واللغة وتأثيرها علي المستمعين والمشاهدين.
وصحح لهن نطقهن بأن القول يستقيم بقول: قررت وليس أررت والقصة وليس الايصة ودنيا وليس دنيي ولا تقل وليس لا تكل والقوافي وليس الكوافي والافق وليس الافك .
ثم طالبهن بترديد بيت الشعر التالي بلغة صحيحة ومخارج صوتية سليمة: تعبجينَ من سقمِي صحتي هي العجبُ
فردد معظمهن: تعجبين من صقمي و سِحتي هي العجب، فيما سألت احداهن: شو يعني صقمي؟ فطالبهن أن يشددن حناكهن قليلا. وخرس الكلام حينما نطق كلمة تتبوأ فوقعت علي اسماعهن كالصاعقة، متسائلات شو بتعني .
وفيما هو منفتح كليا علي تفاصيل ومنعرجات اللغة كانت الصبايا سارحات شاردات مع اغاني عالي عالي بابا Uh baby.. baby و let us go party. ولست احسده علي نتائج دروسه هذه بل لوجوده بينهن يئبروني ابوشي .
وهذا البرنامج الذي احتل مكانه بجدارة في السابع من الشهر الحالي علي شاشة ستار اكاديمي والذي تبثه محطة LBC1 الذي ستناط به مهمة انتخاب ملكة جمال لبنان من هؤلاء الصبايا الست عشرة متبارية، اللواتي تتراوح اعمارهن ما بين 18 و24 عاما وقد اصطفين من بين ألف متقدمة.
وخصص للمتباريات الفاتنات الدلوعات شفافات الروح واللباس بناء زهري انثوي منعزل، يمضين فيه فترة اقامتهن التي تستمر ستة عشر اسبوعا متتاليا يمارسن فيها حياتهن اليومية بخفاياها وسجاياها، حيث ترصد حركاتهن وانفاسهن وسكناتهن كاميرات التصوير، مما يسمح لملايين المشاهدين بالتلصص والفرجة لساعات طوال علي مسلسل انثوي خالص، نصه مرتجل ومستقي من التفاصيل الحميمة جدا كما المملة علي مدار الساعة لبنات يعبرن عن مشكلاتهن وآمالهن وامانيهن ودلعهن ايضا.
وتتلقي هؤلاء الحوريات دورات في تابلوهات الرقص والازياء واللغات والسياحة والارشاد والمعلومات العامة.
وفيما تعتبره نسبة واسعة من المشاهدين مسليا ومشوقا، وجذابا، تجده شريحة اخري مضيعة للوقت وسخيفا بل ورتيبا ايضا.. وبينهما مشاهد انبهر للفكرة المستقدمة من اوروبا، في اشتهاء للجديد، والتي مثلت لديه انقلابا ابيض علي تقليدية المحطات العربية ومنهجيتها المملة.
والجانب الخفي في البرنامج هو تلك الصيغة العبقرية في ابتزاز المشاهدين من خلال التصويت لصالح مشتركة دون غيرها علي ارقام ظاهرة بأناقة علي مدار 24 ساعة، فقد حقق وصيفه برنامج ستار أكاديمي العربي ريعا بالملايين لم يصرح عنها بعد، فيما حقق Star Academy الفرنسي 120 مليون يورو. وهكذا فان التحالف بين أصحاب رؤوس الاموال والتلفزيونات بات امرا مسلما به ضمن معادلة السيطرة والربح.
وهي برامج ـ مهما قيل فيها ـ علي كل حال تروي لدي المشاهد عطشا مزمنا للمشاركة في القرار وحق تقرير المصير في مجتمع يمر بمرحلة قاسية جدا تشهد انهيار المشاريع الكبري، مما يدفع المشاهد المقهور للانطواء والانكفاء علي ذاته، هاربا الي الجانب الانساني والفني ليصنع من ممثليه الحقيقيين ابطالا في الحياة العامة بعد ان طال المطال وعز وجود الابطال.


كاتب من أسرة القدس العربي

صقر الخالدية
25/05/2004, 06:24 PM
تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة..!
د .عبد العزيز بن عبد الله الدخيل*


أظهرت الانتخابات الأخيرة للهند مفاجأة نادرة في المجتمعات النامية. إذ بالرغم من كل التوقعات فإن الانتخابات البرلمانية أطاحت بالحكومة القائمة لصالح أحزاب المعارضة بقيادة حزب المؤتمر الهندي.
ندرة هذه النتيجة لم تأت فقط من كون أن الشعب الهندي صوت ضد حكومته، بل كذلك من كون أن الحكومة القائمة أذعنت لهذا الصوت ولم تحاول المقاومة بتزييف الانتخابات أو تعطيل النتيجة بشكل أو بآخر خصوصا أن التوقعات كانت لصالحها.
إن الشيء الذي يستحق الإكبار هو أن القيادات السياسية في الهند انخرطت في مجريات اللعبة السياسية بطواعية وانقياد فائقين منذ بداية الاستقلال فلم يحاول أي منها الاستئثار بالسلطة.
لا أعرف الأسباب الدقيقة التي جعلت القيادات الهندية تسير على هذا النحو ولكن لا شك أنه كان للبدايات مع جواهر لال نهرو الدور الأكبر في ذلك، إذ ربما حرص على تجذير قوانين اللعبة السياسية بهدوئه في التعامل مع معارضيه وببناء سلطة سياسية راسخة، بما في ذلك النظام الفيدرالي، أعاقت على مر السنين أي محاولات للخروج من الأطر الرئيسة للعبة السياسية. حتى عندما حاولت ابنته إنديرا غاندي فيما بعد، كما يبدو، الخروج عن نطاق اللعبة السياسية بفرض حالة الطوارئ في البلاد فإنها لم تنجح في ذلك إذ سرعان ما أطيح بحكومتها بمفاجأة مثل التي شاهدناها حديثا. وعندما بدأت الحكومة التي حلت محلها باتخاذ إجراءات ضد القيادات المعارضة، خصوصا إنديرا غاندي، صوت الشعب مرة أخرى ضدها وأرجع إنديرا غاندي إلى الحكم مرة أخرى. فالتأسيس الصحيح لإجراءات السلطة، خصوصا فيما يتعلق بتداولها، مكن الديمقراطية من هذا النجاح الباهر.
ولأن باكستان وبنجلادش لم تمرا بنفس التجربة في البدايات الأولى ومنيتا بقيادات لم تحرص على تخفيف حدة المواقف السياسية والعقائدية، كما فعل نهرو في الهند، بل ربما أذكتها، أصبحت اللعبة السياسية تسير بدون انضباط، خصوصا عندما تدخل الجيش في الصراع على السلطة. فالفهلوة أو الحدة أصبحت الوسيلة السائدة للحكم وللعلاقات بين عناصر السلطة للأسف. إن السبب الرئيس لنجاح الديمقراطية في أي بلد هو حرص قياداته السياسية والثقافية على تخفيف حدة المواقف السياسية، إذ أن المواقف المتطرفة من العناصر المختلفة للسلطة تولد الاستقطاب وتذكي ناره، ولذلك تحرص السلطة المتنورة على مكافحته وتحاول الابتعاد عن التطرف في العلاقة بين عناصر السلطة وفي التعامل مع القضايا المختلفة.
السؤال الآن هو لماذا صوت الشعب الهندي ضد حكومته الحالية بالرغم من النمو الاقتصادي الذي تشهده البلاد؟ هناك لا شك الكثير من التفاصيل التي يمكن أن تفسر هذه المفاجأة، وقد تطرقت صحيفة النيويورك تايمز لبعض منها في مقال لأحد كتابها في 15 مايو الحالي. فبعض هذه التفاصيل يخص السياسات الزراعية الفاشلة لبعض حكومات الولايات المحسوبة على حكومة فاجبايي، خصوصا أن الجفاف الذي أصاب بعض أجزاء الهند في السنوات الأخيرة ضاعف من فشل هذه السياسات. ولكن بدلا من أن تكرس هذه الحكومات جهدها لحل هذه المشاكل اتجهت إلى الاهتمام بمشاريع مثل تقنية المعلومات لا تصل فوائدها بالسرعة الكافية والوضوح الساطع إلى الطبقات الفقيرة التي ما زالت تشكل الأغلبية الفائقة في الهند. وفي العموم فإن النمو الاقتصادي المتسارع الذي تشهده الهند لم تصل نتائجه بعد للغالبية العظمى من الناس بالرغم من تنامي الطبقة الوسطى، فبدت السياسات الحكومية وكأنها تحابي بعض الطبقات على حساب الطبقة الفقيرة. وقد أصاب هذا التباين الأغلبية الفقيرة بالإحباط الذي ترجم في الانتخابات إلى أصوات غاضبة ضد الحكومة وحلفائها، ولم تنج الحكومة الحالية من هذا المصير تمسحات أحزابها اليمينية بالعصبيات الهندوسية، فقرقرات البطون علا صوتها على ضجيج العقائديات. بل أن هذه التمسحات القصيرة النظر دفعت الأقلية المسلمة والأقليات الأخرى إلى التصويت مع المعارضة ولم تنفع الإلهاءات التي حاول رئيس الحكومة تقديمها للأقلية المسلمة خصوصا فيما يتعلق بموضوع مسجد بابري.
ما هو الدرس الذي يمكن الخروج به من هذه التطورات؟
الشيء المؤكد هو أن الحكومة الجديدة لن تستطيع أن تحل المشاكل الاقتصادية الكبيرة في الوقت المتاح قبل الانتخابات القادمة في خلال أربع سنوات. هل يعني هذا أن الشعب سيصوت ضد هذه الحكومة في الانتخابات القادمة، وتتكرر الإطاحات مثلما كان يحدث في إيطاليا وفرنسا منذ زمن ليس بالبعيد؟ وهل وصلت الهند إلى هذه المرحلة وستظل معها إلى وقت بعيد؟ أعتقد أن هذا وارد إلا إن قامت الحكومة الجديدة بإجراءات تذكي آمال الغالبية الفقيرة بدلا من أن تحبطها. وتستطيع هذه الحكومة أن تفعل ذلك إن هي واصلت سياسة النمو الاقتصادي الحالية عن طريق الاستمرار في تمكين القطاع الخاص من لعب دوره بدون إعاقات تذكر. أقصد من ذلك أن لا تعمد الحكومة الجديدة إلى فهم الأصوات الغاضبة على أنها أصوات من أجل إجراءات اشتراكية تصيب القطاع الخاص المتنامي في مقتل، وتقضي بالتالي على الدجاجة التي تبيض ذهبا. فقد يكون من المفيد بدلا من ذلك أن تحقق هذه الحكومة تطلعات الغالبية في حياة أفضل عن طريق تصميم أنظمة للإعانات المالية والعينية تساعد العائلات الفقيرة على تحمل شظف العيش بدون تشجيع على الاتكالية وخنق للإنتاجية.
سبق أن استعرضت بإيجاز في مكان آخر السياسات التي اتبعتها الحكومة الأمريكية من أجل تعزيز الطبقة الوسطى في الولايات المتحدة، وقد يكون من الممكن منهجيا تطبيق سياسات مماثلة في الهند.
ولكن الشيء الأهم في نظري هو أن توطن القيادات السياسية في الهند نفسها على احتمال تبادل السلطة بتعاقب سريع ومتكرر، فقد لا تستطيع أي حكومة في الوقت المتاح لها قبل الانتخابات حل الكثير من المشاكل الاقتصادية، لذا فبدلا من أن تعمد كل حكومة جديدة إلى إلغاء إنجازات الحكومة التي سبقتها لأسباب عقائدية بحتة عليها أن تبني على ما أنجز وتضيف إليه ما يعزز مسيرته. هذا يعني أن التباعد الأيديولوجي بين الأحزاب والحكومات المتعاقبة لم يعد مفيدا. نحن عادة نستهزئ بالنظام السياسي الأمريكي لعدم وجود تباين عقائدي كبير بين الحزبين الرئيسين هناك، ولكن ربما أن أحد أسرار النجاح الاقتصادي للولايات المتحدة هو أن التقارب العقائدي بين هذين الحزبين مكن من استمرارية السياسات التنموية فيها بدون خضات متعاقبة تعيق تراكم فوائدها، مع عدم التردد في تصحيح مسيرتها إن لزم الأمر. كذلك فإن المنجزات الاقتصادية الأخرى سواء في اليابان أو في أوروبا حاليا ربما تحققت بسبب وجود هذا العامل، إذ لم تعد الأحزاب متباينة في سياساتها الاقتصادية في معظم الأحوال بحيث أصبحت متقاربة، باستثناء تلونات سطحية تكسر الرتابة وتحيي الآمال لدى العامة. وعلى هذا النحو فإنه حتى إن غير الشعب حكومته لأسباب آنية فإن المسيرة التنموية تستمر بثبات بدون انقطاع أو تلكؤ.

* مدير جامعة الملك فهد للبترول والمعادن سابقا

صقر الخالدية
26/05/2004, 05:27 PM
نجمات الكوميديا في مصر غائبات وفي سورية مجتهدات وفي الخليج يراوحن مكانهن: سوق الكوميديا النسائية هذه الايام مضروب!
2004/05/18



محمود ابو عبيد

كنت اشد اعصابي بالمذياع وانا لم ابلغ الحداثة، بعد في اوائل الخمسينات عندما استمع الي خيرية احمد ضمن اسرة ساعة لقلبك مع فؤاد المهندس، مدبولي، احمد الحداد، الخواجا بيجو، وكنت مع اقراني هواة الاستماع للراديو انذاك نحفظ عن ظهر قلب ما يقوله نجوم الفكاهة من نوادر ونضحك حتي تتشقق خواصرنا كما يقولون باللهجة الدارجة، واذا عرض فيلم لاسماعيل يس نحرص الا يفوتنا حتي مسرحيات عادل خيري وماري منيب بالابيض والاسود عندما بدأ التلفزيون بثه، من مصروفنا اليومي كنا نقتصد لنهاية الاسبوع، لم يكن في قرية الحصن سينما، السينما في المدينة اربد عروس الشمال، وبعد نهاية عرض اي فيلم ضاحك نمشي علي نمرة 11 مسافة سبعة كيلومترات حتي نصل القرية، لان الحافلة وقتها ينتهي عصرا وتمر الذكريات كما يمر الكابوس فوق النائم. احضروا ذات مساء لا ادري من هم آلة عرض سينمائي في الهواء الطلق والشاشة كانت جدار بيت والفيلم عن الحرب العالمية الثانية، ونحن جلوس في ارض براح فاذا اتجهت الطائرة نحونا هكذا يخيل الينا نهرب ونصيح حتي انتهي الفيلم ولم يتكرر العرض ثانية.
الانسان هو الكائن الحي الوحيد الذي يضحك ويبكي، وقد يكون الانسان فكها دون ان يكون سعيدا ولكن قلما يكون سعيدا دون ان يكون فكها وضحكة من القلب كفيلة بأن تسري عن الانسان وتخفف من عبء الضغط الذي يرزح تحته. ان النكتة العذبة تصدر عن الذهن اما الفكاهة فمصدرها القلب، وروح الفكاهة تزيل عن الانسان الاكتئاب وضيق الصدر والدنيا مع الاسف مملؤة بنفر غير قليل من الناس يبدو لك انهم يعطون انفسهم لحياة مظلمة خالية من اشراقة البسمات، نعم ان الرزانة ضرورة من ضرورات الحياة، ولكن يجب ان نفرق بينها وبين الاكتئاب، وكم من خلافات ومشاحنات امكن تجنبها لان طرفا فيها اوتي روح الفكاهة والدعابة، ولا ننكر ان اطيافا من الكآبة لا ينفع في تبديدها المرح الطبيعي وان من الاحزان ما تبلغ من الشدة والعمق حدا لا تفلح الفكاهة في تبديده، ولكن روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فانها اذا كلت عميت.
شد ما كنا نضحك مع دريد ونهاد ورفيق في مقالب غوار وفي حمام الهنا، وكان التلفزيون السوري يعرض مسرحيات ضاحكة وهادفة لمحمود جبر بالع الموسي علي الحدين، وام كافل سواء في الاذاعة او التلفزيون وعبد اللطيف فتحي وفطوم حيص بيص، وفي لبنان شوشو، وفي السعودية لطفي زيني ودردير وفي الكويت مريم الغضبان وحسين عبد الرضا وفي الاردن عمر القفاف وابراهيم حداد وربيع شهاب وأمل دباس وهشام يانس، ونبيل صوالحة، اما ثلاثي اضواء المسرح فكان لهم جمهور عريض وعندما توفي الضيف احمد تفرقت بهم السبل، الكوميديا المصرية الان شد حبل بين عادل وجيل الشباب، لا ندري لمن تكون الغلبة؟
الدراما فن جماعي، يشترك فيه عدة اشخاص بقصد اعادة خلق الروح فوق خشبة المسرح. لن اتحدث هنا عن نظرية ستانسلافسكي في التمثيل والتي تتعلق اساسا بدراية العناصر والمشكــلات التي تتصل اتصالا مباشرا بالوســـائل التي يستخدمها الممثل للدخول في مشاعر الدور الذي يلعبه بل اتساءل: نجمات الكوميديا في الدراما العربية اين هن؟ كلنا يترحم علي ماري منيب وزينات صدقي، اسماء برعت في اضحاك المتفرج ثم احتلت المشـــــهد الكوميدي نجـــــمات اخريات مثل اسعاد يونس، سهير البابلي، ســــــناء يونس، هالة فاخر، نجحن في فن الاضحاك لكنهن حولن وجهتهن من الكوميديا الي التراجيديا، اكثر من سؤال طرح علي الدراما المصرية فكانت الاجابة: الكوميديا النسوية في مصر مصابة بفقر دم، وحول الكوميديا السورية كانت الاجابة: موجودات ومجتهدات وفي الخليج يراوحن مكانهن وفي الاردن مريضات.
سعاد نصر سئلت اكثر من مرة عن سبب هجرها للكوميديا فقالت: سوق الكوميديا هذه الايام مضروب فأي شيء مضحك اصبح يسمي كوميديا حتي ان الضحكة اصبحت تقتلع بالقوة من المشاهدين، واصبح الممثلون يعتمدون علي الكليشهات المحظوظة والمستهلكة.
هالة فاخر في لقاءاتها الصحافية قالت: اغلب النصوص المتوفرة غير مناسبة وغير قادرة علي الاضافة للممثلة، بحيث تجد نفسها مجبرة علي الاضافة لتلك النصوص، خفة الدم موجودة لكن اين هي الاعمال الجيدة؟
سناء يونس اضحكت وتفوقت علي نفسها في مسرحية صك علي بناتك سئلت فاجابت: الكوميديا في مصر مصابة بالانيميا نظرا لعدم وجود منتج جيد ولوجود نظرية الجمهور عايز كده، لذلك اثرت البقاء في البيت فهذا انسب لها علي حد تعبيرها.
وفي سوق الكوميديا السورية نجد التألق دائما وابدا من صباح الجزائري الي شكران مرتجي، ومواقف طريفة تجيد اضحاك المشاهد اينما كان وحيثما وجد ففي سورية للحقيقة كوميديات متألقات.
كنت اتمني ان اتحدث عن الكوميديا في تونس لكن اللهجة تقف حائلا دون انتشارها في الاردن او سورية او السعودية.. الخ هناك نعيمة الجاني وقبلها الزهرة فايزة، وزهيرة بن عمار، متألقات قادرات علي التمييز في اعمال كوميدية، وفي الكويت مريم الغضبان لكن لا خبر ولا شربات عنها، وفي الاردن لا يمكنك ان تشير الي واحدة منهن ادخلت الضحكة الي قلب مشاهد، صدقوني اذن نجمات الكوميديا حاضرات غائبات فما علي الكوميديا العربية الا ان تستفيد منهن.
نحن بحاجة الي ضحكة سكوب ولو ان الضحكات لا نشاهدها الا في رمضان، وحتي لا ننسي في حياة نجوم الكوميديا وبالاخص نون النسوة اسرار وقفت خلف موهبتهن، هم مضحكون لكنهم مفلسون.
وفي العالم العربي الان الافلاس من نوع آخر، افلاس في النص عندما يحاولون ويلجأون للتقليد، اي تقليد هذا؟ وتحت اي باب في الكوميديا يندرج، نجوم الكوميديا الكبار عاشوا قصص الكفاح ورغم ذلك لم يشفع لهم فنهم لدي الجمهور الذي ظل يطالبهم دائما بالالتزام بمفردات النجومية الخالصة وحينما بدأ المنحني في الهبوط ادار لهم ظهره واتجه الي نجوم جدد وهؤلاء تعلموا الدرس فانتفخت جيوبهم.



اعلامي وكاتب من الاردن

القدس العربى 2

صقر الخالدية
27/05/2004, 10:31 PM
لبنان بلد «ثقافة سياحية» أم «سياحة ثقافية»؟
سوسن الأبطح


كان كل شيء يشي، حين هدأت نيران الحرب الأهلية اللبنانية اللعينة، بأن البلد لن يعود، مرة جديدة، جسراً بين الشرق والغرب أو مركزاً ثقافياً للعرب. وهو اجتهاد تبناه الكثيرون، وكان له من الأسباب الموضوعية ما يبرره. فالسلام يطرق الأبواب بقوة، وإسرائيل بمقدورها ان تأكل الأخضر وما يبس، والعرب رعاهم الله لن ينتظروا عبور الجسر اللبناني إلى أوروبا وأميركا، وبقية العالم وأمامهم الأقنية الفضائية والإلكترونية مشرعة على مصراعيها لنقلهم بكبسة زر إلى أقاصي المعمورة. هكذا كان الظن وبيروت تبحث عن مكان لها، يوم استعادت الحياة كأهل الكهف، واستيقظت من سباتها، فإذا بالدنيا تحولات يصعب إدراكها. لكن الحادي عشر من سبتمبر أرجع المنطقة عقوداً إلى الوراء، ولبنان من ضمنها، ومن لا يصدق عليه ان يزور بيروت ليعرف كيف أنها ومن دون علم منها رجعت لتعيش مجداً غابراً، هشاً، مفرحاً، بقدر ما هو مثير للقلق.«ابتسم أنت في بيروت» وبمقدورك ان تسرح وتمرح وتحضر ما شاء لك من المؤتمرات حول كل موضوع ومعضلة من قضية «القدس» وإشكالات «العولمة» مروراً بـ«الإرهاب» وصولاً إلى «مشاكل الأطفال النفسية المدرسية» وحتى «الحوار العلماني ـ الإسلامي» لو أحببت. وبمقدورك أن تقابل من تعشق من الشخصيات الثقافية شرقية غربية، وتجلس في المقهى وتسترق السمع للهجات ولغات تعرف بعضها وتجهل البعض الآخر. بيروت تحتفل بولادات ووفيات سارتر وغوته ونيرودا وجاك بريل، وتقول لك ببساطة في إعلانات مهرجاناتها، ان حفلاتها واستعراضاتها الراقية آتية للتو من نيويورك وباريس وروما وبكين، وان ما تشهده على مسارحها مستقدم إليك من كل أنحاء الدنيا. وباتت مألوفة في إعلانات الحفلات عبارة «لأول مرة في العالم العربي». فبيروت سبّاقة، ولن تدع عاصمة أخرى تسرق ريادتها أو حيويتها، فبدل مهرجان واحد للرقص ثمة في العام مهرجانات، وللمسرح مثلها وكذلك للسينما والموسيقى والكتاب والرقص والأغنية، عدا أعياد الصيف الذي يلتهب اشتعالات فنية عالمية الطابع. «كل شيء زاد عن حدّه انقلب إلى ضده» ومنصور الرحباني يعترض مستهجناً فيض الاحتفاليات فيقول:« أكلّ من وجد في منطقته درجاً عتيقاً، ظنه أثرياً ونظّم مهرجاناً، حتى صرنا نرى بعضها يقام في ملاعب كرة القدم». ولكن ما تفعل، هذا هو لبنان، وهكذا هم أهله، طموح فائض وتلقائية متسرّعة ومشاريع لا تنتهي إلا ليبدأ غيرها.
جلّ العاملين في المجالات الثقافية يشتكون الخسارة المادية، لكنهم مع ذلك ينمون كالفطر من غاليريات المعارض التشكيلية إلى المنتديات والملتقيات والتجمعات. وإن علمت أن الدنيا قد قامت ولم تقعد لأن «مسرح المدينة» قد أغلق قصراً لأسباب مالية أو إجرائية، سمعت صاحبته نضال الأشقر، في الوقت ذاته، تقول ان تجار شارع الحمراء دبروا لها مسرحاً جديداً ليحتضنوها بينهم، وأنهم لن يدعوا سيدة نشيطة مثلها تفلت منطقتهم. ولو أضناك ان يغلق مقهى «المودكا» الشهير أبوابه ويطرد مثقفيه إلى قارعة الطريق، فستجدهم قد اتخذوا لهم من كل زاوية في المدينة مقهى وملتقى. تضيق القاعات باللقاءات والفنادق بالزوار وتزدحم الأجندات بمواعيد متضاربة، فماذا تفعل هذا المساء، أتحضر عرضاً لفيلم جديد يصاحبه المخرج، أم تختار أمسية شعرية، أم تراك تلجأ إلى حفل موسيقي شرقي أصيل؟ وبمن تلتقي من أصدقائك العرب الزائرين الذين ما ان يغادروا حتى يعودوا وتظن ان بعضهم قد اتخذ له من بيروت مقراً ومستقرا؟ انهم يبحثون عن الحرية في بلد رأسماله ورأس الحربة فيه تنوعه وتعدديته. وبينما المنطقة كلها تلتهب ناراً وخراباً، يستريح المحاربون في لبنان وقد كانوا رواداً في القتال أيضاً. وحينما بدا ان أوروبا وأميركا تحكم القبضة على الحدود وتقيم السدود في وجوه المخربين السمر، صادف ان لبنان كان يفتش عن هؤلاء المطرودين من رحمة الغرب والهاربين من سوء ظنه. هو يبحث عن مكانته وهم يبحثون عن مكان وسطي لهم لا شرقي ولا غربي، يعيشون فيه تناقضاتهم وتساؤلاتهم ورغباتهم. تكاد بيروت تصير منبراً للجميع. فها هو الشاعر السعودي عبد الله باشراحيل يمنح جائزته للأدباء والباحثين من بيروت، ويقرر شاعر آخر، كويتي هذه المرة، وهو عبد العزيز البابطين أن يكون موقع مركزه للترجمة بيروت وشراكته مع أحد ناشريها، وقبلهما كانت «مؤسسة الفكر العربي» قد أقامت مركزها. وبعد هؤلاء وغيرهم كثيرين ممن يتعذر سرد أسمائهم، تسعي «المؤسسة العربية للتحديث الفكري» هي الأخرى، إلى مكتب في العاصمة اللبنانية. ولو سألت هؤلاء عن سبب اختيارهم بيروت لبادروك بالقول:« وهل من مكان عربي آخر بمقدوره أن يحتملنا»؟ لماذا في بيروت تفتح مكاتب المؤسسات الثقافية التي تريد أن يكون لها اسم وحركة ووجود وجدال، أوليست هي عاصمة ماهرة في الترويج للحدث، وفي صناعته من لا شيء إذا اقتضى الأمر ذلك؟!
ما نقوله يعرفه القاطنون في العاصمة اللبنانية ويتنفسون حيويته صيفاً وشتاء. فما عادت المواسم تهمّ ولا شهر التسوق المفتعل هو الصنارة التي بها يصطاد السياح. ففي بيروت تنتعش «الثقافة السياحية». وكان وزير الثقافة اللبناني السابق غسان سلامة قد دعا وكافح بقوة من أجل«سياحة ثقافية» أغفلها السياسيون الذين أعشتهم الأضواء. والفرق بين الأولى والثانية، قد يبدو ضئيلاً، لكنه في العمق كبير. فالمثقفون العرب يعثرون في لبنان على مساحة فيها بحبوحة وجمال. وكان المطلوب أن يعمّق دور بيروت ويؤسس لثقافة أقوى وأمتن، ثقافة مكتبات ومتاحف وآثار ودراسات وتوثيق ودكّ مداميك علمية، تراكم في أرض صلبة، بدل الاكتفاء بثقافة«رغوة الصابون» التي يكثر فيها الكلام وتتضاءل الأفعال. كان سلامه يريد لبنان جذّاباً لا للعرب وحدهم وإنما لكل أولئك الباحثين عما هو أبعد من الاحتفاليات الخاطفة، هذه الاحتفاليات المؤسسة على حالة عربية هي نفسها على كفّ عفريت. مثير للعيش فيه هذا الغليان الثقافي الذي تحتضنه بيروت بمحبة الأم الحانية، لكنه في الوقت نفسه، محكوم بمائة شرط وشرط. فبيروت التي لا تعرف كيف تتصالح مع حالها تدّعي قدرتها على المساهمة في مصالحة المتناقضات الآتية إليها بحثاً عن ملجأ دافئ وأمين. وهو أمر يفهم حين يلتقي أصحاب السؤال في زمن البحث عن إجابات لا تأتي. وهنا تحديداً مكمن الخطر والتحدي الكبير لعاصمة مثل بيروت: هل هي حقاً قادرة على بلورة غيمة ممطرة من الأفكار الضبابية الهائمة في سمائها، أم ان المسألة هي تمضية وقت جميل والسلام؟!

جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
30/05/2004, 02:42 PM
لماذا لن تذرف الشعوب العربية دموعا علي انظمتها: الموسيقي التي يريد النظام السوري سماعها!
2003/12/23

سعيد أبو غنام

يتعامل بعض المثقفين السوريين وكأن لهذه الفترة التاريخية حساسية خاصة تجعلهم مرتبكين أو كمن يتوخي الحذرفي مشيه علي حبل رفيع وأية حركة غير متوازنة قد تؤدي به للسقوط في هذا الجانب أو ذاك، فالكلام ضد نظام قمعي استبدادي توتاليتاري يظهر وكأنه حمل سلاح جورج دبليو بوش ضد...، والإستفاضة في الحديث عن أهداف الإدارة الأمريكية تبدو وكأنها شرعنة لحكم تسلطي قائم في سورية وإطالة في عمره. وفي كلتا الحالتين هناك خسارة تاريخية إن بدا المواطن السوري وكأنه يقف مع هذا الطرف أو ذاك. والمشكلة الرئيسية في المعادلة المعروضة علي هذا الشكل، والتي تهيمن علي تعاطي البعض مع الواقع السياسي والإجتماعي، هي افتقارها إلي رؤية المعالم بوضوح. بالتأكيد يعيش النظام السوري أزمة تبدوهي الأصعب عليه ويتخبط حماة النظام جاهدين ليعرفوا بدقة ما هوالمطلوب منهم أكثر كي ينفذوه لهثاً وراء بريق أمل قد تلوح به إشادة أمريكية بحسن تعاونهم في حملة مكافحة الإرهاب ، والذي هم ـ يا للمفارقة! ـ علي قائمته منذ زمن طويل.
والأسئلة التي ينبغي طرحها بدون تأجيل إزاء هذا الحال تتعدد ونتوقف عند بعض منها الآن: هل الوطن في خطر أم التشكيل الحاكم في خطر؟ أين النظام الحاكم من الوطن؟ وأين الوطن وأين المواطن؟ هل الوطن لنا جميعاً ونحن شركاء به؟ بل، وما هو الوطن في ظل هذا النظام؟ وهل ينبغي أن تخيفنا تهويلات النظام من الخطر الخارجي عن تسمية الأشياء بأسمائها؟

الوطن بين الصورة والواقع:

قد يؤدي الكلام عن حجم التفاوت ما بين ماض غني ثقافياً وحضارياً، علي الأقل، وحاضر بائس علي كل الصعد إلي تمييع المأساة الحقيقية التي تحتجز السوري، مثل كل عربي، وهي تغييب الوطن والمواطن المنهجي والمنظم وما يتأتي عن ذلك مرحلياً وعلي المدي البعيد. فالملاحظ هو تهميش ومن ثم اضمحلال اسم وشكل وفعل الوطن والمواطن مقابل تضخيم صورة النظام ممثلةً بفرد واحد، يصل معها هذا الفرد إلي مرتبة توصف وكأنها مقدسة. السؤال عن مدي تصديق الحاكم لمنزلته الموصوفة والهالة المحيطة به هو أمر وأما تحديد هذا الشخص الرمز كنواة لزرع ثقافة الخوف بين الناس فهو أمر آخر. وفي كل الأحوال، يجب التذكير بأن مفاهيم ابتُدعت ووضعت أسس تحدد خطوط العرض لحركة الفرد والمجتمع وخطوط حمراء يحرم تخطيها أو حتي الإقتراب منها. فسياسة وأقوال وتصريحات الرئيس ليست موضع نقاش ولا تقبل الشك أو التساؤل. وبنفس الوقت، يتم النأي باسم الرئيس عما يحدث يومياً من انتهاكات لحقوق المواطن فتسرب أبواق النظام ما مفاده أن الرئيس لا يسمع بما يجري ويمارس في داخل البلد من قبل ضابط الفلاني، وعناصر أمن فرع كذا، وأمين فرع حزب منطقة كذا، ووزير الفلاني، بل وأخوة الرئيس وأولادهم ومرافقة أولادهم وإلا لكان...
ترافقت عملية ترسيم القوة هذه مع ممارسة العنف والقمع والتهديد، فالسجن والقتل والتشريد والحرمان من لقمة العيش بانتظار كل من لايرضي عنه مشرعو التسلط. كل هذا في غياب القانون وحضور حالة الطواريء. وأصبح المواطن مثل المقيد العاري في الصقيع لا أمان ولا حول له ولا قوة، يلبسه الخوف من كل من و ما حوله، فصمت خوفاً من المجهول الأشد هولاً وخمد صوت الجميع حتي أصبحنا نعيش في ـ ما سماها رياض الترك مرة مملكة الصمت .
إلي جانب الخطرالناجم عن ثقافة الخوف، لا بد من التذكير بالبشاعة والوحشية في ما مارسته وتمارسه تشكيلات منفذي عملية ترسيم القوة والتسلط بالشكل القائم. وأتقصد استخدام كلمة تشكيلات هنا لأنها الأنسب في توصيف حماة وحافظي النظام علي مدي العقود الثلاثة المنصرمة ونيف إذ لا يرقون في شكلهم وممارساتهم إلي مستوي طبقة سياسية فلا أيديولوجية ولا طبقية ولا تكتيك ولا استراتيجية ولا قواسم أخري تجمعهم باستثناء انتهازيتهم ولصوصيتهم واستعدادهم للعب دور الإستعلاء علي الناس والفتك بالضعفاء العزل. وهذه التشكيلات علي قدر ما من التعقيد في هوياتها وانتماءاتها. تشكل المخابرات ـ بفروعها السرطانية كماً وكيفاً ـ القوة الرئيسية في هذا الخليط، ولانأتي بالجديد عندما نقول إن مراكز القرار وصمامات الأمان كانت ـ وتكون دائماً ـ مؤتمنة طبقاً لاعتبارات ضيقة جداً. وأما الأدوار التي تقتضي حمل أسلحة من نوع آخر فتودع بيد أنماط معينة ـ تتهافت مبدية استعدادها لتكون جزءاً من اللعبة ـ منها التاجر والوسيط ومنها الحرامي ومنها من ينظرإلي انتزاع حصته من الغنيمة ومنها المشـــوه نفسياً ويبحث عن دور يستبد به علي ضعفاء أبناء حيه في حلب ودمشق وحمص واللاذقية (بل وحتي في بعض أرياف اللاذقية)... علي مدي العقود تعيث التشكيلات الحاكمة وعوائلها وحواشيها في طول البلاد وعرضها فساداً وتزرع الرعب والهلع في غياب وتغييب القانون مجردة المجتمع صفاته الحقوقية والفرد من كيانه وإنسانيته، والجراح التي سببها هؤلاء أكثرمن أن تحصي وما زالت تنزف. ومن يجاهربالسؤال عن ماذا؟ أوكيف؟ أوأين؟ أومن؟ يساق إلي السجون أو يقتل أو ُيخفي...ولا ينتهي الأمر هنا، فعندما يختفي السوري ويبدأ أهله وذووه بالسؤال عنه تبدأ إنتهاكات من نوع آخرلحقوق وكرامة الإنسان، وما حصل ويحصل أفيض من أن يوضع في قائمة والأمثلة علي ما يجري بشكل يومي أكثرمما هو مسموع، والغاية الرئيسية في ممارسات السلطة والمتسلطين هي تجريد الإنسان وتفريغه من شعوره بإنسانيته كي يصل إلي حد يتقبل به الذل ويستكبر علي نفسه حتي حق الحياة، ولتنحصر اهتماماته في كيفية تأمين لقمة العيش بصمت وخوف وليفهم بأن كل ما يصدرعن السلطة الطاغية هو رحمة.
مات الأسد ولكن الخوف بقي .. وكأن الأسد ـ بتعبير أحد الصحافيين: يحكم البلاد من قبره! وما زال المواطن لا يأمن علي نفسه أوعلي أي شيء حوله ما دام القانون غائباً، ما دام قانون الطواريء هو تشريع البلاد، ما دام المرء يسجن بدون سبب، ولا لذنب اقترفه إلا لأنه ولد ـ كما يبدو ـ في المكان الغلط، وما دامت الــ تشكيلات المذكورة تدير البلاد وتلصق التهم بمن تشاء عندما يخرج المواطن عن الحجم والحيز المرسومان كأن يفكر بممارسة حقوق المواطنة، أو يذهب أبعد من ذلك فيتساءل عما يجري له في وطنه . ما أكثر التهم الدارجة والتي تلصق بالمواطن بسهولة فيقال عن هذا أنه يريد النيل من الوطن ، وذاك يريد الإعتداء علي الدستور ، أو يبغي إثارة النعرات ، أو يسعي إلي جزأرة الوطن ، أو يقبض بالدولار من السفارات الأجنبية . والذريعة التي يريدها النظام دائمة الحضورلكم الأفواه وللبطش والتنكيل هي الكلام عن حالة حرب و تربص الأعداء بأمتنا، وتكتسب الذريعة تلك قوة عندما يُدلي بتصريح ما في العالم يتعلق بسورية، أو حتي عندما تصدر منظمات دولية تقاريرها عن الإنتهاكات لحقوق الإنسان في سورية.
إلي جانب الخوف من التخوين الذي يحدد انتقاء السوري لكلماته، أو متي وأين يتفوه بها، يصمت السوري علي القهر والتجويع والقمع والسجن والتهجير والتعذيب وهو يعرف أن النظام لن يتغير من تلقاء ذاته ويتذكر جيداً ما تردد حينما استبشربـ التغيير عند بداية تنصيب الإبن (الأسد الثاني) في السلطة من أنه ـ أي من وعد بالتغييرـ لا يملك عصا سحرية ، ولكن الجميع لمسوا وخبروا علي مدي الأيام والسنين أن الـ عصا التي يملكها النظام هي القديمة نفسها التي رفعت فوق رأس شعب بأكمله منذ سبعينات القرن الماضي وحتي هذه اللحظة، هي نفس العصا التي قتلت وسجنت وشردت وهجرت عشرات الآلاف من السوريين علي اختلاف ألوانهم في الطيف السياسي وتشابهها في حبهم للوطن، هي نفس العصا التي قتلت وتقتل وتخفي الناس، هي نفسها التي سجنت رياض الترك وما زالت تسجن عبد العزيز الخير وعارف دليلة (دون اعتبارلحالته الصحية) ورياض سيف ومأمون الحمصي و..... (وعذراً لعدم ذكري المزيد من الأسماء فالقائمة أطول مما ُيتسع لذكره هنا)، هي نفس العصا التي تلاحق الناس لتجريمهم بسبب منتديات لم يحضروها بالأساس.
يستمر النظام التسلطي بالحكم بنفس العقلية متبعاً نفس الأسلوب الذي اتبعه منذ سبعينات القرن الماضي، أي قمع المواطنين وكأن ذلك أمراً عادياً يجري داخلياً ولن يسمع به أحد في العالم، كما ولن يؤثرـ في حال سماعه ـ علي تعامل العالم الخارجي مع النظام ما دامت هناك مراعاة لمصالح أقوياء العالم وابتعاد عن مهب رياحهم. في أحاديث وتصريحات نائب الرئيس وحتي في حديث الرئيس الأخير لصحيفة نيو يورك تايمز نقرأ فيما نقرأه أنه لا يوجد في القانون ما يسجن عليه المرء إن يتكلم ضد الدولة، وليس لدينا قانون لذلك ونسأل إذا كان الأمر كذلك فعلاً، فلماذا يحاكم ـ وبعد أيام فقط من حديث الرئيس لنيويورك تايمزـ المواطن السوري عبد الرحمن الشاغوري أمام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق لأن المدعي عليه كما جاء أخذ يتلقي بناء علي طلبه أخباراً ومقالات عبر الإنترنت... وقد كانت هذه المقالات في معظمها يحصل عليها من موقع أخبار الشرق . هذه المحاكمة تجري لأنه تلقي أخبارا فكيف سيكون الأمر لو أنه تكلم ضد الدولة؟ ونقرأ أيضاً أن سجناء الرأي هم من يتهرب من الضرائب! ونريد أن نعرف من أية ضرائب تهرب عارف دليلة؟ وهل القول أنه لايوجد سجناء رأي أوسجناء سياسيين يمحي الواقع؟ أو أن ما يحدث في سورية لن يسمع به أحد في العالم؟ لا تستطيع كلمات الإنكار إلغاء أو إخفاء حقيقة ما يجري فمن يسجن أو يختفي ستسأل عنه أم وأب وأخ وأخت وابن وابنة وجيران وزملاء مدرسة وغيرهم ، وسؤال هؤلاء، شكراً للتكنولوجيا، لم يعد متموضعاً في بقعة ضيقة بل، وبوقت قصير جداً، يسمع في العالم وتتناقله الأخبار.
في تصريحات المسؤولين نقرأ أيضاً أن المعارضة متفقة مع النظام عندما يأتي الأمر إلي سياسة النظام الخارجية. والسؤال الآن: هل تستطيع تصريحات من هذا النوع أن تغير الحقائق؟ هل ترفض المعارضة السورية الديمقراطية حقاً لمجرد أن أمريكا تتكلم عن غياب الديمقراطية في المنطقة العربية؟ هناك بعض التساؤلات عن جدية ما تطرحه الإدارة الأمريكية بهذا الشأن، ولكن تعاملها مع الأنظمة العربية يشير إلي انقلاب في سياستها في السنتين الأخيرتين. فالنظام في المملكة العربية السعودية، وهو الصديق الأول للولايات المتحدة في العالم العربي، يخضع للضغوط الأمريكية للتغيير وذلك لقناعة الأخيرة أن وجود العدد الأكبر من منفذي عمليات 11 سبتمبر من السعوديين ليس مصادفة، الأمر الذي يدعو إلي مساءلة مجمل الشروط السياسية والإجتماعية التي عاشها هؤلاء السعوديون. بعبارة وجيزة، يبدو أن النظام السوري لا يأخذ التغييرات التي حصلت في العالم علي محمل الجد ليدرك أن المعايير الدولية تغيرت، وأن الإدارة الأمريكية ـ والحكومات الأوروبية ـ تعي جيداً أن مصداقية السياسة الخارجية لنظام ما ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنجاح ومصداقية سياسته الداخلية.
كم تعتمر واحدنا الكآبة عندما نري شعوب العالم تتكلم حرة كريمة في أوطانها دون خوف من الملاحقة والقمع والسجن! وعندما يعالج الآخرون مشاكل بلدانهم الإقتصادية والسياسية والإجتماعية بشفافية و في جو من الحريات العامة، بجو من الأمان والثقة دون الخوف من المخابرات والإعتقالات السياسية والتهم والتخوين والحرمان من لقمة العيش! أما نحن فنعيش في دوامة الخوف ونتساءل عن أين، وما هو، الوطن؟ هل الوطن هو ذكريات وأحلام وأمنيات موجودة فقط في رؤوسنا؟ وهل هو وطن ذاك الخيال الذي نعيش فيه بعقولنا ولا نستطيع بأجسادنا؟ هل الوطن هو تلك العلاقات الحميمية الإنسانية التي حرمنا منها المتسلطون؟ هل الوطن هو الأرض، الماء والهواء وقد حرمنا منها ودنسها ولوثها هؤلاء بصفقاتهم وجشعهم؟ لا أعتقد أننا نستطيع أن نتكلم عن الوطن كحجر وشجر دون أن تحتبس الكلمات في حلقنا إذ نصطدم بمن يُسمون ـ وبغير حق ـ بشر !
أسئلة كثيرة تلك التي تطرح نفسها وأكرر القليل منها هنا. هل نصمت إلي ما لانهاية نحن من رفضنا ونرفض أن تكون لنا انتماءات ومحسوبيات ضيقة؟ نحن من يرفض المافيات وممارساتها الإجرامية؟ نحن من نرفض أن نكون أذلاء للإستبداديين؟ هل نستسلم للأمر الواقع ونندب حظنا علي ما حل بنا؟ هل ننتظر أن يترأف هؤلاء بحالنا مثل الجائع المنتظر علي مائدة اللئام علهم يتصدقون علينا بشيء؟ أم هل نقول يجب انتزاع حقوقنا بدءاً من أبسطها ...ومروراً بكل تفاصيلها؟ هل نقول إن المرحلة حرجة والظرف الراهن لا يحتمل الكلام؟ أم هل نقول وبصوت عال كل ما يجب أن يقال وبدون خوف ـ وليس لدينا ما نخاف منه أوعليه ـ وبدون أية حسابات تسكتنا وتفيد النظام الطاغي وحده؟ وإن كان هناك من يتكلمون عن الوطن وشراكتنا به فليتفضلوا بتجسيد ذلك علي أرض الواقع، وليصدروا قراراً واحداً يشعر بذلك، قراراً يفرج عن المعتقلين ويبيض السجون، يرسم دستوراً للبلد، يلغي قانون الطوارئ، يمنح حق الإنتخاب، يعوض لكل المتضررين من عقود الظلم والإستعباد والإستبداد. ونسأل أيضاً فيما علينا قوله وفعله: أنُسمعُ النظام السوري الموسيقي التي يريد أن يسمعها بالقول برفض قطف ثمار ما قد تأتي به الدبابة الأمريكية؟ لا. بل نقول: لا علاقة لنا بالدبابة الأمريكية ولكن لن تذرف دمعة عليكم إن أزاحتكم تلك الدبابة ـ إن صدقنا أنكم فعلاً مهددين، ولن يبكي نظامكم و وطنكم أنتم من استلبتم وطنه وجعلتموه بلا وطن.

كاتب من سورية

صقر الخالدية
30/05/2004, 05:39 PM
هذا الناقد نحن محتاجون إليه

فاروق شوشة:

السبت 29 مايو 2004 23:25
من عجائب هذا الزمان ــ الذي لا نهاية لعجائبه ــ أننا نري من لايحسنون أمرا من الأمور‏,‏ وهم يتظاهرون بأنهم الأساتذة والخبراء فيه‏.‏ والأكثر عجبا أنهم ــ في أحيان كثيرة ــ لايملكون المفاتيح الأولي التي تعد بمثابة ألفباء الأشياء‏,‏ ومع ذلك فهم يلبسون مسارفين‏,‏ ويتنطعون في محاولة لإخفاء جهلهم والتظاهر أمام حوارييهم ومريديهم ــ الذين يشاركونهم جهلهم وتخلفهم ــ بأنهم فرسان هذا الزمان وحاملو راياته وأصحاب فتوحاتهمن العجيب فعلا أن نجد محققا كبيرا‏,‏ يعكف علي تحقيق ديوان شاعر كبير‏,‏ فإذا بهذا الديوان ــ عند نشره ــ يمتليء بمئات الأخطاء مصدرها الرئيسي الجهل بعروض الشعر وأوزانه وموسيقاه‏!‏ وأن نجد من يتصدون لإنجاز رسائلهم للماجستير والدكتوراه عن البنية الإيقاعيشاعر من الشعراء‏,‏ وعن تحليل موسيقاه وتأمل البناء العروضي لقصائده‏,‏ وهم لايفرقون بين الوافر والكامل‏,‏ أو بين السريع والمنسرح‏,‏ ولا بين المقتضب والمضارع‏,‏ بل لا يدركون الفرق بين البحور ذات الوحدة المفردة والبحور ذات الوحدة المركبة‏,‏ لكنه كمعجائب‏,‏ والعجائب لاتنتهي
هذه مقدمة ضرورية قبل الولوج إلي هذا العمل المتسم بالجدة والجدية في آن‏.‏ الجدة لأنه يقدم دراسة ثرية ممتعة عن التحليل النصي للشعر‏,‏ والجدية المتمثلة في أن صاحب البحث يمتلك عدته‏,‏ ويناجز بأدوات قادرة علي النزال‏,‏ ويمسك بناصية اللغة والشعر معا‏,‏دراسته بحصاد موفور‏.الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في كتابه‏:‏ الإبداع الموازي ــ التحليل النصي للشعر يدعو إلي تناول الشعر باعتباره فنا لغويا‏,‏ من هنا فإن النحو يعد أحد الأبنية الاساسية التي ينبغي الاعتماد عليها في تفسيره لأن العلاقات النحوية في النص ــ علي مستواه الأفقي ي التي تخلق أبنيته التصويرية والرمزية‏,‏ وعلي مستواه الرأسي هي التي توجد توازيه وأنماط التكرار فيه وتحكم تماسكه واتساقه‏,‏ وهذا كله يؤسس بنية النص الدلالية والدكتور محمد حماسة يتوسع في مفهوم النحو بحيث يشمل منظومته القواعد الصوتية والصرفية والتركيبية اتحكم بنية النص في ترابط وانسجام‏,‏ لأن كل عنصر في بنية النص اللغوية يمثل جزءا في بناء دلالته‏.‏ والتفسير الدلالي لأي نص يقوم علي كل هذه المعطي
من ميزات هذا الكتاب أنه ــ وهو يؤسس لمنهج في التحليل النصي للقصيدة ــ يدير البحث من حول التنظير والتطبيق‏.‏ وهو علي مستوي التنظير يري أن التحليل النصي لابد أن يؤسس علي النص نفسه‏.‏ ولايصبح النص نصا إلا إذا كان رسالة لغوية تشغل حيزا معينا فيها جديلة محكضفورة من المفردات والبنية النحوية‏.‏ هذه الجديلة المضفورة تؤلف سياقا خاصا بالنص نفسه ينبث في الرسالة اللغوية كلها‏.‏ وكما أن لأبناء اللغة المعنية سليقة تهديهم إلي معرفة النظام النحوي للغتهم بكل أبعاده الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية‏,‏ فإن لديك حسا مدربا أو سليقة نصية تساعد علي إدراك وحدة النص‏.وهناك عدد من المعالم الخاصة بهذا المنهج أهمها يكمن في ضرورة النظر إلي القصيدة علي أنها نص واحد وبنية متكاملة لايغني جزء منه عن جزء آخر‏.‏ والنص الواحد يتفاعل بعضه مع بعض بطبيعة كونه نصا واحدا‏.‏ وقد تبدو القصيدة في بنيتها الظاهرة جامعة لعدد من الصور لينها ــ كما يظهر ــ رباط جامع‏,‏ إلا أنها جميعا في قصيدة واحدة ذات وزن واحد وروي واحد‏.‏ ولها بنية عميقة تجمع هذه الصور في إطار واحد علي تباعد ما بينها ظاهري
ومنها أيضا أن النص الواحد تحكمه علاقات لغوية ودلالية تعمل علي تماسكه وترابط أجزائه‏,‏ وعلي من يتصدي لتفسير النص أن يستعين بهذه العلاقات بنوعيهاويترتب علي الاهتمام بالنص‏,‏ بوصفه وحدة دلالية واحدة‏,‏ الاعتماد علي القصيدة وحدها في استخراج كل المعطيات التي تعين علي تفسير النص دون النظر إلي مساعدات من خارجه‏,‏ حتي لو كانت تفسيرات الشاعر نفسه‏.‏ فالشاعر بعد ان ينشيء قصيدته يصبح مثله أمامها مثل آخر‏,‏ ولايكون الشاعر بالضرورة أقدر علي تفسيرها من غيره‏,‏ فهو قد قال ما قاله بالطريقة التي يجيدها‏,‏ وأما التفسير فهو مهمة نوع آخر من المت
حرصت علي أن أنقل فكر الباحث الجاد ــ أستاذ الدراسات النحوية‏,‏ الشاعر‏,‏ أستاذ العروض والموسيقي‏,‏ عضو مجمع اللغة العربية‏,‏ وكيل كلية دار العلوم ــ أنقله بكلماته هو‏,‏ حرصا علي أمانة العرض‏,‏ ورغبة في توصيل هذا الفكر دون تشويه‏.‏ منتقلا إلي ألق فيها وهو يقدم تطبيقاته علي منهجه‏,‏ من حول نصوص مختارة‏:‏ طلل الوقت للشاعر أحمد عبد المعطي حجازي‏(‏ مع الاهتمام بظاهرة انكسار الإيقاع‏)‏ وآية جيم للشاعر حسن طلب‏(‏ والتوقف عند آية الجنون بالشعر أو الاحتماء باللغة‏)‏ وحصاد الريح للشاعر الكويقيان‏(‏ والتركيز علي المفارقات الساخرة‏),‏ وبعض مفاتيح النص الشعري عن حطان بن المعلي وأبي ذؤيب الهذلي وزهير بن أبي سلمي وأحمد شوقي‏(‏ في همزيته النبوية‏)‏ ومالك بن الريب في مطلع مرثيته لنفسه‏,‏ وقصيدة أحد الأعراب في موقف ندم علي زواجه من امرأتين نمط صعب من العلاقة بين وزن الشعر ومادته عند الأستاذ محمود محمد شاكر‏.يري الدكتور محمد حماسة أن من الوسائل الإجرائية أو المفاتيح التي قد تفيد في بعض النصوص حركة الضمائر علي سطح النص‏,‏ وتنوع هذه الضمائر من متكلم أو مخاطب أو غائب‏,‏ وغلبة بعضها في النص علي البعض الآخر‏,‏ والتحول الذي يتم بينها‏,‏ واكتناف بعضها للبعضواحتواء بعضها للبعض الآخر‏.‏ وما يظهره كل ذلك من حركة دلالية في النص نفسه تعد انعكاسا لحركة الضمائر في النص‏,‏ فضلا عما تقوم به الضمائر من التماسك النصي من حيث الإحالات المتطابقة أو غير المتطابقة‏,‏ أو التبادل بين الظاهر والمضمر أو ال
في التحليل النصي الذي يقدمه الدكتور محمد حماسة يقول‏:‏ في هذا النص نجد ضمير المتكلم‏(‏ المفعول به‏)‏ هو الغالب‏,‏ فهو ــ إذن ــ مقهور‏(‏ أنزلني ــ غالني ــ أبكاني ــ ربما أضحكني‏).‏ هذا المتكلم المقهور بضميره المفرد عندما يأتي في حال الامتلاك ‏ ليس لي مال‏)‏ أو في جواب‏(‏ لو‏)‏ الامتناعية ــ فهو أيضا منفي‏(‏ لكان لي مضطرب واسع‏),(‏ لامتنعت عيني عن الغمض‏)‏ فهو أيضا مقهور بالعدم‏.‏ ضمير المتكلمين المفرد هذا يتحول إلي ضمير المتكلمين الجمع‏(‏ وإنما أولادنا ــ بيننا ــ أكبادنا‏)‏في جمع كبير مما يفيد أن القضية هنا كلية‏,‏ فهي حقيقة عامة تنطبق علي الجمع‏,‏ ومما يوحي بأنه ليس وحده في هذا‏,‏ ولو أن غيره مكانه لفعل مثل ما يفعل‏.‏ ونجد هنا أيضا أن ضمير المتكلم المفرد يقوم مقام الجمع‏,‏ فقد كان السياق يقضي أن يقول‏:(‏ لامتنعتلغمض‏)‏ لكن الذي قيل هو‏:(‏ لامتنعت عيني‏)‏ فأدخل نفسه مرة أخري ضمن الجمع‏,‏ وناب عنهم جميعا في الامتناع عن الغمض مما يوحي بقدر عال من الإنسانية التي ترق وتبكي لأن هناك فلذة من كبد أي إنسان تهب عليهادور الضمير وتنوعه في النص يعطي مجالا آخر لتعدد الأصوات في النص مما يكسب النص درامية‏,‏ خاصة إذا اقترن تنوع الضمائر بحوار في البنية النصية فإن هذا الحوار يضفي علي النص حيوية وتدفقا‏,‏ وينفي عنه أحادية الصوت التي قد تدفع الملال‏,‏ أو تحول النص إلي الإفلبوح الذاتي إذا استطاع أن ينجو من الإملال‏.
هذا ناقد نحن في حاجة إليه‏.‏ إنه يكتب لنا ويخاطبنا نحن القراء وليس لغيره من النقاد كما يفعل كثير من نقدة هذا الزمان‏.‏ وهو يحرص علي أن يستخدم ثقافته اللغوية ومنهجه في التحليل النصي لإضاءة النصوص الشعرية‏,‏ والكشف عن مفاتيحها وأسرارها‏,‏ والولوج بنالمها التركيبية والدلالية‏,‏ والنفاذ إلي بنيتها العميقةوفي مثل هذا النقد ــ الذي يتميز بالجدة والجدية ــ يكمن الإبداع الموازي للإبداع الشعري نفسه‏.‏

الأهرام المصرية

صقر الخالدية
31/05/2004, 06:05 PM
: أشباح الماضي في ثياب الحاضر‏!‏

أحمد عبدالمعطي حجازي


بعضهم يظن أننا حين نتحدث عن تجديد الخطاب الثقافي نقصد ما كان يقصده البلاغيون القدماء‏.‏ فالخطاب في نظرهم هو اللغة التي نستخدمها في التعبير عما نريد أن نتداوله من أفكار ننجح في فهمها بقدر ما ينجح المتحدث في التعبير عنها‏,‏ فيختار اللغة التي يمكن أن تحمل فكرته للناس‏.‏

والناس ليسوا دائما عقلية واحدة‏,‏ لأنهم ليسوا بيئة واحدة أو ثقافة واحدة‏,‏ أو رغبات واحدة‏,‏ فاللغة التي تصل إلي رجال الثقافة والفكر لا تصل إلي رجال المال والسياسة‏,‏ أو إلي غيرهم من الطبقات والفئات‏,‏ ولا تثير إعجابهم‏,‏ ولا تستطيع إقناعهم‏,‏ وإذا كان المثقفون يستطيعون أن يتحدثوا فيما بينهم عن المطلقات والمجردات‏,‏ وأن يسوقوا في حديثهم من الأمثلة والشواهد ما يعلمون أنه معروف لديهم‏,‏ متداول في أوساطهم‏,‏ فهم في حديثهم مع عامة الناس مضطرون للتبسيط والبعد عن المجردات‏,‏ وضرب الأمثلة من الحياة اليومية‏,‏ وهذا هو ما يسميه البلاغيون مطابقة الكلام لمقتضي الحال‏.‏

ونحن نفهم من هذه العبارة أن الكلام يطابق الحال التي يكون عليها السامع‏,‏ لكن بوسعنا أن نفهم منها أيضا أن الكلام يطابق ما يريد المتكلم أن يعبر عنه من أفكار كانت موجودة لديه قبل أن يعبر عنها‏,‏ لأن التفكير في نظر القدماء هو عمل العقل‏,‏ أما الكلام فعمل اللسان‏,‏ وهما عمليتان أو ملكتان منفصلتان‏.‏

التفكير هو الجهد الذي نبذله في إدراك الحقائق أو المعقولات التي لا نصنعها نحن أو نخلقها من العدم‏,‏ بل نكتشفها فحسب ونهتدي لها بقوانا العاقلة التي تنتمي للعالم الروحي الذي تنتمي له هذه الحقائق وهذه المعقولات‏,‏ فالحقائق قديمة متاحة للناس جميعا‏,‏ لأن الناس جميعا لهم عقول يفكرون بها‏,‏ ولأن الأفكار أو المعاني ـ كما يقول الجاحظ ـ مطروحة في الطريق‏,‏ يعرفها العجمي والعربي‏,‏ والبدوي والقروي‏.‏ أما التعبير عن هذه المعاني فيختلف باختلاف قدرة المتكلم علي الكلام الذي يطابق المعني من ناحية‏,‏ ويطابق حال السامع من ناحية أخري‏.‏

باختصار تجديد الخطاب في نظر فريق واسع من الناس هو إعادة النظر في اللغة التي نستعملها حتي يفهمها المستمعون الذين يمكنهم أن يفهموا كل ما نستطيع أن نقدمه لهم من أفكار‏,‏ إذا نجحنا في التعبير عن أفكارنا بالطريقة التي تتيح لهم أن يفهموها‏.‏

غير أن هذا المعني الذي فهمه الكثيرون من تجديد الخطاب الثقافي ليس هو المعني المقصود من هذه العبارة‏.‏ تجديد الخطاب الثقافي ليس شيئا آخر غير الخروج من ثقافة الماضي وقيمه وأفكاره‏,‏ والدخول في ثقافة العصور الحديثة وعلومها وقيمها وأفكارها‏.‏

ونحن لا نجدد الخطاب الثقافي إذا غيرنا لغته أو طعمناها ببعض المفردات المترجمة والشعارات المتداولة في هذه الأيام‏,‏ كالحداثة‏,‏ والديمقراطية‏,‏ والعقلانية‏,‏ والعولمة‏,‏ والعلم‏,‏ وحقوق الإنسان‏.‏

وما أكثر الذين يرددون هذه المفردات ويرفعون هذه الشعارات دون أن يؤمنوا بها‏,‏ أو ينجحوا حتي في إخفاء ما يتناقض في تفكيرهم معها‏.‏

إنهم يتحدثون عن العلم ويضربون بالمنطق عرض الحائط‏,‏ ويتحدثون عن الديمقراطية في الوقت الذي لا يطيقون فيه سماع الرأي المخالف‏.‏

ولقد رأينا نماذج مختلفة لسياسيين ومثقفين يغيرون مفرداتهم ويبدلون شعاراتهم دون أن يغيروا مسلماتهم أو يتزحزحوا عن مواقفهم السابقة التي تبدو معها اللغة الجديدة مجرد لكنة مستعارة ملفقة لا تكشف حقيقة خارجية أو داخلية‏,‏ لأنها لم تكن استجابة لنقد العقل أو مراجعة النفس‏,‏ وإنما كانت مداراة وتلونا نتج عن اختلاف المناخ وتغير النظام‏.‏

والواعظ الذي يستخدم العامية أو يطعم بها كلامه لا يجدد في خطابه الديني شيئا‏,‏ ولا يساعد المؤمنين علي فهم العصر‏,‏ ولا يزيل التناقض الذي يقع فيه البعض حين يخلطون بين العلم والدين‏,‏ فيطلبون من الدين أن يكون علما‏,‏ أويطلبون من العلم أن يكون دينا‏,‏ فيضيعون العلم‏,‏ ويضيعون الدين‏.‏

و المؤذن الذي يزعق في الميكروفون لا يجدد الأذان‏,‏ ولا يضيف له قيمة فوق قيمته‏,‏ أو تأثيرا فوق تأثيره‏,‏ وربما بالغ حتي صك الأسماع وعجز عن مخاطبة القلوب‏.‏

ويبدو أنها آفة قومية لاتقتصر علي فئة دون فئة‏.‏ فالجميع يتبنون الفكرة ونقيضها‏,‏ ويسمون الأشياء بغير أسمائها‏,‏ وينتمون للماضي والحاضر في وقت معا‏,‏ ويقابلونك بوجهين أثنين‏,‏ لاتدي أيهما الأصل وأيهما القناع؟

سائق التاكسي الذي يعطل العداد ليفرض عليك أجرة مضاعفة‏,‏ في الوقت الذي يثبت فيه الراديو علي اذاعة القرآن الكريم‏.‏
والفتيات اللأئي يغطين شعورهن‏,‏ ويحزقن سراويلهن‏!‏

والنظم السياسية التي تجمع بين أدوات العصور الحديثة وقوانين العصور الوسطي‏.‏ انها تستخدم وسائل العصر واكتشافاته واختراعاته‏,‏ وربما كانت وسائل المتخلفين المستبدين أمضي وأحدث من وسائل المتقدمين المتحضرين‏,‏ وربما استطاعوا أن يركبوا مركبات المستقبل ليعودوا بها إلي العصور البائدة‏,‏ ويدافعوا بها عن أفكارها وقيمها‏.‏

الصحف والإذاعات المسموعة والمرئية التي كانت تستطيع أن توقظ العقول‏,‏ وتثير الفضول‏,‏ وتشيع المعرفة في الناس‏,‏ وتقدم لهم قيم العصر وهداياه‏,‏ وتنتشلهم من السلبية واللامبالاة والخرافة‏,‏ والتطرف‏,‏ والتعصب‏,‏ والتواكل‏,‏ هذه الأدوات أو معظمها تتبني علي العكس ثقافة الماضي وقيمه‏,‏ وتجتهد في إشاعتها‏,‏ وتسلحها بما تملك من قوة ونفوذ‏.‏

تجديد الخطاب الثقافي إذن ليس تغيير الأدوات اللغوية المستخدمة في توصيل الأفكار والتأثير علي المستمعين‏,‏ وليس مخاطبة الناس علي قدر عقولهم‏,‏ وليس مطابقة الكلام لمقتضي الحال‏,‏ لكنه إعادة النظر في المنطلقات الفكرية التي نبدأ منها‏,‏ وفي المسلمات التي نؤسس عليها ما نبذله من جهد وما نقوم به من نشاط لنفهم الواقع وندرك الحقيقة ونجسدها‏.‏

نحن لا نستطيع أن نفهم الواقع إذا ظللنا نعتقد أن هذا الواقع بسيط واضح‏,‏ نصفه كما يبدو لنا‏,‏ ونطلق عليه الاسم الذي يتفق مع رؤيتنا له‏,‏ كأن كل ما فيه ظاهر ملموس‏,‏ أو كأنه خلية واحدة‏,‏ وكأنه ثابت لا يتغير‏,‏ فلنا أن نصفه كما نراه‏,‏ وأن يكون حكمنا عليه ثابتا نهائيا كما كانت أحكام القدماء ثابتة نهائية‏,‏ لأنهم تعودوا أن يتلقوا هذه الأحكام وأن يمتثلوا لها‏,‏ وأن يخافوا من أنفسهم‏,‏ ويتشككوا في عقولهم‏,‏ ويتشبثوا بما فرض عليهم من أفكار‏,‏ وما ورثوه من تقاليد‏.‏

هذه الثقافة الجامدة المستبدة هي التي يجب أن نخرج منها لندخل في ثقافة العصور الحديثة التي نضجت وأدركت أن الحقيقة الإنسانية متعددة الوجوه‏,‏ وأن القانون الطبيعي نفسه متقلب‏,‏ يصدق بشروط‏,‏ ولا يصدق إذا تغيرت الشروط‏,‏ فهو مجرد احتمال‏,‏ لأنك لا تعبر النهر مرتين كما كان يقول الفيلسوف اليوناني القديم‏,‏ وكل شيء في العالم يتطور ويتغير‏,‏ ويتبدل ويتحول‏,‏ فعلينا أن ندخل في هذه التحولات‏,‏ وأن نسابق الزمن لنصبح من هذا العصر ولا نكتفي بأن نضع قدما فيه وقدما في العصور الماضية‏.‏

نحن جميعا متفقون علي أن الديمقراطية هي النظام السياسي الأمثل‏,‏ لكن بعضنا لا يري في الديمقراطية إلا شعارا يتردد في أنحاء العالم فلا بأس من أن يرفع به صوته مع الآخرين‏.‏ وهناك من يجردون الديمقراطية من جوهرها ولا يجدون فيها إلا وسيلة للوصول إلي السلطة‏,‏ فإن أوصلتهم لهدفهم فقد انتهت وظيفتها‏,‏ وبوسعهم حينئذ أن يستغنوا عن الديمقراطية‏.‏

وأنا لا أرجم بالغيب‏,‏ وإنما أتحدث عن هؤلاء الذين يطالبون بحقهم في الديمقراطية في الوقت الذي يعترضون فيه علي حرية التفكير والتعبير‏,‏ كأن الديمقراطية ليست هي النظام الذي انبثق من الحرية ليضمن لنا كل الحريات‏.‏

هؤلاء يقولون إننا متفاوتون في القدرة علي إدراك الحقائق ومعرفة الصواب والخطأ‏,‏ وبما أن الأمر كذلك فلابد أن تتفاوت أنصبتنا من الحرية بقدر ما تتفاوت أنصبتنا من الحكمة‏,‏ وأن تكون هناك سلطة تضع للحرية حدودا‏,‏ وتحاسب من يتجاوزون هذه الحدود‏,‏ وهكذا تصادر بعض الكتب‏,‏ ولا تعرض بعض الأفلام‏,‏ دون أن يعترض هؤلاء الديمقراطيون الذين يزايد بعضهم علي السلطة التي أفلتت من قبضتها بعض الكتب وبعض الصور وبعض التماثيل والأفلام‏.‏

هذا الموقف من حرية التعبير يكشف عن الموقف الحقيقي لهؤلاء السادة من الديمقراطية التي تقوم علي أن الحقيقة ليست ملكا لأحد بعينه‏,‏ ومادام نصيب كل منا محدودا من الحكمة‏,‏ ومادام كل منا يصيب أحيانا ويخطئ أحيانا‏,‏ فليس لأي منا أن ينصب نفسه رقيبا علي الآخرين‏,‏ وإن يكن له الحق دائما في أن يناقش ما يقال‏,‏ فيؤيده أو يعارضه‏,‏ ويصحح ما يجد فيه من خطأ‏,‏ أو يشهد بصحته ويؤمن عليه‏.‏

والديمقراطيون الذين يجعلون تفاوتنا في العلم أو في القدرة علي إدراك الصواب سببا لحرماننا من الحرية لا يختلفون عن الذين يرفضون الديمقراطية من الأصل‏,‏ لأن الشعب كله في نظرهم قاصر‏,‏ أو يقصرونها علي طبقة دون طبقة‏,‏ أو علي جنس دون جنس آخر‏,‏ فهم يخلطون الديمقراطية بالاستبداد‏,‏ وينطقون الماضي بلغة الحاضر فيزيفونهما معا‏,‏ ويعجزون عن الفهم والإفصاح‏.‏
الخطاب الثقافي إذن ليس كلمات جديدة فحسب‏,‏ لكنه فكر جديد‏.‏

الأهرام المصرية

صقر الخالدية
01/06/2004, 06:23 PM
الشخصية في رواية مدن الملح
2004/05/18


د. نبيه القاسم
مهما اختلفت الآراء تظل الشخصية هي التي تستحوذ علي الاهتمام لدي تناول اي عمل ابداعي، واذا كانت شخصية البطل في الرواية، كما عرفناها في روايات زولا وبلزاك، قد تلاشت في القرن العشرين، فإن الرواية العربية ظلت تستأثرها وتتميز بها حتي اواسط السبعينيات، وكانت الكثير من الدراسات الادبية تتمحور حول شخصية البطل وتهتم بتصنيفاته، وتُهمل جوانب النص الابداعي الاخري.
وقد اهتم عبد الرحمن منيف في رواياته الاولي بشخصية البطل في مثل قصة حب مجوسية، شرق المتوسط، حين تركنا الجسر، النهايات ، رغم انه كان قد وزع البطولة علي شخصيتين في روايته الاولي الاشجار واغتيال مرزوق . بينما قصد عدم وجود مثل هذا البطل المركزي الوحيد في رواية مدن الملح.
لا نستطيع في رواية مدن الملح ان نشير الي شخصية محددة علي انها الشخصية الرئيسية التي حولها تدور معظم الاحداث وتتشكل الرواية. فرواية مدن الملح تحوي علي عدد كبير من الشخصيات، منها المهمة التي تأخذ دورا مهما في الاحداث، ومنها الثانوية التي تلعب دورا اقل اهمية، او مجرد تذكر او تؤدي دورا هامشيا. ولكن كل هذه الشخصيات معا تشكل هذا العالم الواسع الذي ترسمه الرواية.
هذا يعني ان منيف في روايته هذه تأثر بتحوّل موقف النقد الغربي من دور شخصية البطل في الرواية حيث حاول هذا النقد اهمال الشخصية الرئيسية وحتي الغاء دورها كليا، واستغني عن دور البطل الرئيسي المُوجه للاحداث والشاغل لها، وهو نفسه يفسر هذا التحول في الموقف بقوله: إن بطل الرواية الفرد، الذي يملأ الساحة كلها، وما الآخرون الذين يحيطون به الا ديكورًا لابرازه واظهار بطولاته، ان هذا البطل الوهمي الذي سيطر علي الرواية العالمية فترة طويلة، آن له ان يتنحي، وأن لا يُشغل الا ما يستحقه من مكان وزمان . الكاتب والمنفي، (ص 76) العديد من الشخصيات في مدن الملح تظهر وتختفي بعد ان تقوم بدورها ولا تُذكر ابدا، واصبحت الرواية عبارة عن بانوراما كبيرة متناسقة متكاملة تتوالي فيها الاحداث وتتداخل وتتباعد، ومثلها ايضا الشخصيات التي تقوم بادوارها. وذلك بخلاف ثلاثية نجيب محفوظ، حيث للشخصيات وللاحداث استمرارية واضحة.
وكما في ثلاثية نجيب محفوظ لا توجد الشخصية المتفردة التي تشغل دور البطولة الفردية وانما كل افراد عائلة السيّد تقوم بدور البطولة، هكذا ايضا في رواية مدن الملح لم تعد البطولة تقتصر علي واحد او اثنين من شخصيات الرواية، وانما اصبحت تتوزع علي العديد من الشخصيات التي تحرك الاحداث وتدفعها، ولم تعد تحتمل تلك الصفات المثالية النموذجية للغير، وانما نجد فيها صفات مكروهة ومنفّرة، وقد نجد النموذجين المتناقضين معا في الوقت نفسه، يتصارعان ويحاول احدهما السيطرة علي الآخر.
اهمية الشخصية ومدي تأثيرها ودورها في العمل الابداعي، كل هذا يتقرر من خلال فعل الشخصية في النص نفسه، ومع ان الاهتمام لم يعد يتركز بالبطولة الفردية، اي الشخصية المركزية في الرواية التي تتمحور حولها باقي الشخصيات والاحداث، الا ان الشخصية تستطيع ان تفرض الاهتمام بها، مهما كان دورها صغيرا ام كبيرا، من خلال فاعليتها في النص والعلاقات التي تقيمها مع باقي الشخصيات ومع عناصر النص الاخري، حيث تفرض وجودها وتمنع امكانية حذفها او تجاهلها.
المشترك الوحيد بين عشرات الشخصيات التي تظهر علي مسرح الاحداث في رواية مدن الملح انها كلها تسير نحو مستقبل مجهول، نحو النهايات ونحو التيه في بحر من الظلمات، وقد يكون الكاتب قد هدف الي ذلك من خلال اختياره لاسماء اجزاء الرواية. هذه الشخصيات التي تبدو علي مسرح الاحداث، منها التي تشق طريقها واثقة من خطواتها وهي لا تدري انها تدفع بنفسها نحو التيه والظلمات والنهاية، ومنها المهزومة التائهة التي تريد تأمين ما يضمن بقاءها في الحياة لا اكثر، ومنها التي لا تجد امامها من حيلة، امام التغير الهائل الذي تشهده في المكان والزمان، الا البكاء والتحسر علي الذي كان ولن يعود.
ومن هذه العشرات من الشخصيات التي تظهر وتختفي وينساها القارئ بمجرد ان انتهي دورها، ومنها التي تأخذ قسطا في تطور الفعل ودفع الاحداث ولكنها تكون محدودة في مدي فاعليتها، ومنها شخصيات تفرض وجودها وتدفع بديناميتها ووهجها الاحداث وتظل عنصر جذب وتأثير حتي لو انها اختفت عن المسرح. مثل متعب الهذال الذي رغم اختفائه بعد تدمير وادي العيون في الجزء الاول (التيه) ص 106، من رواية مدن الملح ظل يفرض وجوده علي الناس والاحداث لعشرات السنين.
تراكم الشخصيات وعددها الكبير وتوالي الاحداث وتفجرها وانتشارها في كل الاتجاهات والامكنة عبر الازمنة غير المحددة، ليس وحده الذي يميز رواية مدن الملح عن روايات عبد الرحمن منيف الاولي، ففي الروايات الاولي كانت الشخصيات محددة الهوية والتوزيع، واضحة المعالم والاهداف، والاحداث رغم ضخامتها واهميتها الا انها محددة واضحة، والاماكن يمكن التعرف عليها، والزمان يتمحور في زمان القهر العربي الذي يعيشه الانسان العربي منذ خمسينات القرن العشرين.
ما يميز رواية مدن الملح انعدام وجود شخصية المثقف الفاعلة والمحركة التي كانت البارزة بين شخصيات الروايات الاولي، بينما برزت وبقوة الشخصية الشعبية القريبة من الشخصية الملحمية التي افتقرت اليها شخصيات الروايات الاولي وان كانت شخصية عساف بطل رواية النهايات تُشكل مدخلا مهما في بلورة الشخصية الشعبية الملحمية التي ظهرت في رواية مدن الملح.
لقد توزعت الشخصيات في الروايات الاولي ما بين الشخصيات المثقفة والشعبية التي تواجه السلطة الحاكمة الظالمة رغم ان الشخصية السلطوية انحصرت في الموظفين الصغار والسجانين الذين لم يكونوا الا ادوات محركة فاقدة للتميز في ملامحها وعملها وفكرها مما ابقاها في حدود النكرات، ولم تبرز في شكل الحاكم الكبير صاحب الفكر والخطة والهدف، بينما في رواية مدن الملح اخذت الشخصية السلطوية مكانها المركزي والفعال في صنع الاحداث وتطورها، وتوزعت علي عشرات الشخصيات، من الموظف الصغير حتي تصل الي السلطان بنفسه.
كذلك ظهرت في رواية مدن الملح الشخصيات العديدة التي لم تنتم الي المكان وانما هي وفـَدت اليه طمعا في كسب الغني والمال، ووجودها كان له الأثر علي تغير المكان وتشكله من جديد، ومثل هذه الشخصيات لم تظهر في روايات منيف الاولي.كاتب من فلسطين

جزيل
01/06/2004, 10:58 PM
الخليج في عام 2003

عرض/ إبراهيم غرايبة
يرصد هذا التقرير -وهو الأول من نوعه- الذي يصدر عن مركز الخليج للأبحاث الأحداث والتطورات في منطقة الخليج ويحللها، ويستشرف المستقبل في مجموعة من الاتجاهات والمحاور هي: التطورات السياسية والداخلية، والمجتمع، والنفط والغاز، والاقتصاد غير النفطي، والأمن والدفاع، والعلاقات الخليجية البينية، والعلاقات العربية والإقليمية والدولية لدول المجلس، وموقفها من الصراع العربي الإسرائيلي.

التطورات السياسية في دول المجلس
شهدت دول مجلس التعاون الخليجي تطورات سياسية مهمة شملت تعديلات دستورية، وإجراء انتخابات نيابية وبلدية، وحالات انفتاح سياسي غير مسبوقة، وزيادة مشاركة المرأة في الحياة العامة، وإجراء حوار سياسي وديني يستند إلى مبدأ التسامح.


وبغض النظر عن الأسباب التي دعت إلى عملية الإصلاح السياسي في دول المجلس، فقد تكونت قناعات جديدة شعبية ورسمية بضرورة الإصلاح وأهميته واعتباره المدخل الرئيسي لتجديد أسس الشرعية السياسية، وصياغة عقد اجتماعي جديد بين الحكام والمحكومين، بما يسهم في تعزيز المشاركة الشعبية في الشأن العام، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني، وتحديث أجهزة الدولة ومؤسساتها على النحو الذي يجعلها مؤهلة للتعامل مع تحديات مرحلة ما بعد الطفرة النفطية واستحقاقات عصر العولمة.

وفي ظل المتغيرات الحالية ونظرا لصعوبة الأوضاع الاقتصادية في بعض دول الخليج، فمن المتوقع أن يتحول الشباب الخليجيون إلى تبني أهداف تهتم بقيم مثل حرية التعبير، والمشاركة السياسية، والمعارضة السياسية الخليجية ضعيفة التنظيم، وتعتمد على الدعوة إلى الإصلاح، والممارسات السلمية.

والنمط السائد للمعارضة الخليجية هو النمط الاجتماعي القائم على الاتصالات الشخصية مع الحكام عبر حضور المجالس التي تجمع في العادة بين الحكام وأعيان المجتمع، وتشكل فرصة سانحة للتداول في القضايا العامة. وهناك نمط آخر يتمثل في التنظيمات والجمعيات السياسية في بعض الدول الخليجية مثل الكويت والبحرين.

وتتزامن النزعة إلى تشكيل أحزاب وكيانات معارضة سياسية مع الكثير من المتغيرات المتمثلة في ارتفاع معدلات التعليم كما ونوعا، وتنامي بعض المشكلات الاقتصادية. ويسود المعارضة توجه نحو الضغط لإدخال الإصلاحات مع بقاء الأسر الحاكمة، وهي في هذا تنتهج التدرج في التطور السياسي.

المجتمعات الخليجية
يركز التقرير في هذا المجال على ثلاث قضايا هي: واقع التركيبة السكانية، وحالة المجتمع المدني، وواقع المرأة. ويبدو أن ثمة خللا كبيرا في التركيبة السكانية في الكويت والإمارات وقطر، فقد بلغت نسبة غير المواطنين في الإمارات 76.6% من السكان، وفي قطر 72.9%، وفي الكويت 61.9%.

ويلاحظ أيضا أن المجتمعات الخليجية مجتمعات فتية بسبب ارتفاع نسبة الأطفال والشباب إلى إجمالي عدد السكان، وهو أمر له انعكاساته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في المستقبل، وبخاصة مع تنامي ظاهرة البطالة.

ويرصد التقرير الواقع الراهن لمنظمات المجتمع المدني في دول المجلس، النسوية والخيرية والمهنية والثقافية والدينية، والنقابات والاتحادات العمالية، ويظهر أن المجتمع المدني من حيث طبيعته وتأثيره يتفاوت في ذلك من دولة إلى أخرى حسب خبرتها التاريخية وظروف تطورها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد بلغ عدد مؤسسات المجتمع المدني في دول المجلس 37 جمعية خيرية، و84 جمعية مهنية، و69 جمعية نسوية.

وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورا في مجال مشاركة المرأة على صعيد الأطر الدستورية والقانونية والممارسات العملية، فحصلت المرأة على حق الترشيح والتصويت في عمان وقطر والبحرين، وخاضت المعترك الانتخابي. ولكن فرص المرأة في التمكين السياسي مازالت ضعيفة مهما دعتها النخب الحاكمة، فتجد صعوبة في تمرير قناعتها عبر صناديق الانتخابات، ولم يبق أمامها كما يبدو إلا فرض تلك الرؤى عبر نظام الكوتا أو التعيين كمخرج مرحلي من تأثير الموروث الاجتماعي المعيق لدور فاعل للمرأة في الحياة السياسية.

ومن ثم فإن الدور السياسي للمرأة يعتمد على رغبة وقدرة الأنظمة السياسية في دول الخليج، ودرجة نمو الوعي السياسي لدى المرأة الخليجية، ومدى تغير نظرة المجتمع الخليجي للمرأة ودورها في الحياة العامة، ومدى قدرة المرأة على تنظيم نفسها في بناء مؤسسي يدافع عن قضاياها وحقوقها، والعوامل الخارجية الدافعة نحو تغيير الوضع القائم للمرأة.

النفط والغاز
يبدو أن قرار الولايات المتحدة احتلال العراق جاء مدفوعا بالرغبة في النفط، وفي تكريس الهيمنة من خلال توسيع القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية, فالنفط ونشر القوة العسكرية حول العالم يعتبران أهم هدفين إستراتيجيين دفعت إدارة الرئيس بوش الحالية نحو غزو العراق لتحقيقهما. ولكن لم يكن الهدف المباشر هو النفط العراقي بقدر ما يتعلق بالدور الأميركي وبالسيطرة على قطاع النفط، وكذلك بالقدرة على فرض أسعار النفط في السوق العالمية.

إن أغلب الدراسات تشير إلى أن احتياجات العالم من النفط ستبلغ عام 2020 حوالي 112 مليون برميل، وأن ست دول فقط هي السعودية وإيران والعراق والكويت والإمارات وفنزويلا سيكون بإمكانها تلبية هذا الطلب. وتعتبر الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط في العالم، فبينما يبلغ معدل استهلاك المواطن الأميركي من النفط 28 برميلا في اليوم لا يتجاوز معدل استهلاك النفط في الصين برميلين يوميا لكل مواطن صيني.

وفي تقرير لديك تشيني نشر في أميركا عام 2001 أن النفط الذي تستورده الولايات المتحدة سيرتفع من 10.4 ملايين برميل يوميا إلى 16.7 مليون برميل عام 2020. وأكد التقرير على الحاجة إلى سياسة خارجية ثابتة بإمكانها توفير الحماية لإمدادات الطاقة الأميركية لحماية الأمن والاقتصاد الأميركيين.

والاحتياطات النفطية في العراق والكويت والإمارات ستدوم أطول من الاحتياطيات في أي بلد آخر، وبلا شك فإن السيطرة على نفط العراق سيوفر للولايات المتحدة نفوذا كبيرا على أسواق النفط العالمية. فزيادة الإنتاج العراقي للنفط ستغرق الأسواق العالمية وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، مما يؤثر على الإنتاج الروسي للنفط لأن تكلفة الإنتاج فيها مرتفعة.

وسيفتح نجاح الحملة الأميركية على العراق باب الثراء أمام شركات النفط الأميركية التي أبعدت من العراق فترة طويلة، وستتعثر الصفقات بين بغداد وكل من فرنسا وروسيا وألمانيا. ويعتقد كثيرون في الإدارة الأميركية بأنه على المدى الطويل سيعوض عراق ما بعد الحرب الهيمنة السعودية على أسعار النفط، وسيهمش تأثير محتكري أوبك بقيادة السعودية.

ويرى كبار المسؤولين الأميركيين أن العراق سيعوض المملكة العربية السعودية -ولو جزئيا- في قلب الإستراتيجيات الأميركية النفطية والعسكرية في المنطقة، وتكمن أهمية النفط العراقي في أنه يوفر للولايات المتحدة النفوذ لحماية مصالحها ومصالح حلفائها.

إن ارتباطات إدارة بوش بمشاريع النفط والغاز ليست واسعة فقط، بل هي متجذرة ومتغلغلة، فمن القمة إلى القاعدة يبدو الجميع متورطا في مشاريع النفط، والكل يحمل الرؤى نفسها حول أهمية النفط بالنسبة للولايات المتحدة وبقية الدول الصناعية، ولا يمكن أبدا فهم أي صراع من خلال النظر إلى عامل واحد فقط، ولكن فهم أبعاد سياسة النفط ينير الحقائق التي تغيب عادة تحت غبار المعركة, فمن الواضح أن النفط يلعب دورا رئيسيا في تحريك سياسات بوش وإدارته ومسانديهم.

فالعراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي من النفط في العالم، وهذا أمر مهم بالنسبة لتسهيل عملية النمو في الاقتصاد العالمي، ويمثل النفط بالتأكيد المصلحة الحيوية على المدى الطويل بالنسبة للولايات المتحدة وأوروبا واليابان في منطقة الخليج العربي.

وتمتلك السعودية أكبر احتياطي للنفط في العالم، وبسبب قرب العراق من المملكة فإن الولايات المتحدة تعتبر موقعه حساسا ومهما على نحو إستراتيجي. ويبدو أن شركات النفط الأميركية أكبر مستفيد من تغيير النظام في العراق. وأخيرا فإن العراق يستهلك ربع الإنتاج العالمي من النفط، مما يجعله الدولة الأولى في العالم في استهلاك النفط.

وتخشى الولايات المتحدة أن تغير البلدان المنتجة للنفط عملة تداولها من الدولار إلى اليورو، وهذا التصرف من شأنه أن يلحق أضرارا كبيرة بالاقتصاد الأميركي، ويزعزع موقع الولايات المتحدة كقوة عالمية وقائدة للعالم، ويهدد كذلك صناعة النفط في العالم.

وقد تميزت أسواق النفط عام 2003 بعدد من الظواهر مثل: ارتفاع أسعار النفط ارتفاعا مستمرا منذ بدء الاستعدادات للمواجهة مع العراق، وقد حدث في هذا العام أيضا أن الأعاصير في خليج المكسيك أدت إلى إغلاق العديد من المصافي وتوقف إنتاج النفط فيها، وحدثت اضطرابات سياسية في نيجيريا وفنزويلا، وهما دولتان نفطيتان مهمتان في سوق النفط العالمي، وحققت منظمة أوبك نجاحا كبيرا في إدارة الصراع النفطي.

الأمن والدفاع في منطقة الخليج
تعيش منطقة الخليج حالة مستمرة من عدم الاستقرار في الأوضاع الأمنية منذ أواخر سبعينات القرن العشرين، فقد أضرت الخلافات السياسية والحدودية بين دول المنطقة بالأوضاع الأمنية، وخلقت الثورة الإيرانية تحديات وتفاعلات جديدة، ثم وقعت الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الثانية التي أعقبت الغزو العراقي للكويت التي ألقت بتداعيات كثيرة وخطيرة على الوضع الدفاعي والأمني للمنطقة.

وقد ولدت الحرب الأنغلوأميركية على العراق مناخا جديدا سادته حالة من الشك والحذر بالنسبة لدول المنطقة المجاورة، خاصة أن الحرب أسفرت عن وجود 150 ألف جندي أميركي في العراق.

وبعد انتهاء الحرب سيطرت مسألة الأمن على اهتمامات قادة وشعوب دول مجلس التعاون الخليجي، ولوحظ ذلك بوضوح في قمة المجلس التي عقدت في الكويت يومي 21 و22 ديسمبر/كانون الأول 2003.

ويمكن تقدير ملامح البيئة الأمنية في الخليج في ضوء حرب الخليج الثالثة في النقاط التالية: خروج العراق من معادلة ميزان القوة وزيادة اختلال التوازن العسكري في المنطقة، وتمثل حالة الفوضى في العراق تحديا حقيقيا لكل دول المنطقة الخليجية وغيرها.

وستكون الولايات المتحدة مهتمة أكثر في الفترة المقبلة بأوضاعها العسكرية في المنطقة، وقد أخذت العلاقات الإيرانية–الأميركية أبعادا جديدة مختلفة عن السياق الذي ظل سائدا منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979.

وأصبحت دول الخليج بحاجة إلى نموذج جديد وفاعل لنظام أمني يصلح للتطبيق في مرحلة العراق الجديد قائم على تخفيف التوتر وتعزيز الترابط والتعاون، وتطوير قوات درع الجزيرة، وتقليص الاعتماد على القوات الأجنبية.

العلاقات الإقليمية والعربية والدولية
اتسمت العلاقات الخليجية العربية خلال العام 2003 بقدر ملموس من الحيوية والتفاعل، ولم ترصد خلافات أو نزاعات مزمنة بين أي من دول مجلس التعاون الخليجي وأي دولة عربية. ولكن ثمة أزمة بين دول المجلس والأمانة العامة للجامعة العربية، وربما تشهد علاقات اليمن فتورا نسبيا نتيجة ما تعتبره صنعاء بطئا في معدل إجراءات الانضمام إلى أجهزة ومؤسسات مجلس التعاون.

وتواصل دعم دول الخليج للقضية الفلسطينية سياسيا وماليا، ولكن القضية الفلسطينية نفسها دخلت مرحلة صعبة تلقي بظلالها على دول المجلس.

وتطورت إيجابيا العلاقة مع تركيا، وقد تتجه في المستقبل نحو فضاءات اقتصادية وتجارية مشتركة. وتواصلت العلاقات الكثيفة مع الهند وباكستان، حيث يعمل أكثر من خمسة ملايين عامل هندي وباكستاني في الخليج، وبلغ حجم تحويلاتهم المالية في العقد الماضي حوالي 300 مليار دولار.

وفي المقابل فقد أسهمت الهند وباكستان في مساعدة دول الخليج على تطوير بنيتها التحتية وهياكلها الاقتصادية والحصول على خدمات علمية وتقنية متقدمة. ويمكن لدول الخليج أن تلعب دورا مؤثرا وفاعلا في استقرار شبه القارة الهندية وإبعاد شبح الحرب عنها.


المصدر : موقع الجزيرة الالكتروني http://www.aljazeera.net/books/2004/5/5-31-2.htm

جزيل
03/06/2004, 07:20 PM
الأبعاد القانونية والاجتماعية للتغيير
بقلم‏:‏ السيد يسين


لا يمكن القيام بإصلاح شامل أو تغيير مجتمعي مخطط بعبارة أخري‏,‏ بغير رؤية استراتيجية تحدد صورة المجتمع الذي نرجوه بعد عدة عقود من السنين‏.‏ وهذه الرؤية الاستراتيجية ـــ كما أكدنا أكثر من مرة ــ لا يجوز أن تنفرد بوضعها النخب السياسية الحاكمة في العالم العربي‏,‏ لأنها قد تكون منحازة لأوضاعها السلطوية أو الطبقية‏,‏ وإنما لابد من خلال حوار ديموقراطي شامل أن تشارك كل فئات المجتمع في مناقشة مكوناتها وتحديد أبعادها‏.‏
ومن هنا العلاقة الوثيقة بين صياغة الرؤية الاستراتيجية والأوضاع الديموقراطية‏.‏ فهذا الحوار الشامل الذي نشير إليه‏,‏ يتطلب وجود مجتمع مدني ناشط وفعال بمؤسساته‏,‏ والتي تتمثل في الأحزاب السياسية والنقابات المهنية والعمالية‏,‏ واتحادات الكتاب وجماعات المثقفين والجمعيات التطوعية‏.‏

غير أن تعدد الأطراف المشاركة في وضع الرؤية الاستراتيجية‏,‏ وقبول أهل السلطة عن رضا وقناعة بضرورة إسهام كل الاتجاهات السياسية والقوي الاجتماعية في رسم صورة المستقبل‏,‏ ليس سوي مطلب أول في هذا الصدد‏.‏ غير أن المطلب الثاني والذي لا يقل أهمية هو قدرة هذه الأطراف جميعا علي القراءة الدقيقة والنقدية لمتغيرات المجتمع العالمي‏.‏
ويقف في صدارة هذه المتغيرات تغير موازين القوي العالمية‏,‏ وخصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الاشتراكية‏,‏ وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالساحة العالمية باعتبارها القطب الأوحد الأعظم‏,‏ والذي تحول إلي إمبراطورية كونية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ والتأثيرات العميقة لهذا الوضع علي مجمل التفاعلات الدولية‏,‏ سواء بالنسبة للدول المتقدمة ذاتها أو بالنسبة للدول النامية‏,‏ وذلك علي صعيد السياسية والاقتصاد والثقافة‏.‏

ومما لا شك فيه أن العولمة بكل تجلياتها السياسة والاقتصادية والثقافية والاتصالية أصبحت هي العملية التاريخية الكبري التي ستؤثر بشكل بالغ العمق علي مسار القرن الحادي والعشرين‏.‏ والعولمة ــ كما فصلنا في عديد من كتبنا ستكون لها آثار بعيدة المدي علي حياة البشر في العالم كله‏,‏ وفي العالم النامي علي وجه الخصوص‏.‏ هذا العالم الذي ينبغي علي نخبة السياسية وطلائعه الثقافية أن تجيد إدارة التعامل مع قوي العولمة الصاعدة سياسة واقتصادا وثقافة‏.‏ والتعامل الكفء مع العولمة لا يتعلق فقط بفهم قوانينها الحاكمة ورسم الاستراتيجيات المناسبة لمختلف المواقف التي تفرضها‏,‏ ولكنه يتمثل أساسا في النهوض بالمجتمع‏,‏ من خلال التركيز علي رفع مستوي القوي البشرية من ناحية التعليم والتدريب وزيادة الوعي الاجتماعي‏,‏ حتي يمكن التفاعل بكفاءة مع باقي الأمم والشعوب‏,‏ مادمنا نعيش في عصر التنافسية العالمية والذي شعاره البقاء للأصلح‏!‏
القراءة الدقيقة لمتغيرات المجتمع العالمي إذن هي المطلب الملح الذي يقع علي عاتق الأطراف الاجتماعية المتعددة المشاركة في الحوار‏,‏ من أجل صياغة الرؤية الاستراتيجية أن تنهض بأعبائه‏.‏ وفي هذا المجال ليس هناك مكان للرؤية الإيديولوجية المتطرفة التي تتبناها بعض القوي السياسية‏,‏ سواء كانت تنتمي إلي اليسار أو إلي اليمين‏.‏ علي جبهة اليسار هناك قوي في المجتمع العربي أدمنت الهجوم علي العولمة باعتبارها مرحلة عليا من مراحل الامبرالية الرأسمالية‏,‏ وتدعو بعض أصواتها إلي قطع الصلة مع النظام الرأسمالي العالمي‏,‏ من خلال رفع شعار غامض هو التنمية المستقلة‏.‏ مع أنه من الواضح أن التنمية المستقلة كما تدعو لها هذه الأصوات تكاد أن تكون مستحيلة في عالم يقوم علي الاعتماد المتبادل‏,‏ وأهم من ذلك كله في عالم أصبحت تحكمه معاهدة منظمة التجارة العالمية التي تحرس مبدأ حرية التجارة‏,‏ ولديها من الوسائل القانونية الفعالة ما يكفل لها عقاب أي دولة عضو في المنظمة تخرج علي قواعدها‏.‏

أما علي جبهة اليمين فهناك الدعوات الشهيرة التي تنادي بأن الإسلام هو الحل بالنسبة لكل المشكلات‏,‏ بدون بيان كيف يمكن تحقيق ذلك علي وجه التحديد‏,‏ في سياق عالمي زاخر بالتحديات السياسية والاقتصادية والثقافية‏.‏
وهذه التيارات اليمينية التي تعيش برؤاها المتخلفة وبمفاهيمها الرجعية لا تركز علي المتون ولكنها تغرق ــ للأسف ــ في الهوامش‏,‏ وتركز طاقاتها علي التافه من الأمور‏!‏

لقد نشر في الصحف مؤخرا أن أنصار هذا التيار نجحوا والحمد لله في برلمان إحد البلاد العربية في إتخاذ قرارات خطيرة تتمثل في إباحة تطويل اللحية للذين يعملون في الدوائر الحكومية من الرجال‏,‏ وإباحة النقاب للعاملات في نفس الدوائر‏!‏ العالم يغلي بالمشكلات‏,‏ والعدو علي الأبواب‏,‏ وهذه الحفنة من البشر مشغولة بطول اللحية وبالنقاب‏!‏
وكان أجدر بهم أن يلتمسوا أسباب القوة المعرفية والسياسية والاقتصادية التي تسمح لهم بالعيش والمنافسة في مجتمع القرن الحادي والعشرين‏!‏

الأبعـاد القانونيـة للتغييـر
ولابد لمن يشاركون في وضع الرؤية الاستراتيجية للمجتمع أن يلتفتوا إلي أهمية الاعتبارات الدستورية والقانونية في عملية التغيير‏.‏
ففي بعض البلاد العربية لا يوجد دستور يحدد حقوق المواطنين وواجباتهم‏,‏ وقبل ذلك كله يحدد سلطات الدولة‏,‏ ويضع نظرية الفصل بين السلطات موضع التطبيق‏,‏ وهي نظرية ترتبط بالتطور الديموقراطي ارتباطا وثيقا‏.‏

وهناك بلاد عربية أخري فيها دساتير‏,‏ ولكنها تعطي رؤساء الدول سلطات شبه مطلقة مما يجعل السلطة التنفيذية ــ مع أنها إحدي السلطات ــ تتغول علي السلطتين التشريعية والقضائية‏.‏ ومن هنا لابد من تعديل مثل هذه الدساتير‏,‏ للوصول إلي صيغة متوازنة بين السلطات الثلاث‏.‏ كما أن بعض هذه الدساتير تضع قيودا جسيمة علي حرية التنظيم وحرية التعبير وحرية التفكير‏,‏ ومن ثم فهناك ضرورة قصوي ــ ونحن نعيش في عصر الموجة الثالثة من موجات الديموقراطية ــ لرفع هذه القيود جميعا‏.‏
ولابد في غمار عملية الإصلاح من مراجعة شاملة للتشريعات‏,‏ لإلغاء تلك التي تقيم تمييزا علي أساس الدين أو الجنس أو اللون‏.‏ ذلك أنه من المفروض أننا نعيش في عصر المساواة بين البشر‏,‏ وحتي لو كان ذلك مجرد شعار مثالي فعلينا ــ لو كنا واعين بمنطق التطور التاريخي ــ أن نحاول تطبيقه في كل الميادين‏.‏

ويرتبط بذلك ارتباطا وثيقا إحياء فكرة المواطنة‏.‏ ذلك أن الأفراد في عديد من بلادنا العربية‏,‏ لا يعتبرون مواطنين بالمعني الدقيق للكلمة‏,‏ ولكنهم مجموعة من رعايا الدولة‏,‏ ليست لهم حقوق واضحة وإن كانت تقع علي عاتقهم واجبات متعددة‏.‏
وفي هذا الإطار ــ كما طالبت وثيقة الإسكندرية ــ التي صدرت عن الاجتماع الذي نظمته مكتبة الإسكندرية في شهر مارس‏2004‏ بعنوان قضايا الإصلاح العربي‏:‏ الرؤية والتنفيذ‏,‏ لابد من صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطنين في كل بلد عربي‏.‏

تقرر الوثيقة في البند‏(33)‏ ما يلي‏:‏
ومن منطلق المواجهة الفعالة لسلبيات الممارسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الراهنة للدول العربية‏,‏ يري المجتمعون ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمواطن في المجتمع العربي‏.‏ هذا العقد من شأنه أن يحدد علي وجه قاطع حقوق الدولة والتزاماتها إزاء المواطن‏,‏ كما يحدد بشكل حاسم حقوق المواطن العربي وكيفية الحفاظ عليها‏.‏
وغني عن البيان أن هناك علاقة وثيقة بين تعميق شعور المواطنة وتدعيم مشاعر الانتماء‏.‏ ويمكن القول ــ بدون أدني مبالغة ــ أن قوة الشعور بالانتماء بين المواطنين من شأنها أن تؤثر تأثيرا إيجابيا علي جهود التنمية المستديمة‏.‏ لأن عمق الانتماء من شأنه أن يساعد علي رفع الروح المعنوية للجماهير‏.‏ وذلك مشروط بطبيعة الحال بقدرة الحكومات علي إشباع الحاجات الأساسية للناس بصورة فعالة‏,‏ وبدون تمييز‏,‏ وفي إطار من توسيع فرص الحياة وتكافؤ الفرص‏.‏

ولا شك أن عملية الإصلاح أو التغيير الاجتماعي المخطط لابد أن تقوم علي تدعيم الشفافية الكاملة‏,‏ بما يتيح حرية المواطن في الحصول علي المعلومات الثابتة الصحيحة فيما يتعلق بمختلف الموضوعات القانونية والسياسية والاقتصادية‏.‏ والثقافية‏.‏ بالإضافة إلي ما تعطيه للمواطنين من سند قوي لمتابعة القرارات الحكومية وتقييمها مما يساعد علي تحجيم ظاهرة الفساد‏,‏ والتي أصبحت عالميا من أكبر معوقات التنمية‏.‏ ويرتبط بالشفافية توسيع القدرة علي المحاسبة‏,‏ ولا شك أنه يرتبط ارتباطا وثيقا بعملية الإصلاح الإعلاء من وضع جهات المحاسبة في الدولة‏,‏ وإخضاع كافة العاملين بالدولة من أول الوزراء إلي أصغر الموظفين لقواعد ومعايير المحاسبة‏,‏ وفقا لضمانات دستورية وقانونية واضحة‏,‏ بحيث يطبق القانون علي الجميع بدون تمييز‏.‏ وأيا ما كان الأمر‏,‏ فلابد من التأكيد علي أنه لا إصلاح بغير التأكيد علي مبدأ هام‏,‏ هو أن الدولة في الوقت الحاضر لابد أن تكون دولة مدنية تقوم علي ضرورة الفصل بين الدين والدولة‏,‏ دولة عصرية تقوم علي التشريع تحت رقابةالرأي العام‏,‏ ولا تقوم علي الفتوي التي يصدرها من لا يعيشون العصر بكل متغيراته‏.‏
ولا يعني ذلك علي الإطلاق الفصل بين الدين والمجتمع‏,‏ فالأديان جميعا تتخلل نسيج كل المجتمعات‏,‏ وينبغي أن يتاح أمام معنتقيها حرية تطوير الفكر الديني الخاص بها‏,‏ بما يتفق مع روح العصر‏,‏ وفي إطار التأكيد علي المقاصد العليا للدين والتي هي متشابهة في الأديان جميعا‏.‏

نحن نعيش في عصر ينادي بالديمقراطية وحقوق الإنسان‏.‏ وينبغي أن نضيف إلي ذلك أيضا أهمية رفع شعار التسامح الديني في ضوء الاحترام العميق لكل دين‏.‏
هذا هو صوت الشعوب في مختلف الثقافات‏,‏ حين تبرأ من دعاوي التعصب الجاهلة‏,‏ ومن شعارات التطرف المدمرة‏.‏

جريدة الاهرام.

صقر الخالدية
05/06/2004, 04:08 PM
الحرية تعني احترام القانون والرأي الآخر

عبدالله بن محمد المسن:

كثر خلال هذه الفترة الحديث عن الديمقراطية بحيث اصبحت كلمات الديمقراطية والايدولوجية والليبرالية والحرية والتعددية والكثير من الكلمات الرنانة الاخرى تحمل في طياتها معاني وأهدافا مختلفة لها مبرراتها حينا وفي أحيان كثيرة تتخيل او قد تصل بالفعل الى قناعة تامة.
ان معظم الذين يتحدثون عنها او غالبية المتحدثين عنها نتيجة للاحداث الواقعة على الارض لا يكاد يطبقونها ولكن يتخذونها مبررا لمصالح شتى بالرغم من الادعاء بتطبيقها كل ذلك نتيجة للشعور المتزايد ببحث الانسان الدائم عن احلامه وآماله وحقوقه وواجباته ورغبته الملحّة الى معرفة المعنى الحقيقي من استخدام مثل هذه الكلمات الرنانة والحديث عنها من وقت الى آخر وما هي الوسائل التي تجعله يفهم حدودها والمعنى الحقيقي من العمل بها وكيف له ان ينعم بها..؟ وهل تعني الحرية وصولا للمساواة للجميع..؟ وهذا ما يطمح اليه كل انسان.. هناك اسئلة كثيرة الا ان الحقيقة تقول ان الانسان مسؤول عن ما يصدر عنه من اعمال ومعنى المسؤولية ان الاعمال التي تصدر عنه في نطاق اداء الواجب متوقفة عليه ويحمل مسؤوليتها في اطار القانون ولا شك انه كلما تقدم الوعي في المجتمع نجحت المشروعات الاصلاحية فيه وحققت اهدافها في اقصر فترة ممكنة، وهذا يعني ان الانسان حر عندما يتكامل مع مجتمعه في اطار ثقافي يجمع بين العقيدة والجهود التي تتفق مع قيم المجتمع وتقاليده وكذلك نقول ان الحرية وثيقة الصلة بالاخلاق.
ومهما تكن الكلمات وعظمة الحديث عنها لا بد ان نعترف بأن هناك موضوعا محددا بعينه وهدفا ينبغي تحقيقه من وراء هذه الكلمات وما تحمل من معان واضحة وخفية ليس من الصواب ان نبقى صامتين حتى تأخذ الامور مجراها كما هو مخطط لها من الجانب الآخر، ومن الاجدر بنا ان نصل الى قناعة مشتركة ان الحقوق والواجبات تعتبر حجر الزاوية ومدخلا حقيقيا لكي يتمكن الانسان من الحصول علىحريته التي يعمل من اجلها منذ أن خرج الى هذه الدنيا ولذلك فهو يبحث ان تكون له حرية في اختيار ما يريد، وفي سبيل ذلك فهو يسعى ويتصرف بطريقة واخرى متوخيا تحقيق حريته وتأكيد وجوده وكيانه باعتبارهما من القيم العليا التي يعمل من اجل تحقيقها وصولا للعدالة الاجتماعية مع كافة افراد المجتمع وفي اطار القانون الذي ينظم ذلك، سعيا لتحقيق الرفاهية والسعادة لجميع افراد المجتمع. ولإزالة العوائق التي تؤدي الى الحواجز والفوارق بين الناس حتى تسود المحبة والسلام والوئام بين كافة افراد المجتمع.
ومما لا شك فيه ترى ان موضوع الحرية يعد من اهم الموضوعات الشائكة التي تواجه الانسان منذ قديم الزمان الى ايامنا التي نعيشها الان وليس من شك انها ستظل مشكلة شأنها شأن عدم احترام القانون والرأي الاخر والكرامة الانسانية وستبقى هكذا الى ان تتم زيادة الوعي باهمية تحمل المسؤولية مع الالتزام التام بتطبيق الحدود والضوابط التي يرضى بها المجتمع ويطالب بها بشكل مستمر. واذا كان هذا هو الحال فما علينا الا ان نهيب بتوجهنا هذا الى العلماء والمفكرين واهل القلم والاسرة لما لهم من دور كبير في وضع التحديد اللازم للمعنى الحقيقي للحرية، فالحرية الشخصية كما هو معروف ليست حرية مطلقة، كما انها ليست أبدا الدعوة الى الاباحية، فالحرية التي تهمنا تعني المحافظة على حقوق الفرد وحقوق الاخرين في ظل القانون اي ان هناك ضوابط لحماية حقوق كافة افراد المجتمع ولا بد من الوقوف الى جانب ذلك ووضع ما يلزم من الضوابط لتتوافق مع ديننا وعاداتنا وتقاليدنا والمصالح المشتركة بيننا وبين الاخرين، وصولا لتحقيق العدالة فيما بيننا وعلى هذا النحو نكون قد توصلنا الى مفهوم يعزز الديمقراطية فتتحقق الحقوق والواجبات وصولا للمساواة، وفي اعتقادي ان الديمقراطية التي نسمع عنها الآن هي في الاصل موجودة والدين الاسلامي اشار اليها في الكتاب والسنة في اكثر من موقع وكذلك الكتب السماوية الاخرى.
وعموما فقد اخذ الحديث عن الديمقراطية ابعادا كثيرة وتهافت الكثير الى تقليد الآخرين دون الوعي بمفهوم ما يراد من ذلك. وهكذا اتيحت الفرصة لهؤلاء الدعاة من بث آرائهم ومن الاجدر بنا ان نتفق اولا مع انفسنا هل نحن نحترم حقوق الاخرين..؟ ما هي الحقوق الواجب ممارستها. وما هي الواجبات؟ وما هي الواجبات الواجب ايضا تأديتها..؟
ولا شك ان الحرية الواقعية تتوقف علينا باعتبارها وثيقة الصلة بالاخلاق وحتى يتم تحقيق الحرية واعطاء الناس حريتهم في كذا.. وكذا. وتشعر بالفعل وقد حققت كيانك وحلمك بالحرية وبالتالي بالديمقراطية فالامر يحتاج الى الاتجاه نحو تجديد الفكر الانساني وحيويته حتى يواكب العصر الذي نعيشه الآن بكل تبعاته وان نسعى في المقام الاول الى احترام القانون حتى يتم تحديد مسؤولية الفرد عن تصرف له يد فيه او لا يد له فيه. ويمكننا القول حينئذ ان كرامة الانسان ومكانته تتمثل في ان الحرية هي الاخلاق خالصة وان تتوقف حريتك عندما تبدأ حرية الآخرين لاننا لا يمكننا ان نتحدث عن كرامة الانسان والانسانية الا اذا كانت الانسانية في نظرنا هي الحرية، وان الانسان مسؤول عن تصرفه واعٍ بما يجري حوله وليس آلة منفذة، فعلينا ان نضع في الاعتبار ان حياتنا العاطفية ليست هي كل شيء وانما هنالك الحياة في كافة مستلزماتها وظروفها وتداعياتها وليس ثمة شك في ان الحرية التي نحن بصدد الحديث عنها وصولا للديمقراطية التي نسمع ونتحدث عنها هي النقطة المحورية التي تدور حولها حياة الانسان والحرية تعني في الحقيقة تحقيق ارادة الانسان التي لا بد ان تسترشد بعقله وتتوخى حبه للخير مستلهما ضميره وصولا الى الحرية في حدود المنفعة العامة والعدالة والمساواة لكافة الجماعة الانسانية التي تعيش في مجتمعها. ولقد حرصت المجتمعات على وضع اللوائح والقوانين لكي يتحقق الخير للناس جميعا في ظل الحدود العامة التي يطبقها لاعطاء كل فرد حريته المنشودة بما لا يؤذي حقوق الآخرين، وبما لا يجعل البعض يتجاوز الحدود على البعض الآخر. وقد يتبادر للذهن ــ انه بالفعل ــ الحرية هي التي تكفل التكامل الاجتماعي وتحول دون تجاوز بعضنا على البعض الآخر ولذلك يتراءى للباحث عن معنى الحرية انه لا يستقر لها مفهوم واضح الا اذا ارتبطت بسلطة عقيدة المجتمع فحرية الفرد وسلطة عقيدة المجتمع امران متلازمان لا غنى لاحدهما عن الآخر. ولا يمكن ان يكون بينها تعارض او ينشأ بينهما خلاف الا حين تنقلب الحرية فوضى وتحكما فتضرب موازين الحياة الاجتماعية وتفتقد الى الكرامة الانسانية، وللحديث بقية ان شاء الله.


جريدة عمان

صقر الخالدية
06/06/2004, 06:53 PM
إلى متى هذا الخلط المعيب بين الثوابت اليقينية.. والأخرى الوهمية..؟

زين العابدين الركابي

كانت «المنهجية الفكرية والإعلامية لمعالجة ظاهرة الغلو» هي موضوع البحث الذي قدمناه إلى المؤتمر الفكري الثاني للحوار الوطني الذي انعقد في مكه المكرمة في الأسبوع الماضي.. والمنهجية أو المنهج هو أحب القضايا إلينا، فليس يصح التفكير في دين ودنيا، في علم ومعرفة، في اجتماع وسياسة، في لغة وأدب، في تاريخ وحضارة، في تربية وسلوك وخلق، في وطنيه وعولمة، في حاضر ومستقبل.. ليس يصح التفكير في شيء من ذلك، إلا إذا انبثق التفكير وانضبط واستعصم بالمنهج القويم الصحيح ذي القواعد المنتظمة ـ باطراد، والملَتَزمة دوماً.
وكان من محاور ذلك البحث المقدم: ضرورة التفريق الواضح الحاسم بين قضيتين لا يجوز ـ قط ـ الخلط بينهما، لأن بينهما من التباعد، بل التناقض، ما يجعل الخلط بينهما «غشاً معرفياً»، وتضليلاً فكرياً للناس.
هاتان القضيتان المتباعدتان المتعارضتان هما قضية «الثوابت اليقينية» مثل: وجود الله ووحدانيته، وعصمة القرآن وحفظه، وعصمة الرسول في البلاغ، والعبادات التوقيفية.. وقضية «الثوابت الوهمية». ولقد ضرب مثل لها بـ«الدعاء البِدْعِي» الذي غدا ـ لطول الإلف والممارسة ـ « ثابتاً يقينياً»!! مع انه ـ في حقيقته ـ: وهم انتحل صفة الثبات.. ويتمثل هذا الدعاء البِدْعِيّ في الدعاء على غير المسلمين بالهلاك التام، والاجتثاث الكلي، والمحق الشامل.
وفي أثناء المداخلات: تبدت ملاحظة ذكية ونابهة فحواها: قد يعترض معترض فيقول: كيف يُمتنع عن مثل هذا الدعاء في حين أن نوحاً قال: «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا»؟
فكان جوابنا:
إن شرع من قبلنا: شرع لنا، ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه أو يخالفه.
إن هذه المخالفة موجودة وموثقة:
إن غير المسلمين هم من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي أنهم عالم مشمول ببلاغ الرسالة الخاتمة.. وهذه الأمة بشقيها ـ شق الدعوة، وشق الإجابة ـ: تأذن الله ألا تجتث بهلاك عام.. والواقع التاريخي يؤكد هذه الحقيقة.
إن نوحاً عليه السلام دعا على قومه بالمحق التام، والاجتثاث الكلي «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا. انك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا». ويبدو أن نوحا توصل إلى هذه النتيجة من خلال تجربته أو خبرته الطويلة التي استغرقت 950 سنة. فقد تبين له على هذا المدى الزمني الطويل: انه كلما نشأ جيل جديد: نشأ على الكفر والضلال «ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا»، لكن نبينا رفض الاجتثاث الشامل للمشركين حيث قال: «فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني الله إليك لتأمرني بأمرك، فما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (جبلان عظيمان بمكة)، فقال النبي: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا».
موقفان مختلفان جداً:
«ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا».
«أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً».
ج ـ طُلب من نبينا أن يدعو على المشركين فأبى وقال «إنما بعثت رحمة ولم ابعث لعانا».. وهذا يرفع التناقض عن المنهج. فالله أرسل سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».. ومعلوم: أن اللعن إنما هو الطرد من رحمة الله.. فكيف يكون من أرسله الله رحمة للعالمين: سببا في طرد الناس من رحمه الله؟
د ـ في اللحظة التي شج فيها المشركون وجهه الشريف، وكسروا رباعيته. في هذه اللحظة التي يسيل فيها دمه الزكي، قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
هـ ـ في البخاري بابان: باب الدعاء على المشركين وباب الدعاء للمشركين. فكيف يُفهم هذا؟ .. يفهم بان يكون الدعاء على المشركين الظلمة المعتدين. وهذا يشمل كل ظالم معتد: أمس واليوم وغداً، فالدعاء سبب من أسباب رفع الظلم، وهو سبب متاح لكل إنسان سواء كان مسلما أو غير مسلم. فهو من الدعاء الاضطراري الذي يستجيب الله فيه للمسلم وغير المسلم: «أم من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض».. ثم أن الأمر يُفهم بأن يكون الدعاء للمشركين المسالمين.. وهذا يشمل كل مسالم غير مسلم: أمس واليوم وغدا.
وقد اقتضى توضيح هذه الحقيقة: حقيقة أن (الدعاء البِدْعِيّ) إنما هو (ثابت وهمي) لا حقيقي: اقتضى ذلك: مزيداً من البسط والتأصيل وتوسيع دائرة الفائدة والنفع عن طريق هذه الجريدة.
يقول أبو عبد الله القرطبي ـ في تفسير آية: «ليس لك من الأمر شيء»: «في صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: «كأني انظر إلى رسول الله يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». قال علماؤنا: فالحاكي في حديث ابن مسعود هو الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو المحكي عنه بدليل ما قد جاء صريحاً مبينا: إنه عليه الصلاة والسلام لما كسرت رباعيته، وشج وجهه يوم أحد، شق ذلك على أصحابه شقاً شديداً وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إني لم ابعث لعانا، ولكني بعثت داعياً ورحمة، اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».. ويبينه ايضاً ما قاله عمر له في بعض كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله. لقد دعا نوح على قومه فقال «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا»، و لو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فقد وُطِئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك فأبيت أن تقول إلا خيراً فقلت: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون».
وقال القرطبي ـ كذلك ـ في تفسير «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا»: دعا عليهم حيث يئس من أتباعهم إياه، وقال قتادة : دعا عليهم بعد أن أوحى الله إليه «انه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن».. وقال ابن العربي: دعا نوح على الكافرين أجمعين، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على من تحزّب على المؤمنين وألب عليهم. وكان هذا أصلا في الدعاء على الكافرين في الجملة. فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يُدعى عليه، أن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة بالسعادة، وإنما خص الله عتبة وشيبة وأصحابهما لعلمه بمآلهم وما كشف له من الغطاء عن حالهم. وان قيل لم جعل نوح دعوته على قومه سببا لتوقفه عن الشفاعة للخلق من الله في الآخرة؟ قلنا: للناس في ذلك وجهان: احدهما: أن تلك الدعوة نشأت عن غضب وقسوة، والشفاعة تكون عن رضا ورقة فخاف أن يعاتب ويقال: دعوت على الكفار بالأمس وتشفع لهم اليوم.. الثاني: انه دعا غضبا بغير نص ولا إذن صريح في ذلك، فخاف الدَّرْكَ فيه يوم القيامة».
وندير الحديث إلى زاوية أخرى فنقول: إن لهذا المقال أو الموضوع: صلة مبدئية ووظيفية ومقصدية بمقال الأسبوع الماضي «عيسى صلى الله عليه وسلم ورسالته وصورته وشخصيته» فأبرز خصائص المسيح ابن مريم: خاصية (الرحمة) كما قال الله ـ جل ثناؤه ـ: «ولنجعله آية للناس ورحمة منا».
كذلك فان ابرز خصائص خاتم النبيين ـ صلى الله عليه وسلم وآله وسلم ـ: خاصية (الرحمة)... وهذا هو الدليل:
«يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم».
«لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم».. ومن مفاهيم هذه الآية: انه يشق على النبي: أن يرى الناس في عنت ومشقة، وانه لا يطيق رؤيتهم تعساء، وانه يحرص على كل ما ينفع الناس ويسعدهم ويريحهم، وهذا عين الرحمة.
«وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».. وهذه هي الرحمة العامة للخلق أجمعين.. ومن معاني هذه الرحمة العامة: ألا يدعو الرسول على غير المسلمين ـ من غير الظلمة المعتدين ـ باجتثاث ولا هلاك عام، وألا يطردهم من رحمة الله. فمفتاح رحمة الله لا يكون أبداً مغلاقاً لهذه الرحمة.
والرحمة.. ما الرحمة؟
الرحمة هي: الرقة، والعطف، والرأفة، والحنان، والتلطف، واللين فهي ـ من ثم ـ جماع الخير، والرغبة في الإحسان إلى الخلق.
ما خلاصة الإسلام؟
خلاصته هي: الرحمة.
يضم إلى ما تقدم: حجة عقلانية ساطعة وهي: ان بقاء البشر والحضارات هو (موضوع) الإسلام، ومناط رسالته، فإلى من يتوجه الإسلام بهداه إذا فني البشر، واجتثوا من فوق الأرض: وفق رغبة الذين توهموا أن (الدعاء البِدْعِيّ) على غير المسلمين بالمحق الشامل: من ثوابت الإسلام؟
وتمام الكلم: أن الدعاء قربى إلى الله:
قربى إلى الله بتجريد الدعاء له وحده لا شريك له.
وقربى إلى الله، لأن الله يحب من يدعوه: «فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان».
ومن هنا، فإن الدعاء البدعْي لن يكون قربى إلى الله من حيث أنه دعاء مخالف لسنة الله الكونية، وشرعه الديني.

جريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
07/06/2004, 03:39 PM
في مديح الورق
2004/06/05

عزت القمحاوي
مرة أخري أثبتت مملكة الورق أنها لن تزول بسهولة، بعد أن هزمت سريعا المخاوف والشكوك التي صاحبت ميلاد شبكة الإنترنت.
لم تكن شبكة العنكبوت الامتحان الأول؛ فقد نجحت الكلمة المطبوعة من قبل في امتحان البث الإذاعي، فالتليفزيوني، حيث عاشت الصحف وانتعشت إلي جوار الوسيلتين الجديدتين مثلما ازدهر الكتاب المطبوع جنبا إلي جنب مع السينما.
ورغم الانتصارات السابقة اعتبر البعض أن الإنترنت هي المواجهة الأخيرة التي دخلتها مملكة الورق مجبرة ولن تخرج منها إلا مهزومة تجرجر خيبتها إلي المتحف.
في الصحافة ألقي الفاشلون بفشلهم علي الوسيلة الجديدة واعتبروها سببا في تراجع توزيع صحفهم، وعلي صعيد الكتاب سارعت بعض دور النشر في الاستثمار في مشروعات الكتاب الإلكتروني واستحدثت بعضها بنودا جديدة في عقودها مع الكتاب تؤمن حقها في التصرف في النصوص بكل طرق النشر ومنها الطريق الإلكتروني. وبعد سنوات قليلة أصبح الناشرون أكثر ترددا وأكثر شكا في قيمة هذه الوسيلة الجديدة، قبل أن ينجزوا شيئا ذا قيمة في هذا الطريق.
التراجع السريع للرهان علي شبكة الإنترنت وعلي النشر الإلكتروني يبدو وثيق الصلة بطبيعة هذه الوسيلة الملغزة التي بقدر ما توفر من حرية في نوع المادة التي يمكن أن يتلقاها القارئ بقدر ما توفر من شكوك حول مصداقيتها.. في الخبر يأخذ المتلقي تلك الصحافة الافتراضية بشك، إما لعدم معرفته بمصدرها أو لإحساسه باستحالة محاسبتها علي معلوماتها الزائلة التي يسهل عليها التخلي عنها، ولذلك فإن مواقع الصحف هي الأكثر مصداقية حتي الآن لإحساس القارئ بوجود مرجعية ورقية في السوق، حتي لو لم تصل إلي يده هو.
وفي الإبداع تعطي مادة الإنترنت انطباعا بأنها مادة عير مُحكّمة، أي ليس هناك من أجاز مرورها بعد كاتبها، كما يحدث عادة في الصحف وفي دور نشر الكتب.
وإذا ما اعتبرنا توفر الحرية فيما تقدمه الإنترنت ميزة مطلقة، فإن ما يتلقاه القارئ من توسيع لحريته في نوع المادة يقابله الانتقاص من هذه الحرية في كيفية هذا التلقي، فالكمبيوتر بحاجة حتي الآن إلي مصدر كهربي للتشغيل، وبالتالي وضع معين للتلقي لا يسمح بحميمية الاستلقاء في الفراش أو علي الشاطئ، كما أن وجود النص يظل مرهونا بسلامة الآلة المستخدمة.
هذه الهشاشة تذكر القارئ بحقيقة وجوده المؤقت والعابر، أي تضعه بالتمام في الوضع المضاد لأحد أهم أهدافه من القراءة: الإحساس بملمس الخلود!
إضافة إلي كل هذا فإن تاريخ قراءة صحيفة معينة أو كتاب معين لم تصنعه العـــــين وحدها، بل الأنف أيضا، وهذا ما لا يمكن أن نحصله من الإنترنت؛ فنحـــــن لا نحب فقـــط ما تنشره صحيفتـــــنا المفضلة أو شكل إخراجها فقط، بل نميز رائحتها، كما أننا لا نتذكر فقـــط الرسوم الممـــــيزة وقصص مجلات طفولتنا، لكننا نستعيدها برائحتها، وربمــــــا بعثت معها روائـــــح الطفولة المصاحبة، وكـــــذلك الكتاب الذي لا يمــــكن أن نقـــــرأه للمرة الثانية إلا وتهــــب من صفحــــاته رائحة وطعم زمن القراءة الأولي.
لا يفتقر النص الإلكتروني إلي الماضي فقط، بل إنه عاجز عن بذل أي وعد بمستقبل للعلاقة مع قارئه؛ فنحن ندخل إلي النص الإلكتروني ـ المفتقر إلي الجسد الملموس والرائحة الخاصة ـ مجردين من الحلم ببناء علاقة جديدة كما يحدث عادة في اللقاء مع الكتب.. ليس بوسعنا أن نطوي زاوية الصفحة أو نضع خطوطا تحت الفقرة التي نشعر بأنها تمثلنا أكثر من غيرها. ولأن تبادل الكتب الرقمية ليس بحاجة إلي اللقاء، فهو يحرم العشاق الصغار من الحجة الجميلة التي طالما استخدمناها لتدبير المقابلات الخاطفة: حجة مبادلة الكتب.
والأسوأ أن الوردة الإلكترونية التي يمكن أن نزود بها النص المعار بضغطة زر لا يمكن أن تخرج من بين صفحاته لتستقر تحت الوسادة!
لا شيء من فضائل الورق تتيحه الإنترنت عديمة الرائحة التي بالغنا في رهاننا عليها، واعتبرناها وسيلة مؤكدة للتحديث السياسي!
وهذا الرهان انطوي هو الآخر علي قدر كبير من التفاؤل. وقد جربت بنفسي في بعض الاحتدامات الكبري أن أتلقي وأعيد إرسال رسائل الاحتجاج والتضامن مع الشعوب والأفراد المأزومين، لأكتشف أن هذا النفق المؤمَّن جيدا والمظلم يضمن للاحتجاجات أن تظل فردية وقليلة الإيذاء. لا يخلق هذا النوع من الاحتجاج رأيا عاما صلبا كذاك الذي تكونه وترعاه المطبوعات العلنية، بل يبقي مجرد فعل تصريف لا يختلف في شيء عن إعلان الرأي أو الغناء في الحمامات!
علي أننا لم نخسر شيئا بوجود هذه الإمكانية الجديدة خصوصا في الدول التي لا تزال تطارد الكلمة المطبوعة. أنا مثلا، لولا الإنترنت لم يكن بمقدوري أن أتابع القدس العربي بعد أن قررت الحكومة المصرية خطورة هذه الصحيفة علي ديمقراطيتها العريقة. وأن تصلني القدس دون رائحة أفضل من ألا تصل علي الإطلاق. فليبارك الله الإنترنت التي تعمل أيضا بكفاءة عالية كوسيلة نقل سريعة ومنخفضة التكاليف، الأمر الذي يساعد الصحف ودور النشر علي إنجاز عملها بشكل أسهل، حيث لم تعد النصوص بحاجة إلي رسوم البريد أو تكلفة الفاكس والتليفون الدولي الباهظة. ولو كانت هذه الوسيلة الجديدة متاحة قبل أربعة عقود لكان من شأنها أن توفر وجبة أو وجبتين لكاتب مجيد مثل غابرييل غارثيا ماركيز الذي عاني ألم الجوع ذات يوم لأنه أنفق بيزواته الأخيرة في إرسال مخطوط روايته مئة عام من العزلة إلي دار النشر، بينما لا يمكن للقارئ أن يضحي بروائح الغواية في الرواية ذاتها؛ والتي لا يمكن تشممها من خلال حركة مؤشر ضوئي سيان عنده إذا ما مر بكلمة الحب أو الحرب .
0


القدس العربى

صقر الخالدية
08/06/2004, 05:01 PM
السعودية: قبل تغيير ثقافة الارهاب يجب تغيير الواقع
2004/06/08

د. مضاوي الرشيد

بعد سلسلة من الاحداث الدامية والمواجهة بين الجهاديين وجهاز الامن تحاول الدولة السعودية ان تنتزع النصر من براثن الهزيمة. بعد كل مواجهة مسلحة او تفجير او عملية استشهادية نري الدولة مشغولة بتجنيد اجهزتها الاعلامية وطاقاتها الدعائية التي تصرف عليها الاموال الطائلة لتكرس في ذهن المواطن والعالم الخارجي معادلة باطلة تقوم علي تمويه الحقائق وتمييع الموقف، المعادلة تقوم علي اظهار الدولة بتركيبتها الحالية واطارها المعروف للجميع وكأنها الخيار الوحيد والحتمية التاريخية غير القابلة للجدل والمناقشة والتفسير والتأويل. اذ انها تظهر ان المعادلة المضادة تتألف من خلايا قتالية شرسة تقوض الاقتصاد وتطعن الوحدة الوطنية و تفتك بالابرياء من المسلمين وغيرهم وتتألف من لصوص وقطاع طرق مجرمين لا يعرفون الرحمة بل هم فئة ضالة من بقايا الخوارج والغلاة.
في هذا الخطاب الدعائي تحاول الدولة ان تكسب بعض النقاط الايجابية وتبسط الخيار للمواطن الذي يُطلب منه بعد كل مجابهة مسلحة ان يعلن ولاءه ويجدد بيعته في المسجد والشارع ومكاتب العمل وعلي صفحات الجرائد وشاشات التلفاز. فبعد عملية غسل الأدمغة يسأل المواطن: لك ان تختار بين نعيم الدولة القائمة وجحيم المستقبل الذي يترتب علي سقوط الانظمة الديكتاتورية. وتستشهد هذه الدولة بدول الجوار وترهب شعبها بتجربة العراق تحت الاحتلال حيث يغيب الامن وتكثر الجريمة وتنسي الدولة ان العراق يقاوم احتلالا مباشرا ويمر بمرحلة عصيبة لها خصوصيتها التي لا تنطبق علي معادلتنا السعودية هذه.
وباختصار بعد كل مواجهة عنيفة تحاول الدولة ان تبني شرعية جديدة علي اشلاء القتلي وركام المباني. وهذا رد سريع قد يقنع العامة ولكن يعجز عن ترسيخ الولاء لان الكثير اليوم يعرف ان المعادلة ليست محصورة بالدولة القائمة من جهة والجهاديين من جهة اخري. هناك حل ثالث او خيار مطروح علي الساحة تتجاهله الدولة بل تحاول كل جهدها لطمسه وتغييبه غيابا كليا. طرح هذا الحل في عدة مناسبات ونوقن من قبل مجموعات كبيرة من الشعب وما لقي حتي يومنا هذا التعتيم والتجاهل. الكل يعرف ان الخيار الثالث موجود ولكنه مرفوض.
الدولة اليوم تعاني من حرب تدور رحاها ببطء ربما تصح تسميتها بـLow Intensity Warfare كان اخرها ما حصل في الخبر، هذه الحرب تستنزف الدولة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا عدي تأثيرها علي نفسية المجتمع وسيكولوجيته. بالاضافة الي الخطاب الدعائي المذكور تحاول الدولة معالجة النزيف هذا بطريقتين. اولا: الحل الامني الذي ينطلق من مبدأ اجتثاث الخلايا المسلحة ومطاردتها عسكريا واستخباراتيا مع ما يتضمنه هذا من اختراق لحقوق العامة. وقد اصبح من المسلم به ان الحرب علي الارهاب قد ادت الي تقليص الحريات وانتهاك الحقوق المسلم بها في البلدان التي كانت تؤمن وتطبق مثل هذه المبادئ. فكيف هو الحال اذا في دول لا تقيدها مثل هذه التفاصيل بل هي ترفضها لانها تتعارض مع الثقافة المحلية و التراث القديم ؟
ثانيا: تتعامل السعودية مع النزيف الحالي بتفعيل الخطاب الوعظي الذي يركز علي مبدأ القضاء علي ثقافة الارهاب والتي حددت الولايات المتحدة مصدرها وشخصت اسلوب علاجها. وبذلك خففت علي الدولة السعودية مهمة البحث والاستكشاف حين زعمت ان المناهج التعليمية بشكل عام والثقافة الدينية بشكل خاص يشكلان المصدران الرئيسيان للارهاب في العالم. فبالاضافة الي محاولات جادة لتغيير المناهج التعليمية من اجل القضاء علي ثقافة الارهاب وزرع ثقافة الحوار والقبول بالاخر وخاصة بالولايات المتحدة نري ان الخطاب السياسي الرسمي يتبني اسلوب الوعظ عندما يضطر الي مواجهة الخارج والداخل من خلال وسائل الاعلام والتي تبحث دوما عن الصوت المحلي الذي يفسر لها ما يجري علي الساحة من اعمال عنف بدأت تزداد حدتها وشراستها يوما بعد يوم. الموقف الرسمي يكرر دوما ان الحل لمواجهة هذه الدوامة هو في الرد بيد من حديد بينما تجري عملية اقتلاع ثقافة الارهاب والفكر الذي يغذيه ويضفي عليه شرعية دينية خلف الكواليس وعلي مقاعد الدراسة.
يجب ان تقتنع الدولة السعودية والمجتمع ان الحل الحقيقي للازمة لا يكمن في العلاج الامني فقط، ويجب ان تتعلم الحكومة السعودية من تجربة الولايات المتحدة في عدة مناطق ان العدو اليوم يتغلغل في المجتمع الذي يوفر له غطاء حاميا وليس للجبهة المكان او الزمان المحددين لذلك لن يجدي حشد الجيوش والعساكر ويبدو انه كلما انطفأت خلية اشتعلت اخري. وكلما صمت عالم تكلم آخر، وكلما استشهد رجل ولد آخر.
اما الحل المبني علي تغيير ثقافة الارهاب فمن المؤكد ان سياسة الوعظ وغسل الادمغة هي ايضا لن تنجح لسبب علمي بحت الا وهو الحقيقة المبنية علي اهم البديهيات القائلة انه قبل تغيير الفكر يجب تغيير الواقع. الفكر نفسه والثقافة بكافة اطيافها هي وليدة واقع وليس العكس. الواقع هذا يولد الثقافة ويجعل الانسان مهيأ ومخولا لانتاج فكري معين. ان اليد الحديدية والتغيير الثقافي الفوقي لن يؤديا الي تغيير الحالة الامنية وايقاف النزيف واقتلاع جذور العنف السياسي من باب البديهيات والمسلمات.
ان الثقافات بكافة اطيافها تنمو وتترعرع بطريقة تعكس بيئة معينة ذات صفات اجتماعية وسياسية خاصة بها وكذلك تنبت الثقافات في محيط وجغرافيا لها ميزاتها. ان الواقع هو الذي يخلق الثقافة وليس العكس كما تزعم الدولة السعودية، ومتي ان تطورت ثقافة ما واستتب امرها تصبح هي المحرك المهم والاداة الفعالة في صياغة الشخصية الفردية والاجتماعية والوطنية. ان محاولة الدولة اقتلاع ثقافة الارهاب مهما كانت جديتها لن تجدي نفعا ولن يؤدي ذلك الي نتيجة ملموسة طالما ان الواقع ما زال كما هو عليه. وان جردت الدولة اكبر طاقم وعظي وشطبت فصولا وحذفت مراجع بل حتي لو حرمت تفسيرات معينة فانها لن تستطيع ان تقلب القناعات لان هذا يتطلب تغييرا جذريا للواقع الذي يغلف المجتمع السعودي والذي يكوّن شخصيته وميوله وافكاره. من باب تغيير الواقع يترتب الغاء بعض التصرفات والممارسات التي اصبحت ملتصقة بهوية الدولة وكيانها. منها ما يلي:
1 ـ القضاء، عن طريق الممارسة وليس الوعظ، علي التناقض والازدواجية السياسية التي تصل الي مرحلة الحالة المرضية مثل انفصام الشخصية او الكيتزوفرنيا فمن جهة تدعي الدولة مناصرة قضايا الاسلام والمسلمين وتفتخر بصرفها وكرمها علي مثل هذه القضايا ومن ثم نراها علي صعيد الواقع تتبني سياسة ان لم تكن تآمرية فهي موافقة علي مشاريع الخارج. ومن جهة تنتقد الدولة السياسة الامريكية في المنطقة ولكنها من جهة اخر تسخر كل طاقاتها وثقلها السياسي والديني لخدمة مصالح الولايات المتحدة. ومؤخرا وضعت الدولة ثقلها الاقتصادي خلف مصالح الاقتصاد الامريكي. في كل هذه المواقف نجد الدولة تتبني سياسة الازدواجية (اذا استعملنا المصطلح العلمي لهذه الحالة ـ اما المصطلح الديني فربما يكون النفاق).
ومؤخرا كبرت الفجوة بين السياسة المعلنة والسياسة الخفية، وفي زمان ماض كان من الصعب ربما اكتشاف هذه الازدواجية وفضح التناقض. ولكننا اليوم نعيش في عصر يصعب فيه التعتيم والمراوغة والنفاق بسبب تعدد مصادر المعلومات فالدول اليوم غير قادرة علي التعتيم هذا. الازدواجية السعودية اصبحت واقعا حقيقيا افقد الدولة هيبتها وقدرتها علي اقناع الشعب بصدقها وحسن نيتها. ومهما حاولت الدولة اقتلاع الثقافة التي تدين الولايات المتحدة فهي لن تنجح ما دامت الولايات المتحدة تتبع سياسة واضحة في معاداتها للقضايا العربية والاسلامية من العراق الي فلسطين مرورا بمناطق اخري وسجون ممتدة من غوانتانامو الي ابو غريب. وطالما ان الدولة يُنظر لها بمنظور الدولة التآمرية المروجة لمصالح الغرب بالمنطقة لن يجدي الوعظ بحب الغربي ضعيفا كان ام عسكريا ام رجل اعمال. وطالما ان الدولة تستنزف مواردها الاقتصادية في سبيل مصالح الغير وتستعمل اموالها لشراء اسلحة تنعش اقتصاد الغير وتفشل في الدفاع عن امنها الداخلي والخارجي هي ذاتها فلن تجدي عملية اقتلاع ثقافة الارهاب هذه.
هذا هو الواقع الذي يعيشه الشعب اليوم وما لم يتغير هذا الواقع وتتقلص الفجوة بين الظاهر والباطن ويقضي علي التناقض والازدواجية لن نري اي نجاح في سياسة مكافحة الارهاب. ان ثقافة وممارسة كره الاجنبي لا تنتج عن ثقافة بل هي نتاج واقع الازدواجية والتناقض.
ومن تغيير الواقع يجب القضاء علي الازدواجية والتناقض في الحيز الديني. وهذا يعني ان تكف الدولة عن محاولاتها الفاشلة في اقناع الجميع انها تتبني سياسات متلائمة تماما مع الدين وتعاليمه وهذا يتضمن الكف عن تعداد الانجازات وصرف الاموال علي المشاريع الدينية والتوقف عن نشر احصاءات عن عدد من المساجد والمدارس الدينية فلا تردد بعد اليوم ان بين المسجد والمسجد يوجد مسجد لان الكل يعرف ان عددا كبيرا من هذه المساجد قد بني بأموال الشعب والاوقاف وليس كلها من كرم الدولة ورموزها فيجب علي الدولة تجاوز معضلة الكمية والوقوف عند النوعية. اليوم لا احد ينبهر بالمظاهر. وتتكرر الازدواجية الدينية علي اكثر من منبر. فبينما تظهر الدولة نفسها كرمز للعفة والطهارة نراها في الواقع تسمح بممارسات اجتماعية واقتصادية وسياسية اقل ما يقال عنها انها لا تتعلق مع جوهر الدين وهذا حسب رأي طيف كبير من علماء الداخل الذين ربما هم اليوم في السجون، يجب علي الدولة ان تحسم موضوع الازدواجية وتوقف حملتها الوعظية الدعائية باسم الدين. ان واقع الازدواجية والتناقض هو المصدر الرئيسي الذي يولد العنف الحاصل علي الساحة السعودية ويغذيه ويبث الروح فيه. الواقع المتميز بالتناقض ما بين المقولة والممارسة، والهوة بين الخطاب الدعائي والحقيقة المرئية علي الارض تشكل واقع العنف السياسي وتدفع الي التمرد علي السلطة والخروج عليها وحتي رفع السلاح في وجهها.
باب اخر من ابواب الازدواجية والتناقض الواقع الاجتماعي والاقتصادي للعمالة الاجنبية الغربية في السعودية والهوة بين ما يسمح لهذه اليد العاملة وما يسمح للشعب وما يتمتع به هؤلاء وما يتمتع او لا يتمتع به الشعب. اليد العاملة الغريبة ذات المهارة العالية تحصر في مجمعات سكنية مسورة تشبه الغيتو ذي الخمسة نجوم. فالغربي يعيش خلف اسوار هذا الغيتو المرفه وكأنه في بلاده له صلاحيات خاصة وعادات تحترمها الدولة فهي تغض النظر عن ممارساته الاجتماعية بينما هي تتدخل في كل شاردة وواردة علي مستوي الحياة الاجتماعية لعامة الشعب. هذه الازدواجية القائمة علي ارض واحدة خلقت نوعا من Apartheid المطبق في جنوب افريقيا خلال هيمنة البيض. لتتصور ان العمالة العربية ذات المهارات في بريطانيا تأخذ اجورا اكثر من اليد العاملة المحلية وتوفر لها شركات العمل او الحكومة البريطانية مساكن خاصة مسورة ولها حرسها الخاص وتعفي هذه العمالة من الضريبة ويسمح لها بذبح خرافها يوم العيد علي الطريقة الاسلامية وفي حدائق المنازل ويسيل دمها علي الطرقات وعتبات البيوت وكلما انتقل عامل الي بيت كرر الذبح وسالت الدماء طلبا للبركة والخير. ثم نادت هذه العمالة للصلاة بمكبرات الصوت خمس مرات في اليوم واسمعت خطبة الجمعة لكل قريب وبعيد ومن كان من الشيعة خرج يلطم في مسيرات عاشوراء في شوارع لندن معبرا عن حزنه والمه في موسم العزاء ومن ثم تكبرت واستعلت هذه العمالة علي اهل البلد ونظرت لهم نظرة ازدراء واعتبرتهم مثالا للكسل والخمول واحتقرتهم لانهم يملكون المال وليس الفكر. وان ارتكبت هذه اليد العاملة جريمة ما علق الحكم وكل ما تستطيع الدولة المضيفة عمله هو اعادتنا الي اوطاننا وان تجرأت الدولة هذه علي عقابنا هبت دولتنا الام لنجدتنا وتبنت صحافتنا الام قضيتنا ودافعت عنا، وبينما نحن نتمتع بنعيم الغربة يقوم وطننا الام بقصف اخواننا في بلدان مجاورة لبريطانيا ويساعد الغير علي احتلال ارضهم ويمده بالسلاح والعتاد. اتساءل كيف ستكون ردة فعل المجتمع البريطاني علي وجود هذه العمالة الاجنبية المرفهة؟ هل ممكن لهذا الواقع ان يولد ثقافة الاخاء والحوار والقبول بالاخر ام انه سيولد وضعا متفجرا ينتظر شرارة تشعله؟ الازدواجية والتناقض هما الواقع الذي يجب ان يلغي في السعودية قبل ان نحلم بتغيير ثقافة الارهاب .

القدس العربى

صقر الخالدية
12/06/2004, 03:51 PM
الصفر الوطني والصفر الاستعماري
فيصل القاسم:

الأحد 06 يونيو 2004 21:48


نلاحظ منذ فترة أن معظم الأنظمة العربية التي رفعت شعارات عريضة جداً وتشدقت بمشاريع ثورية عظمى قد بدأت تتنكر أو تتخلى عن مشاريعها واستراتيجياتها بخفة عجيبة لا تبعث على الذهول فقط بل ربما على ضحك مجلجل لشدة استخفافها واستهزائها بالشعوب التي تحملت تخبطها وكوارثها على مدى السنين. ويتفاوت الأمر من نظام إلى آخر من حيث الفجاجة، فقد أعلن بعضها أنه سيتخلى عن معظم مشاريعه الداخلية والخارجية "العظيمة" المعهودة وسيعود إلى قوانين ونواميس ما قبل الثورات "الميمونة" التي قادها قبل أعوام عديدة مديدة، هكذا وبكل يسر وسهولة وهدوء أعصاب، وكأن العقود الثلاثة أو الأربعة التي جرب فيها نظرياته العبثية ومنطلقاته "الكبرى" كانت مجرد ضربة "ودع" أو يا نصيب إما أن تخسر أو تصيب, وبما أنه خسر فلا مانع أن يضرب ضربة يا نصيب أخرى كما لو أن إدارة الأوطان عبارة عن لعبة قمار أو مجرد رهان على أحصنة سبق يمكن أن نكررها طالما لدينا القدرة على دفع ثمن بطاقة المراهنة. ما العيب في المقامرة ثانية؟ أليس لدى معظم أنظمتنا ذرية لها أول وليس لها آخر مستعدة على أحر من الجمر لأن تخوض غمار التجربة من جديد حتى لو كانت إمكانية النجاح فيها تعادل الصفر، فمن الواضح أن المهم بالنسبة لأنظمتنا وورثتها ليس النجاح من عدمه في المرة القادمة بل الاستمرارية في الحكم حتى لو حكموا أطلالاً وآثاراً متهاوية,علماً أن بعض الحكومات التي تحترم نفسها تـُخلي الساحة لغيرها عادة عندما تـُمنى بفشل بسيط جداً فما بالك أن تبذر مقدّرات وعمر أوطانها على تجارب سخيفة غارقة في الأوهام والأكاذيب.
وإذا كان بعض الأنظمة قد اعترف بكل صفاقة بفشل نظرياته محملاً الشعوب عدم القدرة على فهمها وتطبيقها ويريد العودة الآن إلى البداية دون أن يرمش له جفن فإن هناك أنظمة أخرى تعرف تمام المعرفة في أعماق أعماقها أنها فشلت فشلاً ذريعاً على كل الأصعدة وذهبت مشاريعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية أدراج الرياح لأنها كانت مجرد أكاذيب أيديولوجية قبيحة، لكنها ما زالت تكابر ولا تريد إعلان فشلها على الملأ بل تكتفي بالكلام عن الإصلاح والاستفادة من أخطائها وهي في الواقع كناية عن إخفاق مقيم.
ولو قابلت أحد وجهاء تلك الأنظمة العربية العديدة في جلسة خاصة بعيداً عن عيون الإعلام لقال لك بالفم الملآن إننا بددنا العقود الماضية سدى ونحن الآن نحاول أن نبدأ من جديد لعلنا نصحح أخطاء السابقين مع العلم أنهم كانوا من أزلام أولئك السابقين الذين يلومونهم الآن ثم التحقوا بالجدد. وقد سمعت كلاماً كثيراً من هذا القبيل في الآونة الأخيرة من شخصيات لها شأنها وتاريخها في بعض الدول العربية. ولم يعد الأمر سراً على ما يبدو.
لاحظوا انعدام الشعور بالذنب والمسؤولية الأخلاقية لدى تلك الأنظمة الهابطة، فبدلاً من الخروج من الساحة أو على الأقل إشراك الآخرين للمساعدة في تخليص البلاد العربية من مآزقها القاتلة نرى أنها تفكر بأن تعيد الكرّة مرة أخرى شاء من شاء وأبى من أبى حتى لو كانت فرص النجاح معدومة تماماً في التجربة القادمة. فالمهم هنا أيضاً ليس أن تنجح التجربة أم لا تنجح بل أن لا يُمس النظام بسوء ويبقى سالماً آمناً حتى لو تسبب في خراب البلاد وأعادها إلى الحضيض مرات ومرات. وهذا ما حصل وسيحصل. إنها العودة إلى الصفر. وما أدراك ما الصفر!!
ولو تأكدت الشعوب أن العودة بها إلى الصفر ستكون ذات جدوى هذه المرة على أمل أن تصحح الأنظمة التي أوصلتها إلى الصفر أخطاءها القديمة لربما كظمت الشعوب غيظها وحسرتها وقالت لنجرب ثانية، فالحياة تجارب، علنا نفلح فنعلو مرتبة عن الصفر. لكن الشعوب فقدت ثقتها بحكامها وهي تعرف أن الصفر الذي ستعود إليه لا يبشر بالخير أبداً، وهو صفر مُكعّب بلغة الراسبين. ويمكن أن نطلق عليه اسم "الصفر الوطني" الذي لا يستطيع حتى الحفاظ على صفريته العدمية ويمكن أن تتدهور قيمته إلى ما دون الصفر ويغدو العدمي أكثر عدمية.
هذا ما سيحدث على الأرجح لأن الحكام الذين يقودون تلك الشعوب هذه المرة، كما ألمحت، ليسوا غرباء أو مختلفين كثيراً عن أولئك "التاريخيين" الذين حكموها في الماضي وأعادوها إلى خانة الصفر، فهم، أي المُجرِّبون الجدد، امتداد للقدامى إلا ما رحم ربي كي لا يتهمونا بالتعميم المقيت. ويقول المثل الشعبي عادة " اللي بيجرب مجرَّب بيكون عقلو مخرَّب". لا عجب إذن أن ابتكر أحد المفكرين العرب بعد الغزو الأمريكي للعراق مصطلحاً جديداً أطلق عليه اسم "الصفر الاستعماري" كبديل للصفر الوطني المعرّض للانحدار والتدهور القيمي.
وكما نرى من خلال تعريف "الصفر الاستعماري" فإنه صفر ذو قيمة، برأي مخترعي ذلك المصطلح . صحيح أنه يعود بالشعوب العربية إلى الحضيض الأول الذي انطلقت منه بعد الاستقلال، إلا إنه صفر قابل للنمو في كل الاتجاهات ويبعث على أمل من نوع ما، على عكس الصفر الوطني اللعين الذي تتدهور قيمته مثل العملات العربية لينخفض درجات ودرجات تحت الصفر حتى يصل قاعاً لا يعرف غير الله عز وجل مداه السحيق. فبينما "الصفر الاستعماري" مرشح للصعود إلى أعلى لأسباب موضوعية كثيرة فإن "الصفر الوطني" ليس أمامه حسب التجربة إلا الهبوط إلى أسفل.
وبناء على هذا التمييز بين الصفرين الوطني والاستعماري يرى أصحاب تلك الأطروحة أن الشعب العراقي مثلاً الذي عاد إلى مرحلة "الصفر الاستعماري" هو شعب محظوظ للغاية مقارنة بالشعوب العربية الأخرى التي عادت أو ستعود إلى نقطة "الصفر الوطني"، وهي على الأرجح كثيرة. فالاحتلال الأمريكي، برأيهم، أعاد العراق إلى لحظة الصفر الذي يمكن أن "يفتح طريق المجتمع العراقي نحو الديموقراطية والتحرر الحقيقي" وفق تعبير الموضوعات في حين أن النظام سابقا كان يقود المجتمع ما تحت الصفر إلى الهاوية. بعبارة أخرى، صحيح أن العراقيين سيبدءون من جديد لكن فرص تطورهم ستكون أكبر بكثير من فرص نظرائهم المبتلين بالصفر الوطني، فالتخلص من المستعمر الخارجي أسهل ألف مرة من التخلص من المستعمر الداخلي.
لقد شبه أحدهم الاستعمار الأجنبي بالدّمل الذي يظهر على الجسد، فهو واضح للعيان وبالإمكان استئصاله والتخلص منه جراحياً. أما الاستعمار الوطني فهو كخلايا السرطان المنتشرة في كل أنحاء الجسم ومن الصعب جداً رؤيتها كي تكافحها دفعة واحدة. بعبارة أخرى فإن الشفاء من الاستعمار الداخلي أصعب بعشرات المرات من الشفاء من الاستعمار الخارجي.
فبينما تنتقل الخلايا السرطانية بالمريض من سيء إلى أسوأ كما هو الحال مع الصفر الوطني المتدهور فإن المُصاب بالدّمل، برأي أصحاب النظرية المذكورة، قابل للتحسن كما هو حال الشعوب العائدة إلى نقطة الصفر الاستعماري. لا عجب إذن أن وصف أحد المعلقين الشعبين الفلسطيني والعراقي بأنهما أكثر الشعوب العربية الآن حرية وتحرراً وامتلاكاً لزمام المبادرة، فهما، مقارنة بالشعوب العربية الأخرى الرابضة تحت ربقة "المستعمر الوطني"، يتمتعان بحيوية عز نظيرها وهما يناضلان ضد المحتلين الصهيوني والأمريكي.
فالشعبان يمران بمخاض عظيم، وغالباً ما ينتج عن أي مخاض ولادة جديدة من نوع ما. أما الشعوب الأخرى فهي في حالة سبات قاتل. وقد سمعت البعض يتهكم متسائلاًً: "متى سنخطر على بال الغازي الأمريكي كي ينقلنا من الصفر الوطني إلى الصفر الاستعماري؟" لاحظوا أن أملنا بات معلقاً ليس على التنافس ومناطحة الشعوب العظيمة بل على الانتقال من صفر إلى آخر أو بالأحرى المراهنة على أضعف الإيمان، هذا إذا كنا مصيبين في مراهنتنا فعلاً؟ يا للتفاؤل!
بعبارة أخرى فإن "الصفر الاستعماري" الذي يهلل له البعض الواهم ويتعلق بأهدابه البعض الحالم قد يتيح، برأيهم، التحرر من ربقة الاستعمار الخارجي، "إذ يفتح الطريق أمام العد التصاعدي على طريق الحرية والتحرر والديموقراطية، بينما استبداد وطغيان الكثير من الأنظمة العربية لم يكن ليفتح سوى نفق الهبوط من جحيم إلى آخر، إذ أن العد التنازلي تحت "الصفر العربي" هو هبوط بآدمية البشر إلى هاوية لا قرار لها، تماما كالعبودية التي ليس لها حدود". لا مانع برأيهم إذن أن يحل المستعمر الخارجي محل الوطني لأنه أسهل كنساً.
لا شك أن البعض سيرى في التطرق إلى أطروحة "الصفر الاستعماري" محاولة يائسة ودنيئة لتبرير الحملة الاستعمارية الأمريكية الجديدة على المنطقة أو التهليل لها أو التبشير بها بطرق ملتوية، لكنه بالتأكيد ليس لذلك الغرض (إلا عند "الليبراليين العرب الجدد" الذين فقدوا صوابهم) بل ربما جاءت هذه الأطروحة من قبيل الدعاء القائل: "اللهم ادفع الظالمين بالظالمين"، فالذي سمح للاستعمار الفاشي الجديد بالعودة إلينا تحت حجج شتى ليسوا كتابنا ومفكرينا المساكين بل أنظمتنا الحاكمة التي أعطت المبرر تلو الآخر للمستعمرين الجدد كي ينفذوا من خلاله. لقد جعلونا "ملطشة للي يسوى وما يسواش" حسب التعبير العامي بسبب الفراغ السياسي والاقتصادي والحضاري الهائل الذي خلقته في بلداننا مما جعل لعاب الكثيرين يسيل من أجل التدخل في أوطاننا. ولو تمكنت أنظمتنا من بناء مجتمعات متينة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً لما فكر أحد بغزوها أو تهديدها بالغزو، لكنها لم تفعل وكان جل اهتمامها حماية النظام وزبانيته وليأت من بعدهم الطوفان. وهذا هو الطوفان قد جاء إلى العراق ويهدد بالمجيء إلى دول أخرى خاصة إذا نجح "الصفر الاستعماري" في بلاد الرافدين ولو نسبياًً.
ألا يحق للشعوب العربية في هذه الحالة أن تصرخ قائلة: "اللهم اضرب الصفر الوطني بالصفر الاستعماري لعل يتولد من ذلك شيء" مع العلم طبعاً أن صفر ضرب صفر يساوي صفراً في الحساب. فالوقائع التي تحدث على الأرض تؤكد أن نظرية "الصفر الاستعماري" خاطئة إلى حد كبير، "فقد ثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا يوجد "صفر استعماري" و إنما يوجد إذلال و تشريد و قتل و تهديم للدول و الممتلكات و استباحة صهيونية للبلاد". لا بل غدت كلمة ديموقراطية "الاسم الحركي للدمار والقتل والاغتصاب والتشريد".
يا الله! هل أصبحت الشعوب العربية محكومة بالاختيار بين إبليس والشيطان فقط، أم "إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر"؟

الشرق القطرية

صقر الخالدية
19/06/2004, 01:43 AM
(اقتصاد المعرفة).. أين نحن منه?


محمد دياب
فرع جديد من فروع العلوم الاقتصادية ظهر في الآونة الأخيرة هو (اقتصاد المعرفة), يقوم على فهم جديد أكثر عمقًا لدور المعرفة ورأس المال البشري في تطور الاقتصاد وتقدم المجتمع.


إن مفهوم (المعرفة) ليس بالأمر الجديد بالطبع, فالمعرفة رافقت الإنسان منذ أن تفتّحَ وعيه, وارتقت معه من مستوياتها البدائية, مرافقة لاتساع مداركه وتعمقها, حتى وصلت إلى ذراها الحالية. غير أن الجديد اليوم هو حجم تأثيرها على الحياة الاقتصادية والاجتماعية وعلى نمط حياة الإنسان عمومًا, وذلك بفضل الثورة العلمية التكنولوجية. فقد شهد الربع الأخير من القرن العشرين أعظم تغيير في حياة البشرية, هو التحول الثالث بعد ظهور الزراعة والصناعة, وتمثّل بثورة العلوم والتقانة فائقة التطور في المجالات الإلكترونية والنووية والفيزيائية والبيولوجية والفضائية.

وكان لثورة المعلومات والاتصالات دور الريادة في هذا التحول. فهي مكّنت الإنسان من فرض سيطرته على الطبيعة إلى حد أصبح عامل التطور المعرفي أكثر تأثيرًا في الحياة من بين العوامل الأخرى, المادية والطبيعية. لقد باتت المعلومات موردًا أساسيًا من الموارد الاقتصادية له خصوصيته, بل إنها المورد الاستراتيجي الجديد في الحياة الاقتصادية, المكمل للموارد الطبيعية. كما تشكل تكنولوجيا المعلومات في عصرنا الراهن العنصر الأساس في النمو الاقتصادي. فمع التطور الهائل لأنظمة المعلوماتية, تحولت تكنولوجيا المعلوماتية إلى أحد أهم جوانب تطور الاقتصاد العالمي, حيث بلغ حجم السوق العالمية للخدمات المعلوماتية عام 2000 حوالي تريليون دولار. لقد أدخلت ثورة المعلومات المجتمعات العصرية (أو, لنكن أكثر دقة, بعضها الأكثر تطورًا) في الحقبة ما بعد الصناعية. وقد أحدثت هذه الثورة جملة من التحولات التي طاولت مختلف جوانب حياة المجتمع, سواء بنيته الاقتصادية أو علاقات العمل أو ما يكتنفه من علاقات إنسانية - مجتمعية.. إلخ.

مع ثورة المعلوماتية هذه ظهرت مفاهيم من نوع (الأمن المعلوماتي) و(الحرب المعلوماتية). والمثال على ذلك أن يلجأ البلد المنتج لأجهزة الكمبيوتر عند تصديرها إلى بلد ما لأغراض حكومية أو دفاعية, إلى تغذيتها ببرامج مع فيروسات خاصة مهمتها تخريب شبكة المعلومات الوطنية في البلد المعني وتشويش أقنية الاتصالات فيه أو حتى قطعها وشل المنظومات الكمبيوترية للحسابات المالية.. إلخ. إن الانتصار في مثل هذه (الحرب المعلوماتية) يكون بالطبع حليف الدول المتقدمة المصنعة لتكنولوجيا المعلومات.

تدفعنا هذه الحقيقة للإشارة إلى (الهوة التكنولوجية) المتنامية بين هذه الدول, والبلدان سواء النامية أو حتى الصناعية ولكن التي فاتها لهذا السبب أو ذاك قطار التطور التكنولوجي. إن هذه الهوة تزداد اتساعًا ويصبح من الصعب أكثر فأكثر جسرها, فتتفاقم (التبعية التكنولوجية) والتفاوت في التطور الاقتصادي.

إن التقدم الحاصل في التكنولوجيا والتغير السريع الذي تحدثه في الاقتصاد يؤثران ليس في درجة النمو وسرعته فحسب, وإنما أيضًا في نوعية حياة الإنسان.

فثورة التكنولوجيا, وبالأخص ثورة الاتصالات والإنترنت, تؤثر في تعليم الإنسان وتربيته وتدريبه, وتجعل عامل السرعة في التأقلم مع التغيير من أهم العوامل الاقتصادية الإنتاجية. فالمجتمع, وكذلك الإنسان, الذي لا يسعى إلى مواكبة التطور العلمي والتكنولوجي سرعان ما يجد نفسه عاجزًا عن ولوج الاقتصاد الجديد والمساهمة فيه. والدولة التي لا تدرك أن المعرفة هي اليوم العامل الأكثر أهمية للانتقال من التخلف إلى التطور ومن الفقر إلى الغنى ستجد نفسها حتمًا على هامش مسيرة التقدم, لتنضم في نهاية المطاف إلى مجموعة ما يسمى (الدول الفاشلة).

إن لاقتصاد المعرفة مستلزمات أساسية, أبرزها:

أولاً: إعادة هيكلة الإنفاق العام وترشيده وإجراء زيادة حاسمة في الإنفاق المخصص لتعزيز المعرفة, ابتداء من المدرسة الابتدائية وصولاً إلى التعليم الجامعي, مع توجيه اهتمام مركز للبحث العلمي. وتجدر الإشارة هنا إلى أن إنفاق الولايات المتحدة في ميدان البحث العلمي والابتكارات يزيد على إنفاق الدول المتقدمة الأخرى مجتمعة, ما يساهم في جعل الاقتصاد الأمريكي الأكثر تطورًا ودينامية في العالم (بلغ إنفاق الدول الغربية في هذا المجال 360 مليار دولار عام 2000, كانت حصة الولايات المتحدة منها 180 مليارًا).

ثانيًا: وارتباطًا بما سبق, العمل على خلق وتطوير رأس المال البشري بنوعية عالية. وعلى الدولة خلق المناخ المناسب للمعرفة. فالمعرفة اليوم ليست (ترفًا فكريًا), بل أصبحت أهم عنصر من عناصر الإنتاج.

ثالثًا: إدراك المستثمرين والشركات أهمية اقتصاد المعرفة. والملاحظ أن الشركات العالمية الكبري (العابرة للقوميات خصوصًا) تساهم في تمويل جزء من تعليم العاملين لديها ورفع مستوى تدريبهم وكفاءتهم, وتخصص جزءا مهما من استثماراتها للبحث العلمي والابتكار.. إلخ.

الثورة العلمية.. الوجه الآخر

يركز الباحثون عمومًا - ونحن نوافقهم في ذلك - على تقديم ثورة تكنولوجيا المعلومات كفرصة للتطور الاقتصادي والمعرفي الذي يتيح تشكيل قاعدة راسخة للازدهار الاقتصادي. ولكن مما لا شك فيه أن هذه الثورة تخلق في الوقت نفسه معضلة إضافية, تضاف إلى مشكلات الاقتصاد العالمي الرئيسية, نعني بها تفاقم فائض رأس المال واليد العاملة. ربما تبدو هذه الفكرة مستغربة, ومتناقضة مع المسار الرئيسي للتحليل الذي يؤكد على الفرص الكبيرة للتطور التي تنتجها هذه الثورة. ولكن لو حاولنا التمعن في المسألة عن قرب, لوجدنا أن الدافع الرئيسي لمثل هذا الاستنتاج يتلخص في كون معظم المجالات الاستثمارية, الصناعية والخدماتية, التي خلقتها هذه الثورة, (مثل ما يسمى (البيع الإلكتروني), أي بيع السلع والخدمات عبر شبكة الإنترنت), هي ببساطة بدائل للنشاطات القائمة, كالبيع بالمفرق أو العقود التجارية التقليدية, ولا تشكل بالتالي زيادة صافية في الطلب الاستهلاكي الكلي أو في مستوى التوظيف على الصعيد الاقتصادي الكلي. كما أن الصناعات الجديدة (الإلكترونية, مثلاً), رغم أنها تتطلب استثمارات كبيرة في مراحلها الأولى, المرتبطة خصوصًا بميدان الأبحاث والتطوير العلمي, فإنها لا تتطلب في مراحلها اللاحقة إنفاقًا استثماريًا كبيرًا أو درجة عالية من تشغيل اليد العاملة, مقارنة بصناعات (تقليدية), كصناعة السيارات مثلاً. ونتيجة لذلك, فإن الطلب على رأس المال ينحو منحى سلبيًا, حيث إن هذه الصناعات الجديدة تتطلب حجمًا قليلاً نسبيًا من رأس المال الثابت (الآلات والمعدات والتجهيزات والأرض.. إلخ), وعددًا محدودًا نسبيًا من اليد العاملة ذات الاختصاص المميز والمهارة العالية.

هذا الانتقال بالبنية الاقتصادية نحو نشاطات تتطلب معرفة أكثر مما تتطلب من رأس مال ويد عاملة, يحمل دون شك دلالات مهمة, وينطوي على انعكاسات خطيرة بالنسبة للاقتصاد الرأسمالي (سواء في البلدان المتطورة أو النامية), والذي كانت آلية تطوّره وتقدمه منذ نشوئه تتطلب تحريك تدفقات كبيرة من رءوس الأموال لتحقيق ثورته الصناعية الأولى, ثم المراحل والحقبات التالية في تطوّره, وصولاً إلى نهايات القرن العشرين.

إن هذه الظاهرة يمكن أن تخلق تناقضًا داخليًا ضمن آلية عمل النظام الاقتصادي الرأسمالي. فالطلب على رأس المال, الذي يأخذ طابعًا تنازليًا طويل الأمد نتيجة الثورة المعلوماتية والإلكترونية, من المحتمل أن يخلق بصورة متزايدة (في نظام قائم على مفهوم الربح كهدف رئيسي لأي نشاط استثماري) صعوبة في تحقيق مبدأ تعظيم الأرباح وصولاً إلى الحدود القصوى. وقد أبرزت هذه التطورات بشكل أوضح من أي وقت مضى, على حد قول الباحث الأمريكي هاري شات في كتابه (الديمقراطية الجديدة - بدائل لنظام عالمي ينهار), الذي صدرت ترجمته العربية أخيرًا: (المشكلة المزمنة لنظام الأرباح الرأسمالي: كيفية الحفاظ على معدل أرباح كتلة رأس المال المتنامية دائمًا في ظل محدودية قدرة السوق على التوسّع المستمر بمعدل سريع بما فيه الكفاية لتوفير منافذ الاستثمار الضرورية). ويستنتج الباحث أن الدلائل تشير إلى عدم إمكان الحفاظ على نمو اقتصادي على المدى الطويل يفوق المتوسط السنوي التاريخي, وأن التغير التكنولوجي سيحتّم تراجعًا في الطلب على رأس المال الثابت إلى ما دون المتوسط التاريخي, مما يجعل البحث عن فرص استثمار جديدة مستميتًا أكثر من أي وقت مضى!

التقنيات والعمالة

رغم المخاوف من البطالة المكثفة الناتجة عن التقنيات القائمة على الإلكترونيات الدقيقة, فإن الخبرة الخاصة لكل من الدول الصناعية المتطورة والدول النامية, تبين أن أثر تلك التقنيات في التوظيف المباشر وغير المباشر يمكن أن يكون في الحقيقة إيجابيًا بشكل هامشي. وتشير بعض الدراسات إلى أن التقنيات الحديثة يمكن أن تحل مكان العمالة في الأنشطة القديمة, ولكنها يمكن أن تولّد في الوقت نفسه طلبًا إضافيًا على العمالة من خلال خلق سلع وخدمات جديدة. وبصرف النظر عن الآراء المتعارضة في هذا الخصوص, يمكننا - من دون تردد - تأكيد أن تأثيرات التكنولوجيا الحديثة في مجال التوظيف لن تشمل فقط حجم العمالة وبنيتها المهنية وسوق العمل, ولكنها ستشمل أيضًا وبصورة أساسية نوعية العمل, خصوصًا فيما يتعلق باعتماد ما يمكن تسميته (الأنواع المرنة) للعمالة ذات الطابع التعاقدي والعمل المنزلي, وكذلك الاتجاه نحو تقليص ساعات العمل....إلخ. وباختصار, أن أسواق العمل في البلدان الصناعية المتطورة والبلدان النامية على حد سواء ستصبح أكثر مرونة. وسيظهر تخصيص سوق العمل والإنتاج في شكل زيادات في فرص التوظيف المؤقت وساعات العمل المرنة غير الثابتة. وتجد هذه الظاهرة انعكاسًا لها في تبدّل سياسات الحكومات في معظم الدول الرأسمالية باتجاه تراجع دور (الدولة الراعية), الذي يقترن بتقلّص التقديمات الاجتماعية, ولتلك الظاهرة جانبها السلبي المتمثل في شعور المرء بعدم الاستقرار وعدم الثقة بالغد, وعمومًا بانعدام الأمان الاجتماعي في ضوء عدم استمرارية العمل والحرمان من التقديمات الاجتماعية والضمانات التي يؤمنها العمل الثابت.

ومن الواضح أنه سيكون للثورة التكنولوجية الجديدة أثر كبير في توزيع الدخل, سواء في داخل البلدان أو في ما بينها. بحيث تجري هذه العملية لمصلحة الفئات الأكثر احتكاكًا بالتكنولوجيا الجديدة, ولمصلحة الاختصاصات العصرية والأكثر حداثة, التي يغلب فيها عنصر الشباب, وذلك على حساب المجالات والاختصاصات التقليدية. كما أنها ستكون لمصلحة كبار المنتجين والشركات الكبرى العابرة للقوميات والمؤسسات ذات الإنتاج الموجه للتصدير. وبديهي أنها ستكون أيضًا في مصلحة الدول الأكثر تطورًا, القادرة على الاستفادة من الميزات المطلقة والنسبية التي يوفرها لها امتلاك ناصية التكنولوجيا واحتكار القسم الأعظم منها, من خلال التبادل الدولي, ومن ثم تكريس تفوّقها ومفاقمة (الهوة التكنولوجية) مع البلدان النامية والأقل تطورًا, والتي تصبح أكثر اتساعًا وعمقًا واستعصاء على التذليل.

فمن الواضح أن التدويل المتزايد للإنتاج واشتداد المنافسة الدولية يجعل الدول التي تركز على اقتصاد التصدير, أكثر اضطرارًا لاستخدام التكنولوجيا الحديثة, وبالتالي إلى استيرادها في حال عدم قدرتها على إنتاجها بنفسها. ويؤدي هذا, بالطبع, إلى (تبعية تكنولوجية) متزايدة.

أخطار تهدد البيئة

ويتجلى هذا التهديد على نحو الخصوص في كون المستويات المرتفعة للنشاط الاقتصادي تسبب ارتفاع درجات الحرارة, وتؤدي إلى تغييرات فجائية وسريعة في المناخ (تقترن بذوبان أجزاء من جليد القطبين الشمالي والجنوبي, مثلاً) مع ما يرافق ذلك من نتائج سلبية على الزراعة, أو على إمكان العيش في بعض المناطق التي كانت موطنًا للإنسان منذ آلاف السنين. فضلاً عن ذلك, تؤدي أنماط معينة من الإنتاج والاستهلاك إلى تزايد نسبة تلوث الهواء والتربة والمياه السطحية والجوفية والبيئة البحرية...إلخ, بحيث إن الطبيعة تصبح عاجزة عن القيام بما كانت تقوم به منذ الأزل, أي إعادة إنتاج نفسها وإصلاح ما كان يلحق بها من أضرار أو استنزاف, نتيجة عوامل مختلفة, سواء كانت طبيعية أو من صنع يد الإنسان.

إن هذه التطورات تفرض إما إبطاء نمو النشاط الاقتصادي العالمي إلى درجة تتوافق مع متطلبات الحفاظ على البيئة, أو على نحو يتيح للطبيعة إصلاح ما أفسدته يد الإنسان, وهو أمر مستحيل في ظل النظام الاقتصادي الرأسمالي الذي يشكّل مثل هذا التباطؤ موتًا حقيقيًا له, كما أنه غير قابل للتحقيق خصوصًا في ضوء (الثورة الديمغرافية) وتنامي عدد سكان العالم على نحو غير مسبوق في التاريخ, وتزايد حاجاتهم اللامحدودة في ظل نمط حياة استهلاكي بامتياز, وإما تعديل التكنولوجيا الصناعية وأنماط التطور وعقلنة النشاط الاقتصادي ونمط معيشة الإنسان الحديث عمومًا, بشكل يجعله (يتصالح) مع البيئة, ويوظف طاقاته العظيمة والذرى المعرفية التي وصل إليها في معالجة التحديّات الهائلة التي تواجه المجتمع الإنساني على مختلف المستويات, وفي خدمة المصالح الحقيقية للأجيال الحالية والقادمة.

* * *

إن السؤال الذي يطرح نفسه بحدّة هو: أين نحن, كمجتمعات عربية, من هذا التطور العاصف للعلوم والتكنولوجيا, من هذا الاتساع الهائل لنطاق المعرفة ودورها?! من الواضح أن مجتمعاتنا لم تدخل بعد (اقتصاد المعرفة). فنحن لانزال في موقع المتلقي السلبي, لا المنتج, لثمار وإنجازات الثورة العلمية التكنولوجية في كل مراحلها, ولانزال على مسافة سنوات ضوئية عن مرحلتها الأخيرة المتمثلة بثورة الاتصالات والمعلوماتية (غير أن ذلك لا يجعلنا بمنأى عن آثارها السلبية). إن مجتمعاتنا لاتزال في بدايات الدخول حقبة (المرحلة الصناعية) بمفهومها المتطور, في حين أن الدول المتطورة أصبحت في قلب ما يسمى (مرحلة ما بعد الصناعة). وهذا ما يضاعف الهوّة بيننا وبينها, ويزيدها عمقًا واتساعًا. إن ثقافة التغيير والتأقلم مع متطلبات التطور المعرفي لم تصل إلى مجتمعاتنا بعد. إننا بحاجة ماسّة إلى إعادة النظر في مقاربتنا لمفهوم (المعرفة), وفي وعينا لحقيقة أن دخولنا (اقتصاد المعرفة) هو السبيل الوحيد لنجاحنا في مواجهة تحديات العصر ولاحتلال موقع لائق بين الأمم.
محمد دياب

المصدر مجلة العربى عددمايو2004
http://www.alarabimag.com/arabi/Data/2004/5/1/Art_64816.XML

صقر الخالدية
19/06/2004, 04:52 PM
في ركاكة اللغة الوسيطة : لغتنا ولهجاتنا في مَهبِ العُجمة
2004/06/19

محمد الحارثي

يُصابُ الضيف الطارئ أوالزائر العربي، لأول مرة، إلي بلدان الخليج العربي بالدهشة عندما يطلبُ عشاءً مُتأخراً في الفندق الذي استضافتهُ فيه هذه المؤسسة أو تلك، عبر خدمة الغرف، ليجد أن مُحدِثهُ آسيويٌ، لا يتقن سوي الانكليزية في الغالب، ويحتار فيما عليه أن يطلب من طعام يسد رمقه إثر رحلة طويلة إلي صحار والرستاق، مثلاً، أو نزوي أو رمال وهيبة. تماماً كما يحتارُ المُقيمُ ويتكلف محنة طلب قهوة أو ساندويتش في إحد مقاهي المراكز التجارية بإنكليزيةٍ تُشعرهُ فوراً بالضعف أمام الفتاة الفيليبينية أو البلغارية أو الفتي الهندي (القادم من الأرياف) الذي يتعالي عليه بإنكليزيته، مستغرباً متسائلاً، ذلك الضيف العربي القادم من مصر أو الشام أو المغرب، سواء كان من عباد اللشه العاديين الباحثين عن قوت يومهم في صحراء الخليج الزرقاء ـ وفق تصنيفٍ لا نستسيغه بالطبع ـ أو كان ذلك الضليع في فرنسية موليير:
هل أنا في بلد عربي حقاً؟..
المشهدُ بحذافيره يتكرر، كما نعلم، في الرياض، المنامة، أبوظبي، دبي والدوحة، حتي يألف ذلك الزائرُ المكان ـ إن كان مُقيماً ـ ويتعودَ شيئاً فشيئاً، وِفق قانون التقادُم، علي استخدام تلك (اللغة الوسيطة) التي تواطأ علي ابتكارها كل من (المُواطن) و(الوافد)، إن استعرنا خطاب صحافة دارجٍ في إحدي الدول المُجاورة.
لقد ابتكرنا منذ أواسط السبعينيات من القرن المُنصرم لغة وسيطة، هي من الرَكاكة بمكان، تخلينا عبرها طواعيةً عن لغتنا الأم ولهجاتها، لتسهيل التواصل مع الآخر، دون أن نتساءل، آنذاك، عما سيترتب علي ذلك التساهل المُر من تبعات. ولعبنا، دون أن ندري، دوراً مُخرِباً لجمالية لغتنا العربية (إحدي أجمل لغات العالم) عبر محاولة تبسيط قواعدها لذلك (الآخر) الذي ظننا، خطأً، أنه لن يستطيع تعلمها كما تعودنا التحدث بها سليقةً، فوقعنا في فخ لا فكاك منه: هو اضطرارنا، أبداً، لمُجاراته في استحلاب لغته /لغتنا التي ترسخت في لاوعي أبنائنا حتي أصبحنا غير قادرين، في آخر الشوط الخاسر، علي العودة للرضاعة من ثدي لغتنا الأم. ويصل الأمرُ بنا أحياناً حدَ التهوُر اللاواعي في تقربنا من ذلك الآخر، والتندِر في الحديث مع بعضنا البعض بتلك اللغة الوسيطة، التي ربما اختزلها مثالٌ سريعٌ كهذا: (أنا ما فيه مَعلوم إنته ليش فيه يرُوح شُغل بكره، هذا ترتيب مال إنته. ليـكَن فُلوس مَال سيارة لازم فيه يَعطي جَلدي.. جَلدي. أول أنا فيه كلام هذا نَمُونه. كله نفرات داخل هذا بلاد فيه معلوم. نفرات مال تنكَر ماي فيه معلوم. جيب فُلوس مَال أنا أول، بعدين فيه ماي زياده)!
أتذكرُ قبل سنوات أن الناقدة اللبنانية المعروفة يُمني العيد زارت بلادنا بدعوة من النادي الثقافي لقراءة نقدية في مُجمل تجربة القصة القصيرة في عُمان، واصطحبناها أنا والكاتب محمد اليحيائي في رحلة إلي الرستاق ونَخَل لزيارة القلعتين والفلج والينابيع والنخلات العاكفة في صلاة أبدية علي الوادي، ترسيخاً من كلينا، لتحضُرٍ بدوي ومُقاربة عيانية تعفينا الشواهد التاريخية الجاثمة أمامنا عن أية مُساءلة نقدية حول الواقع المزدوَج الذي ترسف فيه حياتنا الاجتماعية والثقافية علي أكثر من صعيد. لنجدَ أنفسنا، فيما كنا نتناول الغداء، بعد تلك الجولة (التاريخية) في مطعم فندق شاطئ السوادي، حديث العهد آنذاك (قبل شيوع الفكرة السديدة بتعريب قوائم الطعام في المرافق السياحية). لكن يُمني العيد فوجئت بأن قائمة الطعام مكتوبة باللغة الانكليزية فقط، دونما اهتمام بترجمة مُحتواها إلي العربية، كما افترضَت علي الأرجح (والعكس هو الصحيح، في بلد كانت العربيةُ لغته الأمُ والأبُ، إلي عهد قريب). قالت لنا: هذا غير معقول! غير معقول! كيف أستطيع طلب ما أختاره من الطعام أيها المُحمدان؟... أعرف الفرنسية بطبيعة الحال، لكن من حقي في بلد عربي قُحِ الأرومة كـ عُمان أن تخاطبني قائمة الطعام بلغتي، وأن يخاطبني النادل بلغتكم: أي العربية، في تجليات لهجاتها المختلفة، كما حدث لي في تونس ومصر والمغرب.
وقد كانت مُحقة، وحَذقة في ملاحظتها تلك، لولا أن محمد اليحيائي تلافي الأمر بلباقته، وطلبَ من إدارة الفندق جرسوناً يتحدث العربية حتي نستطيع (هو وأنا) كعُمانيَين إتمام واجب الضيافة تجاهها بعربيَتنا المحلية (وهي فُصحانا) أثناء التشاور مع النادل العُماني حول أنواع الوجبات التي يمكن لمطعم منتجع سياحي أن يُقدمها لضيفٍ رسمي علي النادي الثقافي!
بعد الغداء، وفي طريق عودتنا من فندق السوادي لاحظت يُمني العيد في الدَوارات المتاخمة للسيب تلك المناديس الفائضة بسلاسل وخلاخيل الذهب والفضة، لتتساءل من جديد: ألا يوجد في بلدكم لصوص يسرقون كل هذا الذهب وهذه الفضة المطروحة لمن يشاء في الشوارع؟.. في لبنان لا يوجد لدينا شيء مُماثل. أنتم تعيشون في يوتوبيا أمانٍ لا نظير لها إلا في الفردوس، لكن عليكم استرجاع لغتكم ونثرها، كالماء والأرز، شِعراً ونثراً في الشوارع، تماماً كما تفعلون بهذا الذهب وهذه الفضة وإلا لظننت، مجازاً، أنني كنت في رحلة إلي الهند أو الفيليبين الأخرَويَتين! لا إلي دولةٍ عربية أعمَنَ إليها الأولون، ولهجاتها المحلية ـ كما تناهي إلي مسمعي ـ واحدةٌ من أصفي لهجات الفصحي التي لم تشُبها شائبة، كما حدث في الشام ومصر، حيث تمكنت الدولة العثمانية أيام مجدها من التأثير علينا في مُجمل ما نقول، أو كما هو الحال في التأثير العارم للفرنسية في شمال إفريقيا.
كانت مُحقة فيما تقول. ولم نكن نملكُ أنا واليحيائي سوي مُحاولة كتابة قصص قصيرة وقصائد علي منوال تلك الفصحي التي تحلُمُ بها يُمني العيد في بلاد الخليل بن أحمد الفراهيدي. فإن كان للمد التركي في لهجات أهل الشام ومصر ما يبرره، فما الذي يُبرر لنا عُجمَتنا في (اللغة الوسيطة) التي لم تكن يُمني العيد بقادرة علي فك رموزها علي الأقل في قائمة طعام المُنتجع المُضيف! وبالتالي لن يكون غريباً أن (الأرض بتتكلم أوردو) كما جاء في عنوان مسرحية من تأليف الشاعر الإماراتي أحمد راشد ثاني في تحوير ذكيٍ لأغنية شهيرة بعنوان (الأرض بتتكلم عربي) لـ سيد مكاوي، تلك المسرحية التي عُرضت منتصف الثمانينيات في الكويت والإمارات، طارحة بلهجة تهكمية ذات السؤال الذي لا يَنِي يتجدد دونما إجابة جادة بعد أكثر من عشرين عاماً عصفت فيها رياح التغيير حتي بذلك الطرح الجريء لتلك المسرحية في علاقتنا بـ (الآخر)، علي تعَدُدِه، والمُقيم في خيامنا (ومُعسكراتنا مدفوعة الثمن) وبيوتنا وقصورنا الفارهَة، إن كان لا بُد من ذيلٍ معكوس للتسلسل الهرَمي.
الغريب في أمرِ ما لا نحاول الانتباه إليه، هو أن (الآسيوي) القادم من ريف بلاده الرائق والغارق في فيضان الطبيعة الغالب، أغلب الأحوال، هو من يفرض ركاكة لغته الانكليزية و(اللغة الوسيطة) التي ساهمنا معه، بامتنان قلَ نظيره، في ابتكارها وتأسيسها ومَوضعَتِها ومن ثم ترويضها في حظائر البداوة النقية. وبالتالي نجد أنفسنا بين ظهراني لغتنا الفصحي (التي طالما تغنينا بفصاحتها أمام المَعاجم) في حالة من العُجمة والحُبسة اللغوية لا مثيل لها في التلاقح الذي يؤطره ويُكسبه ملامحه ذلك التلاحق والتتالي والتوازي الدائم في مَشتل الديمومة التي تخضرُ بها الحضارات، إن شاء لنا الادعاء أن نُسمي ما حدث ويحدث تلاقحاً حضارياً، لأن الظاهرة أعقد من ذلك بكثير، وأكثر مدعاة لتأمُلٍ نقدي والتفات سوسيولوجي، في الخيمة العربية، يُعيدان الشَدَة والضمة والكسرة إلي نِصابها غير المنصوب في مَحلِه. ولنا نحن العُمانيين درس تاريخي في ذلك، إن شئنا مكاشفة الذات بضربٍ من الدِقةِ لا نتحرج منه في بؤبؤ الإفصاح عن وعيٍ جديد؛ لأننا عوضاً عن أن نفرض لغتنا وثقافتنا (كقوة مُستعمِرة، في زنجبار ذات يوم) نعودُ، إلي بلادنا بعد حين من الدهر، لنتحدث اللغة السواحيلية، عوض أن يتحدثوا هم هناك فصحانا، فصحي المُستعمِر، بين أكثر من قوس وأقل من مُزدوجتين في مَهمَة الدلالة.
لكن السؤال المحوري الذي يطرح نفسه بكثافة:
لمَ نفعل ذلك؟
هل لأننا طيبون أكثر من اللازم
أم لأننا مُغفلون..
أم لأننا كونيون Universels وِفق التِقية الفرنسية في لثغة العَولَمة؟
أم لأننا مسخٌ لا من هذا ولا من ذاك، رغم تشدقنا الدائم باستحضار ظِلال حضارة لها إسهامها الفتان بين المشرقين والمغربين في لَوزة توازنهما الأبدي...
وإذا ما كنا كذلك، فلمَ تتأسس وتتمأسس تلك (الكونية) أو (العالمية) علي حساب ما حسبناهُ جلدنا وجذرنا السحيق، فضلاً عن لساننا (لسان آدم) الذي أصبحنا وأمسينا، دونما غايةٍ، في حِلٍ من تناسُل ما أضحي وأمسي يقوله ويرطن به علي شاشات التلفاز لإرضاء يَرقة هذا العالم التي لا تني تعود إلي غُبيراء الوراء في شرنقته الأولي. تلك الشرنقة التي لم ننسَ، بعدُ، حتي لو كنا ضيوف الكاميرا التلفيزيونية علي مشارف غار حِراء أنها هي ما علينا تذكرهُ لحظة موت اللغة وانصهارها الطوعي في عُجمة الآخر، سواء بسواء: تحققَ الأمرُ في الجنة أم علي الأرض، لا فرق.
فإذا ما كانت العربية، حسب عبدالفتاح كيليطو في كتابه القيم لسان آدم ، إذا ما كانت: هي لسان الجنة. فماذا سيكون، إذن، لسان الهبوط؟ هل سيستمرُ آدم، بعد طرده من جنة عَدن، في التكلم بالعربية، أم سيُعيرُ بلسان آخر؟.. وما لم يخطر علي بال باحث كـ عبدالفتاح كيليطو أننا، هنا، علي هذه البقعة من الأرض استطعنا الإجابة علي تساؤله المُرِ ببساطة، دونما حاجة إلي صعود أو هبوط بين السماوات السبع والأرضين. فهذه الحياة لم تكن في يوم من الأيام سوي ملهاة ومأساة: تراجيديا وكوميديا تتعاركان وتتحققان، كلٌ منهما ـ بشرط الاخري ـ بجدارة لا تتوقعها غالباً هذه من تلك، علي خشبة المسرح، في أقصي مَرابعهما قسوة. وتلك ليست فضيلة، فيما أحسب، لهذه أو لتلك، لكنها حقيقة لا بد من العودة إليها من فرجة أكثر من دريشة وباب.
وربما كان عبدالفتاح كيليطو محقاً في استدراكهِ الأخَاذ: الحريري، صاحب المقامات، هو الكاتب العربي الأعظم انتشاراً بين القراء ما بين القرن الثاني عشر والقرن التاسع عشر، لكنه اليوم صار منسياً للغاية. لقد تعرضت الأنساق الأدبية لتحول عميق في العالم العربي نتيجة للتأثير الذي مارسهُ الأدب الأوروبي. فصارَ الحريري رمزاً لكتابة لا يجب إعادة إنتاجها. وها نحن اليوم نكتب ضد الحريري .
ومرة أخري، يصل كيليطو إلي استنتاجه الصحيح هذا، غير عارفٍ بموازين (اللغة الوسيطة) التي تعصف وتطوِحُ حتي بغايته من استنتاجهِ النقدي. فالرمز أضحي يَمَسُ، في أكثر من صقعٍ، مفردة الكلام اليومي، وفق نسقٍ لغوي طارئ لا قِبَلَ له باستنتاجاته التي تؤرخ لسجالٍ معرفي ناتج عن تأثير الأدب الأوروبي في مسار التطور الطبيعي للُغةٍ ما صلبة وهشة كاللغة العربية.
واستطرادٌ لغويٌ في العُجمة لا ضير منهُ هنا، اقتباساً من ابن منظور، صاحب لسان العرب. يقول: عجم: العُجمُ والعَجَمُ: خِلافُ العُرب والعَرَب، يعتقِبُ هذان المثالان كثيراً، يُقال عَجَميٌ وجمعُهُ عَجَمٌ، وخلافهُ عربي وجمعُهُ عَرَبٌ.

سَلُومُ، لو أصبحتِ وسطَ الأعجَمِ
في الرُومِ أو فارسَ، أو في الدَيلمِ
إذاً لزُرناكِ ولو بسُلَمِ

المُعجمُ: حروف أ ب ت ث، سُميَت بذلك من التعجيم، وهو إزالةُ العُجمة بالنقط. ومنها أعجَمتُ الكتابَ: خلافُ قولكَ أعربتُهُ؛ قال رُؤبَة:
الشِعرُ صَعبٌ وطويلٌ سُلَمُه
إذا ارتقي فيهِ الذي لا يَعلَمُه
زلَت بهِ إلي الحضيضِ قَدَمُه
والشِعرُ لا يَسطيعُهُ من يَظلِمُه
يُريدُ أن يُعرِبَهُ فيُعجمُه
.. ومعناهُ، يُريدُ أن يُبينهُ فيَجعلهُ مُشكلاً لا بيانَ له. واستطراداً في الاستطراد: أي يأتي بهِ أعجمياً. أي يلحَنُ فيه، قالَ الفراء: رفَعَهُ علي المُخالفَة، لأنهُ يُريدُ أن يُعرِبَهُ ولا يُريدُ أن يُعجِمَه؛ وقال الأخفش: لوقوعه موقع المرفوع، لأنه أرادَ أن يقول يُريد أن يُعرِبَهُ فيقع موقع الإعجام، فلما وضع قولَهُ: فيُعجمُه موضعَ قوله فيقعُ رفعَه.
لذلك أنشد الفراءُ من جديد، مستشرفاً ما آلَت إليه الحالُ بين البلاد والعباد:

الدارُ أقوَت بَعدَ مُحرَنجمِ
مِن مُعرِبٍ فيها ومِن مُعجمِ

.. وعَوداً علي بدء:
لنفترض، مثلاً، في مدينتين خليجيتين تتنافسان عبر المهرجانات إلي ذات المسعي التراجيوكوميدي ـ أقولُ لنفترض ذلك ـ ولنفترض في لغط الرطانة أن مواطناً عربياً من اليمن أو الجزائر يطلب عصير فراولة طازج، فيرُدُ عليه النادل: (Strawberry?) فلا يفهم المغزي، رغم إرغام النادل الفيليبيني أو النادلة الرُومانية لزبونهما (بتعالٍ مُتقصَد) أنها: فراولة. أشهي فاكهة في حذافير الفصحي عليهما تحاشي نطقها دونما عُجمة لسان، رغم أن الأمر لا يعدو كونه، في العمق وعلي سطحه الرائب، سوي طلب عصير من الفاكهة في مقهي، لا يفهم زبونُهُ لسانَ نادلهِ، كما لا يفهمُ قائمة مشروباته ومأكولاته الخفيفة، فيما يفرض عليه حقيقة بليغة: هي أنه لا يُحسن الحديث إلا بلغة شكسبيرية لن يكون لها محل في عُجمَة الإعراب سوي إثارة الرعب في مخيلة ذلك الزبون وجيبه اللذين سيتقهقران عن طلبه الفاخر، ولن يطلب في آخر الأمر سوي قهوة مُرةٍ ليسهو، في لا وعيه الباطن، عن تلك الأخطاء اللغوية التي يرتكبها النادل، والتي لن يغفرها شكسبير نفسه بين عُطيل و الملك لير ، لو كان علي قيد الحياة قليلاً.
في مقام آخر، نجد أن عودة إلي السائد بين اللهجات في صحن فصحانا لا بد منها. أي إلي حصار اللهجة المصرية التي اتخذها إخواننا المصريون حجاباً يُدارون به، في مضمارٍ آخر، تساؤلاً كهذا يمتد من نواكشوط حتي حضرموت عبر استنساخهم لذات الفكرة التي تُكرِسُ سهم الخط البياني المُتصاعد لمفهوم اللغة الوسيطة، تلك التي شجعهم الآخرون عليها. فكثير من عرب شمال إفريقيا يتعرفون إلينا، ويتقربون إلي لهجاتنا، نحن سكان هذا الخليج المغلوب علي أمره، عبر اللهجة المصرية، رغم البون الشاسع بيننا وبينهم عُجمة وفصاحةً مقلوبتين في مرآة المفهوم السائد وشجرته الخضراء علي كلِ شاشةٍ هبت ودبت في سماوات الفضائيات.
وهو تساؤلٌ يتمَرأي في تلك المِرآة حمالةِ الأوجُهِ تحت غُبار أكثر من إجابة مصقولة بذلك الابتذال في غالبية تلك المسلسلات المبثوثة من السماء أو الفضاء المُدهش والمُغري بسرنمَته اللغوية، كما بألوانه السخية علي شاشة التليفزيون.
لكن التساؤل الأمَرَ من ذلك هو: من نحن؟
ومن نكون؟
وكيف ينظرُ إلينا، في مُسلسلهِ، ذلك الهندي والفليبيني والباكستاني والبنغلاديشي الذي يعود إلي بلده بشيء من حذافير هذه الفصحي. إذ لم تجبره أية ثقافة علي ضرورة استخدامها في أرضها، تلك التي لم تتفتق، للأسف، عن مفردة تصغيريةٍ لهُويته أكثر وأقل من مفردة (رفيق) التي قادته إلي فَصحَنَتِها ـ في الرِفقة ـ عبرَ تكسيرٍ نحويٍ لم يرَ حتي المُقيمون من عَرَب وعاربة حرجاً من استخدامهِ في مهبِ عُجمَتهم الجديدة (رفيك)، كما لم يَرَ (هُوَ) بأساً في اللعب عليه والتكسُب منه في ذلك البرزخ الوسَطي الذي لا حول لهُ ولا قوة بين الخليل بن أحمد الفراهيدي ووِليَم شكسبير، إذا ما أزحنا جانباً اقتباسنا المُطوَل حول العُجمةِ من تعريف مُعجَمِ (لسان العَرَب) للإمام العلامة أبي الفضل جَمال الدِين مُحمَد بن مَكرَم ابن منظور، رحمهُ الله.

شاعر وكاتب من عُمان
المصدر القدس العربى

Alwali
22/06/2004, 04:19 PM
جزيت خيرا يا صقر الخالدية وفقك الله والى الأمام دائما ان شاء الله

صقر الخالدية
22/06/2004, 04:20 PM
أسرار دبي المعلنة


ما إن تعود إلي دبي بعد اشهر قليلة من مغادرتك لها حتى ترى أن الورشة التي أقامتها اكبر مدينة خليجية سرعة في التوسع، تكبر إلي درجة انك تحتاج إلى بعض الوقت للتعرف على المعالم التي كنت تعرفها في السابق، أما إذا كنت مثلي تحتفظ بذكرى جلسات رجال أهل البحر على الخور في ستينيات القرن الماضي، فلا شك أن المقارنة تصل إلى حالة عدم التصديق.
ما هي أسرار دبي، التي جعلتها قبلة للمستثمرين وللسياحة بكل أشكالها حتى في اشهر القيظ بالغة الحرارة، قد تتلخص في كلمة واحدة، وهي تصور واضح من القيادة لما يحتاجه عصر معولم، أما التفاصيل فهي كثيرة.
صديق قال لي وهو شاب في ريعان صباه رافقني إلي بعض المشاريع العمرانية، ان عيون دبي مثبتة على ثلاثين مليونا من الطبقة الوسطي في الهند،سوف يقصد عددا منهم مدينة دبي أما للبقاء فترة أو العمل كوسيط لتوزيع الإنتاج الهندي المتعاظم في السلع و الخدمات على أسواق الشرق الأوسط الآخذة في النمو.
ثم يضيف صاحبي أن مدينة نيويورك التي هي ملتقى وبوتقة لكل نصف الكرة الغربي، تفتقد أن يكون قريب منها سوقا فيه بليون ومائتي مليون من البشر، ينمو دخلهم الوطني بأكثر من ستة في المائة سنويا، ويختزنون قدرة بشرية وتقنية هائلة، هؤلاء على بعد ساعتين طيران فقط من مطار دبي الدولي، ليس هؤلاء فقط، إنما الجوار الخليجي الذي تتوفر فيه فيوضات نقدية تزداد كل عام، ولا تجد لها مكانا آمنا في العالم بعد كل ما حصل منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، وقد وجدت لها مرفأ دافئا وحصينا هي دبي.فأصبحت قبلة للمال الخليجي و أيضا للسياحة الخليجية.
لقد أسقطت دبي بعض المحاذير التي تكاد تكون مرجعا لا حيدة عنه في دول الخليج الصغيرة.
بدا هو احتكار الداخل ضد الخارج، وكانت تلك المقولة بمثل التابو للجميع في الخليج،أن يحافظ على نسبة لا تزيد عن مقدار معين في استضافة اليد العاملة أو المستثمرة، بحجة إتاحة الفرصة للمواطنين، وعدم غلبة الخارج على الداخل،لقد كانت النسب بين المواطنين وغير المواطنين في بلداننا تأكل ذخيرة الفكر العربي الوطني، وكان المحك لدى كثيرين في جدية الدول من عدمها، واحسب أن تلك الفكرة المعوقة ما زالت صحيحة لدى البعض، لدى هؤلاء ،الإجابة عن السؤال، كم نسبة المواطنين وكم نسبه غير المواطنين في سوق العمل؟ وعلى نوع الإجابة عن ذاك السؤال ترتبت المواقف.
أما في دبي اليوم فقد سقطت تلك الحجة التي لم تعد عملية أو حتى عقلانية، فان كنت عربيا أو غير عربي، من الخليج أو من خارجه، و لديك أفكار ورأس مال وقدرة على التنفيذ وإرادة، فان دبي لن تقول لك لا بل تفضل على الرحب و السعة، تستطيع أن تحصل على ترخيص لمزولة عملك الذي تختاره دون تعقيدات.
قد تكون هذه النسبة الصماء في حساب الكتلة السكانية بين مواطن ومقيم ، مقبولة في دول ومجتمعات تتميز بالثقل البشري الكثيف، ولكنها لم تعد مقبولة اليوم في عصر العولمة، خاصة في الدول الصغيرة ذات كتلة سكانية لا تشكل سوقا اقتصادية، فهؤلاء السكان القادمون من الخارج، يضمهم إطار قانوني واضح، كما يرفدون الخبرة الوطنية بخبرة عالمية، وبالتالي يثرون رأس المال البشري ولا ينقصون منه.
ودعوني انقل لكم الأتي وهو يفضح شكلا من إشكال التخوف المرضي من الهجرة في مجتمعات أخرى يقول النص : ( لدي كثير من التحفظات حول هؤلاء المهاجرين بسبب ارتباطاتهم العشائرية وقلة معرفتهم بالإنكليزية وأعلامهم، وازدياد الحاجة للمترجمين، وخلال سنوات أظن أننا سنحتاج إلى مترجمين في الكونغرس ليخبروا نصف مشرعينا ما يقوله النصف الآخر!)
هذا النص ليس نقلا عن احد المتشددين في الربع الأخير من القرن العشرين، ولا حتى من مخلفات القرن العشرين نفسه، ان هذا النص قاله بنجامين فرانكلين احد ( الآباء المؤسسين) في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الثامن عشر ،الذي أخافه وقت ذاك تأثير المهاجرين الألمان على الكتلة السكنية في أميركا الوليدة ! ثم أصبحت أميركا بفضل المهاجرين اغنى وأقوى بلد في عالم اليوم، إذا كان الأمر صحيحا وقتها فهو أكثر صحة اليوم، وتجده في دبي موزاييك من الأجناس المحيطة من الصين حتى المغرب،ومن هولندا حتى جنوب افريقيا يعيشون ويعملون في تناغم إنساني لافت للنظر.
قال لي الصديق في دبي انه باع قطعة ارض على رجل من أصول آسيوية بمبلغ كبير يعد بملايين الدراهم، وقال له المشتري لقد جئت إلي هذه البلاد منذ ثلاثة عقود وأنا البس قميصا قطنيا رخيصا وبنطالا واحد، حاملا ثلاث (كرتونات) من السجائر لاستهلاكي الشخصي، ذاك ما كنت املكه ، وفي بحر سنوات وبكثير من العمل أصبحت املك ما املكه اليوم!.
الخيال و إلارادة هما من عناصر النجاح المعروفة في الفكر الاقتصادي الحديث، ولكنها متعلقة بالافراد، في دبي تنعكس الآية فتصبح الحكومة المحلية هي القائدة في التطوير، وهنا الاختلاف الملحوظ.الذي يخيف البعض أن تتضخم الحكومة إلي حد يعجزها عن القيام بمهامها، هذا التخوف في دبي له حلول، وهو الحكومة الالكترونية. في نهاية العام الماضي تستطيع في دبي أن تحصل على ستمائة خدمة عامة وأنت أمام جهاز حاسوب، لا يعبس في وجهك احد أو يدعوك للقدوم غدا! ابسطها أن كثيرا ما يقف البشر صفا طويلا ومتعبا في بلداننا لدفع مخالفة مرور، في دبي تدفع المخالفة وأنت تتسوق أمام حاسوب منصوب في أكثر من مكان، ادخل رقم سيارتك تعرف كم من المال يتوجب عليك دفعه ثم ادخل المبلغ فقط لا غير، ثم أكمل تسوقك،مثل هذه الخدمة يوجد خمسمائة وتسع وتسعون أخرى و الحبل على الجرار.
سائق من القارة الآسيوية تكرم صديقي بإعارته لي لفترة فأصبح دليلا لي في دبي، وبعد طواف تخلله الشرح و التعريف، انتبهت على انه يشير في كلامه إلى (نحن) في شرحه للمواقع أو إشارته للاماكن ، نحن فعلنا كذا، ونحن سوف نقيم هنا المشروع الفلاني،تحيرت كيف يشير إلى نحن بهذه الصيغة المكررة، فسئلت من هم نحن؟ ثم تبين انه يشير إلى من ساهم ويساهم في بناء دبي ويعتبر نفسه منهم وهو سائق سيارة بسيط، قال بعد سؤالي أن لي فترة أقيم هنا في دبي وأنا اشعر إني من أهلها، وكل تقدم فيها يعود علي وعلى أسرتي بالخير، هذا ما تسميه الأدبيات الولاء ،أليس كذلك؟
تلك واقعة شهدتها تؤكد أن القرن الواحد و العشرين والعولمة التي يدخل البشر فيها لها قواعد إما أن تلعب، أو تترك فتهمش، لذا نجد دبي بسبب فهمها للقواعد تلك قد تجاوزت المحذورات القديمة.
لا اربد أن يفهم احد أن ذلك تم على حساب الأهل المحليين، فأين تذهب تجدهم يؤدون عملهم بصمت وإتقان، في المطار على بوابات الدخول، أو فتيات يعملن كمروجات للبيع في ذلك المشروع الكبير الذي زرته مع الصديق، وهنا يأتي الأمر الآخر المهم وهو أن التنمية الشاملة، لا تسقط من حسابها المواطن، ولكنها لا تحميه حماية تفقده المناعة ويصير عبئا على الدولة في معيشته، بل تشجعه على المبادرة وحب العمل و الانخراط في مجتمع تعددي.
في تجمع إنساني مثل هذا لا بد من وجود قانون عادل ورادع ومطبق على الجميع، هذا ما يفضله المستثمر، لان التغييرات المستمرة على القوانين حسب الأمزجة، تفقد ثقة المواطن والمقيم في الاستمرار التي هي صلب أي تنمية حقيقة.
واحترام القانون في دبي يتجاوز قاعدة أن أهل البلاد وغيرهم متساوون أمامه، بل وحتى يتجاوز ما يحب بعضنا أن يسميه ( التسامح ) هو أكثر من ذلك، هو القبول، التسامح يعني انك بشكل ما متفضل على الآخر المختلف فتتسامح معه، أما القبول فهو العيش المشترك في ظل القانون دون منة.
تلك بعض أسرار دبي المعلنة، والتي كانت قبل عقود قليلة فقط تتطلع إلي القوانين في بلاد الخليج من اجل اقتباس النافع منها، إلا أنها أوجدت اليوم تجربة ناجحة بحد ذاتها، فيها من الابتكار و الجسارة ما تتسابق بسببه المدن الخليجية الأخرى، كي تصبح دبي ثانيةّ! إلا أن النجاح لا يخفي أسرار،خيال خصب وقراءة للمستقبل وجسارة في التنفيذ.
د. محمد الرميحي
باحث كويتي

صقر الخالدية
22/06/2004, 06:17 PM
شعار "تاريخية النص"... ليس هو الحل!

د. محمد عابد الجابري


منذ سنوات وعبارة "تاريخية النص" تتداولها أقلام بعض الكتاب، وهي تنطوي عندهم على اختيار "استراتيجي" لابد منه لفهم النص الديني، وبالتحديد القرآن الكريم، فهما "حداثيا". هذا بينما لا يُخفي كتاب آخرون ممن ينتمون إلى الاتجاه المقابل، الذي ينعت بالسلفية أو الماضوية، رفضهم، ليس فقط لاستعمال تلك العبارة، بل أيضا تحرجهم من استعمال عبارة "أسباب النزول"، مع أنها عبارة إسلامية أصيلة، خوفا من أن يفهم لفظ "الأسباب" بالمعنى الفلسفي الذي يجعل السبب علة في وجود المسبب، بينما هو عندهم وعند الأشاعرة عموما مجرد مناسبة. وعندما يستمع المرء إلى هؤلاء وأولئك ويتأمل الهواجس التي تحرك الفريقين يخيل إليه أن كلا منهما يجهل ميدان الآخر، وبالتالي لا يتعامل معه على أساس يقوم على الفهم والتفهم. والأدهى من ذلك أن الذي يقف موقفا نقديا مما يقرأ ويسمع يمتلكه شعور قوي بأن كل فريق من هذين الفريقين يجهل ليس فقط ميدان خصمه بل يجهل أيضا ميدانه هو نفسه. وهدفنا من هذا المقال أن نبين أن بين هاتين العبارتين ("تاريخية النص" و"أسباب النزول")، من وشائج القربى ما يسمح باستعمالهما معا في نفس المعنى. وبعبارة أخرى: إن استعمال الواحدة منهما دون الأخرى لا يعني بالضرورة القيام باختيار استراتيجي يخدم قضية الحداثة أو يزكي مقابلها الذي قد نعبر عنه بالأصالة أو بالسلفية أو بما أشبه.

لنبدأ بمفهوم "تاريخية النص" من الواضح أن مصطلح "تاريخية" يحيل إلى التاريخ، ومن الواضح كذلك أن هذا المصطلح ليس عربيا بالأصالة، بل هو ترجمة لمصطلح Historicité (بالفرنسية وهو مترجم عن الألمانية). أما معناه الأولي فيفيد النسبة إلى التاريخ: فعندما يوصف به الشيء فإن ذلك يعني أن ذلك الشيء له وجود حقيقي، أي أنه وجد فعلا وجودا تاريخيا يتحدد بالزمان والمكان، وليس مجرد وجود افتراضي أو أسطوري.

هذا عن المعنى الأولي للعبارة، وهو معنى محايد، أعني أنه لا يدل على مدح ولا على قدح. أما عن المعاني الفلسفية والإيديولوجية التي أُلْبِست لهذا المفهوم في العصر الحديث فهي أكثر من تحصى. لقد عرف تاريخ الفكر الأوروبي منذ القرن السادس عشر إلى اليوم فلسفات ومذاهب فكرية تتخذ من مفهوم "التاريخية" أحد الأركان الرئيسية في صروحها. وبما أن المجال هنا لا يتسع لشرح أوسع فسنقتصر على الإشارة إلى بعض الجوانب الرئيسية التي تعين القارئ غير المختص على اكتساب تصور غير سطحي عن هذا المفهوم المركزي في الفكر الأوروبي الحديث والمعاصر.

لقد طرح مفهوم "التاريخية" أول ما طرح بوصفه يجسم الفرق الأساسي بين الإنسان والطبيعة: الإنسان له تاريخ والطبيعة لا تاريخ لها. وتاريخية الإنسان تعني في هذا المجال أنه وحده بين الكائنات يعي وجوده التاريخي، يعي تاريخيته. هذا من جهة، ومن جهة أخرى اتخذت النسبة إلى التاريخ في الفكر الأوروبي في وقت من الأوقات معنى قدحيا، وذلك عندما يراد أن الموصوف به ينتمي إلى الماضي وأنه لم يعد موجودا، وبالتالي لا قيمة له لا في الحاضر ولا في المستقبل. وعلى العكس من هذا تماما أعطي في مرحلة لاحقة لمفهوم "التاريخية" معنى "الأهمية التاريخية" بلغتنا الرائجة، بمعنى أن الشيء الذي يوصف بها إما أنه يشكل حدا فاصلا بين عهدين، عندما يتعلق الأمر بالكلام في الماضي، أو أنه يدشن عهدا جديدا، وأنه لحظة من لحظات التطور نحو الأكمل والأفضل. وحول هذا المعنى الأخير تستعمل "التاريخية" في فلسفات التاريخ، الفلسفات التي ترسم تصورات عن المستقبل بوصفه قمة التطور الذي جرى عبر التاريخ ويجد لحظة اكتماله في الصيرورة التي تربط الماضي بالحاضر بالمستقبل.

من هنا يتفرع معنى آخر لمفهوم "التاريخية"، وهو الذي كان له الصدى الأكبر في القرنين الماضيين، مع الماركسية أولا، ثم مع علم الاجتماع المعرفي (سوسيولوجيا المعرفة) ثانيا. والقضية الأساسية المطروحة في هذا المجال هي قضية علاقة الفكر بالواقع، أو المعرفة بالأطر الاجتماعية. وكما هو معروف فالفكرة السائدة في الماركسية الرسمية هي أن الوجود الاجتماعي للناس هو الذي يحدد وعيهم، أي نوع نظرتهم للشأن السياسي والاجتماعي. وفي هذا المعنى قال ماركس قولته المشهورة: "ليس الوعي -أو الفهم- الذي للناس عن أنفسهم هو الذي يحدد وجودهم (الاجتماعي)، بل بالعكس إن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد هذا الوعي"، والمقصود هو أن الوضع الطبقي هو الذي يحدد نوع الآراء السياسية والاختيارات الإيديولوجية، أي ما سماه "هيجل" بـ"الروح الموضوعي". أما "الأشكال العليا للوعي"، وهي أساسا الفن والدين والفلسفة، أي ما عبر عنه هيجل بـ"الروح المطلق"، فقد لاحظ ماركس نفسه أنها لا تتحد بالوضع الاجتماعي بهذه الصورة بل هي تمتلك استقلالا يجعلها تعلو على المجتمع وأطره. وفي هذا المعنى كتب يقول:"إن الصعوبة ليست في فهم كيف أن الفن والملحمة الإغريقيين كانا مرتبطين ببعض أشكال التطور الاجتماعي، بل إن الصعوبة هي في فهم لماذا لا يزالان يُوَلِّدان فينا متعة فنية ويحتفظان بقيمتهما من بعض الوجوه، كمعيار ونموذج لا مثيل لهما". ويمكن بسهولة أن نقول الشيء نفسه عن النص القرآني:"إن الصعوبة ليست في فهم كيف أن القرآن وسيرة النبي كانا مرتبطين ببعض أشكال التطور الاجتماعي، بل إن الصعوبة هي في فهم لماذا لا يزالان يُوَلِّدان فينا متعة فنية (بلاغية) ويحتفظان بقيمتهما من بعض الوجوه، كمعيار ونموذج لا مثيل لهما".

وإذا عدنا الآن إلى عبارة "تاريخية النص" - والمقصود القرآن- وأردنا أن نحدد معناها على ضوء ما سبق نجد أنها تنطبق عليها جميع المعاني التي ذكرنا:

1- فمن جهة: القرآن نص تاريخي، بمعنى أنه وجد وجودا حقيقيا في زمن ومكان. وهو نفسه يؤكد ارتباطه بالزمان والمكان، فيقول تعالى: "وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا" (الإسراء 106)، هذا فضلا عن إشارته إلى أحداث تاريخية وقعت في عصره مثل "الم، غُلِبَتْ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ" (الروم 1-3)، والأمثلة كثيرة وهي كلها تؤكد تاريخية القرآن. الشيء الذي لا يسمح بتاتا بنسبة أي نوع من الوجود الأسطوري لهذا الكتاب المقدس. هذا بينما يصعب جدا نزع نوع ما من الوجود الأسطوري لكثير من الأحداث والرجال فيما تحكيه الإسرائيليات مثلا أو "الإلياذة" و"الأوديسا" لهوميروس.

هذا الوجود التاريخي للنص القرآني تفصله تفصيلا روايات المفسرين وأهل الحديث والفقهاء في ذلك الصنف من الأبحاث والمرويات التي تدرج منذ القديم تحت اسم "علوم القرآن"، ونقصد بذلك ما يعبر عنه بـ"أسباب النزول"، والمقصود الحوادث والملابسات والمناسبات والتساؤلات التي جاء الوحي المحمدي ليبينها أو يرد عليها أو يحكم فيها.. الخ.

2- ومن جهة ثانية القرآن الكريم تاريخي بمعنيين: بمعنى أنه ينتمي إلى الماضي، ولكنه في المقابل تاريخي بمعنى أنه كان حدثا تاريخيا أسس المستقبل فجعل تاريخ العرب، ثم تاريخ العالم، ينقسم إلى ما قبل ظهور الإسلام وما بعد قيامه وفتوحاته.

3- ومن جهة ثالثة القرآن نص تاريخي بمعنى أنه مرتبط بظروفه التاريخية، وهو يشهد على ذلك من خلال جداله مع خصومه، الملأ من قريش ومجادليه من أهل الكتاب، ومن خلال ما يعرف بالناسخ والمنسوخ وبأسباب النزول ..الخ، كل ذلك يشهد ويؤكد أنه مرتبط بظروف تاريخية معينة هي ما يسمى في الاصطلاح الإسلامي بـ"معهود العرب". وقد يصح القول أيضا إن تلك الظروف هي بمعنى ما من المعاني نتيجة له، لأن منهجه الجدالي أو السجالي يقوم على الفعل ورد الفعل، وكثير من الوقائع التاريخية التي سجلها القرآن في فترة نزوله كانت عبارة عن ردود فعل من خصومه.

4- والإشكال الذي يطرحه هذا النوع من الطرح، أعني القول بـ"تاريخية النص القرآني"، هو تلك المشكلة المعقدة المعروفة في تاريخ الفلسفة بمشكلة "علاقة الفكر بالواقع"، وفي علم الاجتماع بمشكلة "علاقة المعرفة بالمجتمع وأطره". ووراء هاتين المشكلتين تثوي مشكلة فلسفية أكثر تعقيدا -على الأقل في زمانها- هي مشكلة الأبدي والزمني، مشكلة المطلق والنسبي. وقد لا نبعد إذا قلنا إن الذين يطرحون مسألة "تاريخية النص" من الكتاب المعاصرين إنما يقصدون بذلك ربط القرآن، كنص معرفي، بكل من الواقع، والمجتمع، والزمني، والنسبي. وهذا موقف تقول به مدارس فكرية عديدة ليس بالنسبة القرآن وحده بل بالنسبة لكل نص، مقدسا عند أهله أو غير مقدس. ومع ذلك يبقى أن الدين والفن والفلسفة قطاعات معرفية تخترق الزمنية وتنفصل عن ظروف المكان لتشكل نماذج ملموسة لما هو أبدي مطلق.

يقول "لوكاتش" أحد الماركسيين المستقلين المجتهدين في كتابه "التاريخ والوعي الطبقي"، الترجمة الفرنسية:"إن هذه الأشكال العليا من الوعي (الفن والدين والفلسفة)، على الرغم من علاقتها بمحيطها الطبيعي والاجتماعي وارتباطها به، فإنها إذ تمارس تأثيرها حسب خصائصها الذاتية وقوانينها الخاصة - بمجرد ما تتشكل وتتبلور- تحتفظ باستقلال أكبر كثيرا من ذلك الذي تحتفظ به أشكال الفكر السياسي الاجتماعي... إن أشكال "الروح المطلق" (أي الفن والدين والفلسفة) يمكن أن تبقى قائمة ومحتفظة بقيمتها ومعاصرتها (للأجيال المقبلة)، بل محتفظة أيضا بقيمتها كنموذج. وما يؤسس هذه "الأشكال العليا من الوعي" أنها جملة من الترابطات تحمل في ذاتها، وإزاء التغيرات المتواصلة التي تعتري الأشكال الاجتماعية الخالصة، مظهرا من "الأبدية" مبررا على مستوى الذات، لأنها قادرة على أن تبقى قائمة حية بعد التغيرات العديدة والعميقة أحيانا التي تعتري الأشكال الاجتماعية ، مما يعني أن زعزعتها تتطلب تغيرات اجتماعية أكثر عمقا من تلك، تغيرات تفصل بينها عصور بكاملها".

المطلوب في نظري ليس رفع شعار "تاريخية النص"، فالشعارات التي من هذا النوع لا تغير من الواقع شيئا. المطلوب هو "تغيرات اجتماعية أكثر عمقا... تغيرات تفصل بينها عصور بكاملها"..! إن شعارات الحداثة هي نتيجة لتغيرات عميقة كانت وراء قيام الحداثة نفسها. إن الحداثة نتيجة وليست سببا. إنها نتيجة التحديث الذي يجري في المجتمع من داخله بفعل قواه الداخلية الخاصة، البشرية والمادية. إن شعار "تاريخية النص" ليس شعارا فاعلا بل هو مجرد وصف تحوَّل إلى مفهوم يجر معه هو الآخر تاريخيته بالمعنى الأولي للكلمة، أعني انتماءه إلى تاريخ الفكر الأوروبي.

تبقى مسألة كون النص القرآني وحيا من عند الله، وأنه كلام الله. وهذه مسألة لا يلغيها ولا ينال منها لا شعار "تاريخية النص" ولا مفهوم "أسباب النزول"، حتى بالمعنى الفلسفي للسببية.

صقر الخالدية
27/06/2004, 05:36 PM
الحرب ضد الفساد واستعادة الدولة العربية

د. محمد السيد سعيد

في الأسبوع قبل الماضي بدأت محاكمة رجل الأعمال الروسي الشهير وأغنى أغنياء روسيا الجديدة ميخائيل خودوركوفسكي بتهمة التهرب الضريبي والفساد. ويتفق المراقبون على أن هذا الحدث سيكون واحدا من أهم الأحداث السياسية والقضائية في تاريخ روسيا بعد انهيار النظام الشيوعي وأنه سيحدد نمط التحول الرأسمالي في روسيا وأنه سيؤثر على علاقات روسيا الدولية. ماذا عن العرب؟
هذه المحاكمة هي جزء لا يتجزأ من استراتيجية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لاستعادة قوة وحيوية الدولة الروسية بعد أن انهارت كلية تقريبا في ظل رئاسة بوريس يلتسين. وما يثير الاهتمام في التجربة الروسية في ظل بوتين هو أنها حققت – حتى الآن- نجاحا كبيرا ومشهودا من حيث استعادة الحيوية الاقتصادية لروسيا وإن على حساب تكميش التعددية الفعلية ومستوى الأداء الديمقراطي بما في ذلك الاستقلال الفعلي للقضاء كما يشير كثير من المراقبين الغربيين. وكأن بوتين يحاول الاقتراب من النموذج الصيني في التحول الى الرأسمالية دون أن يتبنى تماما نموذجها الواحدي الصارم فى المجال السياسي أو ينقلب تماما على الديمقراطية والتعددية.

هل تحمل لنا هذه التجربة مغزى مؤكدا؟

ليس من الحكمة أو من تقاليد المعرفة العلمية أن نتسرع في استنباط نتائج مؤكدة من نموذج واحد بكامله. فالنتائج الظاهرة من تجارب التحول الى الرأسمالية في أوروبا الشرقية وفي العالم ككل خلال العقد الماضي ليست متجانسة. فلدينا تجارب ناجحة مثل بولندا وتشيكيا والمجر. ولدنيا تجارب فاشلة مثل رومانيا ويوغسلافيا وبلغاريا. ومن المبكر الحكم على التجربة الروسية في ظل بوتين. فالنموذج الذي يرتبط به طبق في حالة رومانيا بدون نجاح يذكر.

وليس من الضروري أن تكون لتجربة بوتين انعكاسات مباشرة أو مهمة بالنسبة للتجارب العربية. فقد بدأت مصر تجربة التحول الى الرأسمالية في ظل الرئيس السادات الذي يشبه يلتسين في نواح كثيرة. وخلال الولاية الأولى للرئيس مبارك حاول أن يطبق ما يسعى بوتين لتطبيقه منذ توليه السلطة. فقد تخلص الرئيس مبارك من عدد لا بأس به من رموز الفساد التي انتعشت في ظل الرئيس السادات. غير أن هذه العملية لم تكتسب قوة دفع كبيرة مع الوقت. بل حدث العكس تماما. فرغم استمرار التصدي لحالات فردية كثيرة عدديا وخاصة في ولاية مبارك الرابعة فإن الفساد وصل الى مستويات من العمق والاتساع لم يبلغها أبدا في تاريخ مصر الحديث.

وبتعبير آخر قد لا يزيد مغزى محاكمة خودوركوفسكي في روسيا في اللحظة الراهنة عن محاكمة عصمت السادات في مصر خلال بداية الثمانينيات. فالمحاكمة الأولى قد تكون حالة من بين حالات معزولة ينتشر الفساد في ظلها ويتعمق مع الوقت بالارتباط بتعزيز التحول الرأسمالي وقيام علاقات وثيقة بين رجال الأعمال الكبار الذين يتمتعون بمكانة احتكارية وجهاز الدولة ورجالاتها. ولأن مصر سبقت روسيا بأكثر من عقدين في الانتقال الى الرأسمالية قد يكون بوسعنا أن نطبق دروس تجربة مصر على روسيا بأكثر مما نستطيع تطبيق دروس تجربة روسيا على مصر. ويصدق ذلك بالنسبة لعدد من الدول العربية التي بدأت نفس عملية الانتقال بعد مصر بقليل مثل الجزائر والمغرب والسودان وبدرجة أقل العراق وسوريا.

ثمة سمات مشتركة كثيرة في تجربة روسيا في ظل بوتين ومصر في ظل الرئيس مبارك. ففي الحالتين تمت تجربة الانتقال في غياب الأطر التشريعية والخبرات العملية التي تضمن "ضبط" عملية الانتقال. فليست هناك تشريعات لمناهضة الاحتكار وحماية المستهلك والحقوق النقابية. وفي الحالتين تقوم الدولة بالإشراف شبه المباشر على نمو وتطور الطبقة الرأسمالية الجديدة. كما توجد سياسات تضمن "الانعاش" الاصطناعي لأفراد يتم اختيارهم من رجال الأعمال أو المرشحين للانتماء لهذه الطبقة. وبينما لعبت خصخصة القطاع الصناعي وقطاع الموارد هذا الدور في روسيا لعبت سياسة تمليك الأراضي وسياسات سعر الصرف ونمط ادارة البورصة هذا الدور في مصر. وللأمانة فقد تمت عمليات الخصخصة في مصر بقدر أكبر من الانضباط والاحتراف بالمقارنة بما حدث في روسيا في ظل يلتسين.

ولكن هناك سمات مختلفة تمام الاختلاف. فالرأسمالية لم يكن قد تم القضاء عليها في مصر على النحو الذي حدث في التجربة السوفييتية. ولم يقع انهيار الدولة المصرية كما حدث للدولة السوفييتية. وتوفرت لمصر ميكانيزمات كثيرة لتخفيف أثر صدمة الانتقال مثل فرص الهجرة الجماهيرية للدول العربية النفطية وللعالم الخارجي عموما. وبوجه عام كانت عملية الانتقال أقل قسوة بما لا يقاس في مصر عنها في روسيا بالنسبة للطبقات الفقيرة وللطبقات الوسطى.

ولذلك فان أي دروس لا تستند على تشريح عملية الانتقال في عدد كبير من التجارب قد لا يكون لها مغزى عام. وقد لا يمكن استمداد أي دلالات عامة من مجمل التجارب العالمية إلا من منظور محدد أو للاجابة على سؤال بعينه.

إن السؤال الذي يتمتع بأكبر قدر من الأهمية في السياق العربي المحاط بتهديدات خارجية وداخلية كبيرة هو، الى أي مدى يمكن استعادة قوة الدولة مع ضمان أكبر فرصة ممكنة لنجاح التحول الرأسمالي. فبغض النظر عن موقفنا الفكري والعقيدي من هذا التحول يبدو من شبه المؤكد أنه سوف يستمر لفترة طويلة مقبلة وأن مستقبل الاقتصاد والمجتمع في العالم العربي وعلاقات العرب الدولية تتوقف بدرجة أكبر كثيرا مما نتصور على نجاح عملية الانتقال هذه. لدينا بعض الدروس ذات المغزى العام في جميع التجارب المماثلة.

أولا: إن التحول الرأسمالي لا يعني بالضرورة إضعاف الدولة. ففي جميع الحالات تقريبا تمت هذه العملية تحت إشراف الدولة أو رجالاتها الكبار بارادتهم وليس نتيجة لضغوط لا تقاوم من جانب رجال الأعمال. وبدأت تلك العملية بسبب الفشل في إدارة الاقتصاد بالأوامر وعبر التجاهل التام لقوانين السوق في المستويين المحلي والخارجي. ولدينا نماذج للقوة المطلقة ونماذج أخرى للضعف المفرط للدولة. ولكن أغلب الحالات تشتمل على جوانب قوة وجوانب ضعف. وفي الحالات العربية نلحظ أن الدولة قوية بمعنى أنها باطشة وضعيفة بمعنى أن قدرتها على ضبط المجتمع بنظامه الكلي ونظمه الفرعية وفقا لقانون واضح ونزيه بالغة الوهن. كما أنها تزداد ضعفا كمجال مؤسسي بينما يزداد رجالها- كأشخاص-قوة من حيث التعسف في إدارة المجتمع.

وعندما نتحدث عن "استعادة قوة الدولة" كقيمة ايجابية نقصد العكس تماما: أي نتساءل عن كيفية تقوية قدرة الدولة كمجال مؤسسي على "ضبط" وتنمية المجتمع مع تخفيف طابعها الباطش وضمان احترامها للحريات والحقوق الأساسية للمواطنين. وهذا الأمر لا يمكن أن يتم إلا إذا اجبرت الدولة رجالها على احترام القانون وحاسبتهم على التعسف والفساد. ويدرك المصريون والجزائريون والسوريون هذه الحقيقة أكثر من غيرهم. ولذلك يسألون رؤساءهم بيأس أن يتصدوا لنهب الثروة من جانب الرجال الأقوياء في جهاز الدولة ذاتها.

ثانيا: تضعف الدولة عندما تضطر للتعايش مع الفساد على كل المستويات بما في ذلك مستوى النخبة السياسية والوظيفية. وبينما ينتشر الفساد وتتم عولمته في جميع التجارب والنظم الاقتصادية والاجتماعية بل وفي جميع النظم السياسية الديمقراطية وغير الديمقراطية كما تشير لذلك دراسة البنك الدولي الشهيرة بعنوان "الفساد والاقتصاد العالمي" فإن الفساد يتحول في بعض النظم والحالات – ومن بينها الحالات العربية- الى قانون أساسي يظلل المجتمع كله، أي يصبح ترتيبا اجتماعيا جوهريا أو القانون الأساسي لتوزيع السلطة والثروة. وهو بهذا المعنى لا يتشكل كممارسات بعينها مثل الرشوة والاقتصاد الأسود وإنما يمكن تعريفه كحالة تفكك أو تحلل اجتماعي شامل. وهذا هو ما يتسق مع المعنى الفعلي للفساد في الطبيعة حيث تفسد الأشياء عندما تبلى وتتحلل وتتفكك ولا يصبح لها ضابط من قانون وجودها الكلي.

ثالثا: إن استعادة قوة الدولة العربية لن تكون ممكنة بمجرد عقد محاكمات لأي عدد من الفاسدين وإنما عندما تعاد صياغة الدولة عبر عقد اجتماعي جديد يعيد لها القدرة على "ضبط وتنمية" المجتمع على ضوء قانون عام نزيه وعادل يضمن استقلال الدولة وتعاليها عن التوظيف التعسفي للقانون أو الثروة للحصول على الشرعية أو القوة. وهذا هو ما نعنيه بالحرب على الفساد.

المصدر وجهات

صقر الخالدية
28/06/2004, 08:16 PM
الخطوط الإعلامية الحمر
2004/06/28

يحيي اليحياوي


-1-
لا يتم الحديث عن الخطوط الإعلامية الحمر أو اللجوء إليها إلا حينما يمس هذا المنبر أو ذاك أعراض الناس وذممهم أوعندما يعرض بالفضاء العام لخصوصياتهم وحميمياتهم أو لما يعمد إلي استصدار أحكام بشأنهم قبلما يبث في ذلك القضاء أو يتسني لهم بالتالي المرافعة دفاعا عما قد يعتبرونه شتما أو قذفا أو تشهيرا أو ما سوي ذلك.
والواقع أن ذات الخطوط (في الدول الديمقراطية علي الأقل) لا تثار فقط عندما يتعرض علياء القوم إلي القذف أو التشــــهير أو التجريح، بل أيضا وبالقدر ذاته عندما يتعلق الأمر ببسطاء الناس ومتوسطيهم في حال تمت الإشارة إليهم بالأصبع أو وردت أسماؤهم وسيرهم في سياق عام يتراءي لهم أنه لا يعنيهم.
هي خطوط في تجاوزها يسقط المرء حتما وتلقائيا في المحذور سواء تعلق الأمر في ذلك بالتجريح المباشر أم بالتلميح البائن أم بلي عنق الكلمة والصورة لتفيد الأمر نفسه أو تفيد بدلالته.
وهي حدود تعارفت الجماعة (بالعرف الضمني أو بالنص الصريح) علي عدم الاقتراب منها ضمنا وعلانية ضمانا للعيش المشترك ودرءا لسبل الفتنة ودفعا للاحتراب الذي من شأنه إيذاء الجماعة كما الفرد سواء بسواء.
ولما كان الأمر كذلك، فلأنه بداية وبالمحصلة إفراز (وتراكم أيضا) لقيم تستند إلي الدين أو التقليد أو الرمز أو الأخلاق أو إليها مجتمعة لا يجرأ علي ***** إلا جاهل بذلك أو غير معترف به أو له في تجاهلها مصلحة من المصالح.
من غير الوارد تعليق ذات الخطوط إن تعلق الأمر (بمجتمعاتنا) برأس الدولة أو بمحيطه أو بالدائرين في فلكه، فهي تستحضر لدرجة الاستنفار في هذه الحالات، فيوضع صاحب المنبر جراء ذلك خلف القضبان لربما قبل أن يبلغ الخبر عامة الناس، لكنها غالبا ما تضيع في تأويلات ردهات المحاكم في حال البسطاء من بيننا حيث تنعدم الحماية والجاه والسلطة.
بالتالي، فالقاعدة العامة السائدة بالدول الديمقراطية هي ببلداننا أبعد من أن تكون كذلك: هي أقرب ما تكون الاستثناء (بل قل هي الاستثناء ذاته) الذي لا يجوز البناء عليه أو التطلع إلي التأسيس له حالا أو حتي في الأمد المنظور.
لا يروم القصد هنا حالات صحافيين وإعلاميين اقتيدوا من الاستوديوهات أو تم إفتاء المحاكم بسجنهم احتكاما إلي رمزية حجر، بل إلي حالات أفراد وجماعات وآراء جر أمر مساندتهم لهذا الفكر أو ذاك أو التعاطف معه الويلات علي هذا المنبر كما علي غيره بالتأويل الممطط في الغالب الأعم.
وعلي هذا الأساس، فإذا كان من المنطقي الادعاء بأن القانون يسري علي الأفراد والجماعات في تمثلهم له كما في حال جهلهم بمواده ونصوصه، فإنه من المنطقي أيضا إعمال ذات المواد والنصوص علي الحاكم كما علي المحكوم إن اعتبر أحدهما أنه عرضة تجريح أو تشهير أو مساس بالذمة والعرض.
بالمقابل، فليس من المفروض في المنبر الإعلامي أن يقيم ذات التمييز بين الحاكم والمحكوم ماداما في سلوكهما كما في ذواتهما خاضعين لمنطوق القانون وروحه.
والسر في ذلك لا يكمن، فيما نزعم، في تجاهل من لدن المنبر إياه لسمو مقام الحاكم قياسا إلي مقام المحكوم، ولكن أيضا لأنه (المنبر الإعلامي أعني) كرس نفسه لأن يكون *** حراسة للديمقراطية لا يتسامح في ذلك مع المحكوم فما أدراك إن تطاول علي هذه الأخيرة الحاكم.
-2-
لا يمكن أن ينتابنا أدني شك، بناء علي ما سبق من حديث، بأن الذي هو موضع المحك بمجتمعاتنا بداية هذا القرن إنما يكمن في معادلة الصحافة والقضاء في سمو مقامهما كما في أدني صور ممانعتهما والتحامل الخطير علي سلوكيات بعضهما البعض.
ومكمن الممانعة الملمح إليه في هذا الباب لا يقتصر فقط علي مستوي الاحتكاك القائم بينهما علي خلفية من تحيز القضاء ونسبية الاستقلالية من بين ظهرانيه، بل وأيضا علي خلفية ثلاث قضايا كبري لطالما وضعتهما وجها لوجه دونما كبير اعتبار للتراتبية الوضعية السائدة:
ـ الأول لأن فضاءي القضاء والإعلام يتغيآن إنصاف الحاكم كما المحكوم بالكلمة والصورة للثاني، بقوة القانون الصريح أو المؤول بالنسبة للثاني.
قد لا يزايد الإعلام علي القضاء قراراته إن بني لها هذا الأخير بنص صريح لا مجال بشأنه (في ثبوت التهمة أو الجرم) للاجتهاد كبير، لكنه يكون مجال ذلك وأكثر عندما يجتهد القضاء فيعمد (تحت هذا الظرف أو ذاك، تحت هذا الضغط أو ذاك) فيصدر أحكاما جائرة يتسابق إلي التشكيك في نزاهتها وخلفيتها المتتبع العادي قبل المنبر موضوع ذات التأويل.
إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف التسليم بنزاهة واستقلالية قضاء يشهر بوجه صحافي حجرا جامدا أضفيت عليه صفة القداسة ولكأننا بإزاء بلد لم يعرف نبيا أوحي إليه بالرسالة في زمن كان البشر يقدسون الحجر والنار ويعبدونهما؟
هذا محك حقيقي بين الإعلام والقضاء لا استقلال لهما أو تجاورا لفضائهما طالما ظل التأويل طاغيا من لدن قضاة يوحي إليهم بالحكم دونما قدرة من لدنهم علي استهجان ذات السلوك أو رفضه بالجملة والتفصيل.
ـ أما الثاني فموضعه إشكال الحرية التي للإعلام بإزائها رأي وللقضاء بشأنها رأي مخالف لدرجة التناقض في بعض الأحيان.
فالحرية التي يدفع بها الإعلام تتغيأ الشفافية وحرية البلوغ للخبر وحق المتلقين في المعرفة و الحصول علي ذات الخبر، في حين أن الحرية التي يتغيأها القضاء هي الحرية التي لا تطاول موازين القوي السائدة أو المستويات القائمة عليها بما فيها المؤسسة القائمة علي التشريع أفرادا وأحزابا ومؤسسات وما سواها.
لن يكون بمستطاع المرء تجاوز مبدأ وضرورة حرية الإعلام بداية هذا القرن (بالدول الديمقراطية كما ببلداننا)، لكنه لن يستطيع بالمقابل مجاراة ذات الحرية (أو بعض من المتعصبين لها) لدرجة استهداف حياة الأفراد والجماعات وحميميتهم وطقوسهم في العيش.
وبقدر ما لا يستطيع المرء ذلك بين جماعته وضمن مجتمعه، فإنه لن يوافق إطلاقا علي أن تتحول ذات الحرية إلي سيف يقطع أعناق المؤمنين بها كما الذين يضعون لها المتاريس.
قد لا يكون كل هذا مثار اختلاف كبير، لكن الاختلاف إنما يتأتي عندما يدفع منبر إعلامي بالحرية، وفي صلبها الشفافية في نشر الخبر والتعليق عليه، ويتحفظ القضاء (النيابة العامة) علي ذلك جملة وتفصيلا علي خلفية من سرية التحقيق وعدم السماح بتداول أخبار ومعطيات لم يتسن لهذا الأخير تبيان درجة صحتها من الخطأ الممكن وروده بها.
ليس الملمح إليه هنا فقط تخوف الدفاع من دنو مكانته أمام الاتهام، بل وأيضا ذوبان قدسية الحرية الإعلامية (وفي صلبها شفافية الخبر وحرية سريانه) أمام دهاليز التحقيقات التي قد تبدأ ولا يدري الصحافي متي ستنتهي سواء تعلق الأمر به مباشرة أم تعلق بقضية قد ينتظر عامة الناس مصيرها ومصير المدانين في جريرتها.
وليس الملمح إليه أيضا حرية الصحافة أمام الدفع بطرح سرية التحقيق، ولكن أيضا إلي طبيعة اللاتوازن التي تجعل وجها لوجه مؤسسة قائمة كمؤسسة القضاء والقانون مقابل مؤسسة لم يتسن لها بعد المأسسة لفضائها (قياسا إلي الفضاءات التقليدية الأخري) لدرجة التشرعن.
ـ الأمر الثالث ويتعلق بمسألة التراتبية الوظيفية التي تجعل حرية الإعلام رهينة للتأويل من لدن قضاء قد لا يضبط جيدا حركية مفهوم الحرية وسرعة وتيرة تطورها في الزمن والمكان.
فبقدر عصي الترسانة القانونية علي التحول السريع لضبط تحولات الفرد والجماعة، بقدر اتساع رقعة ومدي الحرية التي قد لا يستطيع القانون ملامستها وتأطيرها بالسرعة المطلوبة، فتطبق بالتالي نصوصا قارة علي فضاء متحرك.
-3-
يبدو إذن أن الخطوط الإعلامية الحمر لا تفترضها فقط معايير الأخلاق والتقاليد أو مبادئ الدين والرمز وما سواها، بقدر ما تقوم علي وضعها أيضا اجتهادات وتأويلات غالبا ما تحكمها موازين قوي قائمة أو تشترطها توافقات ضمنية أو تدفع بجهتها مصالح ولوبيات يكون جهاز القضاء بشأنها المنفذ لا الآمر، الخاضع لا الفارض لقراراته.
لا يقتصر الأمر عند حد ممانعة فضاء القضاء بفضاء الإعلام، بل يتعدي الأمر ذلك إلي درجة المجابهة المباشرة ينتصر فيها سلطان القوة وعنفها علي سلطة الكلمة وعنفوانها:
ـ فمهمة المنبر الإعلامي تقرير الحقيقة في الوقت الذي يستشعر أن الآخرين يعمدون إلي إخفائها أو التستر عليها أو التواطؤ في التنديد بمقرريها لحسابات قد لا تكون بريئة أو خلفها مصالح أو تدفع بها لوبيات.
وعلي هذا الأساس، فإذا كان المطلب المشروع هو معرفة مشاريع القائمين من بيننا علي قضايا الشأن العام، فإن التأكد من نظافتهم وصدقيتهم وانتفاء الشذوذ من سلوكهم هو مطلب أكثر مشروعية وشرعية...إذ لا قياس علي الشاذ كما يقال.
ـ ومهمة المنبر الإعلامي لا تقتصر علي السبق الذي قد يتسني له تحقيقه في الحصول علي الخبر (من هذه الجهة أو تلك) ولا في التأكد من مصدره وبراءة ذات المصدر وخلو سوء النية من بين ظهرانيه، بل وأيضا من قدرته علي التصرف في ذات الخبر والعمل علي تصريفه في إطار يخدم المصلحة العامة القائمة أو الواردة دونما مزايدة علي هذه الجهة أو تلك أو ابتزاز أو استفزاز.
وعلي هذا الأساس، فالقاعدة السائدة في حالة ما ثبت للصحافة هذا السلوك أو ذاك وأضحي ظاهرة قائمة إنما تنازل الملمح إليه عن صلاحياته ووضع نفسه رهن التحقيق والمساءلة حتي يتبرأ مما نسب إليه أو يقصي عن تسيير الشأن العام في حالة التثبت من خروجه عن القاعدة المتعارف عليها.
ـ ومهمة الصحافي (بل وحقه أيضا) ألا يصرح بمصادره لهذه الجهة أو تلك حتي وإن كان المستوي القضائي ذاته وإلا لتحول الصحافي إلي مخبر ومتواطئ يتجسس علي الناس ويسهم في إدانتهم بالحجة والدليل.
هي إذن وبالمحصلة كلها خطوط إعلامية (وقضائية) حمر لا يمكن للمرء أن يتجاوزها أو يتغافلها تحت مسوغ هذه الحصانة أو تلك، تحت أولوية هذه الحماية أو تلك.
إن المطلوب اليوم (المطالب به أعني) ببلداننا لا يتمثل في إلغاء الخطوط الحمر أمام الممارسة الإعلامية كما يتراءي الأمر لبعض من غلاة الحرية، ولكن في العمل علي إعادة صياغتها من لدن الصادقين من رجال الإعلام ورجال القضاء يكون الرابح بمحصلة ذلك حقيقة الخبر ومصداقية الطريقة في صياغته وتقديمه للناس.
لن يترتب عن هذا المطلب وضع الحد الفاصل بين المنابر الجادة ومنابر الرصيف، بين الصحافي المسؤول والصحافي المتربص بأعراض الناس، بل وأيضا بين القضاء المستقل و القضاء المنتظر للتعليمات.

كاتب من المغرب


القدس العربى

صقر الخالدية
29/06/2004, 09:16 PM
إيجابيات وسلبيات قطاع السياحة اليوم

د. محمد إبراهيم الرميثي
لا شك أن مفهوم السياحة، شأنه شأن باقي المفاهيم، يتغير بتغير الزمان والمكان وتغير الإنسان ذاته. فبالأمس القريب، وقبل زمن لا يتجاوز العقدين، كان السياح من مختلف بقاع الأرض يركزون على الاستمتاع بما أبدعته عقول البشرية من فن وتراث وعمران وحضارات خلدها تاريخ الأمم والشعوب مثل التراث الفرعوني، والتراث الإيطالي، والتراث الصيني، والتراث الهندي، والتراث الفرنساوي، والتراث الإسلامي المنتشر في مختلف بقاع الأرض مثل تركيا وسوريا والعراق وأسبانيا، وغيرها من أنواع التراث والحضارات القديمة. فكان السائح بالفعل يجد متعةً في النظر إلى تلك الحضارات والتفكر والتأمل والتدبر في ذلك التراث، والذي يعكس، بلا شك، عظمة تلك الأمم والشعوب. وبناءً عليه فالسائح يشبع حاجةً اقتصاديةً معنويةً في ذاته ويحقق هدفه الذي يسعى إليه. إضافةً إلى ذلك فقد كانت المناظر الطبيعية الخلابة مثل السهول والبراري الخضراء، والأنهار، والينابيع، والشلالات، والجبال، والبحار، والطقس اللطيف من الأهداف والمقاصد التي يقصدها السائحون، حيث يجدون فيها إشباعا حقيقياً لحاجاتهم المعنوية. أي أنهم يجدون فيها سلوتهم وترويحهم وبعدهم عن هموم الحياة الروتينية المملة. فكان للسياحة مفهوم خاص ينبع من حاجة السائح وأهدافه وطلبه. وبناءً عليه صنفت دول العالم إلى دول سياحية وأخرى غير سياحية، ولا مجال للمنافسة بينهما. وكان تأثير قطاع السياحة في القطاعات الاقتصادية الأخرى محدوداً للغاية.

أما اليوم ومع التطور التكنولوجي والانفتاح الذي يشهده العالم، فقد تغير مفهوم السياحة تغيراً كبيراً. حيث احتل التراث القديم والمتاحف أهمية ثانوية في نظر أغلبية الأجيال الجديدة. فلم يعد التراث والتاريخ القديم والمتاحف والحضارات، رغم ارتباط أغلبيتها بالأديان، تشكل أولوية بالنسبة لهذه الأجيال الجديدة. ولقد تم بالفعل إعطاء الأولويات لأهداف ومقاصد أخرى. ومن أهم تلك الأهداف والمقاصد التكنولوجيا المعاصرة والإبداع الصناعي، ومن أهمها وسائل الاتصالات والمواصلات والفضاء الخارجي، وقطاع الرياضة بمختلف فنونه وفروعه، والتسوق، والألعاب والمرح الذي يناسب كل الأعمار وكل الميزانيات الأسرية، فضلاً عن حرص السائحين على الخدمات الفندقية الممتازة. فأصبح الجيل الجديد يشبع حاجاته الاقتصادية السياحية بأنماط مختلفة. لا شك أن ذلك لا يعني زوال اهتمام الأجيال الجديدة بالتراث والحضارات القديمة، والمناظر الخلابة، وإنما يعني اختلاف وتباين ترتيب الأولويات والأهداف والمقاصد السياحية من جيل إلى جيل على المستوى العالمي. بيد أن ترتيب الأولويات والأهداف قد يتباين ويختلف اختلافاً طفيفاً أيضاً من دولة إلى أخرى. ولا شك أن لتغير كافة أنماط الاستهلاك لدى الأجيال الجديدة تأثيره البالغ على الأولويات التي يعطيها هذا الجيل لأهدافه وحاجاته السياحية أيضاً.

ومن هذا المنطلق لجأت الدول إلى إعادة دراسة قطاع السياحة من فترة إلى أخرى وتقويمه والوقوف على ما يطرأ على حاجات السائحين من مستجدات ومتغيرات، وما يطرأ على أنماط تلك الحاجات وأولويات ترتيبها، وإعادة ترتيبها من مستجدات أيضاً. وبما أن حاجات الإنسان متنامية ومتجددة وغير محدودة، وأن أنماط استهلاكه متغيرة بسرعة كبيرة، وأن ترتيب أولويات أهدافه ومقاصده أصبحت متغيرة بسرعة عاليةٍ هي الأخرى، فإن قطاع السياحة يصبح من القطاعات التي هي بحاجة ماسة إلى مرونة عالية في الإنتاج، وجودة عالية في الأداء. فلم يعد في عالم اليوم ينفع تصنيف الدول تصنيفاً تقليدياً إلى دول سياحية وأخرى ليست سياحية. بل إن هناك دولاً لم تكن، قبل عشر سنوات، تصنف كدول سياحية أصبحت اليوم تصنف كدول سياحية. فإذا ما وصلت نسبة مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي لدولة ما إلى 5% فأكثر، فإن ذلك البلد بلا شك يصبح بلداً سياحياً.

والحقيقة أن قطاع السياحة يمتاز بعدة سمات إيجابية تميزه عن غيره من القطاعات الاقتصادية وتمنحه أهمية بالغة، ومن أهم تلك السمات الآتي:

1- يعتبر قطاع السياحة من القطاعات الجالبة للعملة الصعبة بصورة مميزة. فهو يعتبر مصدراً مهماً من مصادر جلب العملة الصعبة للبلد المضيف للسائحين، حيث إن الأموال التي يجلبها السائحون معهم وينفقونها هي مصدر مهم من مصادر الدخل القومي الذي لم يتم إنتاجه نتيجة للدوران المحلي لرأس المال، وإنما أتى إلى الدولة نظير سلع وخدمات أنتجتها الدولة المضيفة للسائحين وسوقتها لهم. فهي تشبه إلى حدٍ كبير السلع والخدمات المصدرة إلى العالم الخارجي.
2- يعتبر قطاع السياحة من القطاعات (ذات الدفع الأمامي) و(ذات الدفع الخلفي). فهو يرتبط بكافة القطاعات الاقتصادية ويساعد على نموها وتطورها جميعاً دون استثناء. فمن حيث كونه قطاعاً ذا دفع أمامي، يقصد به أنه قطاع يدفع كافة القطاعات الاقتصادية التي تلبي حاجات السائحين ورغباتهم وطلباتهم أثناء وبعد مجيئهم إلى الدولة المضيفة بشكل مباشر، مثل شركات السفر والسياحة وشركات الطيران والشحن والنقل والاتصالات والمواصلات والصناعة بشكل عام، وقطاع الفندقة والمطاعم والمخابز وما يرتبط بها من إنتاج زراعي وحيواني وسمكي وصناعي، وكذلك القطاع العقاري، والقطاع المصرفي، وقطاع التأمين، وكافة القطاعات الاقتصادية التي ترتبط مباشرةَ بخدمة السائحين بدون استثناء. كما أنه يدعم ويشجع على بناء البنية الأساسية التحتية للدولة ومرافقها العامة وخدماتها المرتبطة بالسياحة بشكل مباشر والاهتمام بتطويرها. أما من حيث كون قطاع السياحة ذا دفع إلى الخلف أيضاً فإن ذلك من الممكن النظر إليه من زاويتين. ترتبط الأولى بالتغذية العكسية التي نحصل عليها من استطلاع آراء السائحين ومعرفة مدى رضاهم عن مستوى الخدمات السياحية التي تقدمها الدولة بقطاعيها العام والخاص، ومعرفة آرائهم في جودة المنتجات السياحية، ومن ثم العمل على تطوير وتنمية القطاع مستفيدين من تلك الآراء والتغذية العكسية. حيث إن ذلك، بلا شك، سوف يدفع الدولة إلى تطوير وتنمية قطاع السياحة إذا ما رغبت في الحفاظ على مكانتها التنافسية في الأسواق العالمية. أما الزاوية الثانية التي من الممكن النظر من خلالها إلى الدفع إلى الخلف بالنسبة لقطاع السياحة فلننظر إلى ما يحدثه قطاع السياحة على القطاعات الأخرى المرتبطة به بشكل غير مباشر. ومن الأمثلة على ذلك تشغيل الأيدي العاملة، تشجيع قطاع التجارة والتصدير والاستيراد وإقامة المراكز التجارية وتطويرها، وتشجيع صناعة الفلكلور والخزف والفن والرسم والصناعات الحرفية والتراثية بشكل عام، وتشجيع بناء المتنزهات ومحلات الألعاب والترفيه، والحدائق وغيرها، وما تجره هذه من تشجيع لقطاع الإنشاءات والبناء، ومشاتل الزهور والورود وأشجار الزينة. إنها، بلا شك، سلسلة لا متناهية من التشابكات القطاعية التنموية المعقدة، التي قد يصعب على المرء التمييز من خلالها أيها يدعمه قطاع السياحة دعماً أمامياً مباشراً، وأيها يدعمه دعماً خلفياً غير مباشر. بيد أنه في النهاية يجب الاعتراف بدور قطاع السياحة في تدعيم كافة القطاعات الاقتصادية.

3- يساعد قطاع السياحة ويشجع على انفتاح المجتمعات وتبادل الحضارات ما بين شعوب العالم. فهو بذلك يعمل على التقريب ما بين حضارات الأمم والشعوب ويسهل عملية انتقال الأيدي العاملة والسلع والخدمات والخبرات والتكنولوجيا ما بين شعوب العالم. ويجعل الدول الغنية تشعر بالدول الفقيرة من على قرب.
أما إذا نظرنا إلى سلبيات قطاع السياحة فسوف نجدها أيضاً كثيرة وقد يصعب حصرها في عجالة كهذه، وأهمها الآتي: 1-

إن من أهم سلبيات قطاع السياحة هي الآثار السلبية التي تطرأ على القيم الاجتماعية والمبادئ والأخلاق والموروثات، وخاصةً بالنسبة للمجتمعات الإسلامية المحافظة، فتخرجها من النمط المحافظ إلى النمط المتحرر، والذي قد تسود فيه الإباحية بمختلف صورها. حيث إن القيم والمبادئ تذوب بالتدريج ولا يشعر بها المرء إلا بعد فقدانها تماما. ويشبه العلماء ذلك بطريقة تناول الدواء، حيث إن علبة الدواء يستحيل تناولها مرةً واحدةً، ولكن إذا تناولها المريض بالتدريج فإنها بلا شك سوف تحقق أهدافها. وبناءً عليه فإن المجتمع قد يفقد هويته تماماً بسبب سياسة الانفتاح التي يغذيها بلا شك قطاع السياحة. ولابد من الإشارة هنا إلى أن من الأمثلة الواقعية في مجتمعنا اليوم محلات التدليك (أي المساج)، وهي منتشرة في مختلف مدن الدولة ومرخصة من الجهات الحكومية الرسمية على أنها محلات للتدليك وتمارس أعمالاً مشروعة (شرعاً وقانوناً). بيد أننا لو نظرنا في حقيقة عمل هذه المحلات لوجدنا أن الكثير منها محلات تمارس أعمالاً تتنافى مع تعاليم ديننا الحنيف. فكيف بفتيات إناث يدلكن فتياناً ذكوراً، وما أدراك ما قد يجره ذلك التدليك. فلو سألنا أنفسنا سؤالاً: ما هي الدوافع التي تدفعنا إلى مثل هذه الأعمال؟ أليس حرياً بنا أن نعود إلى كتاب الله وشريعته، ونأخذ بمبدأ (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة)؟. ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في تحريم الخمر والميسر "فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما". والحقيقة أن كافة الأعمال والأنشطة الاقتصادية بها منافع، ولكن قيمنا يجب أن تكون أسمى وأجل من تلك المنافع الدنيوية. والحقيقة أن الأمثلة على العادات السيئة وانحراف الأخلاق وذوبان القيم لا يمكن حصرها في هذه العجالة، بيد أن المقصود هو المبدأ ذاته. فيجب ألا تعمينا المنافع والأرباح الاقتصادية وتجعلنا نبيع ديننا بدنيانا. فلابد لنا من وقفة محاسبة مع النفس. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم".

3- إن قطاع السياحة قد يدخل إلينا من خلاله المستثمرون المضاربون بالعملات وبالأسهم وبالعقارات وحتى بالسلع وغيرها بهدف الربح السريع، والذين لا يضيفون، في الحقيقة، إلى الاقتصاد قيمةً مضافةً حقيقيةً ولا ناتج فعلياً، فيجب أن نحترس منهم ونتعامل معهم بتحفظ، ونقنن ونؤطر المجالات الاستثمارية المسموح لهم بالدخول فيها.

المصدر وجهات

صقر الخالدية
04/07/2004, 01:27 AM
سؤال الضريبة في الإمارات*


بقلم: د.عبدالخالق عبدالله




























































أصبحت الضريبة في الإمارات ضرورية وملحة ومفيدة. وهناك عشرات من الأسباب المقنعة والتي تؤكد أنه لم يعد من الممكن تأجيل تطبيق الضريبة عاجلاً بدلاً من آجلاً. إن الحكومة على حق في توجهها نحو إقرار ضريبة القيمة المضافة, ولا ينبغي لها أن تتراجع عن اتخاذ مثل هذا القرار المطلوب محلياً واتحادياً. كما كان المجلس الوطني شجاعاً كل الشجاعة حينما صوت الأعضاء بأغلبية كبيرة على توصية لتفعيل المادة 126 من الدستور, والتي تنص على "فرض ضرائب على البضائع والسلع والخدمات والأرباح يتم توريدها للدولة الاتحادية". والمجلس أيضاً محق في دعوة الحكومة لوضع خطة وطنية تشمل الضريبة المضافة على المبيعات لتنويع الموارد المالية للدولة, لتغطية نفقات الميزانية العامة, وسد العجز السنوي المزمن في الميزانية الاتحادية, التي أصبحت عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها في ظل النمو المطرد في الإنفاق العام.

رغم ذلك فإن الجدل الذي يدور حالياً حول الضريبة هو جدل صحي, والاختلاف حول إن كان الوقت قد حان لفرض الضرائب هو اختلاف متوقع، ومن المهم أن يستمر وتشارك فيه كافة الفعاليات المعنية بقضايا الوطن، خصوصاً بعد أن بلغت الإمارات طوراً من النضج الاقتصادي والسياسي يسمح بطرح القضايا المجتمعية بقدر أكبر من الشفافية والمكاشفة والحرية والصراحة وعلى المستويات القيادية والشعبية كافة.

إن قضية مجتمعية مثيرة وضخمة بضخامة تطبيق ضريبة المبيعات تحتمل أكثر من رأي, وباب الاجتهاد فيه واسع كل الاتساع بين المتحمس له كل الحماس والمؤيد له بحرارة, وبين المعارض له كل المعارضة شكلاً ومضموناً. لا بأس من الحوار وحتى الاختلاف، فقضية الضريبة بطبيعتها خلافية لكن الحكومة محقة في التفكير في تطبيق نظام ضريبي من نوع ما في الإمارات. هذا القرار حكيم ولا بد منه, وكل مبررات المعارضين والمتحفظين على وجاهتها غير مقنعة، ولا ينبغي لها أن تعطل اتخاذ مثل هذا القرار التصحيحي الذي طال انتظاره.

مهما كانت المواقف المؤيدة أو المعارضة أو المتحفظة, فإن الضريبة مفيدة, وهي ضرورة من ضرورات الحياة المعاصرة, وشر لا بد منه. لا أحد بكامل قواه العقلية ينادي بالضريبة إلا عندما تكون ملحة وضرورية ومفيدة. إن جميع الوقائع والمعطيات تشير إلى أن الضريبة قد أصبحت ضرورية بالنسبة لدولة الإمارات التي هي ثالث أكبر اقتصاد في المنطقة العربية، وبالنسبة للحكومة الاتحادية بشكل خاص والتي تعاني من عجز مزمن في الميزانية.

فتطبيق الضريبة سيؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الإمارات جادة في سعيها نحو فك الارتباط غير الصحي بالنفط, وبناء الاقتصاد المتنوع, وتحقيق هدف التمويل الذاتي والمستقل للحكومة الاتحادية بعيداً عن النفط وتقلبات أسعاره.

لا توجد وسيلة أخرى لتطوير الإيرادات الذاتية للحكومة الاتحادية. ولا يمكن للحكومات المحلية أن تتحرر من تقلبات أسعار النفط إلا من خلال تطبيق نظام ضريبي متكامل, بدءاً باليسير منه والمتمثل في ضريبة القيمة المضافة إلى ضريبة الملكية, ومن ثم ضريبة الدخل الذي هو العمود الفقري لأي نظام ضريبي حديث. قرار تطبيق الضريبة هو الولادة الثانية للدولة الاتحادية, وسيشكل نقلةً نوعيةً في السياسة الاقتصادية, وستحقق الإمارات المزيد من الاستقرار الاقتصادي الذي يشجع بدوره المزيد من الاستثمار الخارجي.

لذلك مهما كان شر الضريبة فإن خيرها أكثر. إن محاسن الضريبة أكثر من مساوئها, كما أن نفعها أكثر وضوحاً من ضررها، ومهما تعددت سلبياتها فإن إيجابياتها لا تحصى. دولة الإمارات لم تطبق الضريبة بعد، ولكن ضرورات الموازنة الاتحادية والنمو المطرد في الإنفاق العام والنضج السياسي والنمو الاقتصادي، كل ذلك يدفع دفعاً نحو تطبيق الضريبة التي إن لم تطبق اليوم فسوف تطبق غداً, وإن لم يؤخذ بها غداً فسوف يؤخذ بها بعد غد. فالضريبة حتمية وهي آتية لا ريب فيها.

لقد تأخر تطبيق الضريبة كثيراً, وربما ستؤجل سنة أخرى أو أكثر, لكن الكل يدرك أنه لا مفر من تطبيقها, وستفرض نفسها ليس من خلال الحديث والنقاش والحوار كما هو الحال الآن, وإنما كضرورة من ضرورات بناء الاقتصاد الحديث وقيام الدولة الاتحادية المستقلة بمواردها.

جميع الدول الصغيرة والكبيرة تطبق الضرائب ما عدا دول الخليج التي ما زالت تغرد خارج السرب العالمي في أمور كثيرة من بينها الضريبة. دول العالم الغنية والفقيرة تطبق مجموعة متكاملة من الضرائب في مقدمتها ضريبة الدخل. بل إن أغنى الدول هي أكثر الدول تطبيقاً للضرائب، فالدول الاسكندنافية الغنية كل الغنى تفرض أعلى معدل للضرائب في العالم والذي يصل إلى نحو 80% من دخل الفرد في السويد. لكن في مقابل هذه الضريبة العالية يحصل الفرد في الدول الاسكندنافية في مقابلها على أفضل نظام للرعاية والرفاهية الاجتماعية في العالم, والذي يشتمل على مجموعة الخدمات المتقدمة والمجانية, والتي تغطي كافة احتياجات الإنسان من المهد إلى اللحد. فالضريبة تعني خدمات حكومية أفضل وحياة أفضل للجميع.

القرار بفرض ضرائب هو بكل تأكيد قرار تاريخي وشجاع وصائب ويشكل قطيعة مهمة مع السياسة الاقتصادية الراهنة التي تعتمد كل الاعتماد على منطق أن الإمارات دولة غنية ونفطية ولا تحتاج لفرض الضرائب. لذلك كان الحديث عن الضريبة خافتاً بل ومحرماً. لكن المستجدات الحياتية طرحت موضوع الضريبة مجدداً وتم فتح باب النقاش فيه، بل أصبحت الحكومة الاتحادية من أكثر المتحمسين. أما المجلس الوطني فقد أشبعه نقاشاً في جلستين, حيث رفض فكرة الضريبة في جلسته الأولى, ثم عاد وأقرها بعد أن اكتشف أن الحكومة تساند مثل هذا القرار. هناك إجماع مجتمعي على أن الضريبة مفيدة ومهمة، لكن الاختلاف هو حول التوقيت من ناحية وضوابط الضريبة من ناحية أخرى والتخفيف من سلبياتها وخصوصاً بالنسبة للمواطن الذي يعاني أصلاً من غلاء المعيشة والسكن وتدني الرواتب.

مبررات كثيرة تساق لتأجل تطبيق الضريبة، وهي في مجملها مبررات منطقية ومعقولة وتحمل قدراً من الصحة, لكن ليس كل الصحة. فليس صحيحاً أنه في حالة تطبيق الضريبة ستصبح الإمارات بيئة طاردة للاستثمارات الأجنبية، هذا الخوف في غير محله، فالاستثمارات الأجنبية جاءت إلى الإمارات لتستفيد من استقرارها السياسي وانفتاحها الاجتماعي، وبنيتها التحتية التي هي الأفضل في المنطقة العربية، علاوة على أن الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة التي أجادت فن الترويج والتسويق الذي أسهم في ترسيخ سمعة ومكانة الإمارات مركزاً مالياً وتجارياً وسياحياً جاذباً. تطبيق الضريبة لن يؤثر في كل ذلك, بل إنه سيخلق بيئة مستقرة على المدى البعيد للقطاع الخاص المحلي والعالمي. الإمارات جاذبة، والضريبة إن طبقت لن تجعلها أقل أو أكثر جاذبية.

كذلك فإن القول أن الضريبة سترهق كاهل المواطن المرهق أصلاً ليس صحيحاً في المطلق، فالحقيقة هي أن المواطن وخصوصاً المواطن المنهك هو أكثر من سيستفيد من الضريبة, وذلك في شكل تطوير الخدمات الحكومية الاجتماعية, وخصوصاً التعليم, والسكن, والصحة, وصيانة البنية التحتية, وإعادة توزيع الدخل بين الأفراد والمناطق في الدولة.

إن السبب الرئيسي لتطبيق أي نظام ضريبي هو تقديم خدمات حكومية أفضل. فالموارد المتحصلة من ضريبة القيمة المضافة ستتحول إلى خدمات تعود بالفائدة على المواطن وخصوصاً أصحاب الدخل المحدود في شكل تعليم أفضل, وخدمات طبية أفضل, ومسكن أفضل, وخدمات اتحادية أفضل, وراتب حكومي أفضل, ومواكب لغلاء المعيشة. إذا صرفت عائدات ضريبة القيمة المضافة في هذه المجالات فأهلاً بها. نعم وألف نعم للضريبة المضافة في الإمارات إذا ما كانت النتيجة حياة أفضل للمواطن.

لا ينبغي تأجيل تطبيق ضريبة القيمة المضافة أو إغلاق باب النقاش الذي من المهم أن يستمر ويسهم فيه الجميع من أجل الخروج بأكبر قدر من الإجماع الوطني على هذه القضية الخلافية، لكن الضرورية والمفيدة من أجل تصحيح مسار المالية العامة وتنويع الموارد الاتحادية، والتحرر من النفط، وبناء الاقتصاد الحديث، وضمان حياة أفضل للجيل المقبل، والسير بعد ذلك في اتجاه التحديث السياسي الذي طال انتظاره.

-----------

صحيفة الخليج الإماراتية*

صقر الخالدية
08/07/2004, 11:35 PM
الأديب والسياسة في أزمنة القمع
مسيرة وول سوينكا ......

جميل مطر


عاد من المنفى وبعد أيام من وصوله إلى لاجوس اشترك في مظاهرة احتجاجاً على الأوضاع المتدهورة في نيجيريا. أثارت عودته ثم اعتقاله لبعض الوقت في أحد أقسام شرطة لاجوس من جديد بين المثقفين الأفارقة عموماً والنيجيريين خاصة قضية علاقة الأديب بالسياسة. السياسة جعلت سوينكا أحد أبرز الأدلة الحية على تعقد العلاقة بين الأديب والسياسة. وأعتقد أن السياسة، هي التي حصلت لسوينكا على جائزة نوبل، وليس فقط وفرة وعظمة إنتاجه الأدبي. يعتقد سوينكا أنه في أجزاء كثيرة من العالم لا يختار المثقف أو الأديب بإرادته الحرة الكتابة في السياسة أو يسمح بأن تتسرب السياسة إلى ضميره ومنه إلى ما يكتبه. يقول إن الاختيار الحر هو خاصية من خصائص المثقفين المرفهين الذين يعيشون في مجتمعات مستقرة ومسالمة. أما الأدباء في هذا الجانب من العالم فالسياسة مفروضة عليهم فرضاً منذ اللحظة التي يقرر عندها الأديب التفكير في طباعة ما كتب ثم نشره.

أرى في سيرة سوينكا ومسرحياته ومقالاته ما يستحق منا التأمل. فكثير من أدبائنا العرب يتعاملون مع السياسة بشكل يوحي بأنهم يطلبون وظيفة في الحكومة ولا يوحي بأنهم يعملون للتغيير أو الإصلاح أو زرع أفكار مختلفة عن الأفكار السائدة في المجتمعات التي يعيشون فيها. كتب هنري لويس جيتس يصف سلوكيات المثقفين في دول كثيرة بأنها أشبه ما تكون بألعاب يؤديها فنانون على مسرح عرائس السياسة. في هذا المسرح يتحول الأديب إلى دمية تحركها وتتلاعب بها أياد لا تظهر للناس. يوجد بيننا من يردد أن الدولة استطاعت أن تؤمم كل شيء. بمعنى أن كل شيء في المجتمع صار جزءاً من عالم السياسة. “سيسوا” العلاقات الاجتماعية ووضع المرأة والعلاقة الزوجية وعلاقات العمل، ولكنهم قبل أي شيء آخر “سيسوا” الكلمة في مشوارها بين كاتبها وقارئها. ويعتقد سوينكا أن هذا صحيح ولكن فقط بمعناه التافه السطحي، وينقل عن جورج أورويل عبارته الذكية “إذا كان كل شيء سياسياً فهناك بعض الأشياء أكثر سياسية عن غيرها”.

ويختلف سوينكا عن كثيرين من معاصريه الذين أعلنوا انشقاقهم وانتقدوا سياسات حكوماتهم وأفكارها ومبادئها. يختلف مثلا عن سولجنتسين. فقد كان هذا الأخير مشاكساً ومهاجماً وشديد الانتقاد. سوينكا ليس بهذه الأوصاف، ولكنه أيضاً لم يكن مثل بوريس باسترناك الذي ناضل ضد الطغيان بأسلوبه الخاص. تجاهل الطغيان وأشاح بوجهه عن الفساد وقام بتحصين نفسه، أي بتحصين فضائه الشخصي، ضد ما كان يسميه “مذوبات السياسة” على شاكلة تلك الأحماض التي يستخدمونها في تذويب المواد الصلبة.

دخل سوينكا السياسة، أو تعامل معها، حين شعر بأنه مطالب بالرد والتفاعل مع واقع انهيار بلاده. عندها تغيرت حياته، مثله في هذا مثل بعض الأدباء في عالمنا العربي والإسلامي الذين تعرضوا لنفس الموقف حين شعروا بأن الموقف في بلادهم بلغ حداً خطيراً من التردي والانكسار فأصبحت المواجهة واردة إن لم تكن واجبة. تجدهم يتحولون بالتدريج من الطباع الهادئة أو الشاردة أو الرقيقة إلى نوع من التوتر والانفعال السريع وأحياناً الغضب الشديد. كثيرون تغيرت طباعهم عند لحظة الانتقال من الأدب النقي إلى الأدب “المسيس”، قليلون هم الذين أفلحوا في العودة إلى نقاء عالمهم الخاص وأقل من هؤلاء استمروا في المواجهة مع عالم ينهار أمام عيونهم، وكثيرون جرهم التيار فصاروا كالأحجار التي يعريها الفساد ويحدث فيها أفعاله فتتساقط نحو عمق سحيق أقرب شبهاً إلى الصورة التي تخيلها دانتي لجهنم.

ينتمي وول سوينكا إلى شعب اليوروبا. ولهذا الشعب حضارة فريدة. هم كالمصريين القدماء جداً برعوا في فن النحت إلى حد أنه يقال إن قدماء اليوروبا نحتوا منظومات راقية من الأساطير المتكاملة في شكل تماثيل كما في أشكال من الأساطير والقصص المتناسقة. هذه الحضارة المتصلة لم يؤثر فيها بشكل حاسم اختطاف عشرات الآلاف من أبناء اليوروبا إلى الأمريكتين لاستخدامهم عبيداً للمستعمرين البرتغاليين والإسبان والفرنسيين. فقد استطاع هؤلاء العبيد، بالنظر إلى عمق التقاليد وشموليتها وتناسقها، التأقلم بسرعة مع الديانة الكاثوليكية حتى صنعوا منها مسيحية خاصة بهم.

وأخذوا من الكاثوليكية أسماء القديسين فأطلقوها على آلهتهم التي تركوها خلفهم في إفريقيا. أعادوا بعث الآلهة القديمة في شكل قديسين. وفعل شعب يوروبا في إفريقيا الشيء نفسه عندما وصلت إليه الكاثوليكية. كذلك استخدموا تراث الطب الإفريقي في هاييتي واستمروا يمارسون بعض مظاهره. صنعوا عالماً سرياً وأطلقوا عليه الفودو. وما دمية الطين التي يستخدمونها لحرق الروح الشريرة التي تسكن المريض سوى إحدى الممارسات الطبية الموروثة، وهى ممارسة ليست بعيدة كثيراً عما يمارسه المصريون حتى يومنا هذا. وقد نجح سوينكا في نقل هذه الصورة إلى مسرحيته “السلالة القوية” عام 1959.

وقد اهتم سوينكا في كثير من كتاباته بالأصول الأسطورية للأديان ونقاط التقائها، والعلاقة بين الدين والحضارة. ويشهد على ذلك كتابه بعنوان “سكان المستنقع” الصادر عام 1958 وكذلك كتابه حول “السلالة القوية” وكتابه “الأسطورة والأدب والعالم الإفريقي” الصادر عام 1965 يقول إن الأساطير تنشأ من محاولة الإنسان “إخراج مشاعره من أعماقه وتوصيلها إلى الآخر”. ويعتقد اعتقاداً جازماً، واستمر عليه حتى الآن، أن إرادة الإنسان بعيدة كل البعد عن مفهوم الاستسلام. وإن إنسان اليوروبا الذي تربى في أحضان ديانته القديمة بعد مزجها بالكاثوليكية يعتبر أن المصير “توجه ذاتي” وليس مسألة موضوعية أو من صنع قوى خارجية. عندما يتحدث سوينكا عن الدين وتأثيره في الدراما الإفريقية يقول إنه لا يمكن فصل الدين عن غيره من الأشكال الحضارية والثقافية في أي مجتمع إنساني ويضرب المثل بكل إفريقيا وليس فقط بيوروبا. لا بد أن يكون لأي جانب من جوانب الثقافة أصول مغروسة في الدين من أوله إلى آخره. أما الاختلافات التي استعارها الإنسان من خارج هذا المجتمع فليست أكثر من اختلافات في الشكل. هناك اختلافات في الصلوات بين هذا الشعب الإفريقي وأي شعب آخر، أو في الاحتفالات والمهرجانات أو في طرق وأساليب العلاج، إلا أنه لا خلاف في النهاية على أن الدين هو المكون الثقافي والحضاري الأعظم لكل المجتمعات.

الدين في إفريقيا ليس ظاهرة منفصلة عن بقية الظواهر الإفريقية ولم يكن في أي يوم، ولن يكون، مؤسسة قائمة بذاتها، الدين ممارسة بأذرع متعددة تمتد إلى العلاج، والتعليم، والعائلة، والسياسة، والتجارة. تمتد في طريقين. طريق ينقل من الدين قواعد وقيم وأساليب تعامل إلى تلك الجوانب المتعددة في المجتمع ويعود حاملاً قوة جديدة وفكراً جديداً من المجتمع إلى الدين. وفقاً لهذا التصور يصبح منطقياً القول إنه إن صح المجتمع صح الدين، وإن تدهور المجتمع تكلس الدين وتوقف عن العطاء وعن التجدد. ويعتبر البعض أن الأديان الإفريقية كاليهودية الأولى حيث لم يكن الدين ينفصل عن الثقافة والحياة والتاريخ وحيث لا يمكن فصل الفرد “الإسرائيلي” القديم عن العلاقة الأزلية التي تربطه ب “يهوه”. عند اليوروبا كما أنه في “الإسرائيلية” المبكرة وربما عند بعض المذاهب الإسلامية ينظر إلى الحضارة باعتبارها حضارة شاملة Total Culture، كالمظلة تنشر ظلها على كل أطراف المجتمع وتفاصيله.

ولا يخفي سوينكا اشمئزازه من مفهوم الصدام الحضاري حتى قبل أن يصبح هذا المفهوم عنواناً لحرب ضروس بين الغرب من ناحية والعرب والمسلمين من ناحية أخرى. ففي عام 1973 كتب سوينكا في مقدمة أروع مسرحياته “الموت وفارس الملك” يقول “إن خطورة عبارة صدام الحضارات أنها بمجرد استخدامها ولو أكاديمياً أو نظرياً تصبح هي نفسها رخصة لممارسة الصدام الحقيقي والفعلي. تفترض عبارة صدام الحضارات وجود مساواة في أي موقف تقف فيه الثقافة الغربية وثقافة الآخر على أرضية هذه الأخيرة”. هذا الرأي جدير بأن نعرف معناه ونقدره خصوصاً بعد أن تحولت احتكاكات قديمة بقدرة قادر لتصبح صداماً حضارياً بين الغرب من ناحية والعرب والمسلمين من ناحية أخرى. حدث هذا مجدداً عندما اجتمع الغرب على خطة إدخال إصلاحات في الشرق الأوسط، أي في العالم العربي والإسلامي، وهو الإصلاح الذي يعني، طبقاً لشكل المواجهة المطروح بها، ووفقاً لأساليب العمل المقترحة في البرامج التي اتخذت في قمة الثماني في ولاية جورجيا الأمريكية ثم في قمة اسطنبول، أن ساحة هذه المواجهة الجديدة هي الشرق الأوسط، وأن أدوات هذه المواجهة واردة من الغرب. صدام حضاري يجري على أرض العرب والمسلمين وليس على أراضي الغرب أو أراضي طرف ثالث. ينطبق الشيء نفسه على ما فعله الاستعمار الغربي في إفريقيا، فقد خاض صداماً أسلحته القوة والعنف والدين الغربي ضد تقاليد وممارسات وديانات إفريقية على الأرض الإفريقية، وانتهى “بالمأساة الإفريقية الراهنة”.

نعود إلى الأديب والسياسة والعلاقة بينهما. هذه العلاقة ليست علاقة مجردة وليست نمطية. إنما تختلف العلاقة من أديب إلى آخر حسب طبيعة الدولة التي يعيش فيها هذا الأديب. ففي حالة وول سوينكا عاش وتربى في نيجيريا وانتمى إلى شعب يختلف عن بقية شعوبها، وكأي شخص آخر من أبناء نيجيريا تعرض للقمع وإلى تدخل العسكر من حين إلى حين في حياته الأدبية والشخصية. وتشهد هذه التجربة على أنه يوجد ما يشبه القانون العام في السياسة وبخاصة في الدول النامية أو حديثة الاستقلال، ينص القانون على أن العسكر يتدخلون في الحكم في حالتين: إذا أحسوا بقرب وقوع فوضى شاملة في الدولة، وإذا أحسوا بقرب قيام نظام سيمارس الديمقراطية الحقة. اللافت للنظر أن الحالتين لا تختلفان كثيراً عن بعضهما عند معظم المؤسسات العسكرية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بل وهناك ما يقال في هذا الصدد حتى بالنسبة للمجتمعات الغربية المتقدمة. ولدينا المثال في ثورة اليمين الأمريكي الجديد “والمتعسكر” فكراً وممارسة.

أكاد أردد مع آخرين الرأي الذائع بأن الأديب أمريكياً كان أم إفريقياً أم عربياً مشدود، أراد أم لم يرد، إلى السياسة. يشتد جذبه إليها كلما تأزمت أمور الدولة وتدهورت أحوال الحكم. لمن يستجيب الأديب في عالمنا، يستجيب لنداء الشعوب أم لأوامر السياسيين. وكيف أجاب سوينكا؟


جميل مطر


المصدر وجهات

صقر الخالدية
10/07/2004, 07:54 PM
الاختراق الثقافي

حسن حنفي:

الجمعة 09 يوليو 2004 22:43
... وكما يحاول الجناحان الشرقي والغربي لمصر الكسيرة وراثتها، يحاول البعض من أهلها اختراق قلبها لإنهائها والقضاء عليها. ويقوم بذلك بعض من يبحثون لهم عن دور جديد في مصر الجديدة الممسوخة، وفي نظام العالم الجديد ذي القطب الواحد. ينتسبون إلى النخبة أو الطبقة المتوسطة. فالنخبة طوال تاريخها تعيش على مساندة الأجنبي، والتعالي على أهل البلاد من العمال والفلاحين والطبقات الدنيا بل والمتوسطة. تتكلم اللغات الأجنبية، الفرنسية والإنجليزية. وهى ليست مثل باشاوات مصر الوطنيين الذين قاموا بعمليات بناء الدولة ثم تحديثها والذين عرضوا على إسماعيل سداد ديون مصر حفاظا على استقلالها. وهم الذين قادوا ثورة 1919، وكونوا العصر الليبرالي قبل 1952. بل هي نخبة من رجال الأعمال، وطبقة من الأغنياء الجدد لا همَّ لها إلا الربح السريع عن طريق المضاربة في العقارات، والاتجار بالعملة الأجنبية في السوق السوداء، وتهريب الأموال وقروض البنوك بلا ضمانات، والرشوة والفساد كوسيلة للتحايل على القانون، وقيم الاستهلاك ومظاهر البذخ والترف في القصور الجديدة وعلى شواطئ البحار.
كما يتم الاختراق عن طريق الطبقة المتوسطة التي تريد أن تلعب دورا بعد أن حوصرت بين الطبقة العليا التي لم تعد قادرة على الوصول إليها، والطبقة الدنيا التي تتعالى عليها. وهي التي لم تعد قادرة على الانخراط في طوابير الانتظار لنيل السلطة والثروة والجاه عن طريق الحزب الحاكم. وهي التي لم تواتِها الشجاعة الكافية لتنضم إلى أحزاب المعارضة العلنية المسالمة المستأنسَة أو السرية العنيفة. والطبقة المتوسطة طوال عمرها انتهازية، توهم الطبقة الفقيرة بأنها تدافع عن حقوقها. وتوحي إلى الطبقة العليا بأنها تدافع عن مصالحها. فتكسب ثقة الفقراء، وتتكسب من ثروة الأغنياء. تشعر بالنقص أمام الآخر الأجنبي خاصة إذا انسد طريق الصعود الاجتماعي الوطني. فتقلده في أفكاره ومُثله وقيمه وأساليب حياته لعلها تنعم بالهجرة إلى أراضيه في الخارج أو تكون ممثلة لشركاته ومصالحه في الداخل باسم "محمد موتورز" أو "منصور شيفروليه". وهى بورجوازية جديدة وليست أصيلة. اغتنت منذ الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات. تلبس قشرة الحضارة والروح جاهلية. ومنهم من أثرى في بلاد النفط، وعاد بسلوك أهلها في ثنائية حادة بين التمتع بالدنيا والتعويض عنها بالآخرة والإسراف والبذج في الدنيا، ورعاية الفقراء والمعوزين رغبة في النجاة والجزاء في الآخرة.
ويتمثل الاختراق الثقافي في ثلاثة تيارات متداخلة. الأول أنصار العولمة. فالعصر عصرها، والتاريخ تاريخها، والقانون قانونها. العالم قرية واحدة. والدولة الوطنية لا لزوم لها لأنها عائق بإرادتها المستقلة، وحواجزها الجمركية، وبسياساتها في التخطيط، ودعم المواد الغذائية عن الدخول في قوانين السوق، والاستثمار، والمنافسة، والربح، ورأس المال العالمي، والمصارف الدولية، وبورصات الأوراق المالية. لقد انتهى عصر الاستقطاب، وأصبحت أميركا هي القوة الوحيدة في العالم، والرأسمالية نهاية التاريخ. وصراع الحضارات يخيف الشعوب المتخلفة التي مازالت ترزح تحت نظم الطغيان والتسلط والقهر من العدوان عليها، وتكرار النموذج العراقي على سوريا وإيران وليبيا بالرغم من تحولاتها الأخيرة، من النقيض إلى النقيض، والسودان بسبب دارفور، والسعودية بسبب القتلى الأميركيين.
وقد ينضم بعض الماركسيين القدماء إلى الجوقة الجديدة باسم الحتمية التاريخية، وضرورة التأقلم مع الواقع الجديد، بعيدا عن الأيديولوجيات القطعية التي أدت إلى انهيار المعسكر الاشتراكي في المركز والأطراف. والقطاع الخاص جاهز، والبنوك الخاصة مستعدة، وثورة الاتصالات تقرّب البعيد.
والتيار الثاني هم الليبراليون الجدد الذين بدأت كتاباتهم في الظهور، ويعبرون عن أنفسهم في القنوات الفضائية الشهيرة ذائعة الصيت. لقد نعمت البلاد بالليبرالية سابقا، وأقيمت أول محاولات للتصنيع في عهدها. ونعمت بالحريات العامة، وحظيت بالتعددية الحزبية. وكانت لها حكومات مسؤولة أمام البرلمان، ودستور مثل معظم دساتير العالم، وضعها فقهاؤها الدوليون الذين وضعوا معظم الدساتير في الوطن العربي في عصره الليبرالي. وهذا يتطلب الاعتماد على القطاع الخاص، والتخلص من بقايا القطاع العام، والتخلي عن التخطيط، واتباع قوانين السوق، المنافسة والربح، وإنشاء الجامعات الخاصة القادرة على تخريج جامعيين على دراية باللغات الأجنبية، وبالحواسب الآلية وبعلوم إدارة الأعمال. ويبدأ ذلك من الصغر بالتعليم الأجنبي الخاص، من المهد إلى اللحد، لمواجهة التعليم الديني الخاص. ولا ضير في عودة الملكيات القديمة. فالملكية الدستورية خير من الجمهورية الرئاسية. والحنين إلى الليبرالية أعمق في التاريخ وأبعد في الزمان من الحنين إلى القومية الأحدث عهداً أو الحنين إلى الخلافة الراشدة التي طال عليها العهد، وأصبحت حلما ومجرد خيال. ومصر جزء من البحر الأبيض المتوسط. وطالما نادى مفكروها بأن ثقافتها ثقافته، وبأن ثقافة اليونان جزء من تكوينها. والغرب الحديث هم ورثة اليونان القديم. ومن ثم يعود شعار إسماعيل من جديد "مصر قطعة من أوروبا" وكما عبر عن ذلك طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر".
والتيار الثالث شرعي قانوني، واقعي سياسي. لا يرى في العداوة بين الشعوب مبرراً حتى ولو اعتدى بعضها على بعض، واحتل بعضها أراضي بعض آخر. وهو التيار الذي يدعو إلى التطبيع مع إسرائيل. فالسلام خيار استراتيجي، وإسرائيل وجدت لتبقى. عقدت معها مصر معاهدة سلام في 1979. وبينهما اعتراف متبادل. فلم يعد هناك داعٍ لمعاداة إسرائيل طبقا للقانون الدولي أو لتهريب السلاح من أنفاق غزة أو دعم "الإرهاب" الفلسطيني أو الانشغال بالقضية الفلسطينية برمتها. تكفي أربعة حروب دخلتها مصر بسببها. والعنف ليس وسيلة لتحقيق أغراض سياسية. وكل عنف هو إرهاب بالضرورة، لا فرق بين مقاومة مشروعة وعنف غير مشروع. ولا تمييز بين إرهاب الأفراد وإرهاب الدول، ولا ضير في الاتجار معها، وتوريد الأسمنت والرمل والحديد لبناء الجدار العنصري أو المستوطنات أو بيع الغاز الطبيعي أو النفط الذي تسير به العربات المصفحة والطائرات. فالتجارة شطارة.
والكسب لا يفرق بين عدو وصديق، ولا ضير من الاستفادة منها في زراعة الصحراء بما لديها من خبرات في التعمير والاستيطان والري واستصلاح الأراضي بصرف النظر عن شائعات الأوبئة. فإسرائيل نموذج يحتذى به في العلم والتحديث والتقدم وخاصة أن مجموع العرب أقل منها. والتطبيع قادمٌ قادمٌ فلم التأخير والإبطاء. فقد يتجاوز الزمن العرب. فيعيش العرب في زمان غير زمان العالم. ويظلون في زمانهم قابعين، وعقارب ساعتهم واقفة على زمن قديم مثل أهل الكهف.
وهو تيار مناهض للواقع والتاريخ. يجعل الجلاد ضحية والضحية جلاداً، والمعتدَى عليه هو المعتدِي، والمظلوم ظالما، والظالم مظلوماً. يظن أن توقف العرب عن الحركة في الزمان دائم. وإذا تحرك فإن العرب يتحركون في مسار غيرهم. يريد أن يكون له السبق في موجة يظنها قادمة مثل من يصيد في أعالي البحار. يتذكر حقوق الإنسان، وينسى حقوق الشعوب. وحقوق الإنسان عند الغير، عند الأبرياء من جراء العمليات الاستشهادية، وينسى حقوق الإنسان الفلسطيني، ضحية الصواريخ، والقصف، وهدم المنازل، وتجريف الأراضي. يعمل للعاجل دون الآجل، ويحرص على الكسب السريع دون اعتبار الخسارة القادمة. يعمل على الأمد القصير وليس على الأمد الطويل. ولا يستوعب دروس التاريخ. فقد مكث الصليبيون في الشام في بعض إماراتهم مائتين وخمسين عاماً. ومكث الاستعمار الفرنسي في الجزائر أكثر من قرن وثلث. وبقيت بريطانيا في الهند منذ القضاء على إمبراطورية المغول. وظل استعمار جنوب أفريقيا أكثر من ثلاثة قرون.
إن هذه التيارات الثلاثة التي يتمثلها بعض أفراد الطبقة العليا والطبقة الوسطى لهي اختراق فعلي للثقافة الوطنية المصرية. ومع ذلك مازالت تجد سداً منيعاً لانتشارها في الوطنية المصرية التقليدية وفي الوعي الوطني المصري عبر التاريخ. تلفظها التيارات الأساسية في الثقافة الوطنية، التيار الإسلامي، والتيار القومي، والتيار الليبرالي الوطني، والتيار الماركسي. وكلها ترفض التطبيع مع الكيان الصهيوني. ويتصدر التيار الإسلامي المقاومة والعمليات الاستشهادية مع التيار القومي، والماركسيون والليبراليون مازالوا يعتبرون الكيان الصهيوني عنصريا عدوانيا قاهرا للشعب الفلسطيني.
إن بعض فئات الطبقات الاجتماعية التي حدث من خلالها الاختراق الثقافي لمصر، العليا والمتوسطة، طول عمرها منفصلة عن المصالح الوطنية العليا قبل العولمة وبعدها. يجدون في الخارج أعظم حليف ضد الداخل. لقد خرج المتعاونون من المصريين مع الحملة الفرنسية بخروج الحملة، واستقروا في فرنسا. كما خرج المصريون الذين كانوا يعملون مع الشركات الأجنبية بعد تأميم قناة السويس وتمصير الشركات الأجنبية، واستقروا في الخارج. كما هاجر إلى الخارج الإقطاعيون الكبار من الطبقة العليا بعد الثورة وتطبيق قوانين الإصلاح الزراعي عليهم فيما سمي "جرحى الثورة".
وكما لفظهم الداخل يلفظهم الخارج أيضاً. فالأجنبي في النهاية هو الأجنبي مهما بلغت درجة الاندماج للطبيعة العنصرية للمجتمعات الجديدة التي هاجر إليها وفي مقدمتها لون البشرة وحتى في المجتمعات التي تدعي أنها تعددية أو التي تدعي أنها "إناء الانصهار" لكل الأجناس والأعراق والملل والطوائف. ويكونون مثل القوات اللبنانية في الجنوب في الشريط الحدودي المتحالفة مع إسرائيل. فلم تصمد أمام المد الوطني والمقاومة الوطنية. فلا هي احتفظت بشرف المواطنة ولا هي تم قبولها وتمثلها في الكيان الصهيوني. والمقاومة الوطنية لا تأتي على أكتاف أعداء الوطن.
وسيظل بين هذه الفئات من الطبقات العليا والمتوسطة من ناحية والجماهير من ناحية أخرى خـُلف بل عداءٌ مُستحكِم. فلا الجماهير قادرة على الاعتراف باختياراتها. ولا هي قادرة على العودة إليها. وماذا يكسب المواطن لو كسب العالم وخسر نفسه؟ وماذا يفيده لو كسب كل شيء وخسر وطنه؟
عدد 2004/07/10الاتحاد الإماراتية

صقر الخالدية
12/07/2004, 05:28 PM
الحرة».. خطيئة واشنطن!
طارق الحميد


بعد ستة اشهر من بدء بث قناة «الحرة» الاميركية الناطقة باللغة العربية بهذا الشكل الذي نراه اليوم، أستطيع القول بأن قرار تسليمها للفريق العربي الإعلامي المشرف عليها خطأ يشابه خطأ بول بريمر بتسريح الجيش العراقي بعد سقوط نظام صدام. تسريح الجيش جلب الفوضى، والقائمون على «الحرة» أعطوا انطباعا بأن الإعلام الاميركي فوضوي وهزيل!
كنا نتوقع أن قناة واشنطن، الناطقة بالعربية، ستأتي بالقيم الإعلامية الاميركية، لا أن تأتي بقناة تزايد على قناة «الجزيرة» فتصبح القضية ان متطرفين يردون على متطرفين! فقد توقعنا رؤية نشرات أخبار بلا رأي، أو انتقائية مكشوفة، وبرامج سياسية تشكل وعيا متسع الأفق، تشرح للعالم العربي النظام السياسي الاميركي، وتشرح لعبة الموازين في واشنطن. وهذا يناقض ما سبق أن صرح به نورمان باتيز رئيس إدارة لجنة الشرق الأوسط في مجلس الأمناء للبث بأن الحرة «ستخلق درجة أكبر من الفهم الحضاري والاحترام».
فقد توقعنا من القناة أفلاما وثائقية راقية، مثل التي تزخر بها المكتبات الإعلامية الاميركية. وان تكون «الحرة» نافذة على العلوم والتكنولوجيا. توقعنا، مخطئين، رؤية من هم على مستوى دان راذر، وحرفية تيم روزرت، أو برنامج بوقار البرنامج الذي بلغ عمره خمسين عاما «فيس ذا نيشن» مع المذيع بوب شيفر. فما الذي يمنع من بث تلك البرامج ولو مترجمة، طالما ليس بوسع القناة إيجاد برامج على ذلك المستوى؟ لم نجد عمق الصحافة الاميركية، ولا بحر معلوماتها.
عوضا عن ذلك رأينا قناة نهجها أشبه ما يكون بإعلام الحرب الأهلية اللبنانية، وربما بنفس الوجوه. فمن عرف الإعلام الاميركي، وعمل في واشنطن، يشعر بالصدمة وهو يشاهد فضائية تخرج من هناك بهذا المستوى. مشكلة «الحرة»، وأخشى أن تكون تلك أيضا علة الـ«بي بي سي» بالعربية المزمع إطلاقها، التي تأتي تحت مظلة دول لها باع في الإعلام مثل أميركا، أو مؤسسات إعلامية رصينة مثل «بي بي سي» البريطانية، أن إدارتها توكل لمن يريدون تصفية حسابات في العالم العربي، أو تسييرها في اتجاه واحد.
وجود تلك المؤسسات الإعلامية الضخمة في أيد عرب على هذه الشاكلة يشبه وجود طائرة عصرية بيد محمد عطا، فكل ما سوف يفعله بها هو الاصطدام بأقرب ناطحة سحاب. تأملنا أن تأتي «الحرة» صوتا للعقل، والمعلومة والتحقيقات الصحافية التي تتمتع بها وسائل الإعلام الاميركية لتصب في بحر المعلومات المتضاربة في عالمنا العربي، علها تسهم في صنع توازن في بحر المعلومات المتلاطم على أطباقنا اللاقطة.
فوضع القناة جاء عكس قول المكتب الأمريكي للبثّ الإذاعي والتلفزيوني بأن المؤسسة التي تدير القناة، وهي غير تجارية ويمولها الشعب الأمريكي من خلال الكونغرس تحت مراقبة مجلس أمناء البثّ، تتمتع بإدارة ذاتية وتعنى بحماية الاستقلال المهني ونزاهة الإعلام والإعلاميين ضمن مؤسستها. فآخر ما توقعناه هو أن تبيع لنا واشنطن بضاعتنا الرديئة!

حريدة الشرق الاوسط

صقر الخالدية
13/07/2004, 05:42 PM
إطلالة على عمل إبداعي (أنا بحب السيما)

قبل أن نجلس للقاء آية الله ناطق نوري قبل سنوات، وكان وقتها رئيس البرلمان الإيراني وكنا وفدا ثقافيا كويتيا يزور العاصمة الإيرانية طهران، بادرنا بالقول ،هل انتم وفد ثقافي، ثم أردف دون أن نجيب يقول : إن فيلما واحدا جيدا، أفضل من ألف خطيب مفوه.
وقتها فاجأتني الظاهرة، رجل دين إيراني يمتدح الأعمال السينمائية إلي هذه الدرجة من الاحترام و الإجلال.، وقد تبين أهمية هذا النوع من الأعمال الفنية للمجتمع.
بعد ذلك بسنوات بدأت السينما الإيرانية تحصد الجوائز، وتقدم المجتمع الإيراني الجديد بأفضل مما تقدمه الخطب و البيانات الرسمية.
ليس ذلك فقط، بل أصبحت السينما و الفن السينمائي ومبدعوه محط اعتزاز المجتمع،وقد أكد ذلك أخيرا فيلم (فيرنهايت 9/11) لمخرجه ذائع الصيت اليوم مايكل مور، الذي قدم العرب بأفضل مما كان يطمح به أي عربي في هذه الفترة الساخنة من الخلط بين ثلاث متناقضات وهم العرب و الإرهاب والإسلام.
السينما إذا أجيد تقديمها وكان وراءها فكر نير تستطيع أن تقدم للمشاهد شيئا مختلفا، شيئا معاشا ولكنه خيالي يطلق العنان للكثير من الأفكار والمبادرات الحية التي تقود المجتمع إلي الأمام.
من ذلك هذا الفيلم الذي شاهدته في الأسبوع الماضي على هامش زيارة سريعة للقاهرة، صديق صحفي مصري أوصي به، فذهبنا الصديق المصري الشاب، والصحفي اللبناني المعتق ذو التعليقات الجميلة وأنا، لمشاهدة فيلم.. (أنا أحب السيما).
القصة هي قصة عائلة مسيحية مصرية ،وتدور فكرة الفيلم في حي معروف بأنه حي يقطنه الكثير من المسيحيين المصريين، وخلفية الفيلم هي ستينيات القرن الماضي لأن صوت الرئيس جمال عبد الناصر يأتي من خلف سرد الأحداث، ولكنه ليس واضحا كل الوضوح في السرد السينمائي أن كان متقاطع في مفاصل من تاريخ مصر الحديثة،تأميم القناة، حرب عام 1956 وغيرها من الأحداث، ولكنه الظلال فقط.
أما صلب الفيلم فهو يحكي قصة طفل يروي حياته الأسرية، مع الأب (محمود حميدة) المتشدد دينيا، ويعمل أخصائيا اجتماعيا في مدرسة، و الأم ( ليلي علوي) ناظرة مدرسة مختلطة للأطفال، وأسرتاهما ( الأب و الأم) أما الطفل (يوسف عثمان) فهو البطل غير المتوج للقصة، وهو في الحقيقة طفل عبقري استطاع المخرج ( أسامة فوزي) أن يظهر أفضل وأسوأ ما في الأطفال في سنه الصغيرة.
مع تشدد الأب الديني الذي يحرم كل بهجة بدءا من التليفزيون و الأغاني حتى السينما،ويعتقد أن الموت قد يأتيه فجأه، لذا لا بد أن يكون مستعدا له، بان يكون طاهرا من كل الأدران،في المقابل يحب الطفل الصغير أن يذهب إلي السينما لأنه يعشقها ويسمع عنها كثيرا من أقرانه ،بل ويحتفظ بلعبة صغيرة بها صور ينظر إليها في تلصص كلما سنحت له الفرصة.
ولان والده يعتبر مشاهدة السينما حراما، فيتوافق الطفل مع الفكرة باعتباره عاصيا وخاطئا وسوف يذهب إلي النار بعد الموت،فلماذا المخاتلة ما دام حبه للسينما التي لا ينفك منه وهو خاطئ إن فكر في أو شاهد السينما،فليكن ذلك،ما دام خاطئا فليخطئ أكثر !
وبهاتين الفكرتين تدور أحداث الفيلم المشوقة.
وبين تشدد الأب غير الصحي و الشاذ إلي حد كبير، وبين الحياة اليومية التي ظلت تطحن المواطن المصري في ذلك الزمن، وربما كل زمن، تدور أحداث الفيلم المركبة.، تشدد الأب الديني يأخذه إلي تشدد أخلاقي، فيهاجم ناظر مدرسته بالفساد وسرقة أموال المدرسة، ويتهم الرجل بأنه (سب القيادة الكبيرة)، (تحويل الخاص إلي عام) الأمر الذي يدخله في حفلة مع الأجهزة، التي تنال منه دون رحمة أو شفقة، هنا يفقد الرجل رشده، ويناجي ربه هل هو على صواب ومؤمن بالفعل إن كان كذلك، فلماذا حدث له ما حدث، وما إذا كان هذا العذاب الذي يلقاه يستحقه لأنه فقط مؤمن!
وهي معضلة تواجه الكثيرون في الحياة ولكن الفيلم أسقطها في سرده الممتع في ذهن المشاهد بدقة متناهية تكاد لا تُلمس في وعي المشاهد، بقدر استمتاعه بتسلسل الفيلم، وهو أمر لا يستطيع أي فن آخر أن يقوم به غير هذه التي تسمى أم الفنون..
قامت ضجة في المجتمع الثقافي و الديني المصري بسبب هذا الفيلم، أولا لأنه يحكي قصة عائلة مسيحية مصرية، ونادرا ما تناقش قضايا هذا القطاع من الناس علنا، كما حدث في مسلسل (أوان الورد) الذي لقي مثل فيلم أنا بحب السيما الكثير من النقد.
أنا بأحب السيما في قراءتي الخاصة، هو فيلم يتعدى الحكاية البسيطة لعائلة مسيحية، انه أعمق من ذلك بكثير والذي أثار الضجة ربما وجد أن يتشبث بالظاهر من رواية الفيلم، إلا أن الفيلم يتحدث عن (الحرية) حدود تلك الحرية بين الخالق وبين عباده، وحدودها في المجتمع، وهو يقدم حالة مصرية بسيطة بصرف النظر عن كونها مشخصة في العائلة المسيحية تلك، إنها للمشاهد الفطن حالة عامة.
مهاجمو الفيلم كثيرون منهم هيئات دينية مسيحية، وأصبح الهجوم كثيفا إلي حد رفع دعوى مستعجلة بأن يمنع الفيلم منعا باتا وقطعيا، بحجة أن الفيلم أظهر مشاجرة في كنيسة أو حالات غزل بين مراهقين من الجنسين.
ظهر من مقدمة الفيلم التوثيقية أن السلطات قد ترددت أصلا بالسماح بعرض الفيلم حيث لاحظت في مقدمته أن الفيلم مجاز عام 2000 ولم يعرض إلا الآن، يعني أن هناك أخذا وردا بين البيروقراطيين سبق عرضه، ثم انتصر الرأي الذي يقول أن يراه الجميع عدى الأطفال في سن معين، الأمر الذي حرم الأطفال من رؤية عمل رفيقهم العبقري يوسف عثمان.
المعترضون على الفيلم يعتبرونه أساء إلي العائلة المسيحية العادية، وهو افتراض يصح إن خرج المشاهد برأي أن كل الأسر المسيحية في مصر على هذه الشاكلة، إلا أن افتراضهم في الأغلب غير صحيح أو علمي، فان البعض يعرف على وجه الدقة أن السرد السينمائي هو سرد ليس إلي واقع ولكن إلي متخيل، قد يتشابه مع بعض الواقع في بعض هوامشه، ولكنه بالتأكيد لا يعبر عن الواقع الشامل، وهي قضية لها علاقة بالثقافة العربية بعامة، إذ أن التخصيص في كثير من الحالات لا يعني التعميم، وهو دليل على عدم نضج في التفكير الثقافي منه إلي نضج حقيقي.
فكثيرا ما صورت السينما الدولية الشخصية الايطالية أو الأميركية بصورة أو بأخرى، وكذلك الصينية أو اليابانية أو حتى الألمانية، التي كثيرا ما تظهر في السينما الدولية على إنها متشددة ونازية، ولكن هذا لا يؤخذ مأخذ الوقوف بحزم أمام مشاهدات تتم أساسا وفق خيال المخرج و الكاتب.
أعتقد أن الفيلم من منظره الأوسع هو خدمة لهذه الشريحة من المصريين، فقد أظهر المخرج وهو مسيحي، أن المسيحيين المصريين هم مصريون أولا وبعد ذالك، فالعائلة تتصرف بعفوية الناس المصريين العاديين، فعاداتهم وملابسهم وحتى استجابتهم لمثيرات الخارج وعلاقتهم بعضهم هي علاقات لا تفرقها عن المصري العادي، بل إن هناك من يتأفف من الوضع القائم وقتها إلى درجة الهجرة، كما فعل أحد أفراد العائلة التي ظهرت في الفيلم، أما مشاركتهم العامة فتدل على انخراط بعض شبابهم في الجيش للدفاع عن الوطن.
إن شجاعة المنتجة ( سعاد يونس) وكاتب القصة (هاني فوزي) وإصرار العاملين فيه على اتمامه وعرضه رغم ما قيل عن مشكلات حقيقة واجهت الفيلم، يدل على أن وعيا سينمائيا جديدا يظهر في السينما المصرية، وهي في عزها قبل الثورة قيل إنها كانت تأتي في الدرجة الثانية من الدخل القومي بعد القطن المصري، ولا زالت السينما المصرية من الفنون القليلة التي بقيت لمصر فيها الريادة، فيلم تعد لا الأغنية العربية ولا الكتاب العربي حكرا على المنتج المصري كما كان .. وحدها السينما لا زالت المسيطرة على سوق عربي كبير.
الحرية وليدة المسؤولية، و النقاش الدائر حول فيلم ( بحب السيما) في الصحافة المصرية هو نقاش لصالحه ولصالح الصناعة السينمائية، والمطالبة بعدم زج المؤسسة الدينية في معركة فيلم هو عين العقل كما يطالب كثير ممن التقيتهم من مثقفي مصر وكتابها في الأسبوع الماضي، وهو فيلم في تقديري يستحق أن يشاهد.


د.محمد الرميحي
باحث كويتي


جريدة الوطن

صقر الخالدية
13/07/2004, 10:50 PM
: التوتر بين القطري والقومي .. محاولة فهم

محمد جابر الأنصاري

الاثنين 12 يوليو 2004 22:29

تمثل الحدود في “الظاهرة العربية” مادياً ومعنوياً اشكالية ومفارقة بالغة التعقيد والتناقض. فمن جهة يتحدث العرب، وأحياناً يتصرفون، وكأنهم أمة فوق الحدود التي خلقها الأجنبي كما هو شائع في الخطاب العربي السائد، وعليه فهي حدود مصطنعة لا حقيقة لها فينبغي ان تزول، وفي حركة رمزية يؤتى أحياناً ب “البلدوزر” لإزالتها كما فعلت ليبيا بحدودها مع مصر في حالات الاندفاع “الوحدوي” المؤقت. إلا ان الحدود تصبح في الوجه الآخر من السلوك العربي العربي مسألة شائكة ومعقدة، ومدعاة للاختلاف، وقد يذهب بعض العرب الى المحاكم الدولية للتقاضي بشأنها.
وفي حالات أخرى فإن مفاوضات مطولة ومضنية تجري وراء الكواليس لحل هذه الاشكالات الحدودية التي وإن رسمتها الطبيعة في بعض الأحيان بحكم الفراغات الصحراوية الواسعة بين هذه البلدان، فإن الكثير منها رسمه التوزيع العشائري ل “حمى” القبائل نتيجة لنمط معيشي تجاوزه العصر، وهو نمط الانتاج الرعوي القائم على التجوال الموسمي لانتجاع مساقط الغيث (وذلك ما يشكل نقضاً أساسياً لمفهوم المجتمع الحديث المستقر والدولة القائمة على أسسه).
وتمتلئ المكتبات الدولية والعربية بموسوعات ومجلدات بشأن القضايا الوضعية للحدود بين البلاد العربية، أغلبها مستمد من الوثائق البريطانية والفرنسية، فالعرب يعيشون المشكلة لكنهم نادراً ما يدونونها ويوثقونها، والبحث في مثل هذه المادة الحدودية مما يتعدى هذا الحيز.
وبنظرة تاريخية مقارنة نلاحظ بأنه بينما يقتضي منطق النمو الزراعي والعمراني في البلاد النهرية او الوفيرة الأمطار، والتي طورت لهذا العامل حضارة مستقرة متصلة الحلقات ومتماسكة النسيج، حيث اندمجت القرى الزراعية في الاقطاعيات، ثم تكاملت الاقطاعيات لتؤلف الدولة الوطنية الأوسع، كما في آسيا الموسمية وأوروبا، فإن منطق التشرذم العشائري من القبيلة الواحدة أدى الى تعدد الفروع و”والأفخاذ” وتصارعها وتباعدها. وإذا كانت “الأحلاف” القبلية الموسعة تنشأ لاعتبارات سياسية مرحلية، فإن الصراع بين العشائر يبقى ظاهراً او مبطناً وقابلاً للظهور في حالة تصدع الحلف القائم، لأن مثل هذه التحالفات تنشأ بالمنطق القبائلي، ولا تتجاوز الى ما وراءها في تطور التاريخ، موضوعياً ومعنوياً. وبرغم النقلة الهائلة التي أحدثها الاسلام في حياة العرب، فإن الاعتبارات القبلية ظلت أساسية في تقسيم الجيوش، وتخطيط المدن، وتوزيع الغنائم والخراج بل ان تاريخ الاسلام السياسي في جانب مهم منه هو تاريخ الصراع بين الفروع والأفخاذ القرشية على السلطة. ويكفي ان نلاحظ ان أكبر سجال مذهبي شهده تاريخ الاسلام الفقهي والسياسي بين السنة والشيعة لم يكن في بدايته سوى تباين بين فخذين من “أفخاذ” قريش!
إلا انه ينبغي التنبه والتنبيه بوضوح ان هذا “التشرذم” العشائري الموروث تاريخياً وجغرافياً لعوامل موضوعية كانت قائمة ليس قدراً مقدراً على العرب، وينبغي عدم القفز من تقرير هذه الظاهرة علمياً الى انها من الموروثات والجينات الداخلة في صميم تكوينهم. فعندما يبدأ نمو الدولة الوطنية بمنطق الدولة الحديثة وقوانينها ومفاهيمها فإن هذه التعدديات تتمازج وتنصهر في النسيج الوطني عبر عملية التحول التاريخي من المجتمع التقليدي الى المجتمع الحديث، ثم عبر عملية التنمية الشاملة والمستدامة، وصولاً الى نسيج المجتمع المدني الذي هو الشرط الأساسي للنمو الديمقراطي في ظل الدولة الدستورية. ومن الأدلة التاريخية، لكن الملموسة الى عصرنا في العالم العربي ان مصر التي وصفها ابن خلدون منذ أيامه بأنها “سلطان ورعية”، أي دولة ومواطنون بلغة عصرنا، قد استوعبت العناصر القبلية المهاجرة إليها من مشرق ومغرب ودمجتها في نطاق مجتمعها الحضري في ظل الدولة المركزية. وهي ظاهرة نراها أيضاً في المملكة المغربية، حيث أدى تماسك النسيج الحضري بين القصبات المغربية الى نشوء دولة مركزية تمثلت تاريخياً وإلى مطلع القرن العشرين في دولة “المخزن” ثم تطورت الى المملكة الدستورية التي نشهدها اليوم (راجع: عبدالكريم غلاب، التطور الدستوري في المغرب، حيث نجد عرضاً موضوعياً مركزاً ومكثفاً لهذا التطور).
وبالإضافة الى قطيعة المكان (الفراغات الصحراوية الهائلة)، نشأت قطيعة أخرى في الزمان أضعفت الاستمرارية التاريخية للدولة ومراكزها الحضرية. حيث كانت الغزوات الرعوية المتتابعة تاريخياً، سواء من جزيرة العرب او من آسيا الوسطى الخزان الأكبر للموجات الآسيوية، تتوالى فارضة بعد كل اجتياح العودة الى نقطة الصفر تقريباً في إعادة بناء الحاضرة والدولة (كتاب المؤلف، تكوين العرب السياسي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط ،3 ص 38).
ورغم ذلك فقد بقي العرب كما ألمحنا أمة (موحدة الوجدان مفرقة الكيان). حيث أثبتت تجارب العقود الأخيرة، انه رغم تصدع النظام الاقليمي العربي، وتراجع الفكرة القومية، واضمحلال المؤسسات العربية المشتركة وضمور “التضامن” و”العمل العربي المشترك”، فإن مختلف هذه التراجعات والاحباطات لم تستطع التأثير في الوجدان الشعوري الموحد بين العرب رغم استواء النزعات القطرية ومؤثراتها التربوية والثقافية والإعلامية، وانعكاساتها على الواقع اليومي المعيش للعرب في أقطارهم المختلفة. فعندما كانت القطيعتان المكانية (= التصحر) والزمانية (= الاجتياحات التاريخية الرعوية) تتضافران على مركز حضري وحضاري لتخريب معالمه، كانت الأسس المادية العمرانية (البنية التحتية) تتدمر تحت وطأتهما بطبيعة الحال، غير ان القيم المعنوية تتمكن من الفرار عبر الكتب المنقولة بالقوافل وعبر الذاكرة الفردية والجمعية الى الحواضر الأخرى البعيدة عن الخطر، فتبقى في الوجدان والشعور وتزدهر من جديد.
هكذا عبر العصور والاجتياجات وسقوط الحواضر كان الكيان المادي على الأرض يتمزق ويتلاشى، بينما الوجدان يترحل ليبقى حياً في ذاكرة الأمة وشعورها، بل يقوم بالتعويض عن فقدان بناه بتضخم أشد. ومن هنا الاحترام الشديد للأجداد وكبار السن عند العرب منذ الجاهلية، لأن ذاكرتهم الشفوية هي “السجل المعرفي” الوحيد للقبيلة ومجمع القبائل (=الأمة).
وما زال “الوجدان” العربي على الصعيد الشعوري ينبعث حياً وحاداً في كل مواجهة قومية، وقد عاد في معظمه الى رصيده الاسلامي يستقي منه ويستوحيه صموداً وقوة، إلا ان هذه “الهبّات والفزعات” الوجدانية الشعورية ما تلبث ان تخفت امام العوامل الموضوعية المضادة (كنجاح الغزو الأمريكي للعراق، واستمرار التفوق العسكري “الاسرائيلي” ليس على الفلسطينيين وحدهم وإنما على الدول العربية مجتمعة)، فلا يتمكن “الكيان” القومي المتفرق في سياساته وحدوده ومؤسساته ونسيجه الواقعي المادي من التصدي للتحدي الماثل. وذلك عبر عقود متعددة ومنذ نشأة التيار القومي في الحياة العربية، بدرجة او بأخرى، بل على الرغم من قوته أثناء المد الناصري.
ويذهب الفكر السائد المعالج لظاهرة التعدديات العربية والحدود، المعنوية او المادية، الفاصلة بينها الى التركيز على ظاهرة الأقليات العرقية والدينية والطوائف والمذاهب المنسوبة الى هذه الظاهرة. إلا انه من المفيد موضوعياً التنبه أيضاً وبتركيز الى جانب آخر في هذه الاشكالية، وهو اننا أمام تعددية “الأكثرية العربية” المفترض انسجامها قومياً و”مذهبياً” حيث ان أكثر من 80% من سكان الوطن العربي مصنفون “عرباً سنة”.. ولكن هذا الاعتبار لم يؤد الى “وحدة” هذه الأكثرية في كتلة موحدة، فظلت “تعدديات الأكثرية” هي الاشكال الرئيسي الذي ينبغي الالتفات إليه في مقاربة المشكلة الحدودية في أبعادها الذهنية والنفسية و”الكيانية” وليس فقط بمفهومها السياسي او القانوني الدولي، وذلك ما ذهبنا إليه في بحثنا الموسوم (اشكالية التكوين المجتمعي العربي: أقليات أم أكثرية متعددة؟) في كتاب النزاعات الأهلية العربية الذي تشاركنا فيه مع فريق بحث من المؤلفين العرب. (النزاعات الأهلية العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ،1997 ص 15 46). وقد أخذ شيعة العراق اليوم يعكسون في سلوكهم السياسي والفكري تعددية مماثلة رغم الرابطة المذهبية، الأمر الذي يستدعي البحث عن أسباب أخرى لمثل هذه التعددية.
وبرغم الوحدة العضوية العميقة للحضارة العربية الاسلامية ولدار الاسلام، فإن هذه الدار تجزأت سياسياً منذ وقت مبكر، وفي إبان قوة الدولة الاسلامية ومع عدم وجود قوى مسيطرة عليها في ذلك الوقت “تتآمر من أجل تجزئتها”، كما تذهب الأدبيات العربية عن القوى الدولية في تبرير ظاهرة “التجزئة” العربية كلياً.
من هنا نشأ توتر دائم في تاريخ العرب والاسلام بين انتماء عقيدي وثقافي وحضاري شامل وانتماء سياسي واقعي متجزئ، وهو توتر ما زال قائماً الى اليوم بين الانتماء الديني او القومي الواسع والانتماء القطري المتحدد.
وكما سبق ألمحنا الى ذلك فلم تتطابق الدائرة الحضارية الواحدة مع الدوائر السياسية المتعددة والمتصارعة داخلها كما تطابقت على سبيل المثال الدائرة الحضارية الصينية مع الدائرة الموحدة للدولة الصينية التي حافظت على وحدتها السياسية معظم عصور التاريخ، واستعادتها مبكراً في العصر الحديث مع تطابق مقارب بين الدائرة السياسية والدائرة الحضارية.

***
إذا شئنا التدقيق في واقع تعددية الانتماءات الداخلة في تشكيل الهوية العربية وتكوين النسيج العربي العام، نجد ان هناك ازدواجية ثلاثية تتعدى الثنائية التي أشرنا إليها، وذلك: بين انتماء عام للعقيدة والحضارة، وانتماء مجتمعي متحدد القبيلة او الطائفة او المحلة، وانتماء بحكم واقع الحال للكيانات السياسية القائمة (برهان غليون، نظام الطائفية: من الدولة الى القبيلة، بيروت: المركز الثقافي العربي ،1990 ص 136 137). هذا الولاء الثلاثي المزدوج نشأ في واقع التاريخ وما زال قائماً. وقد تزايد مؤخراً بروز ولاء التعدديات المجتمعية الصغيرة من قبلية وطائفية على حساب البعدين الآخرين: الحضاري الشامل، والسياسي الوطني او القطري. هذه الازدواجية الثلاثية يوازيها ويصاحبها مظهر ثلاثي ناتج عنها في الشخصية العربية الاسلامية العامة يتمثل في كون العربي “اسلامياً” في عقيدته وعبادته وقيمه الروحية... “عروبياً” في ثقافته وقيمه الأدبية والفنية، قبلياً او طائفياً او محلياً في نزعته وفزعته الاجتماعية وفي عصبيته السياسية. وهذه التعددية في الانتماء وفي التعبير عن الشخصية ليست من حيث المبدأ حكراً على العرب، فهي ظاهرة انسانية عامة غير انها في المجتمع العربي ظلت تعددية متفلّتة وغير متسقة ضمن سلم للأولويات يصهرها في بوتقة عامة واحدة، وقد يتقدم أصغرها على أكبر في أدق المواقف من دون ضابط او هرمية تحدد الأولويات. وبتعبير آخر: فإنها تتضارب سلباً بدل ان تتكامل ايجاباً، كما في التجربة الاتحادية الأوروبية الجارية، والتي من المفيد ان نلاحظ انها تضاربت سلباً في مراحل سابقة من التطور الأوروبي نحو الكيان الأكبر، ثم استطاعت الأمم الأوروبية وضعها في تراتبية ايجابية ومفيدة لحركة التقارب ثم التوحيد.
على صعيد آخر ورغم انه ليس بالامكان منهجياً التحدث عن “الديمقراطية” قبل تبلور مفاهيمها في العصر الحديث (وبما يتجاوز مفاهيم أثينا القديمة) فإن الحديث عن “ديمقراطية” حياة البادية عند العرب لا بد ان تفهم في مدلولها الاجتماعي الواقعي حيث قاربت طبيعة البيئة الصحراوية وضروراتها بين كبير وصغير، وبالتالي فإنه لا يمكن تعميم المفاهيم الديمقراطية بالنسبة لآليات السلطة عند العرب. فأي ديمقراطية سياسية تحققت في الواقع داخل قريش، او بين الأمويين أنفسهم، او بين الهاشميين من عباسيين وعلويين، او داخل أي قبيلة او عشيرة عربية أخرى رغم بساطة العيش بين الجميع في البيئة العربية؟ ورغم ان الاسلام علم المسلمين كيف يتعايشون ويتسامحون مع أصحاب الديانات الأخرى من أهل الكتاب، فإن المسلمين أنفسهم والعرب بخاصة لم يأخذوا بهذه التعددية في تعاملهم السياسي في ما بينهم في حالات عدة.
والجدير بالملاحظة انه منذ بداية نشوء السلطة السياسية في الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كان السؤال المتقدم الملح: “من يحكم”، بمعنى أي قبيل او عشير؟ وتأخر السؤال السياسي الأكثر أهمية وموضوعية: “كيف يكون الحكم بعد النبي في الدولة الجديدة، بأي منهاج وبرنامج استنباطاً من مبادئ الاسلام السياسية التي جاءت عامة مرنة تتطلب التحديد والتقنين؟”.
هكذا حولت “ذاتية” القبيلة مسألة الحكم في تاريخ الاسلام من “موضوع”: الحكم كيف يؤسس ويدار.. الى “ذاتية” الحاكمين: من يكونون، من أي عشير اوقبيل، وأي “ذات” منهم تفضل “الذات” الأخرى، بما زاد من صراع التعدديات السياسية داخل الوحدة الحضارية ولم يقنن مبدأ الشورى ليصبح مؤسسة سياسية فاعلة منذ بداية تاريخ الاسلام.
وينجرف الفكر السياسي والديني الاسلامي في هذه “المفاضلة” العقيمة (أفضلية أبي بكر أم علي بين أمثلة أخرى) التي شغلت العقول والاجتهادات وأثارت النفوس والتحزبات وسالت حولها الدماء. وتضاءلت بالمقابل قضايا الفكر السياسي والعلم السياسي الأكثر الحاحاً في مطلب السياسة البناءة، كقضايا بناء الدولة وتقنين السلطة، وتنظيم الحكومة وتحديد المشاركة وإرساء أصول الحكم وآلياته بصفة عامة
(تكوين العرب السياسي، مصدر سابق، ص 26).
عدد 2004/07/13

الخليج الاماراتية

صقر الخالدية
16/07/2004, 12:03 AM
هل يمكن نشوء معارضة في الخليج؟


د. أحمد عبد الملك


قام النظام السياسي - في العديد من دول منطقة الخليج- على الأسلوب التصالحي بين الشعوب والحكام، وكانت مجالس الحكام المفتوحة للمشتكين والمظلومين، عبارة عن مجالس شورى أو برلمانات تتحقق فيها المصالحات، وتُمنحُ فيها العطايا والمكرمات إلى جانب معاقبة المسيئين والمخالفين للأعراف والتقاليد. ومع تطوّر الحياة، وانشغال الحكام بأمور الحكم الإدارية والسياسية، وتطوّر إدارات الأمن والحماية، وبروتوكولات الحكم، صار الحال إلى تنظيم جديد، وأسست إدارات خاصة للمظلومين وأصحاب الشكاوى، ولم يكن أمراً سهلا مقابلة الحكام كما هو في السابق، وصار الصوت يصل متذبذباً إلى الحاكم أو قد لا يصل! وقامت النظم الديمقراطية - في أوروبا الجديدة- على أساس التنوع الثقافي والفكري، وصيغ الاختلاف. وساندت الدساتير حرية الفكر والمُعتقد والاتجاه السياسي، كونه من المميزات الأساسية للشخصية الحرة التي تتمتع بحقوق الإنسان ونعماء الديمقراطية مع الالتزام بواجباتها.

ولم تكن الدول الأوروبية لتنجح في مشاريعها الإصلاحية لو أنها كرّست وجهة نظر النظام الأوحد، وعاشت ترى صورة واحدة في الإطار! بل نجدها احترمت التاريخ لكنها لم تُغفل دور المستقبل. فلقد أجلست الملوك وسلالات الأباطرة في شُرفاتهم العالية ومنحتهم الألقاب التي يستحقونها مع الامتيازات والاحترامات، دون أن يتدخلوا في شؤون الناس أو طرائق حياتهم ومناهج تفكيرهم، ودون أن يجنحوا نحو تقسيم الشعب إلى نحلٍ وسلالات، منهم من يمكن تقريبه من العروش، وإن كان غير مستحق، ومنهم من يجب نفيه - حتى داخل بلده- بحجة الاختلاف، أو عدم رضا النظام عن مفاهيمه أو رؤيته للأمور العامة داخل بلاده، ومنهم من "يتطيّر" النظامُ من قراءاته أو كتاباته أو ثقافته التي تفيد المجتمع وتكشفُ زيف الإدارة، أو الفساد الذي يعشش في الوزارات، وهنا يمكن وصف هذا النوع من المصلحين بأنه "مشاكس"! وبالتالي لابد من تهدئته، بالترهيب حيناً والترغيب حيناً آخر، حتى يتوارى، وينساه المجتمع ويُشطب اسمه من التاريخ.

إن الديمقراطية - بمفهومها الناضج- تتيح الفرصة لجميع فئات الشعب لإبداء رأيها في أمور حياتها، وهو نفس الحق الذي يبيح تأليف المعارضة أو الأحزاب ذات التوجه السلمي الذي ينحو نحو خدمة المجتمع أو الفئات المُغيّبة عن القرار نتيجة "صُدف بيولوجية"، أو أقدار تاريخية أو أخطاء قبلية وضعت أحدهم شمال الخليج ووضعت جَدُّهُ جنوب الخليج. ولقد دارت معارك طاحنة غير مرئية - في العديد من دول المنطقة- حول قضية المواطن الأصلي والمواطن غير الأصلي (أي مثل الصناعات اليابانية الأصلية، وتلك التي تأتي من تايلاند أو ماليزيا!) وتوجد في بعض النظم تصنيفات إدارية خفية تحدد السكان الأصليين، والسكان غير الأصليين، وإن كان الجميع يحمل الجنسية ويتمتع بالعديد من الحقوق المدنية باستثناء الاستوزار أو حق الترشيح في الانتخابات "الديمقراطية"! أو الحظوة!

إن قانون الولايات المتحدة - وهي أعرق الدول تطبيقاً للديمقراطية- والذي وُضع قبل أكثر من قرنين من الزمان- لا يفرّق بين المواطنين في كل الحقوق باستثناء الترشيح للرئاسة- إذ لا يجوز أن يتقدم للرئاسة إلا من كان من والدين أميركيين، وما عدا ذلك من مناصب وأحزاب وجمعيات، فإن كل من يحمل الجنسية الأميركية يستطيع التقدم لها. كما لا يعوّل النظام على القبيلة أو الأصل العرقي في التعيينات والاستوزار، حيث تظل المؤهلات والخبرة أهم شروط التأهل لدى القائمين على الشأن الإداري سواء داخل مؤسسات الدولة أم في المؤسسات الخاصة. ومن يلحقه ظلمٌ يلجأ إلى القضاء أو الإعلام!

في دول الخليج تتعرض بعض الجماعات المستنيرة إلى ضغوط عديدة، كونها لا تحظى بعمق عائلي، أو أن "الصدف البيولوجية" لم تكن بجانبها على مدى التاريخ. فأين تذهب هذه الجماعات في ظل واقع بُني على أساس الاهتمام و"تقريب" السكان الأصليين، الذين يتوسم النظامُ ولاءهم، وبالتالي يأمن جانبهم وقت الأزمات، على الرغم من أن حوادث التاريخ وثّقت لنا عكس ذلك. إذ أن العديد من الاضطرابات السياسية والأمنية عادة ما تأتي من داخل النظام.

لذلك، فإن قيام شكل ديمقراطي مدعوم بسلطة توتاليتارية، مدعومة هي الأخرى بنمط قبلي يرضى بتصنيف المجتمع إلى فئات هو اختراق للديمقراطية وتحايل واضح عليها. ذلك أن ممثلي الشعب في البرلمانات أو المجالس لن يكونوا ممثلين إلا عن السكان الأصليين. من هنا، ظهرت في بعض دول الخليج العربية قضية "البدون"، ويجوز أن البعض افتعل هذه القضية، أثناء اضطرابات سياسية وعسكرية، كما حدث في دولة الكويت، وهذا لا ينفي وجود المشكلة في الدول الأخرى بشكل واضح وغير مُتعمد. الإشكالية في نظرنا أن "البدون" أو غير محددي الجنسية أو المُصنفين ضمن الطبقة الثانية أو العاشرة في سجلات الدولة، ليس لهم ملجأ عند حدوث الأزمات أو الملاحقات.

وحيث إن الدساتير والقوانين الموجودة في هذه الدول - دول الخليج العربية- تحظر تأسيس الأحزاب أو الجمعيات السياسية، فإن بعض الأطراف تظل مغيبةً لدى الدولة، خصوصاً إذا ما علمنا أن فئات عديدة من هؤلاء قد نالوا تعليماً عالياً، وصارت لديهم خبرات واضحة في مجال تخصصهم، وأن أي حرمان لهم - تحت أي قانون أو توجه جائر- يؤدي إلى تراكمات ليست في صالح المجتمع، ناهيك عن تجاوزه لحقوق الإنسان.

وفي ظل هذا الواقع، الذي لا يبدو بائناً، ويصعبُ على وسائل الإعلام تناوله نتيجة ضغوط رقابية، رغم الإعلان عن حرية التعبير، تدفع هذه الدول إلى وجود معارضة، وإن كانت صامتة اليوم، لكنها قد تظهر إلى السطح مع الأيام، والشواهد كثيرة حولنا. إن أي مثقف يمكن أن يفتح عين المجتمع على حقائق لا تدركها الفئاتُ النائمة المستفيدة من "نعمات" الدولة، لذلك لا نستغرب اليوم أن نشهد حالات إقصاء واضحة لمؤهلين في المنطقة، صرفت عليهم الدول الملايين ثم أقصتهم وجاءت ببعض الشباب يديرون المؤسسات وهم لا زالوا بحاجة إلى خبرة ودراسة ومفاهيم للمهنية. وهذا أيضاً يؤدي إلى تراجع الأداء، وتدهور المؤسسات، مع كل التقدير أن هؤلاء الشباب من نوعية المديرين المُطيعين الذين لا "يُصدعون" رأس المسؤول أو صاحب القرار، ويطيعون الأوامر.
إن العودة إلى الأسلوب التصالحي، مهما كان صعباً، من أفضل الطرق لحماية مستقبل الأوطان، وتدعيم الاستقرار في المنطقة.

المصدر وجهات

صقر الخالدية
18/07/2004, 04:35 PM
الحرب ضد الفساد: استراتيجية الهجوم

د. محمد السيد سعيد


ثلاثة أبعاد أساسية للحرب ضد الفساد تعرضت لبحوث علمية متعمقة إضافة إلى ما تتمتع به من دليل تاريخي من روايات بالغة الثراء والدلالة. ومن الضروري لأية حرب ضد الفساد أن تبدأ بتجميع هذه الأبعاد لضمان النصر. وثمة بعد رابع لم تستطع البحوث العلمية أن تؤكده أو حتى تتناوله بصورة مقبولة أو تنتهي إلى نتائج حاسمة بشأنه لأسباب شتى. وهو ليس أقل أهمية بل ربما يكون العنصر الحاسم والذي إن غاب لن يكون هناك أمل حقيقي في الانقضاض الناجح على الفساد. لنبدأ بالأبعاد الثلاثة الأولى. أول هذه الأبعاد هو وضع سياسة اقتصادية ومالية سليمة تسترد التناسب المرغوب بين الأسعار والأجور وخاصة في القطاع الحكومي. فالفجوة الكبيرة بين الأسعار الحقيقية والأجور والمرتبات الإسمية مثلت العلة المباشرة وراء انحطاط معنويات موظفي الدولة وخاصة في جهازها الأمني. وما أن يحدث ذلك حتى ينطلق الفساد فيها ومن ثم في المجتمع كله. لقد حدث ذلك في المجتمعات قبل الرأسمالية نتيجة إغراق الاقتصاد بمعادن نفيسة رخيصة الثمن سواء نتيجة اكتشافات جديدة أو النهب من بلاد أخرى. والحالة النموذجية هي الإمبراطورية العثمانية التي أغرقت بالذهب والفضة المتدفقين إليها من أميركا اللاتينية عبر التهريب بدءاً من القرن الثامن عشر وهو ما أدى إلى أن الأجور المدفوعة بعملات من هذين المعدنين صارت ضئيلة في قيمتها الحقيقية. واضطر موظفو الدولة إلى قبول الرشاوى لتعويض الفجوة. وأدى استسلام الدولة لهذه الظاهرة إلى أن صار الأجر الحقيقي مقابل الوظيفة الحكومية يدفع إجباراً من قوى المجتمع ومن ثم تمكنت مختلف القوى الاجتماعية وخاصة الأغنياء من تعطيل القانون وشراء ذمم الموظفين العموميين من كافة قطاعات الدولة ومستوياتها الأمر الذي أدى إلى انهيار حقيقي للمجتمع والإمبراطورية. وتعد تجربة العثمانيين تكراراً يكاد يكون نمطياً لما حدث للخلافات الإسلامية الأخرى بل وللإمبراطورية الرومانية وهو ما شرحه المؤرخ جيبون ببراعة في تأريخه الفذ لسقوط روما.

أما في العصر الحديث فإن التضخم وتعاظم الفجوة بين الأسعار والأجور الحقيقية ينشأ عن أزمة الدولة المالية وعجزها عن تحصيل ضرائب كافية للإنفاق المجدي على جهازها المتضخم. ويعني ذلك بالنسبة لبلادنا العربية الكبيرة غير المصدرة للنفط حتمية السيطرة على نمو الجهاز الحكومي وتحسين أجوره الحقيقية من أجل ضمان انضباطه حتى تمكن السيطرة على الفساد.

أما البعد الثاني فهو استقلالية الدولة ونزاهة تطبيقها لتشريعات كافية لضبط التطور العام للمجتمع وللمنافسة داخل السوق الرأسمالي سواء في الداخل أو في القطاع الخارجي. الاقتصاد الرأسمالي هو أسلوب إنتاج وتوزيع يقوم نظرياً على قواعد مجردة لا يمكن أن تعمل إلا إذا تم ضمان نزاهة المنافسة وخاصة في مشتروات ومشروعات الحكومة والقروض والعمليات المصرفية. ولكن هذا النظام مثله مثل أي نظام اقتصادي أو اجتماعي آخر يقوم على بشر لهم مصالح محددة قد تصطدم مع القوانين العامة المجردة للاقتصاد الرأسمالي وخاصة فيما يتعلق بالعمليات التي يتفاعل فيها الرأسماليون مع الحكومة والمصارف. ومعظم أحداث الفساد في العالم العربي وفي العالم تنشأ داخل هذين الفضاءين. ويحدث ذلك في حالات معينة نتيجة غياب أو نقص التشريعات الضرورية لمناهضة الفساد وضمان نزاهة المنافسة وحيادية جهاز الدولة مع المتنافسين. وفي حالات أخرى قد تكون التشريعات مرضية من ناحية النصوص ولكنها لا تطبق نتيجة فقدان موظفي الدولة للنزاهة للأسباب السابق ذكرها. ولا يمكن للدولة أن تقوم بتشريع القوانين اللازمة مثل مناهضة الاحتكار والإغراق وحماية المستهلك وتجريم ومعاقبة الرشوة والتسيب في أداء الوظيفة العامة إلا إذا كانت مستقلة. ويعني ذلك بالنسبة للعالم العربي الفصل التام بين المال العام والخاص والتحرر من الطابع العائلي للحكم ومنع الموظفين العامين من العمل بالأعمال التجارية والمالية فضلا عن قيام السلطات العامة على الرضا العام للمجتمع وخاصة من خلال انتخابات حرة نزيهة تقوم على المنافسة بين برامج سياسية وليس رشوة المواطنين للحصول على أصواتهم مقابل التضحية بمصالح عامة وبنزاهة الحكم.

أما البعد الثالث فيتعلق باستراتيجية الإصلاح الاقتصادي وتحديداً هذا النوع من الإصلاحات الذي يقوم على الانتقال من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة ومن الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق. فالمرحلة الأولى من الانتقال تؤدي إلى نشأة طبقة من المستفيدين الأوائل الذين لهم مصلحة في الحيلولة دون دخول عناصر جديدة إلى السوق وهو ما يؤدى إلى وقف الانتقال والإصلاحات عند مرحلة تتسم بالغموض وتعدد النظم وتضاربها وسيادة أنساق سعرية متباينة وخاصة في مجال الصرف الأجنبي والمعاملات مع السوق العالمي وترتيبات الخصخصة والتشريعات الضرورية لأعمال قواعد السوق بنزاهة. وتثبت البحوث العلمية حول استراتيجيات الانتقال، أن الانتقال الحاسم والمتكامل من النواحي التشريعية والعملياتية يؤدي إلى فساد أقل بكثير من الإصلاحات التدريجية والناقصة والتي تترك منطقة رمادية كبيرة بين النظام القديم والنظام الجديد. ولهذا الاستدلال نتائج بالغة الأهمية بالنسبة للمناظرة التي تدور في عدة بلاد عربية حول مدى وسرعة الإصلاح. فعندما يتم الانتقال وفقاً لتشريعات متكاملة تقوم الدولة بتطبيقها بصرامة ونزاهة يقترب النظام الجديد من الصورة المثالية أو المجردة للنظام الرأسمالي بحيث لا يترك مجالا كبيراً لتفادي المنافسة أو الحصول على أرباح احتكارية أو ضرب القانون. كما يتحقق توازن أفضل فيما بين الفروع المختلفة للرأسمالية الجديدة. أما عندما يكون الانتقال تدريجياً وناقصاً من الناحية التشريعية فهو يسمح للمستفيدين الأوائل بإنشاء روابط خاصة مع جهاز الدولة والحصول على الممتلكات العامة بأسعار رخيصة أو بدون سعر وازدهار أنشطة المضاربة والسوق السوداء وعمليات النصب والتلاعب بأنظمة المحاسبة الضريبية والمالية للشركات. ويصبح الفساد هو القانون العام الرئيسي المحدد لطبيعة عمليات الانتقال.

البعد الأخلاقي

ثمة بعد رابع يمكن تسميته البعد الغائب في نظرية الحرب ضد الفساد وهو يتعلق بالجانب الأخلاقي لأي مجتمع عموماً وبمناهضة استشراء الجشع خصوصاً. فمهما كانت قوة التدابير المادية المتخذة للحرب ضد الفساد لن يكون لها مردود حقيقي إلا إذا استرد المجتمع الإيمان بوجود نظام أخلاقي يقوم على وضع حدود ما على شدة الطمع في المال والسلطة والمتع المادية الأخرى. ومن الطريف أن منظراً للرأسمالية بحجم السيد جرينسبان مدير المجلس الاحتياطي الفيدرالي وهو البنك المركزي في الولايات المتحدة لم يجد شرحاً كافياً لما أصاب الرأسمالية الأميركية من أزمات عاصفة في السنوات الأخيرة سوى بالتركيز على أهمية عنصر الجشع الذي أصاب الرأسماليين بل والمجتمع الأميركي كله. إن تماسك قيم مثل العمل الشاق والتقشف والإيمان بالربح المعقول وليس الغرف بلا حدود من جيب المستهلك والدولة والارتباط بين العمل والابتكار والعائد كانت هي القيم التي مكنت من نجاح الرأسمالية في أميركا وأوروبا الغربية. وعكس هذه القيم كلها: أي الجشع سيكون وراء انهيارها.

ولكن المشكلة هي كيف يمكن استرداد هذه القيم. في أحوال كثيرة يتطلب الأمر ثورات كبرى تعيد صهر المجتمع عقلا وجسداً وروحاً وتعيد بث الإيمان بهذه القيم. وفي حالات أخرى يتطلب الأمر الانتقال السلمي إلى الديمقراطية الصحيحة وقيم الشفافية والمحاسبية. وفي حالات ثالثة قد تتطلب زعماء على درجة عالية من القوة والصرامة والتقشف هم أنفسهم. أما في حالتنا العربية فيتطلب الأمر إلى جانب ذلك كله تصحيح حركة الإحياء الديني والتأكيد على القيم الأخلاقية الرفيعة للإسلام في إعادة تربية الأجيال الراهنة من المسلمين.


المصدر وجهات ......

صقر الخالدية
22/07/2004, 01:53 AM
سؤال التكتل والاتحاد

د. برهان غليون



كلما تقدمت مسيرة التحولات العالمية في إطار ما يسمى اليوم العولمة ظهر التفكك والتجزئة العربية كعامل الضعف الرئيسي في أي محاولة للخروج من أزمة التراجع والتقهقر والجمود العربية، وثارت من جديد مسألة لا يزال الفكر العربي يتصدى لها منذ عقود. أعني مسألة الوحدة أو الاتحاد أو التكتل بين الدول العربية. وجوهر هذه المشكلة هو أن أمما وقوميات كبرى لا يشك أحد في تكونها سارت سيرا مطردا في العقود الخمسة الأخيرة نحو التعاون والتفاهم والاتحاد، بالرغم من الحروب العنيفة والدامية التي كانت قد عرفتها فيما بينها سابقا، في حين أن الدول العربية التي بدأت قبل أي جماعة أخرى في تكوين رابطة إقليمية بهدف تسريع خطى الاندماج والوحدة، وهي التي لم تكن قد عرفت حروبا فيما بينها، وتشترك أكثر من أي بلدان أخرى في تاريخ، وثقافة، ولغة، ودين غالبي واحد، قد سارت أكثر من أي منطقة أخرى نحو التباعد والتشاحن والتنابذ والتفكك بل نحو الحروب الداخلية. هكذا لم تساعد القرابة القومية الفعلية في تحسين شروط الاتحاد، والتفاهم بينما لم تمنع التمايزات القومية الواضحة والقوية الدول الأوروبية من التقدم بسرعة نحو الاتحاد.

على هذا السؤال المحير ليست هناك بعد إجابات شافية، بالرغم من الأدبيات الكثيرة والمتنامية حول موضوع إخفاق الجامعة العربية أو العمل العربي المشترك أو تجديد مشاريع الاندماج والتكتل الاقتصادي في المنطقة العربية، وآخرها مشروع منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى.

ويبدو لي اليوم من التأمل في التاريخ العربي الاقليمي الحديث، وفي الأدبيات الكثيرة التي أنتجها أيضا في هذا الميدان أن السبب الرئيسي والحاسم الذي يفسر هذا التردد العربي في تحقيق مشاريع التكامل والتعاون، لا يكمن في الضغط الخارجي- كما كنا نتصورعادة- ولا في حرص النخب القائمة على الحكم على الدفاع عن مصالح قطرية أو وطنية قطرية فعلية، ولا من باب أولى في نقص الثقافة التعاونية أو التمسك بالقطرية كقضية مبدئية. إنه قائم بالعكس من كل ذلك على غياب الوعي عند هذه النخب نفسها في المصالح العليا والوطنية وارتمائها على الدول الكبرى لضمان الحماية الخارجية. فالذي دفع النخب الأوروبية إلى السير نحو التعاون الاقليمي ثم الاتحاد السياسي، كما هو الحال اليوم ليس شيئا آخر سوى التمسك بمنطق البحث عن تعظيم المنافع والمكاسب الاجتماعية لأفراد شعوبها. فهي لا تتحرك بدافع البحث عن المصالح الخاصة، ولكن بدافع تحقيق المصالح الأهلية والوطنية باعتبار ذلك هو مصدر الشرعية الحقيقية لها، وهو الضمانة الرئيسية في أن تعاد الثقة بها والتجديد لها في القيادة والحكم في نظم سياسية تحكمها قاعدة الديمقراطية والانتخابات العمومية.

وبالعكس، إن ما يفسر تجنب العديد من النخب العربية، ونخب العالم الثالث عموما مشاريع التقارب والتعاون والتكامل الاقليمي هو كون معظمها طغما حاكمة لا تفكر إلا بمصالحها الخاصة، ولا تحتاج كي تجدد لنفسها في الحكم إلى أي مشورة أو موافقة شعبية، وإنما تحقق ذلك من خلال تحالفاتها الدولية وقوتها العسكرية والأمنية التي تضمن لها البقاء تماما، كما ضمنت لها الوصول إلى السلطة. وهذا يعني أن معظم دولنا تعمل بمنطق حماية النظم والمصالح القائمة بصرف النظر عن المصالح الوطنية والأهلية. ومن الطبيعي في هذه الحالة ألا نتوقع من هذه النخب التي نجحت في تحويل البلاد ومواردها إلى ملكية خاصة تتقاسمها هي وأبناؤها وأحفادهم وأنصارهم ومحازبوهم، من دون رقابة ولا مساءلة، أن تكون وحدوية، أي أن تتخلى بمحض إرادتها عما أصبحت تنظر إليه كإرث عائلي ومزرعة خصوصية.إن الوحدة لا يمكن أن تعني شيئا آخر بالنسبة إليها في هذه الظروف، سوى التضحية بمصالحها وانتحارها الذاتي على مذبح أهداف تراها مثالية ولم تتعامل معها لحظة إلا على أنها شعارات للاستهلاك والحصول على الشرعية.

ويعكس النقاش القائم على المفاضلة بين القطرية والقومية أو الاختلاف حول الأولويات فيما يتعلق ببناء الدولة القطرية أو دولة الوحدة القومية في البلاد العربية، غياب التفكير العقلاني، والموضوعي في مسألتين معا : مسألة بناء الدولة القطرية ذاتها، ومسألة تحقيق الوحدة العربية معا. وهذا ينبع من استخدام قضية الوحدة لأهداف الاستراتيجيات السياسية اليومية، ويهدف إلى الهرب نحو قضايا ومسائل نظرية مصطنعة لتجنب القضايا الراهنة والتاريخية المطروحة، وفي مقدمها طبيعة الدولة ذاتها قبل أن تكون قطرية أو قومية، ومن وراء ذلك مسألة بناء الدولة القطرية كدولة مواطنية بالفعل.

ومن البديهي ألا تكون هناك وحدة ولا تعاون ولا تفاهم بين الدول العربية قبل أن تتحول هذه الكيانات الهشة والمفتقرة هي ذاتها إلى الثقة بنفسها ومعرفة واجباتها وقدراتها، إلى دول حقيقية.أي قبل أن تتحرر من القيود التي تفرضها على تطورها ولقائها مع أفرادها وأبنائها السلطة المطلقة البيروقراطية والمصالح الشخصية والفئوية التي تكبلها وتفسد جوهرها فتحولها من أداة تنظيم، وتسيير، وتواصل بين الناس إلى أجهزة أمنية، أي قمعية فحسب. وعندما تتخلص الدولة القطرية من هذا المس الذي أصابها وتتحول إلى دولة مواطنيها وشعبها بالفعل، سوف نكتشف بسرعة لا جدوى الحديث الطويل في عصرنا الراهن عن التناقض بين القطرية والقومية، وعن أهمية تحقيق الوحدة العربية. والتجارب التاريخية التي تجري أمام أعيننا تدل بما لا يقبل الشك أن الدول والأمم الأوروبية المتكونة تاريخيا وبقوة لم تكن بحاجة إلى البرهان على هويتها المشتركة ولا إلى اختراع أسطورة قومية حتى تسعى إلى التعاون وتنجح في تحقيق الاتحاد فيما بينها. فلم يعد من الضروري من منظور تطور اشكاليات العصر، وفي مقدمها العولمة والانفتاحات الاقتصادية، إضفاء المشروعية التاريخية أو الثقافية أو الأقوامية على مشروع تعاون اقليمي حتى نبرر قيامه تجاه الدول والمجموعات البشرية الأخرى، ولا من أجل ضمان استمراره وقبوله من قبل الجماعات المتعددة والمتباينة المشاركة فيه. وقد برهن تكوين الاتحاد الأوروبي في العقد الماضي على أن السعي المشترك لتعظيم المنافع والمصالح المتبادلة يشكل اليوم، بصرف النظر عن القرابة الروحية أو الأقوامية أو الجغرافية، مصدرا كافيا بل المصدر الأهم لمشروعية العمل الوحدوي أو الإقليمي. بل لقد أظهر أنه أقوى أثرا وفاعلية في تحقيق الاتحادات اليوم من أي مصدر مشروعية آخر، قائم على تأكيد الروابط التاريخية أو اللغوية أو الثقافية. وبالعكس، فقد دلت التجربة العربية على أن انتماء شعوب عديدة إلى تاريخ واحد، وامتلاكها لغة مشتركة، وعيشها في إطار ثقافة واحدة، ووجود مشاعر، وآمال، وآلام واحدة عند شعوبها بل ونزوع هذه الشعوب بشكل قوي وجامع إلى الاتحاد لم يقربها من الوحدة ولم يؤسس فيها عوامل الاتحاد، بل لم يحل بينها وبين التمزق والانفصال وتكريس الوطنيات المحلية، وتقديس الحدود القطرية التي أثارت العديد من الحروب. والنتيجة لن تنجح الشعوب العربية في تجاوز التمزق والدخول الفعلي في عهد التكتلات الإقليمة إلا من خلال إقامة أنظمة تقدم المصالح الوطنية على المصالح الفئوية، أي من خلال أنظمة ديمقراطية. ومن دون ذلك سوف تبقى الوحدة والتكتل والاتحاد أحلاما ليس لها أي أمل للتحقق في الواقع.


المصدر وجهات

صقر الخالدية
26/07/2004, 05:40 PM
معاداة العرب في مشروع عنصري جديد


د. بثينة شعبان


في جلسة فكرية ضمت نخبة من الحريصين على هوية الأمة ومستقبلها، من أقطار عربية مختلفة، في إحدى العواصم الأوروبية، تطرقنا إلى المخاطر التي تهدد اللغة العربية، وهي الوعاء الذي يجمع بيننا جميعاً ويتيح لنا إمكانية التواصل المعرفي والقومي، الذي يشكل العصب الأساسي للانتماء. وفي اليوم التالي، أرسل لي أحدهم ما وصله من دراسة تهدف فيما تهدف إليه تغيير الأبجدية العربية واستبدالها بالحروف اللاتينية، تحت مسمى
«تحديث الثقافة العربية»، واعتبار هذا المشروع جزءاً من خطة الإصلاح في المنطقة، التي تدخل ضمن إطار مشروع «الشرق الأوسط الكبير»، حيث يدعي معدو هذا المشروع «أنه وبعد أحداث الحادي عشر من أيلول تم إجراء أكثر من 600 دراسة بين عامي 2002 و2004، خلصت كلها إلى أن الغرب يواجه صعوبة كبرى في استيعاب الحضارات العربية». ويقول معدو المشروع: «بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، لم يتمكن الغرب من التعرف على شعور (الإرهابيين) الحقيقي أو الدوافع الكامنة وراء ارتكابهم لهذه الأحداث، بينما يتقن العرب اللغات الإنكليزية والفرنسية ويتحدثونها كما يتحدثها الناطقون الأصليون بها». ولذلك يستهدف المشروع اللغة العربية، ويخطط لإلغاء المناهج القائمة حالياً، التي تعتمد على دراسة قواعد اللغة والصور الجمالية وإبداعاتها «في إطار حركات الإصلاح والسعي نحو تطبيق الحرية والديمقراطية».
وتضيف الدراسة: «إن الهدف من هذا المشروع ليس تحرير اللغة العربية فقط من أشكالها التقليدية، التي ظلت قائمة كما هي منذ آلاف السنين، ولكن تحرير العقول العربية والإسلامية، ويستهدف القضاء أساساً على الموروثات السلبية، مثل الانتقام والعنف والإرهاب». ويحدد المشروع خطواتٍ ملموسة للتخلص من قواعد اللغة العربية، ومن ثم فصل اللغة عن ماضيها وتراثها، وبالأخص عن القرآن الكريم، لنزع صفة القدسية عنها، ومن ثم تغيير المعاني، وذلك «لإقناع الأجيال الشابة أنّ العصر الحديث يتطلب التخلص من التعقيدات اللغوية التي تفرضها لغتهم العربية». ويؤكد المشروع أنّ «الخطوة الأساسية في هذا التعديل، تكمن في أن يوافق العرب على تغيير شكل الكتابة، ثمّ تبدأ الأشكال الحالية للغة العربية في الاندثار شيئاً فشيئاً». ويشمل المشروع خطواتٍ مدروسة، شارك في وضعها علماء نفس، ولغويون وسياسيون، وقد حسبوا حساباً لأدق التفاصيل وردود الأفعال عليها. ويمكن تلخيص هذه الخطوات على الشكل التالي:
الخطوة الأولى: التعبير عن النص العربي أو القرآني بفكرةٍ جديدة تؤدي ذات المعنى.
الخطوة الثانية: التعبير عن النص أو الآية بفكرةٍ قريبةٍ منها.
الخطوة الثالثة: تغيير فكرة النص أو الآية من دون اصطدام مع الفكرة الأصلية.
الخطوة الرابعة: تغيير الفكرة بما يؤدي إلى التشكيك في الفكرة الأصلية.
الخطوة الخامسة: زيادة الألفاظ والعبارات في ذات الفكرة وزيادة مساحة التشكيك في الفكرة الأصلية.
الخطوة السادسة: القبول والإقناع بتفسيراتٍ جديدة لهذه الفكرة الأصلية، بما يؤدي إلى محو معناها الذي كان قائماً لفتراتٍ طويلة في أذهان الناس.
الخطوة السابعة: دراسة ردود الفعل حيال كل الخطوات السابقة ومجابهة المعترضين على التغيير البطيء.
الخطوة الثامنة: تغيير الفكرة الأصلية وإحلال الجديدة محلها بشكلٍ نهائي. وسيتم تحديد طبيعة «التوجهات العدوانية أو المسالمة للعرب»، من خلال دراسة مواقفهم من أشكال الكتابة الجديدة و«الشخص العدواني هو الذي يرفض أشكال الكتابة الجديدة، أما الشخص السوي، فهو الذي يعتمد على استخدام الأشكال الجديدة للكتابة». ويخطط واضعو المشروع لمحاصرة الرافضين له باتهامات مثل «متشددين» أو«متطرفين» أو«تقليديين» أو «متحجرين» الخ.
ورأى عدد من علماء النفس، الذين اشتركوا بوضع هذا المشروع العنصري، أنّ تغيير أشكال الحروف العربية «سيقلل من حدة العداء
والكراهية المتأصلة لدى المواطنين العرب ضد أميركا والغرب بصفةٍ عامة».
وهناك مقترح يتضمنه المشروع ويقضي بإلغاء لفظة «اليهود» على سبيل المثال من اللغة العربية، لتحل محلها في الأشكال الجديدة لفظة «الساميون»، لأن لفظة «اليهود»، ارتبطت دائماً لدى العرب بأشياء بغيضة، بينما لفظ
«الساميون» مقبول جداً لديهم، ويدل على السمو والارتفاع بالأخلاق. ويتهم واضعو المشروع الحضارة العربية بأنها «تتناقض مع مبادئ الماديات الحديثة واللغة الدولية، في بناء التواصل الفكري وأن هذه الحضارة بطبيعتها متعصبةً، وأن هذا التعصب يقود إلى الاصطدام المباشر مع الحضارات الأخرى، وأنه قد حان الوقت للقضاء على ذلك التعصب».
إن الحديث عن «صعوبة» اللغة العربية، ناجم عن جهل بها أو حقدٍ عليها وعلى عروبة العرب. فكيف تنسجم اللغة الصينية التي تم أحياؤها مع الغرب وحداثته؟ وكيف تتناغم اللغة الأوردية أو العبرية، التي كانت لغةً ميتة مع الغرب، بينما تتناقض اللغة العربية التي قدمت للغرب أفكار الفارابي وطب ابن سينا وفلسفة ابن رشد وتصوف ابن عربي، مع عصرنة الغرب وفكره؟ لقد كانت اللغة العربية، وما زالت، أداةً طيعةً لنشر العلوم والمعارف والاختراعات والمفاهيم الفكرية والفلسفية والدينية، في مختلف أصقاع الأرض. فمن أين أتت فجأةً كل هذه المخاوف من «صعوبة اللغة» على الجيل الجديد؟ ما زال الكثيرون في الوطن العربي يتكلمون الشعر حتى من دون تعلم الكتابة والقراءة. وما زال الملايين يتكلمون العربية الفصحى بالسليقة السليمة، لأنها تنسجم مع المعنى والبلاغة والإحساس بالفكر والرسالة المبتغاة منها. إن لغتنا كحضارتنا ومنطقتنا وأرضنا، جميلة ومستهدفة من قبل أعداء فشلوا أن يفهموا عمق الشرق وحضارة الشرق، فعمدوا إلى تشويهه من خلال نظريات الاستشراق والمتبنين لها والعاملين على ترويجها. اتخذوا من أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، ذريعة لشن حملة عداء وكراهية عنصرية شعواء على هذه الأمة، تمثلت باتهام جميع أبنائها بالإرهاب من أجل تصفية الصراع العربي ـ الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، ونهب ثروات العراق وحضارته التاريخية المجيدة. واليوم يتسع أفق هذه الحملة ليشمل اللغة والتراث والفكر والدين والإرث الروحي والاجتماعي لهذه الأمة برمته. ولذلك من المتوقع أن يتم تمويل الأبواق المحلية التي ستردد هذه الطروحات عن صعوبة «اللغة وقواعدها»، وعن «ضرورة تغيير هذه القواعد أو إلغائها»، وعن «ضرورة تعديل الأبجدية العربية». ومن المتوقع أن يعقد مؤتمر هنا ويصدر كتاب هناك لترويج هذا المشروع من الداخل وهذا الجزء من المشروع أكثر خطراً علينا جميعاً. إن هذا المشروع العنصري، وضع مخططاً يمتد على عشرين سنةً للقضاء على اللغة العربية، وفصل العرب تماماً عن تاريخهم وحضارتهم. فهل هناك من يضع خطةً تعليميةً مقابل هذا المشروع العنصري لتعيد للغة العربية ألقها وأهميتها ومكانتها في العشرين سنةً المقبلة؟ وهل يندفع وزراء التربية العرب واتحادات الكتاب لتعزيز مناهج تدرس اللغة العربية لأجيالنا الصاعدة، كما علمنا آباؤنا ومدرسونا لغتنا الجميلة، حيث يصبح الإعراب تعبيراً عن فهمٍ عميقٍ للمعنى. ويصبح التنقل بين الفصحى والعامية انسياباً لا كلفة فيه ولا جهل. وتصبح نون النسوة والمثنى جزءاً جميلاً وطبيعياً من لغة كتب علماء اللغة قواعدها بعد أن سمعوا كيف يتحدث الناس بها، وتحكم قواعدها عناصر منطقية سهلة ومنسجمة مع الفكر وسهولة الوصول إلى المعنى مع البلاغة والفصاحة والجزالة في الأداء. وإذا كان الطفل الفلسطيني ما زال يقاوم الدبابة الإسرائيلية بحجر أليس حرياً بالعرب أن يدافعوا عن لغتهم فهي وعاء حضارتهم ورمز هويتهم؟ ولا شك في أن لغتنا العربية تمثل وجدان وأداة استمرارنا كأمةً لها قيمة وحضور بين الأمم.
المصدر الشرق الاوسط

صقر الخالدية
26/07/2004, 10:38 PM
أهمية الصحافة الورقية والالكترونية في العالم

حيدر بن عبدالرضا اللواتي:



بالرغم من اتجاه الكثير من القراء في العالم لتصفح الجرائد الالكترونية اليومية، وغيرها من المجلات الإلكترونية الدورية الأسبوعية والشهرية بواسطة شبكة المعلومات الدولية (الانترنت)، وما يحمله بريدهم اليومي من رسائل وأخبار لأهم الأحداث التي يشهدها العالم، إلا أن معظم الشعوب في العالم ما زالت تعطي أهمية كبيرة للجريدة والمجلة الورقية في حياتهما وفي معاملاتهما اليومية، حيث تصل إليهما في عقر دارهما من خلال الشبكات الحديثة من الموزعين سواء تلك التي تصدر في داخل دولها أو خارجها.
وما زال معظم القراء في العالم يفضلون قراءة الجرائد الورقية لأنها لا تحتاج إلى معاناة الجلوس أمام شاشة الحاسوب، وإجراء التوصيلات اليومية كتوفير خطوط وخدمات الهاتف الثابت وغيرها من الخدمات الأخرى الضرورية كوجود الكهرباء وبريد الكتروني وكتابة رموز المواقع الالكترونية لتلك الصحف وغيرها من الأمور الأخرى، وإنما باستطاعة القارئ شراء الجريدة أو المجلة الورقية من أقرب محطة تعبئة الوقود، أو شرائها ضمن الاحتياجات المنزلية من أقرب محل تجاري، والاستفادة منها في أي موقع يجلس فيه، ومن ثم التخلص منها متى شاء.وبالرغم من تطور وسائل التقنية الحديثة في نقل الأخبار اليومية ساعة بساعة عبر الجرائد الالكترونية خاصة في دول العالم المتقدم، إلا انه يبدو من واقع الحال ان شعوب هذه الدول المتقدمة هي التي تحتل الصدارة في شراء من الجرائد والمجلات الورقية المكتوبة والاستفاده منها بالرغم من استخدامها الكبير لوسائل تقنية المعلومات الحديثة ودخولها وتصفحها للجرائد الإلكترونية.
وحول هذه الحقيقية فإن التقرير الصادر عن "الجمعية الدولية للصحافة" مؤخرا يرصد بتفصيل أحوال الصحافة المكتوبة عبر العالم خلال سنة 2003 حيث تصدمنا أرقام مذهلة حول ترتيب الصحف الورقية المكتوبة وحجم انتشارها في العالم، ومداخيلها من الإعلانات، خاصة لدى المجلات والصحف الثماني الأوائل من مجلات الأخبار العامة أو الاقتصادية، أو الثماني الأوائل من مجلات ذات الجمهور الواسع، والثماني الأوائل من المجلات النسائية.
كما أن الملفت للنظر بالنسبة لأي قارئ عربي -كما يورده التقرير- هو غيبة الصحافة العربية عن حلبة التنافس بالرغم من أن سوق الأقطار العربية تعج بحوالي أكثر من 300 مليون شخص، مما يثير أسئلة كبرى عملية تتعلق بتفشي الأمية وتدني القدرة الشرائية في أغلب الأقطار العربية وجودة الصحافة ومساحات الحرية المتوفرة لها.أكثر الصحف توزيعا في العالم
وحول أكثر الصحف اليومية انتشارا وتداولا في العالم، تشير بيانات التقرير الى أن هناك العديد من الصحف اليومية التي تزيد مبيعاتها أكثر من مليون نسخة في اليوم، وتأتي في مقدمة هذه الصحف الجرائد اليابانية التي تحتل الصدارة في العالم، حيث هناك 5 صحف يومية يابانية تأتي في المرتبة الأولى من حيث التوزيع ضمن الـ25 صحيفة في العالم، حيث تصل المبيعات اليومية لصحيفة (يوميوري شيمبون) - وهي أكثر الصحف انتشارا بين الشعب الياباني حوالي 14.2 مليون نسخة في اليوم، تليها صحيفة (أساهي شيمبون) في المرتبة الثانية حيث توزع يوميا 12.3 مليون نسخة، في حين تحتل صحيفة (مينشي شيمبون) اليابانية المرتبة الثالثة ويصل توزيعها اليومي 5.6 مليون نسخة، تليها صحيفة (نيهون كيزاي شيمبون) في المرتبة الرابعة والتي يصل توزيعها اليومي 4.7 مليون نسخة، ثم صحيفة (شونيشي شيمبون) التي يصل توزيعها اليومي 4.5 مليون نسخة.
أما بالنسبة لتوزيع الصحف الأخرى في العالم ضمن الـ25 صحيفة، فإننا نجد ان المبيعات اليومية لصحيفة (بيلد) الألمانية تحتل المرتبة السادسة وبواقع بيعها 4.2 مليون نسخة، فيما تأتي صحيفة (ذي صن) البريطانية في المرتبة السابعة حيث يبلغ توزيعها اليومي 3.4 مليون نسخة. ويلاحظ أن صحيفة (يو أس أي توداي) الأمريكية تأتي في المرتبة العاشرة حيث تصل مبيعاتها اليومية 2.6 مليون نسخة، في حين نجد أن صحيفة (دايلي ميل) البريطانية تحتل المرتبة الـ13 في العالم بواقع توزيع 2.4 مليون نسخة يومية بينما تأتي صحيفة (ذي ميرور) البريطانية في المرتبة الـ16 حيث توزع يوميا2.1 مليون نسخة، في حين نجد أن صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية تأتي في المرتبة الـ23 حيث توزع 1.6 مليون نسخة يومية.
أما أكثر الشعوب قراءة للصحف الورقية اليومية ضمن عدد الأفراد بالنسبة لكل ألف فرد من السكان، فتأتي النرويج في المرتبة الأولى بواقع 704 أشخاص في الـ1000، تليها اليابان بـ653 شخصا، ثم فنلندا بواقع 531 شخصا، ثم السويد 508 اشخاص، تليها سويسرا بواقع 432 شخصا، ثم إنجلترا بعدد 402 من الاشخاص، تليها النمسا بعدد 365 شخصا، ثم كندا بواقع 342 شخصا، تليها البيرو بـ341 شخصا. أما في المرتبة العاشرة فتأتي سنغافورة حيث يقرأ الصحف بين كل 1000 من أفرادها 339 شخصا، تليها الدنمارك بواقع 334 شخصا، ثم ألمانيا بـ332 شخصا، ثم هولندا بـ328 شخصا، تليها أوكرانيا بـ271 شخصا، ثم الولايات المتحدة الأمريكية بـ962 شخصا، تأتي بعدها هونج هونج 162 شخصا، تليها استونيا 272 شخصا، ثم سلوفينيا 211 شخصا، ثم أستراليا 207 أشخاص، تليها كل من بلجيكا بـ203 أشخاص، ثم التشيك 195 شخصا، ثم هنغاريا بـ191 شخصا، ثم فرنسا 164 شخصا، تليها تركيا بـ131 شخصا، ثم أسبانيا 127 شخصا، ثم في المرتبة الـ 25 تأتي إيطاليا حيث يقرأ الصحف اليومية من كل 1000 فرد 118 شخصا.
وبالنسبة للمجلات الثماني الأسبوعية الأكثر مبيعا في العالم باستثناء مجلة "موني" وهي شهرية وفقا لأرقام "الجمعية الدولية للصحافة"، فإن مجلة (التايم) الأمريكية تأتي في المرتبة الأولى من حيث مبيعاتها الأسبوعية حيث يصل توزيعها 4.129 مليون نسخة في الأسبوع، تليها مجلة (نيوزويك) الأمريكية بواقع 3.225 مليون نسخة، ثم (يو اس نيوز أند وورلد ريبوت) الأمريكية بعدد 2.076 مليون نسخة، فيما تأتي مجلة (موني) وهي مجلة أمريكية شهرية في المرتبة الرابعة وبواقع 2.062 مليون نسخة، تليها مجلة (سيكورتيس مارك ويكلي) الصينية بواقع 1.2 مليون نسخة، ثم (باري ماتش) الفرنسية بواقع 738 ألف نسخة في الأسبوع، ثم مجلة (ليكسبريس) الفرنسية بـ552 ألف نسخة، تليها في المرتبة الثامنة مجلة (لونوفيل أوسيرفاتور) الفرنسية بـ536 ألف نسخة.
أما المجلات الثماني الأكثر مبيعا وشعبية في العالم من حيث ترتبيها والتي تبيع ملايين النسخ منها فتأتي مجلة (ريدرس دايجيست) الأمريكية الشهرية في المرتبة الأولى حيث تصل مبيعاتها الشهرية 12.558 مليون نسخة، تأتي بعدها في المرتبة الثانية مجلة (نات جيوغرافيك) وهي نصف شهرية أمريكية حيث تصل مبيعاتها 7.739 مليون نسخة، تليها مجلة (يويبل ويكلي) وهي أسبوعية أمريكية بـ3.714 مليون نسخة، ثم المجلات الأخرى.

وبالنسبة للمجلات النسائية الثماني الأولى الأكثر مبيعا في العالم، تشير بيانات التقرير ان جميعها تصدر من الولايات المتحدة الأمريكية، وكلها شهرية وتصل توزيعاتها بملايين النسخ منها، وتأتي في مقدمتها مجلة (بيتير هومس أندجاردن) حيث توزع 7.603 مليون نسخة، تليها مجلة (فاميلي سيركل) وبواقع 4.758 مليون نسخة، ثم مجلة (جودهاوس كينج) بواقع 4.531 مليون نسخة، ثم المجلات الأخرى.

[وبالنسبة للجرائد الإلكترونية في العالم فقد بدأت تنال اليوم اهتمام قرائها بجانب الجرائد الورقية خاصة تلك التي تتسم بالموضوعية. ولا يمكن ان تكون هنا مقارنة أعداد الصحف الإلكترونية الصادرة في الغرب وباللغات الأجنبية بأعداد الصحف الإلكترونية الصادرة باللغة العربية، حيث ان هناك المئات بل الآلاف من الصحف الإلكترونية التي تصدر بمئات اللغات الأجنبية في العالم. وكلما تطورت خدمات تقنية المعلومات في العالم ازدادت أعداد المجلات الإلكترونية انتشارا في المعمورة.
وعموما فقد شهد مثل هذا النوع من الصحف اتساعا كبيرا خلال السنوات الماضية. ووفقا لبيانات التقرير الصادر عن "الجمعية الدولية للصحافة" عن سنة 2002 تبقى الولايات المتحدة الأمريكية رائدة في الصحف الإلكترونية حيث يزيد عددها عن 1296 جريدة إلكترونية، بينما يصل العدد في فرنسا إلى 40 صحيفة الإلكترونية، تليها السويد بـ77 صحيفة، ثم إيطاليا بنحو 91 صحيفة، تليها إسبانيا بـ100 صحيفة، ثم البرازيل بـ308 صحف إلكترونية.[/COLOR]وأخيرا نقول ان الصحافة بشكل عام شهدت تطورات عديدة في العالم خلال السنوات الماضية، فبعد أن كانت الصحافة الورقية هي المسيطرة على الساحة، أصبحنا في هذا العصر ومنذ بداية استخدامنا للانترنت نشهد صحافة من نوع آخر، الأمر الذي يدفع بالبعض إلى طرح التساؤل إن كانت الصحافة الجديدة أصبحت اليوم منافسة للصحافة الورقية، أم هي داعمة لها، ونتيجة لذلك أصبحت الآراء متباينة حول هذا السؤال. وعموما فإن معظم أصحاب مهنة الصحافة الورقية يعتقدون ان الصحافة الإلكترونية لم تؤثر كثيرا على عملهم، ولا على مهنتهم ولا على وسيلتهم المحببة إلى القارئ، أما أصحاب الوسيلة الجديدة في الصحافة الإلكترونية فيعتقدون أن عهد الصحافة الورقية قد ولى إلى غير رجعة، وأن صحافة الإنترنت هي التي تفرض نفسها الآن. وفي هذا الصدد يقول علي عبيد مدير التدريب الإعلامي بجريدة البيان: "ان هناك الكثير من المؤسسات الصحفية العريقة حاولت أن توائم بين النظريتين فأنشأت لها مواقع إلكترونية إلى جانب المطبوعة الورقية التي توزعها بحيث تقوم هذه المؤسسات بتطوير مواقعها بمعدل 3 إلى 4 مرات يوميا، وكلما كانت هناك أحداث جديدة يتم التحديث بها في كل ساعة، موضحا أن التطورات التي تحدث على الساحة في الصحافة الالكترونية دفعت بمراكز التدريب في بعض المؤسسات الصحفية إلى الاهتمام بهذا الجانب والعناية به ومنها جريدة البيان".
وعموما نؤكد ان الصحافة الورقية في الدول العربية سيبقى لها بريقها خلال السنوات المقبلة نظرا إلى أن الكثير من المواطنين العرب لا يستخدمون الأجهزة الحديثة وخدمات شبكة المعلومات الدولية (الأنترنت) مقارنة بما يحصل في العالم، وأن جهود الجهات المعنية متواصلة في توصيل هذه الخدمات إلى كل أنحاء المعمورة العربية. كما أن نسبة الأمية مرتفعة في العالم العربي مقارنة بالدول الأخرى في العالم، ولكن هذا لا يمنع من انتشار الصحافة الإلكترونية في الوطن العربي خاصة وإنها لا تحتاج إلى إذن من الوزارات والهيئات الإعلامية الرسمية التي تشرف على الصحف والمجلات الورقية، وإنما تحتاج إلى جهود علمية في مجال التقنية المعلوماتية أولا بجانب الخبرات العلمية التي يتمتع بها الأفراد في علم الصحافة ثانيا.[/COLOR]

المصدر جريدة عمان

صقر الخالدية
28/07/2004, 04:56 AM
مفهوم لـ"الإصلاح" مكبل بالشبهات...!

د. محمد عابد الجابري

كيف تناولت مرجعيتنا الثقافية التراثية فكرة الإصلاح؟ وأعني هنا بالمرجعية التراثية مجموع ما يندرج تحت مفهوم "الفكر العربي الإسلامي" منذ ظهور الإسلام إلى ما نطلق عليه اصطلاحا "الفكر العربي والإسلامي الحديث"، الذي ترجع تباشيره الأولى إلى القرن الثامن عشر. ومع أن هذا الأخير قد ضمَّ –ويضمُّ- من أول أمره صنوفاً من الإنتاج تتناول موضوعات تنتمي إما بمضمونها وحده، وإما بمضمونها ومنهاجها وروحها، إلى المرجعية التراثية بالمعنى الذي حددناه، فإن تلك الموضوعات تنفصل عن هذه المرجعية من حيث إنها إعادة إنتاج لبعض موادها من أجل أغراض تجد مرجعيتها في حاجات الحاضر، وليس في مقتضيات أحوال الماضي.

سنترك "الفكر العربي والإسلامي الحديث"، بما فيه من إنتاج جديد وإعادة إنتاج للقديم إلى حين، لنركز اهتمامنا هنا على فكرة "الإصلاح" كما تتحدد في مرجعيتنا التراثية، منذ ظهور الإسلام إلى القرن الثامن عشر.
لا تسعفنا المعاجم العربية القديمة بأي تعريف لـ"الإصلاح" غير قولها:"الإصلاح ضد الإفساد". وإذا بحثنا فيها عن معنى "الإفساد" ردتنا إلى "الإصلاح" بقولها:"الإفساد ضد الإصلاح". والغريب أن المفسرين يكتفون بشرح مادة "صلح" ومشتقاتها، الواردة في القرآن بكثرة، بهذا النوع من التعريف بالسلب (صلاح: ضد فساد)، وإذا خرجوا عن هذا جاءوا بالمعنى الذي يقتضيه السياق. و في هذا الإطار يرتبط معنى "الإصلاح" في القرآن بإزالة ما شاب العلاقات بين الناس من شوائب، مثل قوله تعالى: "فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ..." (الأنفال 1). وقوله: "وإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا" (الحجرات 9) الخ. أما عندما يقترن لفظ "أصلحوا" بالتوبة فالمعنى هو التخلي نهائيا عن المنهيِّ عنه: "إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" (آل عمران89). أما عبارة "وعملوا الصالحات" التي ترد في الغالب معطوفة على "الذين آمنوا"، فتفيد كل عمل من أعمال الخير ينفع صاحبه، أو غيره، في الدنيا والآخرة.

ومع أن المعتزلة قد جعلوا من فكرة "الصلاح" أساساً من أسس مذهبهم، وبعضهم قال بـ"الأصلح" أيضاً، فإنهم يقصرون معناها في "أن الله لا يفعل إلا الصلاح"، بمعنى أنه لا يفعل "القبيح". فالصلاح عندهم هو "الحُسْن" والفساد هو "القبح". وبعبارة أخرى: الحسْن والصلاح هو ما به يُستحَق المدح، والقبح والفساد هو ما به يُستحَق الذم. وهذا لا يخرج بنا عن المعنى اللغوي للكلمة (الصلاح ضد الفساد).

لماذا هذا الإلحاح على غياب تعريف إيجابي محدد لمعنى "الإصلاح" في مرجعيتنا التراثية؟

نحن لا نقصد بذلك التقليل من انشغال الخطاب العربي الإسلامي، وفي مقدمته الخطاب القرآني والحديث النبوي، بمسألة الصلاح والإصلاح، كلا! فلفظ "صلح" ومشتقاته يتردد باستمرار في نصوصنا التراثية بمختلف منازعها، كما أن فكرة "المصلحة العامة" هي المرجع الأول والأخير للتشريع في الإسلام. هذا فضلا عن أن الدعوة المحمدية كانت دعوة إصلاحية عميقة جعلت على رأس مهامها إخراج الناس من الظلمات إلى النور: "كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ" (إبراهيم-1). ومع ذلك فما دمنا بصدد المقارنة بين مفهوم الإصلاح في مرجعيتنا التراثية ونفس المفهوم في المرجعية الأوروبية، فإنه لامناص من التنبيه إلى ما أبرزناه أعلاه من "فقر" و"إفقار" لمعنى لفظ "صلاح" و"إصلاح"، على صعيد التعريف والتحديد، في نصوصنا التراثية. وذلك على عكس ما هو عليه الأمر في المرجعية الأوروبية، التراثية منها والمعاصرة. ويكفي لبيان ذلك الرجوع إلى المعاجم اللغوية الأوروبية: فالكلمة التي تقابل في المرجعية الأوروبية لفظ "إصلاح" في مرجعيتنا التراثية هي كلمة: reform وهي كلمة تتكون من لاصقة re التي تفيد معنى "الإعادة"، ولفظة form ومعناها الشكل أو الصيغة. وهكذا فمعنى réforme التي تقابل "إصلاح" في لغتنا العربية، هو "إعادة تشكيل"، أو "إعطاء صورة أخرى للشيء". والمرجع الفلسفي لدى الفكر الأوروبي في هذا المعنى هو ذلك الفصل الحاسم الذي تقيمه الفلسفة اليونانية (أرسطو بصفة خاصة) بين "المادة" و"الصورة" في الموجودات الأرضية.

وقد سبق أن أشرنا في المقال السابق إلى فكرة "واهب الصور"، أي العقل العاشر (أو الفعال) المدبر لما تحت فلك القمر، الذي يعطي صورة معينة لما يتهيأ من الأجسام الأرضية لقبولها. وهذا الفصل الحاسم بين المادة والصورة يجعل فكرة "الإصلاح" لشيء من الأشياء تنطوي على إدخال تغيير كبير أو صغير على صورته. فالقطعة من الشمع يمكن أن تتخذ صورة شمعة، ولكن يمكن أن ندخل "إصلاحاً" ما على شكلها فنجعل منها تمثالا صغيرا لفأر أو حصان… الخ.

فكرة الإصلاح في المرجعية الأوروبية لها علاقة مباشرة بفكرة تغيير الصورة في الفلسفة اليونانية. والصورة في هذه الفلسفة أهم من المادة. فالمادة ترجع عند نهاية التحليل إلى "مادة أولى"، غير متعينة مثل الهباء، فهي خليط أعمى أو" كاووس". أما الصورة فهي، في أعلى درجات ابتعادها عن المادة، "عقل" أي صورة بسيطة خالية من المادة أصلا، ومن هنا أطلق لفظ "عقول"، في الفلسفة الأفلاطونية المحدثة، على الكائنات العلوية أي "الملائكة"، وأطلقت عبارة "العقل الأول" على الله.

وهكذا يبدو واضحاً أن مفهوم "الإصلاح" في المرجعية الأوروبية يرتبط بتغيير الصورة، أما في المرجعية العربية الإسلامية فـ"الإصلاح" لا يطرح إلا إذا حصل "فساد" أو "إفساد" في الشيء. ومن ثم تؤول قضية الإصلاح فيه إلى الرجوع به إلى الحال التي كان عليها قبل طروء الفساد عليه. من ذلك مثلا أنه إذا تعطلت بك سيارتك ذهبت بها إلى الميكانيكي لـ"إصلاحها"، أي للرجوع بها إلى ما كانت عليه قبل عطلها. أما باللغات الأوروبية فاللفظ المستعمل في هذا المعنى ليس reform بل repair وهو بالضبط معنى "الإصلاح" في لغتنا، أي إعادتها إلى وضعها السابق. أما إذا استعملت معنى réforme وأنت تتحدث عن السيارة فإن المعنى سيصبح حينئذ إعطاءها "صورة" جديدة، وشكلا آخر غير الشكل الذي هي عليه، ويكون ذلك في اتجاه الأحسن، في الغالب.

ومما يتصل بهذا الموضوع قضية "التصوير" في "الإسلام". فالذين يحرمون التصوير من الفقهاء يستندون في ذلك إلى أن صور الأشياء هي من خلق الله وصنعه: "هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى..." (الحشر 24). وما هو من صنع الله لا يجوز تغييره. وكل تغيير فيه هو إفساد، لأن الصورة التي صورها الله معطاة منذ أول الأمر على أحسن ما يكون. يقول تعالى: "خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ" (التغابن 3). وبما أن القرآن لا يتعرض للتصوير، تصوير الإنسان لشيء من الأشياء، على الورق أو غيره، فإن الفتاوى الفقهية بـ"تحريم التصوير" تستند في الغالب إلى هذا الاعتبار. وقد ذكر القرطبي في سياق تفسيره لقوله تعالى مخاطبا كفار قريش: "مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا، أءِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ" (النمل 60)، أنه: "قد يستدلّ من هذا على منع تصوير شيء، سواء كان له روح أم لم يكن؛ وهو قول مجاهد". ويضيف قائلا: "ويعضده قوله صلى الله عليه وسلم:"قال الله عز وجل ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي فليخلقوا ذَرَّة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة". ويخلص القرطبي إلى القول:"فعم بالذم والتهديد والتقبيح كل من تعاطى تصوير شيء مما خلقه الله وضاهاه في التشبيه في خلقه فيما انفرد به سبحانه من الخلق والاختراع وهذا واضح".

والواقع أن الآية السابقة والحديث الذي ذكر بعدها لا يفيدان بالضرورة منع التصوير مطلقاً، لأن معناهما ينصرف إلى الأصنام التي كانت تصور لتعبد، كما كانت قريش تفعل، وبالتالي فتعميم المنع كما فعل القرطبي وغيره فيه تجاوز كبير. ذلك لأن المصور الذي لا يقصد من عمله "خلق" شيء كـ"خلق الله" ولا مضاهاة الله في خلقه، ولا عبادة ما يصور، وهو الأمر الغالب الشائع، يقع عمله خارج ما وقع الاستدلال به على المنع. والقول الفصل في هذا الشأن هو المبدأ الإسلامي المعروف "الأعمال بالنيات" (حديث شريف).

ونحن إنما وقفنا هنا عند مسألة التصوير لأن منع التصوير، هذا النوع من المنع الذي لا يستند إلى نص صريح ولا إلى مصلحة عامة تفرض نفسها، نموذج على ما يكبل فكرة "الإصلاح" في المرجعية التراثية من القيود، فالتصوير هو إتيان بشيء جديد، هو إعادة تشكيل للشيء المصور. ومع أن المبدأ الشرعي هو "درء الحدود بالشبهات"، فإن ما تعاني منه فكرة "الإصلاح" في المرجعية التراثية العربية الإسلامية هو تكبيلها بالشبهات... ذلك أن كل جديد يأتي به الإصلاح يعتبر عند بعضهم شيئاً مستحدثاً، وعندهم أن "كل مستحدثة بدعة"، ومن هنا حصروا معنى "التجديد" في: "كسر للبدع". والخطأ هنا ليس في النصوص، بل في التعميم الذي لا موجب له. فالحديث الذي يستند إليه هذا النوع من التعميم، (حديث "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار")، ينصرف معناه إلى "المحدثات" في الدين، أي إلى الزيادة فيه أو النقصان منه. أما المحدثات خارج الدين فشيء آخر.

ومع أن هذا واضح بالنص والعقل فقد بالغ بعض الفقهاء في توسيع معنى البدعة/الضلالة فاعتبروا كل ما لم يكن موجوداً في عهد الصحابة بدعة. وقد رد الشاطبي، على هذا النوع من الفهم لـ"البدعة" فدعا القائلين به إلى النظر إلى "الجديد"، ليس من زاوية أنه لم يكن في عصر الصحابة وأنهم لم يكونوا يأتونه، بل من زاوية ما قد يكون فيه من المصلحة. يقول عن هؤلاء الفقهاء:"إن عَدُّوا كل محدث العادات بدعة فليعدوا جميع ما لم يكن فيهم (= الصحابة) من المأكول والمشارب والملابس والكلام والمسائل النازلة التي لا عهد بها في الزمان الأول- زمان الصحابة- بدعة. وهذا تشنيع، فإن من العوائد ما تختلف بحسب الأزمان والأمكنة والأمر، فيكون كل من خالف العرب الذين أدركوا الصحابة واعتادوا مثل عوائدهم غير متبعين لهم، وهذا من المستنكرات جدا". من هنا يلح الشاطبي على التمييز بين البدع في العبادات والأمور المتعبد بها، والبدع التي تتعلق بالأمور التي تجري مجرى العاديات أي التي تقتضيها الحياة الاجتماعية وتطورها. فكل ما لا يؤدي إلى ترك عبادة من العبادات التي نص عليها القرآن والسنة ولا إلى إحداث عبادة لم ينص الشرع عليها فليس "بدعة"، بالمعنى المذموم للكلمة"، بل قد يكون بدعة حسنة إذا كانت فيه مصلحة.

المصدر وجهات

صقر الخالدية
29/07/2004, 08:45 PM
مصر المغيبة عمدا عن الفضائيات العربية: التغيير في مصر بحاجة إلي مساندة فضائية
2004/07/29


هويدا طه

لم تعد الفضائيات مجرد قنوات تليفزيونية تعرض برامج التسلية أو المسلسلات أو الإعلانات، كما كانت المحطات التليفزيونية في العقود السابقة، بل صارت لاعبا رئيسيا فاعلا ـ ليس فقط في صناعة الرأي العام ـ بل حتي في صناعة الأحداث وتوجيه قوي المجتمع للقبول بفكرة ما أو النفور من فكرة أخري، وصارت أداة هامة في يد القوي السياسية تسوق بها المجتمعات نحو القبول بمشروع ما أو التمرد علي مشروع آخر، سياسيا كان أو ثقافيا، مستقبليا كان أو ماضويا أو غير ذلك، وهذا الدور الخطير للفضائيات سواء عالميا أو علي المستوي العربي، تجلي بأوضح صوره منذ أحداث الثلاثاء الأميركي الشهير صباح الحادي عشر من سبتمبر عام ألفين وواحد، ذلك اليوم الذي انقسم العالم فيه ـ علي إثر انفجار الطائرات والأبراج والبشر ـ إلي (فسطاطين) يضمان الإيمان في أحدهما والكفر في الآخر، بتعبير أسامة بن لادن، أو (محورين) يضمان الشر في أحدهما والخير في الآخر، بتعبير جورج بوش، تمكنت كل فضائيات العالم حينها وحتي اللحظة وبكل اللغات من حشد الناس أمامها، وعكست نفس المشروع الثنائي البغيض علي كل سكان الكوكب، وتبدت قدرتها الفائقة علي توجيه الناس نحو ما تريد ـ أو يريد ممولوها ـ سواء علي مستوي التفاصيل، أو علي مستوي العناوين الكبري للأحداث والأسماء المدوية للشخصيات التي تحركها، وفي عالمنا العربي تأثر العرب جميعا بهذا التوجيه الخفي أحيانا والواضح الجلي أحيانا أخري، ظهر ذلك أثناء انتفاضة الفلسطينيين في أيامها الأولي، كما ظهر في استجابة المواطن العربي لحالة العراق تبعا لما يعرض في مختلف البرامج ـ وخاصة الإخبارية منها ـ، لكن الملاحظ أن الفضائيات العربية التي تباينت مواقفها تجاه مختلف القضايا في رسالتها إلي مشاهديها (حسب أهداف مموليها) ، اجتمعت كلها ـ تقريبا ـ علي (التحفظ) في مقاربة (المسألة المصرية) أو الحالة المصرية، فالمواطن الفلسطيني والعراقي والليبي والسوداني واللبناني وحتي السعودي في الفترة الأخيرة، شاهد قضيته تنال حظها علي تلك الفضائيات، بما تتيحه من هامش يساعد علي (كشف) جوانب كثيرة في قضاياهم، لا يتاح في محطاتهم التليفزيونية المحلية التي تهيمن عليها النخبة المتحكمة، إلا المواطن المصري، هو فقط من ضمن المواطنين العرب (في الدول الرئيسية علي الأقل) من ظلت قضاياه (مخنوقة) علي شاشات التليفزيون، محليا أو فضائيا، بالطبع توجد استثناءات هنا وهناك تمر علي استحياء في مقاربة الحالة المصرية، تأتي علي لسان بعض المحللين وبتحفظ شديد، والمقصود بالحالة المصرية هنا هو حالة النظام السياسي وعلاقات مصر الخارجية، وقضايا المواطن المصري من تهديد يتعرض له نصيب مصر في مياه النيل إلي امتهان حقوق الإنسان إلي تدهور في كل نواحي الحياة وانتشار الفساد وحالة الأقباط المصريين وغير ذلك، وإذا كانت الدلائل تشير ـ خلال العقدين الأخيرين ـ تحديدا إلي أن (مصر ـ الدولة والنظام) ـ وليس مصر الكيان الحضاري الموغل في القدم ـ قد أصبحت هشة، وأن ضعفها أثر علي محيطها الإقليمي، إلي الدرجة التي يستشعر فيها الجميع أن (تغييرا حقيقيا) في مصر لن ينعكس عليها وحدها أو علي مواطنيها وحدهم بل علي كامل إقليمها، وأن (صناعة الرأي العام) التي تحترفها الفضائيات يجب أن تدخل إلي الساحة من أجل (كشف المستور) المصري أمام المواطن المصري أولا، وأمام المواطن في إقليمها المحيط ثانيا، فإن الفضائيات رغم ذلك تبدو وكأنها (تتحاشي) الخوض في الشأن المصري، بينما مزقت مثلا الشأن الليبي فحصا ورصدا وكشفا للمستور، لكن بعض المراقبين يرجعون تحفظ الفضائيات في تناول الشأن المصري إلي أن مصر دولة كبيرة، وأن مخابراتها وأصحاب القرار فيها متنفذون، إلي الحد الذي تحسب له الجهات المسئولة عن وضع سياسات الفضائيات ألف حساب، لكن ما وصلت إليه مصر في سنواتها الأخيرة من تدهور وترد حضاري سياسيا واقتصاديا وثقافيا ونفوذا، وتغير مراكز الثقل في المنطقة، ووصول الفضائيات العربية إلي تلك الدرجة من القدرة علي التأثير، كل ذلك يشير إلي أن الدولة الهشة في مصر لم تعد تخيف ذبابة خارجها، وأن أصحاب القرار فيها ترهلوا ولم تعد لهم أسنان وأنياب (إلا علي مواطنيهم) ، وأن قضايا المواطن المصري والشأن المصري برمته يجب أن يأخذ مساحته التي يستحقها علي الفضائيات، من تحليل جريء ونقاش موضوعي وعرض صريح لنقاط الضعف التي تعاني منها مصر علي أيدي هؤلاء الكهول المترهلين الذين يكتمون علي أنفاسها، فتكوين رأي عام ضاغط من أجل التغيير وليس الترقيع في مصر، هو شيء سيعود بالفائدة علي محيط مصر الإقليمي بكامله، وشواهد التاريخ تقول بأن منحنيات الصعود كما منحنيات الهبوط لتلك المنطقة كانت تبدأ من القاهرة في غالب الأحيان، لكن قياما جديدا لتلك القاهرة، يحتاج إلي حشد ودفع الناس في اتجاه الضغط من أجل التغيير وبدء مشروع إقليمي جديد، وذلك في (عصر الأقمار الصناعية) يحتاج إلي... مساندة فضائية!

المصدر القدس العربى

صقر الخالدية
29/07/2004, 09:07 PM
هل يستحق النُقّاد سهامَ المُروق؟

د. أحمد عبد الملك

ابتُليت بعض النظم الخليجية - في سني تشكُّلها- بعد إنهاء التعاقدات الانتدابية مع الحكومة البريطانية بثقافة المديح والتستر على أخطاء وسلوكيات مُنفذي السياسات على كافة المستويات.
وتزامن زرع هذه الثقافة في العقول مع بروز الصحافة والإذاعة والتلفزيون كأجندة "تبشيرية" لنعماء الدولة، وحرصها على كيان الإنسان واكتماله بكونه "أهم" و"أغلى" الثروات كما يتم التصريح بذلك في العديد من المناسبات.
وخلال عقدي السبعينيات والثمانينيات تعلم جيل من مواطني دول المجلس في جامعات عربية وأجنبية، وتعلم ثقافة الرأي الآخر، وتدرب على حاسة التمييز والمقارنة. وعندما جاء هذا الجيل ليتسلم مهامه في مرافق الدولة المختلفة، فوجئ بوجود ثقافة التستر والمديح والإطراءات غير الملائمة في العديد من المرافق، وكان الإعلام أحد أهم دعائم هذا التوجه. حيث استجلب هذا الإعلام خبرات وُظّفت من أجل تسريخ تلك الثقافة، والتكتم على الهنات والأخطاء التي لابد وأن تُكشف حتى يتم علاجها.

اصطدم أفراد هذا الجيل مع الطابور الخامس في الصحافة والإعلام عموماً، ودارت معارك طاحنة بين الوطنيين الذين يحبون أوطانهم، ويريدون لها كل الخير والتقدم، ولكنهم ضد التستر والمديح والإطراءات التي تأتي في مناسبة أو من دون مناسبة، وبين الأقلام والألسن التي كانت تمارس الإعلام الدعائي الإعلاني والذي كانت فوائده وقتية، ناهيك عن مخاطره المستقبلية.

وكان من نتيجة هذا الصدام أن أحدث فجوة في التفكير بين بعض الحكومات والمواطنين من المؤهلين الذين يؤمنون بأن دور الإعلام يجب أن يكون مرهوناً بكشف الحقائق وتزويد الناس بها، والدفاع عن قضاياهم، ونقد الأداء العام للدولة نقداً عاقلاً بحيث يبرز صوت المصلحين والناجحين من منفذي السياسات العامة، إلى جانب نقد الفاشلين وتوضيح أسباب تدني خدمات إداراتهم ووزرائهم.

لم يرق لبعض الحكومات هذا التوجه، حيث رأت أنه يفتح عيون المواطنين على حقائق لابد وأن تكون مُغطاة!، وأن هذا التوجه يأتي حقداً وغيرة من الإعلاميين السابقين -الذين لا يرون في الأداء الحكومي إلا الجانب المضيء المُنير- وهم ينقلونه إلى صاحب القرار وكلهم ثقة بأنه سيعجب بذلك، وبالتالي يستحقون "نعماءه".

ولم يكن هنالك من بُدٌ سوى إقصاء المستنيرين الذين يحاولون رسم الطريق الصحيحة لاتجاهات الإعلام، وتحويلهم إلى كتبة أو متقاعدين يلوذون بصمتهم وهزّ رؤوسهم جراء ما يحدث في الوسط الإعلامي، وبعضهم تم إيقافه رسمياً عن الكتابة وحظر نشاطاته والتكتم على إبداعاته.

لذلك استمر النهج الكاذب في العديد من المؤسسات، وصار أنصاف المتعلمين متحدثين رسميين باسم التطوير والنهضة، وزادت جرعات "الإعلان" في الإعلام، وساد التكتم على الممارسات الشخصية في الإدارات العامة.

ومما زاد الطين بلة، أن الأداء العام - حتى في مرافق الإعلام- أصابه الذبول، وانحاز عن الطريق المعروفة، فكان أن ظهرت ممارسات "غبية" وغير عاقلة في الصحافة أو الإذاعة والتلفزيون، وكان يُحظر نشرُ المخالفات حتى لا "يزعل" أو يغضب صاحب القرار. ونشأ بالتالي جيلٌ جديد من المخالفين لأبسط قواعد العمل الإعلامي.

بعد تحديث الدولة -أي دولة- وبعد الانفتاح الإعلامي المتمثل في الفضائيات وشبكة الإنترنت، تنبه أصحاب القرار إلى حقيقة المسيرة الإعلامية، وأن السياسات السابقة لم تكن في المسار الصحيح، وأن التصفيق والتهليل والمبالغة في كتم الأخطاء ليست من ملامح العصر الحضارية! فكان أن لجأت بعض الحكومات إلى دعم الإعلام الخارجي كمؤشر للدلالة على تحضرها وتخلصها من الإعلام الإعلاني المحلي، وحورت بعض مفاهيم ومسارات الإعلام المحلي نحو مزيد من الحرية وإبداء الرأي، ووسعت مساحات النقد ولكن بصورة مقننة. وكان من نبيل ما صنعت بعض الحكومات أنها فتحت الإذاعة المحلية كمتنفس للمواطنين للتعبير عن همومهم والمشاكل التي تختص بحياتهم اليومية، فصارت بعض المنابر الإعلامية جهات رقابية على الأداء العام وهذا يسجل ضمن التوجهات الإيجابية للإعلام. ولقد ساهم هذا الانفتاح - مع نسبيته- في كشف العديد من الممارسات الخاطئة، بل وحفز العاملين في الإدارات المتصلة بالشأن العام على توخي الحذر وعدم السقوط في الأخطاء.

ومع أن هذا التوجه له فوائده المتعددة، إلا أن الإعلام نفسه بدأ يعاني الترهل نتيجة سيادة فكرة المسؤول الأوحد، والرؤية الضيقة لبعض منفذي السياسات الذين خدمتهم الظروف للبقاء طويلاً في مناصبهم تماماً كما خدمهم التاريخ وساندتهم الجغرافيا، ولربما "الصدف" البيولوجية.

فنحن نسمع عن منع الصحافة - في بعض الدول- من نقد برامج الإذاعة والتلفزيون، وحظر تناول أخطاء الصحافيين والمذيعين، وإن كانت هذه الأخطاء فادحة!. بل ونسمع عن توظيف صحافيين في الإذاعة والتلفزيون للترويج والتهليل لمسؤولي الجهازين ونشر صورهم وإن كانت للدعاية وليست للخبر. بل ووصل الأمر إلى الترويج لبرامج ساقطة بكل المعايير الفنية والموضوعية، وإلى خيانة أمانة الكلمة بالترويج لبعض المؤلفات التي لا تصل في حقيقتها إلى درجة التأليف، كونها جمعاً لصور وأفكار قديمة مكررة، ومنع نقد مثل هذه المؤلفات التي تخدش حياء العلم وتشوه رصانته.

وهكذا، واجهت الدول حقيقة مسايرة الإعلام الاستعراضي الـ"Show"، والإعلان عن إبداعات ضحلة لا ترقى إلى مستوى الإبداع، وسكتت عن ممارسات خاطئة وتجارب في المتلقين سواء في الإعلام الرسمي المتمثل في الإذاعة والتلفزيون، أم في الصحافة، والتي أصبحت شغل من لا شغل له.

وظهرت بين الحين والآخر ممارسات صحافية شاذة لا يسندها علمٌ أو أصول، ما لبثت أن تلاشت، ذلك أنها لم تستند على قاعدة صلبة من البشر أو الإمكانيات.

يحدث كل ذلك في ظل غياب النقد، وعدم قدرة منفذي السياسات على التوجيه السليم، ذلك أنهم قد يئسوا أو ملّوا التوجيه، وأن العمل سوف يستمر وأن سُنة الحياة هكذا، أو قد يكونون استمرأوا التدجين، واستلذوا الممارسات الخاطئة، فصارت صحيحة في أعرافهم. وطالما أن "المسؤول راضٍ" فلماذا الموظف يشقى ويتألم!

وفي ظل هذه الممارسات وُجهت "سهام المروق" إلى النخب المستنيرة، وتم اتهامهم بالحقد أو الغيرة أو "المشاكسة"، وبالتالي كان لابد من إقصائهم، وإراحة المسؤول من "تخرّصاتهم".

فهل يمكن أن يحدث هذا التوجه في ظل دول تسعى إلى الديمقراطية ونشر حرية الرأي، وحق المواطن في التعبير عن آرائه؟ وهل يمكن أن تتطور المسيرة الثقافية والإعلامية والفنية دون حركة نقدية عاقلة، تضع الأمور في نصابها، وتوجه صغار الإعلاميين وصغار الكتّاب إلى الطرق الآمنة الناجحة، بدلاً من تجاربهم الطفلة والمشوهة في المتلقين؟

إن منطقة الخليج المقبلة على انفتاحات جديدة، وحياة برلمانية، ورؤى تحديثية، بحاجة اليوم إلى حركة نقدية صادقة ليس فقط في مجال الإبداع، بل في جميع المجالات. ولا يدعم مسيرة التنمية ويُصحح مساراتها إلا النقد العاقل الصادق الصادر من أبناء البلاد المخلصين.

نحن نعتقد أن الاستماع إلى آراء المُنتقدين للسياسات العامة ظاهرة حضارية وليست "مثلبة" إدارية، وأن تعدد الآراء هو الطريق الأقرب إلى الديمقراطية الحقيقية، كما أن "خداع" الشعوب بسراب حرية التعبير، في الوقت الذي نسمح فيه لـ"الكتبة" بممارسة الدجل والتخريف ونقل صورة غير حقيقية عن واقعنا - في جميع المجالات- لهو اجتراء على الأمانة التي تحتمها وتنص عليها الدساتير والقوانين التي تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم.

لابد أن تتغير النظرة السطحية السابقة للناقد، أو المنتقد للسياسات الخاطئة، ولابد من وجود نقاط التقاء ومحبة واحترام بينه وبين منفذي السياسات العامة. ولابد أن تزول "الجفوة" التي زُرعت في أرض الخليج بين المستنيرين والسلطة. وأن الناقد المُحب لاكتمال ونضج بناء بلاده الحضاري لا يكون مشاكساً، وإن أغضب قلة المنافقين المتحلقين حول الكعكة اللذيذة المصدر وجهات

صقر الخالدية
31/07/2004, 08:35 PM
ا



لنصافح ونلتصق بـ (عالم إنساني) أوسع من (العالم الإسلامي)

زين العابدين الركابي

(عالمنا الإنساني العظيم): ما أوسعه، وما أكثر الضمائر الحية النزيهة والعقول الحصيفة فيه.. وعالم هذه صفاته وخصائصه: يستوجب: اعادة تصوره ـ كما هو لا كما يشتهي المتصور ـ، واعادة تقديره وتثمينه، وتوثيق الصلة به، بصرف النظر عما يعتقده من أديان ومذاهب مختلفة، وما يموج به من ثقافات وأعراف شتى، وما يتوطنه من اماكن وبيئات.. عالم انساني حي ورحب وواعد: ليس ينبغي ان يشغلنا عن الالتصاق الدائم به، والتعرف المتجدد عليه، والتآلف الحميم معه: اولئك (المتحجرون) الذين يريدون ان يضغطونا في (جحورهم) المتناهية العتمة والضيق من امثال: غلاة المسلمين واليهود والمحافظين الجدد الذين لا يرون البشرية: الهائلة العدد، والمتنوعة المناهج والثقافات، والمتعددة البيئات إلا من خلال أيديولوجياتهم التي لا تمتد رؤيتها إلا الى مساحة شبر او اقل من ذلك.. ومثل هؤلاء كمثل أميّ في أشد القرى تخلفا: يقيس العالم كله بما في قريته من ظلام وركود واهتمامات التعصب بسبب الماعز!!.. ولئن كان العالم الانساني العظيم: حقيقة يلزم الجهر بها في كل حين من اجل ايجاد (وعي انساني كوكبي): ينقض وينفي الوعي المحدود المكدود والضيق المتحجر، فإن من ارجى واجمل مناخات الجهر بهذه الحقيقة: اتخاذ المناسبات النفسية والزمنية والموضوعية (مدخلا) لذلك. فما المناسبة النفسية والزمنية والموضوعية لترسيخ حقيقة: اننا نعيش في عالم انساني عظيم: فيه من الضمائر النزيهة، والعقول الحصيفة ما فيه؟
هما مناسبتان:
الاولى: الحكم الذي اصدرته محكمة العدل الدولية ببطلان (الجدار) الذي اقامته اسرائيل في الارض الفلسطينية المحتلة.
أما المناسبة الاخرى فهي: تأييد الجمعية العامة للامم المتحدة لقرار المحكمة الدولية.
إن في هذين الموقفين (مضامين انسانية): ليس من نزاهة الضمير، ولا رشد العقل، ولا ميزان العدل: ان توصف بأقل من (رائعة)، بل بأقل من (سامية): جد سامية.
اولا: مضمون النسبة العددية.. ففي محكمة العدل الدولية، كان هؤلاء خمسة عشر قاضيا، وقف اربعة عشر قاضيا منهم مع قرار بطلان الجدار الصهيوني (القاضي الوحيد الذي صوت ضد القرار هو القاضي الامريكي الصهيوني: بورجنتال) والمعنى الحسابي هو: ان 94 % من اصوات القضاة كانوا مع ازالة الجدار، وان الصوت النشاز لا يمثل إلا 6 % تقريبا.. والحقيقة المستخلصة من هذه النسبة العددية: ان (الصوت الانساني) النزيه كان اعلى واقوى واوسع من الصوت الايديولوجي الخفيض الضعيف المحدود.. وهذا مضمون انساني ينبغي ان يكون مصدر فخر لكل انسان بصفته: يتعزز هذا المضمون الانساني العددي: بمضمون آخر: معنوي وهو: ان هؤلاء الذين حكموا بالحق والعدل في محكمة العدل الدولية: اغلبيتهم الساحقة غير مسلمين، بل هي اغلبية تنتمي الى حضارات وأديان اخرى عديدة.. وهذا المضمون الانساني المعنوي مركوز في النظام الاساس لمحكمة العدل الدولية، اذ تنص المادة 9 من هذا النظام على انه «ينبغي للهيئة في جملتها ان يكفل تأليفها تمثيل المدنيات الكبرى والنظم القانونية الرئيسية في العالم».
ثانيا: مضمون النسبة العددية في الجمعية العامة للامم المتحدة. فقد صوت لصالح قرار هدم الجدار الصهيوني ـ المقام على الارض الفلسطينية المحتلة ـ 150 دولة.. وهذا العدد الضخم من الدول يمثل اكثر من 75 % من اعضاء الجمعية العامة للامم المتحدة.. ولقد صوتت هذه الكثرة الكبرى لصالح القرار العادل بحرية واستقلال ونزاهة. فلم يضغط عليها أحد في العالم العربي الاسلامي، اذ هو عالم اضعف من ان يضغط.. ولم يغر احد: هذه الكثرة العظمى، بالمال.. فالمال العربي الاسلامي سخر ـ في مجمله ـ لغير هذه القضايا!!، ثم إن الدول التي صوتت لصالح القرار تمثل العالم كله تقريبا: بقاراته وشعوبه وأديانه وحضاراته كافة: آسيا، وافريقيا، وامريكا اللاتينية، واوروبا: الكاثوليك، والارثوذكس، والبروتستانت، والبوذيون، والهندوس، والكنفوشيوس الخ.. البيض والسود والصفر.. وهذا مضمون انساني: أوضح وأقوى من أن يماري فيه احد، وهو مضمون يقوض ـ عمليا ـ: (نظرية صراع الحضارات): المشبعة بالتعصب الايديولوجي الذي يجعل الكوكب الارضي: أضيق من أن يتسع للناس أجمعين: مسلمهم ومسيحهم.. مؤمنهم وكافرهم.. أبيضهم وأسودهم.. غنيهم وفقيرهم.. متعلمهم وجاهلهم.. وكأن الله لم يقل «والارض وضعها للانام»: اي لجميع بني آدم؟!
نعم.. من الطوباوية أو الخيال المفرط: تصور العالم في صورة ملائكية خالصة، فهو في الحقيقة لم يزل عالما بشريا، لا ملائكيا. لكن المقابل لنفي الملائكية ليس اثبات الصورة القبيحة الشريرة للعالم الانساني كله. فحين تصورت الملائكة هذه الصورة عند خلق آدم، قال الله لهم: «إني اعلم ما لا تعلمون».. ومن معاني هذا النص: ان في البشر سوءا، ولكن سيكون منهم الانبياء والمرسلون والصالحون والمصلحون والعلماء المبدعون الذين يسخرون ما خلقه الله للتسخير والنفع، وفيهم باذلو الخير والمعروف وذوو الضمائر: الذين يحبون الحق وبه يعدلون.
اننا من هذا المنبر نرفع أصواتنا بالدعوة الصريحة الى (إحياء كل ما هو انساني) في عالمنا هذا، والى اقامة العلاقات على اساسه وفي ضوئه.
وهذه الدعوة تقتضي منا نحن المسلمين:
اولا: الوصف الموضوعي الصدوق لواقع العالم الانساني. فصفة الاسلام ليست تفويضا للمسلم بأن يقول في العالم بغير علم، او ان يغمس هواه في وصفه وتصويره. بل يتعين وصف العالم كما هو ـ بالضبط ـ.. وعلى سبيل المثال وصف القرآن قوما غير مسلمين بأنهم اولو بأس شديد: «ستدعون الى قوم اولي بأس شديد». ولم يوهن من حقيقة قوتهم بحسبانهم غير مسلمين!! ووصف قوما غير مسلمين بالامانة: «ومن أهل الكتاب من ان تأمنه بقنطار يؤده اليك».. ولقد تعلم المسلم هذا المنهج الموضوعي من القرآن: مثال ذلك ان عمرو بن العاص وصف اخلاق الروم في عصره فقال: «ان فيهم لخصالا اربعا: انهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين وضعيف. وخامسة جميلة: وأمنعهم من ظلم الحكام».
ثانيا: تمثُّل قواعد اساسية في المنهج واعمالها دون ابطاء، وهي قواعد توجب العلاقة الممتازة الجميلة الدافئة مع الناس اجمعين من حيث هم (ناس).. ومن هذه القواعد:
1 ـ قاعدة (وحدة الاسرة الانسانية)..: «وهو الذي انشأكم من نفس واحدة».
2 ـ وقاعدة (الكرامة الانسانية العامة المكفولة لكل انسان) بصفته: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا».
3 ـ وقاعدة (التعارف الانساني) المطلق المفتوح الدائم: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا».
4 ـ وقاعدة (تعددية المناهج والنظم)..: «لكلٍ جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة».
اي (انسانية) دافئة ماتعة مستنيرة أكثر من هذه؟.. اسرة انسانية واحدة + أسرة كريمة + أسرة متعارفة + أسرة متنوعة الخيارات في الشرائع والنظم؟
ونسأل: ترليون سؤال: لماذا حشر المسلمون أنفسهم في مثل جحر الضب مع أن من أجمل مقاصد دينهم، ومن اوضح عزائمه: فتح الآفاق الانسانية أمامهم: بشرا وبيئات وثقافات. ذلك أن من المرجعيات الثقافية للمسلمين ـ مثلا ـ اعراف البيئات المختلفة، وثقافات الأمم الأخرى، والمعلومات العلمية عن الانسان والكونيات، والاجتهادات المتنوعة في المشكلات والقضايا العالمية المتعلقة بالبيئة والتجارة والامن والسلام.. ألم يحتضن نبي الاسلام ثقافة اجتماعية من فارس والروم، ويعتمد عرفا دوليا في ختم الرسائل الرسمية بخاتم؟
***********************************************






لله (رب الناس) جميعا.. وآدم أبوهم.. والكوكب (صالونهم المشترك)



زين العابدين الركابي



هذا المقال: مدٌّ وتمام لمقال الأسبوع الماضي:

بسط بعد اختزال، واشباع بعد الماع، واستئناف لسياق من عند نقطة التوقف:
1 ـ من الاسس اليقينية الراسخة في المنهج:
ان الله (رب الناس اجمعين):
«الله ربكم ورب آبائكم الأولين».. «الله ربنا وربكم».. «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا».. ويخطئ، بل يضل من يظن أو يعتقد: ان الله هو (رب المسلمين) وحدهم!! لأنه سبحانه «رب الناس. ملك الناس. إله الناس».. وكلمة (الناس) تنتظم ـ بلا ريب ـ: مؤمن الناس وكافرهم، خالص التوحيد وعابد الوثن، تقي الناس وفاجرهم.. هذه حقيقة ينبني عليها: فهم وسلوك.. أما الفهم فهو: ان الله قد اعتبر الوجود الانساني ـ من حيث هو، اي بلا اضافة كسبية ـ : اعتبره خلقا مبدئيا، واستمرارا متتابعا. وليس من حق احد ـ كائنا من كان ـ: ان يلغي هذا الاعتبار الالهي بأية حجة: دينية كانت أم سياسية أم عنصرية.. وأما السلوك فهو: التعامل السوي مع الوجود الانساني ـ المعتبر إلهيا ـ : تعاملا قائما على العدل والقسط والخلق، مهما اختلفت العقائد، وتضادت الملل.
2 ـ وهؤلاء (الناس) ـ الذين خلقهم الله وتعهدهم بأسباب الحياة كافة ـ: هم (عائلة واحدة): يتحدرون من أب واحد هو آدم عليه السلام، فهم ـ من ثم ـ عائلة واحدة في الآدمية الكريمة: «ولقد كرمنا بني آدم».. وعائلة واحدة في الجبلة البشرية: «ومن آياته ان خلقكم من تراب ثم اذا انتم بشر تنتشرون».. وعائلة واحدة في وصف الانسان المستعد للتعليم: «اقرأ وربك الاكرم، الذي علم بالقلم. علم الانسان ما لم يعلم».. وعائلة واحدة في صفة (الناس) المعصومي الحياة والدماء: «من قتل نفسا بغير نفس او فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا ومن احياها فكأنما أحيا الناس جميعا».
3 ـ وهؤلاء الناس: المخلوقون لرب واحد، والمنتمون الى أب او جد واحد: يحيون في (صالون) واحد وسيع مشترك: مفروش وطيّع ومعمور، وهو كوكب الارض.
أ ـ هو صالون مفروش: «والارض فرشناها فنعم الماهدون».
ب ـ وهو صالون طيّع ومهيأ: «هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه واليه النشور».
ج ـ وهو صالون معمور: «هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها».
4 ـ رب واحد. وبشرية واحدة. وصالون واحد. نعم. ولكن على الرغم من ذلك، فإن الناس على هذا الكوكب (وهم الآن اكثر من ستة مليارات انسان): ليسوا متحدين في كل شيء. بل هم مختلفون جدا.. وهذا الاختلاف نفضل ان نسميه (التعددية الكونية) التي هي من اظهر وارسخ الوجود الانساني، والتي لا يستطيع احد ان ينفيها، ولا ان يلغيها:
اولا: تعددية (الشعوب والقوميات): «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا».
ثانيا: تعددية (الألسنة والالوان) البشرية: «ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين».
ثالثا: تعددية العقائد والملل:
1 ـ «ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين».. ومن مفاهيم الآية: ان الله لم يشأ هذا. وما كان لبشر ان يعارض مشيئة الله، مهما كانت نيته ومقصده.
2 ـ «وان كان كبر عليك اعراضهم فإن استطعت ان تبتغي نفقا في الارض او سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين».. ومن منطوق الآية ومفهومها: ان جمع الناس على الهدى أمر مستحيل، وانه لمن الجهالة: التعلق بمستحيل.
3 ـ «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين. إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم».. يقول القرطبي في تفسير هذه الآية لجعلهم: «على ملة الاسلام وحدها» ولا يزالون مختلفين، اي على اديان شتى. ولذلك خلقهم، اي وللاختلاف خلقهم.. ويقول ابن كثير: «اي ولا يزال الخلف بين الناس في اديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم».
رابعا: تعددية المناهج والشرائع: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا».
نحن امام مشهد او (لوحة بشرية) ضخمة جدا: متعددة القسمات والالوان.. هذه حقيقة لا ينكرها إلا مريض بعمى الالوان، او مجنون لا يفهم ولا يعقل.. والحقيقة الاخرى الملازمة لتلك، هي: ان هذا الاختلاف البشري الدائم والواسع النطاق، انما هو (جَعْل كوني)، اي سنة كونية إلهية: من الحمق محاولة الغائها. كما انه من الحمق: محاولة الغاء سنة الجعل الكوني في الليل والنهار ـ مثلا ـ: «وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا».. ان الازمة ليست في وجود الاعراق والقوميات، بل في عدم الاعتراف بوجودها، وفي تفضيل قومية على اخرى: تعصبا وحمية وجاهلية. ولما كان هذا السلوك شاذا عن السنن الكونية فقد ترتبت عليه صراعات عاتية: احلت الاحتراب بين القوميات محل (التعارف) الذي اراده الله وهدى اليه.. مثلا: حين زادت جرعة العروبة في العهد الاموي: استثيرت القوميات الاخرى ـ بحسب ذلك ـ كرد فعل. واذا كان لا بد من مثل معاصر، فإنه باسم العروبة استثير الاكراد.. والخيار العاقل الراشد المتحضر: ليس في افعال قومية نزقة، تقابل بردود فعل قومية نزقة ايضا. وانما الخيار العاقل الراقي في العودة المستنيرة الى استصحاب السنن الكونية في (الانسانيات المشتركة) التي اصلها منهج الاسلام، وحفز على التحقق بها.
فبناء على حقيقة التعددية القومية، والتعددية الدينية، منع الاسلام الغاء القوميات والاديان الاخرى بمانعين قويين مطردين:
المانع الاول: ألا تعلو قومية على اخرى: تفاخرا وصلفا.. وعلام التفاخر، وأصل النشأة واحد ؟! ثم ان معيار التفاضل بين الناس: كسبي لا جدلي. وهذا الكسب متاح لكل قوم وهو: الايمان، والعلم، والعمل الصالح، والخلق الرفيع.
المانع الثاني هو: ان الاسلام قد منع: تذويب الوجود الديني المخالف: بالاكراه: «لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي».. «فذكر انما انت مذكر لست عليهم بمسيطر».. فالمسلمون منهيون عن تذويب اهل العقائد الاخرى بالقهر والجبر: «وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد».. وادعاء نسخ (الجبرية) يوقع في اشكال عسر وهو: ان النبي جبار!! وهذا مناقض لمنهج القرآن العلمي، ولسيرة النبي العملية.. ومن (الانسانيات) المتألقة ـ ها هنا ـ : ان الاكراه مصادرة كريهة لكرامة الانسان، وحقه الثابت ابدا في الاختيار. لذا فإن منهج الاسلام حين يرفض الاكراه ـ بإطلاق ـ انما يهتف ـ في الوقت نفسه ـ بحرية الانسان وحقه في الاختيار الحر: للدين او الزوج او العمل.. الخ.
ان الاسلام (دين انساني): المضمون والموضوع والمقاصد.. بيد ان من المسلمين من يقول بلسانه: ان الاسلام دين عالمي (وهو كذلك بمقتضى انسانيته الرحبة). ولكن هذا النفر يفكر في العالم بطريقة اضيق من قروية: طريقة تشبه طريقة ذلك الاعرابي الذي دعا فقال: اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم احدا غيرنا!!. فقال له النبي «لقد حجرت واسعا»، اي ضيقت رحمة الله التي وسعت كل انسان، ووسعت كل شيء، ولا ندري: ماذا يضير ذلك الاعرابي، لو رحم الله الخلق كلهم؟!
والخلاصة: انه ينبغي: احداث (نفضة كبرى) في احساس المسلمين ومفاهيمهم حتى يحسوا ويفهموا ـ مثلا ـ:
1 ـ ان قول النبي «وخالق الناس بخلق حسن» المقصود به جميع الناس، لا اهل القبلة فحسب.
2 ـ ان في الكون سننا لا علاقة لها بايمان وكفران، اذ ان التعامل معها (انساني محض) اي مشروط بفهم الناس ـ اي ناس ـ لقوانينها. فمن اجاد التعامل معها: تفوق وان كان غير مسلم، ومن جهلها ظل متخلفا في الكونيات، وان صلى وصام وقال انه مسلم.
3 ـ ان هناك اعمالا تقدر لبواعثها الانسانية المجردة.. ومن ذلك: ان العذاب خفف على ابي طالب عم النبي بسبب موقفه الانساني في حماية ابن اخيه.. وان النبي تمنى تكريم المطعم بن عدي ـ وقد مات على الشرك ـ بسبب موقفه الانساني النبيل في نقض وثيقة المقاطعة، ودخول النبي في جواره : مقدمه من الطائف.

الشرق الاوسط

صقر الخالدية
03/08/2004, 08:13 PM
فكرة عن الإصلاح... في حاجة إلى إصلاح!

د. محمد عابد الجابري


ثمة مفارقة خطيرة في المرجعية التراثية، بين الصورة التي يقدمها عنها الرواة والدعاة منذ أن بدأ تدوين "العلم" (والمقصود الحديث) في العصر العباسي الأول من جهة، وبين الصورة التي وظفها ويعمل على توظيفها، منذ بدء اليقظة العربية الحديثة إلى اليوم، ما يطلق عليه اصطلاحاً اسم "التيار السلفي في الفكر العربي"، من جهة أخرى! وفضلا عن أن هذه المفارقة تضع موضع السؤال مجمل الموروث الديني الذي يتناول القضايا السياسية في الإسلام، فإنها تطرح تناقضاً حاداً يهز الفكر والوجدان عندما يتعلق الأمر بموضوع "الإصلاح".
ذلك أن فكرة "الإصلاح" في الفكر السلفي الحديث، سواء تعلق الأمر بسلفية محمد بن عبدالوهاب أو بسلفية جمال الدين الأفغاني أو سلفية محمد عبده أو بأي تيار سلفي آخر قديم أو حديث أو معاصر، تنبني وتتأسس على مضمون تلك المقولة التي تنسب إلى الإمام مالك، والتي جاء فيها: "لا يُصلِح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". لا يهمنا هنا أن نتساءل: كم كان مدى النجاح الذي حققته الدعوات السلفية التي اعتمدت هذه المقولة مبدءاً ومنطلقاً، فقد نجد في ترهُّـل العالم الإسلامي وتمزقه وتكالب الدول الاستعمارية عليه ما يبرر عدم بلوغها أهدافها كاملة، وإنما يهمنا أن نتعرف على أفق تفكير أولئك الذين ندبوا أنفسهم لـ"تدوين العلم" في العصر العباسي الأول، أي بعد نحو قرن من وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فنتساءل: هل كانوا مشدودين إلى الأفق الرحب، أفق التفاؤل والثقة بالمستقبل، الذي فتحه الإسلام أمام معتنقيه لكونه جاء "ليخرج الناس من الظلمات إلى النور" وليجعل من أمة الإسلام "خير أمة أخرجت للناس"، أم أنهم كانوا بالعكس من ذلك قد فقدوا الأمل في أي إصلاح بسبب ما عاناه المسلمون من الفتن التي لم تهدأ منذ أن انطلقت شراراتها في أواخر عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، أي بعد ما لا يزيد عن عشرين سنة فقط بعد وفاة الرسول.

وبعبارة أخرى هل المحدثون والفقهاء في العصرين الأموي والعباسي كانوا يفكرون، كما يفكر السلفيون في العصر الحديث، في أن الإصلاح لابد أن يتحقق إذا تم الرجوع إلى "ما كان عليه السلف الصالح"، أم أنهم قد وقعوا في إحباط خطير جعلهم يرون رأي العين أن المستقبل محكوم عليه بالفساد والإفساد والتدهور والانحطاط؟!

الواقع أننا إذا تفحصنا المرجعية التراثية فإننا لا نجد في ذلك الزمان ما يشير –ولو إشارة بسيطة- إلى رضا الناس بالحاضر ولا إلى تفاؤلهم بالمستقبل. لقد كانت النظرة التشاؤمية سائدة ومهيمنة على والفكر والوجدان، وذلك إلى درجة توحي بأن فكرة "الإصلاح" لم تكن من المفكر فيه قط. أما تلك القولة التي فاه بها الإمام مالك والتي ذكرناها قبل ("لا يُصلِح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها") فلم تتردد لها أصداء في مرجعيتنا التراثية، وما كان يمكن أن تتردد لها أصداء وهي قد قيلت في مجال محدود جداً كما سنرى بعد. هذا في حين أن الأصداء، كل الأصداء، كانت تأتي من أقوال أخرى تروى في صورة أحاديث نبوية، مدعومة بالإسناد، وبعضها –إن لم يكن كلها- مذكور في الصحيحين، صحيح البخاري وصحيح مسلم. ومن هذه الأحاديث التي تعكس الإحباط وتكرسه تكريسا ما يلي:

1- حديث الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً:

نقرأ في البخاري ومسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"بَدَأَ الإِسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً. فَطُوبىٰ لِلْغُرَبَاءِ". وفي مسند ابن حنبل جاء نص الحديث مطولا هكذا:"بدأ الإسلام غريباً ثم يعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله ومَنْ الغرباءُ؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس، والذي نفسي بيده ليَنْحازَنَّ الإيمانُ إلى المدينة كما يجوز السيل، والذي نفسي بيده ليأْرَزَنَّ (يتقلص) الإسلام إلى ما بين المسجدين كما تأرَزُ الحية إلى جحرها".

2- حديث "خير أمتي قرني" :

في البخاري أن الرسول عليه السلام قال:"خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" والمقصود بـ"قرني" هنا: زمني، عهدي. قَالَ الراوي:"فَلا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثًة"، ثم أورد بقية الحديث وهي قوله عليه السلام:"ثمَّ يأتي بَعْدَكُمْ قَوْم يَشْهَدُونَ وَلا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلا يَفُُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ". وقريباً من هذا المعنى الحديث الذي ذكره البيهقي في سننه، ونصه:"إن الله بَدَأَ هَذَا الأَمْرَ نبوةً ورحمةً، وكائِناً خلافَةً ورَحْمَةً، وكائِنَا مُلْكاً عَضُوضاً، وكَائِنَا عُتُوَّةً وجَبَرِيَّةً وفساداً فـي الأُمَّةِ، يَسْتَـحِلُّونَ الفُرُوجَ والـخمورَ والـحريرَ، ويَنْصُرُونَ علـى ذلِك، ويُرْزَقُونَ أبداً حَتَّـى يَلْقَوُا الله عَزَّ وَجَلَّ".

3- الخلافة ثلاثون سنة:

وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الْخِلافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكٌ بَعْدَ ذَلِكَ". قَالَ الراوي: أَمْسِكْ مدة خِلافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَخِلافَةَ عُمَرَ وَخِلافَةَ عُثْمَانَ وخِلافَةَ عَلِيٍّ، فالمجموع ثَلاثِينَ سَنَةً". وعندما سئل:"إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلافَةَ فِيهِمْ، قَالَ: كَذَبُ بَنُو الزَّرْقَاءِ بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ الْمُلُوكِ".

4- نقص الإسلام:

وفي سنن الدارمي ومسند ابن حنبل أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:"والذي نفسي بيده ليَخْرُجُنَّ من دين الله أفواجاً، كما دخلوا فيه أفواجاً". وعن الصحابي الكبير عبدالله بن مسعود "قال: أتدرون كيف ينقص الإسلام؟ قالوا: نعم، كما ينقص صبغ الثوب، وكما ينقص سمن الدابة". وفي هذا المعنى ينقل عنه أنه قال:"ليس عامٌ إلاَّ الذي بعده شرٌّ منه، لا أقول عامٌ أمطَرُ من عام، ولا أميرٌ خيرٌ من أمير، ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيُهدمُ الإسلام ويُثلَمُ".

5- كل عام ترذلون:

روى البخاري أن أنس بن مالك أتاه ناس وشكوا إليه ما يلاقونه من الحجاج بن يوسف وبطشه فقال:"اصبروا، فإنه لا يأتي عليكم زمان إلا الذي بعده شرٌّ منه، حتى تلقوا ربكم"، وأضاف:"سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم". ومن هذا الحديث صيغت العبارة الشائعة "كل عام ترذلون"... الخ.

من السهل أن يشكك الإنسان في صحة مثل هذه الأحاديث التي تشم فيها بوضوح رائحة السياسة. وبالنسبة لي شخصياً، فإن مثل هذه الأحاديث يجب وضعها بين قوسين، أعني تجنب أخذها بعين الاعتبار، لأن القرآن لا يشهد لها بالصحة، فاتجاه القرآن غيرٌ، واتجاهها هي غيرٌ! ومع ذلك فثمة حقيقة لا ينبغي إغفالها وهي أن هذه الأحاديث تعبر عن حالة الإحباط التي أصابت المسلمين بعد ما عانوه من "الفتنة الكبرى" وما شاهدوه منها وما سمعوه عنها. وقد بلغت حالة الإحباط هذه مبلغاً جعلهم لا يرون في الحاضر والمستقبل إلا المأساة، ولا يتبينون أي طريق لاستئناف المسيرة على طريق الإصلاح.

قد يعترض معترض بالحديث الذي صار مشهوراً في القرنين الأخيرين، حديث:"إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يجدد لهذه الأمة دينها". ومعلوم أن التجديد ينطوي على فكرة الإصلاح. غير أن منزلة هذا الحديث اليوم غير منزلته بالأمس. نحن نحتفي به اليوم، فنكثر من ذكره، وكلنا أمل في التجديد في الدين. أما في صدر الإسلام فالأمر على ما يبدو لم يكن كذلك. ومما يزكي هذا الانطباع أنه حديث مرفوع، رواه فرد واحد وانفرد بذكره مؤلف واحد من جامعي الحديث هو أبو داوود في سننه. لقد تجاهله جامعو الحديث وفي مقدمتهم البخاري ومسلم بينما أورد معظمهم وبألفاظ متنوعة عدداً كبيراً من أحاديث الإحباط كالتي ذكرنا.

يبقى بعد هذا قول الإمام مالك:"لا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" وهو القول الذي قلنا عنه قبل إنه "المبدأ والمنطلق" في الفكر السلفي الإصلاحي الحديث والمعاصر. والواقع أن توظيف هذه المقولة لتأسيس فكرة "الإصلاح" كما فعل ويفعل التيار السلفي في الفكر الإسلامي الحديث، ينطوي على تجاوز كبير. ذلك أن الإمام مالك لم يقصد، بقولته تلك، "الإصلاح" بهذا المعنى، بل قصد شيئاً أكثر تواضعاً. فقد ذُكر أن ناساً من أهل المدينة كانوا يقفون عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومهم من أسفارهم أو أيام الجمعة، "فيسلمون ويدْعون ساعة"، فسئل الإمام مالك في شأن ذلك فقال:"لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك".

المسألة كانت تتعلق بزيارة القبور، بما فيها قبر النبي. وهو شيء لم يكن يفعله أهل المدينة من قبل. وإذا كان في قولة الإمام مالك شيء من معنى "الإصلاح" فهو إصلاح السلوك الديني بالرجوع به إلى الأصل، والأصل في الدين الإسلامي هو تجنب التوجه بالدعاء لغير الله. وزيارة قبر النبي والدعاء فيه، هي من هذا المنظور، زيادة في الدين لا تجوز.

يتعلق الأمر إذن بنوع خاص من الإصلاح، هو ذلك الذي نهض له ابن تيمية وتابعه فيه محمد بن عبدالوهاب، وقوامه الرجوع إلى ما كان عليه "أول الأمة" من عدم زيارة القبور وما أشبه، مما يخدش في مفهوم التوحيد في الإسلام، ويذكّر بسلوك المشركين من العرب وغيرهم إزاء أصنامهم.

ذلك أيضاً هو المنطلق في إصلاحية جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وهو شيء يستوجب قولا مفصلا

المصدر وجهات

صقر الخالدية
04/08/2004, 11:51 PM
أزمة تداول السلطة في العالم العربي

د. برهان غليون


قد يبدو استمرار النخب الحاكمة لعقود طويلة دليلا على الاستقرار الذي تسعى إليه جميع الدول والحكومات من أجل خلق مناخ ملائم للتنمية وجذب الاستثمار. هذا صحيح عندما يتم التجديد للنخبة الحاكمة من خلال مسار طبيعي واستشارة شعبية واضحة. لكن الأمر يختلف عندما يكون الاستمرار في الحكم نتيجة الاستخدام القاسي للقوة أو التلاعب بالرأي العام، ومنع التعبير عن المصالح الاجتماعية الحقيقية. ففي هذه الحال لا ينبغي الحديث عن الاستقرار ولكن عن أزمة تداول السلطة أو أزمة التداول على السلطة. وتعبر الأزمة عن إخفاق النظام في القيام بوظائفه، والمقصود هنا وظائف التعبير عن التوازن الفعلي للمصالح الاجتماعية المتعددة، وتتجسد في الاختناق والانسداد وما ينجم عنهما من تفاقم للتوترات والتناقضات، واحتدام للصراعات العلنية أو الدفينة تحت سطح الاستقرار الشكلي. وبقدر ما يصبح العنف المقنع أو المعلن الوسيلة الوحيدة للخروج من أزمة لا تسمح الطرق القانونية بالخروج منها، يجنح جميع أطراف النظام إلى تطوير التقنيات والساحات الموازية وغير الشفافة للسياسة، والتي تعبر عن استمرار السياسة المحرمة سياسيا بوسائل أخرى غير طبيعية وغير سياسية وبالتالي غير عقلانية. ومن هذه التقنيات والساحات الموازية والأسواق السوداء لسياسة النزعات الطائفية والعشائرية والدينية. فهذه هي الطريق الوحيدة التي تستطيع القوى الاجتماعية من خلالها أن تفرض دورها، وتضمن حضورها السياسي، واستمرارها في عالم الصراع الدموي، من أجل الحفاظ على النفوذ والبقاء.

هكذا يحول الاستمرار في الحكم بالقوة أو استمرار حكم القوة الصراع الاجتماعي من صراع على تداول السلطة والمسؤولية إلى حرب مواقع ونفوذ داخل الفضاء الاجتماعي، يسعى من خلالها الطرف الحاكم إلى تأكيد حضوره في الميدان ليس عن طريق ما يحققه من إنجازات للمجتمع، فهذا ممتنع عليه بسبب انشغاله بالحرب، ولكن من خلال انتصاره على الخصم. وبالمثل لا تستطيع المعارضة أو القوى المحرومة أن تعبر عن نفسها وتتجاوز تهميشها إلا من خلال ما يمكن أن تسببه من مشاكل، وتحمله من تهديدات للنظام. وهو ما يمكن أن نلحظه أيضا في مستوى العلاقات الدولية التي تسيطر عليها اليوم القوة الأميركية تجاه الأطراف الأخرى المهمشة أو التي تريد تهميشها.

فبإثارته المشاكل أمام النظام يطمح الطرف المهمش والمنبوذ إلى تأمين مشاركته في الحياة العمومية حتى لو كان ذلك بوسائل غير صحية. وما يفعله "الأصوليون" تفعله الكثير من القوى الاجتماعية المنبوذة داخل المجتمع وعلى الصعيد الدولي بوسائل أخرى وللسبب ذاته. وهذا ما يقود إلى ما أسميه بحرب المواقع المستمرة في حياتنا السياسية. فلا وجود عموميا ممكنا ولا تأكيد للحضور والنفوذ وبالتالي مشاركة في الحياة العمومية إلا بالمقاومة السلبية، والحرب غير العلنية. ولا يستطيع أحد أن يفرض اعترافه في ساحة سياسية مغلقة ومحرمة إلا بقدر ما يظهر قدرته على خرق المحرمات، وكسر جدران العزلة والمنع. ولذلك تتحول السياسة أيضا إلى تراشق بالقذائف والشتائم والاتهامات والتخوين المتبادل. ويحل التناحر الدائم بين جميع القوى الواقفة بعضها للبعض الآخر بالمرصاد محل التعاون والتفاهم والحوار والتداول. وهذا ما يفسر ما نشهده في جميع الدول العربية من تنابذ وانعدام ثقة وصراع لا يرحم بين العلماء والأحزاب الحاكمة منها وغير الحاكمة والجيش وقوى الأمن والإدارة وغيرها من مراكز القوى السياسية والاقتصادية والثقافية التي تتكون في هذا النظام في وجه بعضها البعض، وتدخل في تنازع وتنافس عدائي يدفع بها إلى التفتت الدائم والانقسام.

وحرب المواقع هذه هي حرب التحييد المتبادل أيضا. فكل من لا يستطيع التعبير عن نفسه وتأكيد وجوده بوسائل إيجابية أي بالمشاركة في الإنجاز يسعى إلى تحقيق هدفه بمنع الآخر من الإنجاز، وسد السبل أمامه وإضعاف فرص نجاحه. هذا هو قانون أو منطق العمل في نظام احتكار السلطة العمومية وانعدام التداول الحر والسليم بها من قبل أطراف المجتمع المختلفة.

لكن حرب التحييد المتبادل لا تمثل رد الفعل الحتمي على انعدام تداول السلطة أو التعويض عنه فحسب، وإنما تؤسس أيضا لمنطق اقتسام الغنائم في الدولة، وتوزيع الموارد الوطنية على قاعدة ميزان القوة. فالذي يفرض نفسه بأي وسيلة كانت: قرابة عائلية أو قوة عسكرية أو مركز نفوذ داخلي أو خارجي، يؤهل نفسه بالضرورة للمشاركة في الغنيمة وتقاسم الثروة ويطمح عن جدارة في أن يحصل على نصيب من العقود و"الكمسيونات" والمنافع والكرامات يعادل قدرته على تهديد التوازنات الداخلية. ومن هنا يختفي مفهوم الفساد نفسه. فالحصول على المزايا الخاصة لا يبدو في وعي المرتشين ولا مستغلي النفوذ خرقا للقاعدة والعرف والأخلاق ولكنه كتكريس للقانون السائد وللعرف المقبول وللأخلاق "الخصوصية" "الوطنية".

وكل من يحصل على مزايا تبدو في الأحوال الطبيعية لا قانونية يعتبر أنه لم يحصل في الواقع إلا على حقه وأنه لو لم يأخذ هو الرشوة لأخذها خصمه ومنافسه. فهو لا يسيئ لأحد ولكنه نفع نفسه. والواقع أن سيطرة منطق توزيع الغنائم على حساب منطق التداول على السلطة كأساس للاعتراف بالأهلية بين قوى النخبة المتعددة، يعني في الوقت نفسه زوال الشعور بالمصالح العمومية، وفناء التفكير من وجهة نظر الارتقاء بشروط حياة المجتمعات كموضوع للسياسة والممارسة العمومية. وبالمقابل يبدو المعارضون الذين يذكرون بالمصلحة العمومية ويطالبون بنشر رؤية أشمل للمسائل السياسية والاقتصادية الوطنية وكأنهم هم الغشاشون والمخادعون الذين يخفون سعيهم لدخول ميدان تقاسم المنافع وراء شعارات أخلاقية ووطنية لا أساس لها من الواقع والحقيقة.

فمشكلة هؤلاء معروفة وبسيطة هي الانتفاع الشخصي أما صاحب المبادئ فهو يتطلع إلى السلطة، ويسعى إلى قسمة جديدة يخرج فيها القائمين ويحل محلهم. هكذا لا يعود الفساد ظاهرة خطيرة ولا شاذة ولا يظهر في عين صانعيه خروجا على المبادئ ولكن ممارسة طبيعية وتعبيرا عن الولاء والتوافق مع النظام ورفض المعارضة والمزاودة المبدئية.

فالنخبة الحاكمة لا تشجع على الفساد من خلال الرشوة التي تقدمها للموالين لها فحسب، ولكنها تدفع إلى استفحاله أيضا بضربها المستمر لأصحاب المبادئ وتحييدهم ومعاقبتهم. فهم بالنسبة إليها الخطر الفعلي لأنهم يظهرون بالضبط معارضة فعلية، حتى لو لم ينطقوا بكلمة واحدة، للأساس الذي يقوم عليه النظام ويبني عليه قاعدته الاجتماعية، أعني قاعدة تقاسم الغنائم والرشوة المنظمة المعممة.

والواقع أن مجتمعات التحييد المتبادل وتقاسم الغنائم هي الوجه المقابل للمجتمعات الفعلية التي لا تقوم ولا تستمر إلا بسبب خلقها شروطا أفضل لتبادل المنافع، وزيادة المكاسب القانونية والفكرية والسياسية والحضارية والاقتصادية للجميع. فهي إذن مجتمعات مضادة للاجتماع تماما كما نتحدث عن المادة وضد المادة. ولا يكسب فيها الأفراد شيئا، ولكنهم يخسرون جميعا لصالح فئة تقل عددا باستمرار من المسيطرين سيطرة متزايدة أيضا وعائلية أكثر فأكثر على مقدرات البلاد. ففي هذه المجتمعات يحل قانون التخويف المتبادل أي تبادل الأضرار والأذى محل قانون تبادل المنافع كأساس لبقاء الاجتماع والحفاظ على وحدة النظام. ففي الأصل يبعث اللقاء في إطار مجتمع واحد، وثقافة ودولة وتاريخ مشترك مشاعر تقارب وتراحم بين الناس، ويعمق التعاون والتضامن والتفاهم والثقة بين الأفراد. ويعمل هذا التعاون على تعظيم فرص كل واحد منهم في التقدم وتحسين الأحوال. ومن هنا يعتبر تبادل المنافع هو مبرر وجود المجتمعات وبقائها.

ومن الصعب تصور مخرج من هذا النظام أو أي تغيير له من دون تصور نشوء ديناميكية تنافس سياسي جديدة تزعزع استقرار منطق التوزيع القائم للغنائم والمكارم والمكاسب، وتفرض آلية جديدة لتداول السلطة السياسية وتوزيعها، من منطق المسؤولية الجماعية وتراكم الثروة والخبرة الوطنية. وهذا هو ما ترمي إليه النضالات الديمقراطية والعمل لتوسيع دائرة الحريات ونقل الصراع من الميدان الاقتصادي إلى الميدان السياسي والفكري. ففي البقاء في المستوى الاقتصادي وحده، سواء أتعلق الأمر باقتصاد السوق أو اقتصاد التخطيط، ليس هناك أي أمل في المس بمنطق نظام تقاسم المغانم وزعزعته.
المصدر وجهات

صقر الخالدية
06/08/2004, 04:02 PM
منع بث المنار في فرنسا: عدوي الخوف من الغزو الثقافي تنتقل من العرب إلي الفرنسيين!
2004/08/06


هويدا طه

فرنسا.. بلاد النور والملائكة، بلاد الثورة والحضارة والنهضة والثقافة، بلاد الحرية وحقوق الإنسان، هكذا تعاملنا نحن العرب مع فرنسا تاريخيا (الليبراليون منا علي وجه التحديد بالطبع)، حتي أن جدلا مستمرا يدور حول الموقف من حملة نابليون علي مصر في القرن التاسع عشر مازال مستمرا، هل نعتبر الحملة (استعمارا )أم (تنويرا)؟. فرنسا هذه، أم دعوات الحرية في العصر الحديث، انتقل إليها ـ وا أسفاه ـ فيروس ثقافي عربي الأصل والنشأة والمصطلح! فيروس (الخوف من الغزو الثقافي)!، فالمجلس الأعلي للإعلام المسموع والمرئي في فرنسا، طلب من الدولة وقف بث قناة المنار التابعة لحزب الله اللبناني عبر الأقمار الاصطناعية في فرنسا، وكعادة الأوروبيين، السبب العلني هو قانوني، فقد قال رئيس الوزراء الفرنسي إن بلاده ستجيز قانونا يفرض قيودا علي محطات التليفزيون التي لم توقع عقودا مع أي ٍ من دول الاتحاد الأوروبي، أما السبب الدافع فقد ظهر في تعبير رئيس الوزراء نفسه عندما قال: سنفرض قيودا علي محطات التليفزيون التي تبث برامج معادية للسامية من الشرق الأوسط ، كما قال دومينيك بودي رئيس المجلس الأعلي للإعلام الفرنسي إن: صورا وتصريحات تبثها محطات أجنبية في فرنسا عبر يوتيلسات لا تحتمل إطلاقا ، وقد قال ذلك تعليقا علي بث قناة المنار مسلسلا تاريخيا عن تاريخ إسرائيل، هو مسلسل الشتات الذي بثته القناة العام الماضي، وواجهت بسببه هجوما أوروبيا عنيفا، وأوقفت استراليا بث القناة فيها بسببه، هكذا إذن يتوجب علي وزراء ومسؤولي الإعلام العرب أن ينتشوا فرحا بتقليد فرنسا لهم! ويحق لهم أن يقولوا أنهم ليس هم وحدهم من يفرضون الوصاية علي عقول مواطنيهم الطيبين، خوفا عليهم من (الغزو الثقافي)، أما نحن وكالعادة، فإننا استقبلنا الحدث في عالمنا العربي بالتأسف التقليدي الانفعالي الذي تمكن منا الإدمان عليه! فتش عن الأصابع اليهودية، فتش عن الصهاينة (أبناء القردة والخنازير) فتش عن سيطرة اللوبي اليهودي أو الإسرائيلي في أوروبا، .. إلخ، وسوف يستمر هذا السب فترة ثم نهدأ، وكأن شيئا لم يكن، وفي الواقع فإن سؤالا يطرح نفسه هنا، حتي لو كان يوجد لوبي يهودي أو إسرائيلي أو صهيوني (أو حتي خنازيري) في أوروبا! لماذا لا يوجد لوبي آخر عربي أو إسلامي أو سمه ما شئت، يضغط لصالحنا باعتبارنا (الساميين العرب) أمام هؤلاء (الساميين الإسرائيليين)؟! هم بالتأكيد يمتلكون شكلا من أشكال (الشطارة) مكنتهم من شق تلك القنوات للضغط علي أوروبا، شطارة جعلت الفرنسيين يخافون من الغزو الثقافي من الساميين العرب! ويفضلون عليهم الساميين الإسرائيليين، هل خطر ببال أحدنا أن يتساءل ـ بصراحة ـ لماذا الساميون الإسرائيليون أشطر من الساميين العرب؟!

البرامج الوثائقية علي الفضائيات العربية: ثقافة المعلومة أمام ثقافة الحدوتة عند الجمهور العربي

بين الفيلم السينمائي والآخر علي شاشات معظم القنوات العربية ـ الفضائية والأرضية ـ أو بين مسلسل وآخر أو بين برامج المسابقات، يعرض إما فيضا من الإعلانات التجارية أو ما يطلق عليه عادة اسم (فيلم وثائقي)، والحال ملحوظ أكثر في القنوات الإخبارية التي لا تعرض أفلاما أو مسلسلات، فتري علي شاشاتها (برنامجا وثائقيا) بين نشرة وأخري أو بين برنامج حواري وآخر، بالطبع نفس تلك السياسة التليفزيونية مطبقة أيضا في القنوات الأجنبية مثل قنوات (بي بي سي) أو القناة الفرنسية أو غيرها. البرامج أو الأفلام الوثائقية هي من الفنون التليفزيونية الرائعة حقا، وهي تغطي مساحة هائلة من اهتمامات البشر ـ وليس فقط كما تعتقد للوهلة الأولي أنها تتبع بالكاميرا تفتح الزهور وهروب الحشرات والحيوانات إلي جحورها! ـ فهي نوع من فنون التليفزيون يلتقط مشهدا واحدا من حياة البشر ليسبر غوره بعدسة الكاميرا، وهي نوع يقدم (معلومات) محددة، عن الأماكن والأشياء والعلوم وحتي مشاعر البشر، كتلك الحلقات من البرامج الوثائقية العديدة التي تعرض مثلا تجارب الأطباء النفسيين حول ردود أفعال البشر تجاه أحداث معينة، أو تتبع نمو الطفل النفسي والمعرفي وغير ذلك، بالطبع قناة (ديسكفري) هي قناة متخصصة في هذا المجال، فقد اكتشفوا أهمية تنمية (ثقافة المعلومة) فأطلـــــــــــقوا تلك القناة الممتـــازة، لكن ما يلفت النظر في الفضائيات العربيــــــة أنها قليلا بل قل نــــــــادرا ما تنتج مثل تلك البرامج، والسؤال المطروح هو لماذا؟ لماذا لا يهتم العربي بإنتاج برامج أو أفلام وثائقية تسخر عدسات الكاميرا لمعرفة ما وراء الأشياء؟ أو حتي للمعرفة المباشرة بالأشياء؟ أو لالتقاط لحظات عابرة في الحياة العربية وتحويلها إلي مادة معلوماتية، أو لعرض حقائق علمية عن البشر وحياتهم والطبيعة التي يتعاملون معها والكون الذي يعيشون فيه؟
ربما يكون السبب أننا أبناء ثقافة (الحواديت)، تعلمنا من الدول المتقدمة أن ننتج سينما وننتج مسلسلات تليفزيونية، لكن إنتاج المعلومات لم يشد انتباهنا لنتعلمه منهم، تعلمنا منهم إنتاجا برامج المسابقات وبرامج (التوك شو)، لكننا لم نتعلم منهم إنتاجا يعتمد علي (البحث العلمي)، لا ينقصنا التمويل، فما ينفق علي إنتاج برامج المسابقات والحكي مع الفنانين ولاعبي كرة القدم، يفوق ربما ما نحتاجه لإنتاج ثقافة معلوماتية، لكنها هي (ثقافتنا الاجتماعية) التي تحب الحواديت ولا تحب العلم، وتتشفي في العلماء عندما تفشل لهم تجربة هنا أو هناك، وتفضل (أبو زيد الهلالي) علي أي عالم ٍ أو باحث، هي تلك الثقافة التي يتربي عليها القائمون علي الإنتاج التليفزيوني، وهي التي تنتج مموليه، نعم نشتري من الآخرين تلك البرامج، كما نشتري منهم كل شيء، ربما لأنهم ينجحون في تسويقها بأكثر ما نرغب نحن فيها أو نبحث عنها، لكننا لا نهضمها، لا نتعلم منها، الغالبية الساحقة من المشاهدين العرب تسخر من البرامج التي تتتبع أنواع الحشرات أو الزهور أو الغابات أو تجارب الأطباء أو علوم الفضاء أو غير ذلك، بينما تنظر بفخر إلي الأنباء والبرامج التي تبين القدرة علي قتل الآخر، خاصة عندما يكون القاتل عربيا! قناة العربية عرضت برنامجا عن أيمن الظواهري، وغيرها من القنوات عرض برنامجا عن الزرقاوي أو أسامة بن لادن أو غيرهم، والجميع يختار أوقات الذروة لعرضها، حد السيف بالنسبة لنا أهم من المعلومة، والقدرة علي القتل في ثقافتنا الكامنة الراسخة هي الجد، بينما المعلومة والكتب هي اللعب، وبغض النظر عن الظروف التي قال فيها المتنبي بيت شعره الشهير، فقد حوله التواتر إلي ثقافة منهجية في أعماقنا، ثقافة ترفع شأن (فعل القتل) وتحقر (فعل المعلوماتية)، ثقافة ظلمت الشاعر المتمرد عندما حولت بيت شعره ـ بفعل عادة التأويل والإسقاط، القائمة عليها تلك الثقافة ـ حولته إلي موقف ومنهج حياة، منهج يصبح فيه: السيفُ أصدقُ أنباء ٍ من الكتب ِ .... في حده الحدُ بين الجد ِ واللعب !

علي الفضائيات العربية.. الرياضة كحياة العرب:
جعجعة بلا طحين!

في العالم كله هناك قنوات متخصصة في الرياضة وأخبارها، ونحن أيضا، لدينا قنوات متخصصة في الرياضة وأخبارها، لكن العالم كله ـ العالم المتقدم طبعا ـ يهتم بفنون الرياضة وممارستها، والأهم من ذلك دلالتها الحضارية في ثقافة الشعوب، هنا يختلف الأمر لدينا، لدينا مئات الفرق الرياضية في كرة القدم وأنواع الرياضة الأخري، لدينا ملاعب ووزراء للرياضة والشباب، لدينا لاعبون ومدربون وحكام، لكن بالمفهوم الحضاري.. ليس لدينا رياضة! هذا بالطبع ليس كلامي، فالرياضة، هذا (الشيء) لم يجد له مكانا في حياتي وحياة أمثالي.. لأسباب حضارية! وإنما هو كلام ضيف ـ لا أذكر اسمه للأسف ـ في أحد تلك البرامج التي تبث علي الفضائيات العربية عن الرياضة والكرة والملاعب، أحد الضيوف قال: نحن نعرف اللاعب (الفلتة) الذي يتفوق بالصدفة، لكننا لا نعرف ولا نملك مؤسسات مهمتها (صناعة اللاعبين)، نحن (نحب الفرجة) علي فنون الرياضة، لكننا (لا نفهم الرياضة)! التعليق الأظرف كان لضيف ٍ قال: حرام نحمل اللاعبين عبء ثقافة اجتماعية لا تفهم الدور الحضاري للرياضة، اللعيبة بتوعنا غلابة.... نفسهم مقطوع من سوء التغذية .كاتبة من مصر

جريدة القدس العربى

صقر الخالدية
21/08/2004, 02:57 PM
بعد 34 عاما: التركة البريطانية ما تزال تؤرق الخليج
2004/08/18

د. سعيد الشهابي

في مثل هذه الايام قبل 34 عاما كانت القوات البريطانية تنسحب من مشيخات الخليج التي بقيت تحت حمايتها قرنا ونصفا. جاء الانسحاب في اثر قرار حكومة العمال البريطانية في مطلع 1968 بسحب جميع القوات البريطانية من المناطق الواقعة شرق السويس لاسباب اقتصادية بالدرجة الاولي. وكان قرار الانسحاب قد واجه اعتراضا من اغلب حكام تلك المشيخات بسبب الاعتماد الكلي علي تلك القوات لتوفير الحماية لفترة طويلة، وعدم وجود كيانات سياسية تمتلك الثقة بالقدرة علي ادارة شؤونها بعد رحيل البريطانيين. فعلي مدي قرن ونصف كان البريطانيون الحكام الفعليين للساحل الجنوبي من الخليج، عبر نظام ادارة خاص مرتبط بحكومة الهند البريطانية. فكان هناك معتمدون سياسيون يمارسون دور الحاكم في المشيخات، وعلي رأسهم جميعا كان هناك المقيم السياسي المقيم في البحرين والمرتبط بمكتب الهند بالخارجية البريطانية. قرار الانسحاب كان له وقع الصاعقة علي الحكام الذيم بذلوا جهودا حثيثة لثني الحكومة البريطانية عن القرار. بل ان بعضهم عرض دفع تكاليف التواجد البريطاني كاملة في مقابل البقاء. لكن بريطانيا التي كانت تعيش الايام الاخيرة لامبراطوريتها كانت تعيش نفسية خاصة دفعتها لتقليص وجودها العسكري في العالم، خصوصا بعد ان خسرت الهند في 1947 التي كانت جوهرة التاج البريطاني . ثمة قضايا عديدة كانت تشغل بال الخليجيين والبريطانيين علي حد السواء آنذاك، منها مستقبل مشيخات الساحل المتصالح والمطالبة الايرانية بالبحرين، وأمن الخليج بعد الانسحاب. وخلال السنوات الثلاث ما بين قرار الا نسحاب وتنفيذه بذلت جهود متواصلة لاحتواء تلك القضايا، وانتهي الامر بقيام الامارات العربية المتحدة مكونة من سبع مشيخات، واستقلال قطر والبحرين كدول ذات سيادة، بعد فشل الجهود لاقناعهما بالانضمام الي الاتحاد الذي اصبح سباعيا بعد ان كان مخططا له ان يتكون من تسع مشيخات. كما ان قرار شاه ايران باحترام ارادة شعب البحرين ادي الي تدخل الامم المتحدة لاستمزاج رأي شعب البحرين ازاء مستقبله. وجاءت نتيجة ذلك الاستفتاء ان شعب البحرين يريد دولة مستقلة محكومة بنظام يمارس الديمقراطية وفق دستور تعاقدي علي غرار الكويت التي سبقت دول الخليج في الاستقلال الرسمي عن بريطانيا بعشرة اعوام.
ما هي التركة البريطانية في الخليج؟ وما آثار تلك الحقبة التاريخية علي مستوي الثقافة والسياسة وامن الخليج والاوضاع القائمة حاليا؟ بعد مرور اكثر من ثلاثة عقود علي ذلك الانسحاب ما يزال الحكم بشأن الوجود البريطاني غير واضح. فمما لا شك فيه ان ذلك الوجود ادي الي استقرار نسبي في المنطقة، وقضي علي القرصنة وساهم بشكل محدود في انظمة الادارة. ولكنه في الوقت نفسه لم يهتم بتنمية المنطقة سياسيا او ثقافيا او اقتصاديا. فعلي الصعيد الاقتصادي مثلا كان لاكتشاف النفط في العقود الثلاثة قبل الانسحاب اثر في تحسين اوضاع المنطقة، ولكن لم يصاحب ذلك خطة لتطوير اقتصادي حقيقي يستثمر الايرادات النفطية الهائلة لبناء بنية تحتية قادرة علي توفير مشاريع اقتصادية موازية للنفط. كما لم يهتم بانشاء مؤسسات وانظمة تعليمية حديثة. ففي عمان والامارات وقطر مثلا لم ينشيء ذلك الوجود نظاما مدرسيا حديثا، ولم تنشأ المدارس الا بعد الانسحاب. وبسبب علاقة الوجود البريطاني مع العائلات الحاكمة، فقد كرس البريطانيون نمط الحكم القديم بدون ان يجشموا انفسهم عناء تأسيس نظام حكم حديث يطور الثقافة الديمقراطية لدي الشعوب والحكومات. بل علي العكس من ذلك واجه البريطانيون الحركات الديمقراطية في البحرين مثلا بالقوة، وانزلوا جنودهم الي الشوارع لقمع التظاهرات الشعبية المطالبة بالاصلاح السياسي، كما حدث في 1956 عندما قمعوا الحركة السياسية التي تزعمتها هيئة الاتحاد الوطني ونفوا ثلاثة من قادتها الي جزيرة سانت هيلانة بالمحيط الاطلسي، وكما حدث في 1965 عندما انزلوا قواتهم الي الشوارع لقمع الحركة الشعبية التي كانت تطالب بدستور ونظام ديمقراطي. الوجود البريطاني لم تكن له اهداف سوي الهيمنة علي المنطقة واستغلال ثرواتها. وتجدر الاشارة الي ان ذلك الوجود كان قد بدأ بهدف القضاء علي القرصنة التي كانت تهدد خطوط الملاحة بين الهند وبريطانيا، ولم يتطور ذلك الهدف برغم امتداد الفترة الطويلة التي استغرقها ذلك الوجود.
يضاف الي ذلك ان التركة البريطانية اثقلت كاهل المنطقة بقضايا مزعجة من بينها ازمات الحدود التي خلقت توترات بين العائلات الحاكمة طوال العقود اللاحقة، ولم تحل الا في السنوات الاخيرة، وما تزال تلقي بثقلها علي العلاقات بين الانظمة، ولم تحسم بشكل نهائي بعد. مشكلة الحدود هذه بقيت مصدر توتر واضطراب، واستحوذت علي شطر كبير من الجهود السياسية والمالية، حيث تحولت بمرور الوقت الي قنابل موقوتة ادت الي توتر العلاقات بين الدول، وهو توتر يختفي احيانا ويظهر اخري حتي الآن، وبقيت قضية الحدود تؤرق المسؤولين وتفرض نفسها علي اجتماعاتهم وقممهم لتؤثر سلبا علي سير المباحثات، وحالت دون قيام وحدة حقيقية بين الدول الفتية. وعندما احيل بعض هذه القضايا الي القضاء الدولي كانت الوثائق البريطانية هي المرجع الاساس لطرح المشكلة امام القضاة بتفسيرات متباينة، وأصبحت قرارات المعتمدين السياسيين البريطانيين او المقيمين السياسيين هي المرجع لتحديد الحدود. وبقيت تلك المشاكل الحدودية تعصف بالمنطقة وادت الي مناوشات حدودية في حالات عديدة (حادثة الصامتة بين العراق والكويت في 1973، والتوتر العسكري بين البحرين وقطر بمنطقة فشت الديبل في 1986، والمناوشات بين القوات السعودية والقطرية عند مركز الخفوس الحدودي بين البلدين). البريطانيون لم يكونوا متحمسين للتعاطي مع الشؤون المحلية الا بقدر ما ترتبط تلك الشؤون بمصالحهم، فكانت هناك انانية واضحة في تعاطي المسؤولين البريطانيين مع الوضع عموما. وبالرجوع الي الوثائق البريطانية خلال نصف القرن الاخير قبل انسحابهم يمكن اكتشاف مدي تدخلهم في الشؤون المحلية وارتباطهم بما يجري يوما بيوم، ودور المعتمدين والمستشارين في اتخاذ القرارات حتي في اصغر القضايا واقلها اهمية. ومع ان تلك الممارسة تركت شيئا من النظام الاداري الحديث في بعض البلدان الخليجية، لكنها لم تؤد الي تحديث الحياة عموما، خصوصا في جوانبها التعليمية والسياسية. وكادت قضايا الحدود تعصف حتي بالتبادل الثقافي بين مشيخات الخليج، لولا اصرار مواطنيها علي اختراق الحدود والتواصل مع اخوتهم في الدول الخليجية الاخري.
وقد وجدت دول الخليج نفسها امام تحديات امن الخليج ومقتضياته بعد فترة وجيزة من الانسحاب البريطاني. ففي غضون عشرة اعوام وجد حكام الخليج انفسهم امام تحديات سياسية داخلية وخارجية خصوصا بعد قيام الثورة الاسلامية في ايران واندلاع الحرب العراقية ـ الايرانية، فبدأوا يفكرون، للمرة الاولي، في تشكيل كيان يلم شملهم لمواجهة التحديات الامنية الجديدة. الامريكيون رعوا تلك المبادرة لانهم احتلوا مكان البريطانيين في المنطقة ودخلوا في اتفاقات عسكرية مع اغلب حكامها، وبنوا قواعد عملاقة مكان القواعد البريطانية. وشجعوا علي قيام مجلس التعاون الخليجي في 1981 بعد ان اصبحت المنطقة في حالة توتر شديد بسبب ما جري في ايران بشكل اساسي، وادراكهم ان اوضاعهم لن تكون مستقرة في غياب الرغبة في طرح مشاريع سياسية اصلاحية تتناغم مع تطلعات الاجيال الجديدة. فالتعليم الذي انتشر في السبعينات في دول الخليج كان طفرة نوعية ساهمت في صياغة ذهنية المواطن الخليجي بعد عقود من التجهيل خلال الحقبة الاستعمارية. وهنا لاح التناقض بين منظومة الحكم التقليدية التي لم يطرأ عليها تغيير منذ عقود (وفي بعض الحالات منذ قرون) والتطور التعليمي الذي ادي الي نمو شرائح مجتمعية اكثر انفتاحا ورغبة في التطور. وقد ساهمت الطفرة النفطية في ذلك، حيث استطاعت دول الخليج انشاء الجامعات الحديثة وارسال البعثات الي الجامعات الغربية، واقامت مؤسساتها الاعلامية الحديثة، واستطاع مواطنوها السفر الي الخارج والاحتكاك بالشعوب الاخري وثقافاتها واطلعوا علي انماط الممارسة السياسية في تلك البلدان. وبدت التركة البريطانية الثقيلة ليست عاجزة عن مسايرة هذه التطورات فحسب، بل معوقة للتطور في كثير من الاحيان. وتجدر الاشارة الي ان الانسحاب البريطاني العسكري من الخليج خلف وراءه جيشا من الخبراء في اغلب المجالات، وهو جيش يسعي للحفاظ علي النفوذ البريطاني في المنطقة، ومن هؤلاء الخبراء ضباط كبار وضعوا خبراتهم وتجاربهم لخدمة الحكومات في مواجهة المجموعات المعارضة، وبقيت اجهزة الامن، حتي الآن، تدار بشكل او آخر من قبل خبراء الامن البريطانيين، الذين مارسوا، في بعض الحالات كما هو الحال في البحرين، التعذيب بحق المعتقلين السياسيين. وبقيت الحكومة البريطانية تشعر بمسؤولية اخلاقية لحفظ نظام تلك الحكومات ومنع تعرضها للخطر من قبل المعارضين المطالبين بالاصلاحات السياسية.
وبالرغم من مرور اكثر من ثلاثة عقود علي الانسحاب البريطاني من الخليج، ما تزال بريطانيا لاعبا كبيرا في سياسات المنطقة، ولم يكن مستغربا ان تخوض الحرب مع امريكا في العراق، لانها لا تريد الاكتفاء بدور المتفرج علي ما يجري في منطقة كانت تحظي فيها بحصة الاسد من حيث الحضور السياسي والامني والعسكري والاقتصادي. وقد دخلت بريطانيا الحرب برغم عدم اقتناع حكومتها بشرعية تلك الحرب، ويؤكد عدم وجود الاقتناع بشرعيتها مواقف وزراء مثل روبين كوك وكلير شورت، وهم في اعلي مناصب الدولة. وما يزال النقاش محتدما في اوساط السياسيين والمثقفين البريطانيين حول مدي واقعية الموقف البريطاني الداعم لامريكا، اذ ما تزال هناك قناعات لدي بعض القطاعات بامكان استعادة جزء من الدور التاريخي الذي تضاءل في العقود الاخيرة لصالح الولايات المتحدة، بينما يعتقد الاكثر عقلانية بان هذا التوجه له مخاطره لانه يصطدم بحالة التطور التي تجتاح العالم والحركة الثقافية والسياسية لشعوب العالم الثالث، وان من الضروري التخلي عن العمل السياسي والعسكري المنفصل عن الاجماع الدولي. بريطانيا بقيت اكثر من قرنين حاضرة في الميدان الدولي كقوة استعمارية استطاعت اقامة واحدة من اكبر الامبراطوريات في تاريخ العالم، ولكن هذا العالم لم يعد قادرا علي استيعاب ممارسات من هذا النوع، وبالتالي فمن الاجدر ببريطانيا ان تبحث عن دور فاعل علي الصعيد الدولي من خلال الامم المتحدة. فاذا كان هناك من يقظة جديدة لدي الساسة البريطانيين بضرورة تفادي تكرار تجربة الاستعمار والهيمنة علي الشعوب، فسوف يكون ذلك تطورا ايجابيا يخدم بريطانيا ومصالحها اولا ويجنب الدول الاخري شرور التدخلات العسكرية غير الشرعية، وما ينجم عنها من كوارث انسانــية واقتصادية.
وبرغم انتهاء الامبراطورية، ما تزال بريطانيا تواجه تبعاتها بدون انقطاع تقريبا. فهي في مواجهة سياسية مع زيمبابوي بسبب توتر العلاقات بين الاقلية البيضاء والاغلبية السوداء حول الاراضي والممتلكات التي تعود للعهد الاستعماري، وعلاقاتها مع باكستان ليست علي ما يرام. الخليج من جانبه، ما يزال يعيش آثار التركة البريطانية في جوانبها السلبية خصوصا علي صعيد الامن وانماط الحكم والعلاقات العربية ـ الغربية عموما. لقد كانت تجربة مرة برغم ايجابياتها، والامل ان تستطيع شعوب الخليج النهوض مجددا في المجال السياسي لاقامة انظمة سياسية فيها شيء من الممارسة الديمقراطية والمشاركة الشعبية. وتؤكد الازمات السياسية والعسكرية التي مرت بها المنطقة منذ الانسحاب البريطاني ضرورة اعتماد دول الخليج علي نفسها في مجالات الامن والاقتصاد والعلاقات الدولية، وذلك بتقوية منظومة مجلس التعاون من خلال اشراك المواطنين في عمله، وتمتين الروابط بين الشعوب سيرا نحو اقامة وحدة عملية في ما بينها، وعدم الاقتصار علي اداء المجلس الذي لم يستطع تحقيق الكثير برغم مرور اكثر من عشرين عاما علي قيامه. لقد انتهي عهد الاستعمار (نظريا)، وبقي علي المسؤولين العمل لتحقيق الاستقلال عمليا، وهذا الاستقلال لا يتحقق الا بالتضامن الفعلي بين الحكومات والشعوب، وهو التضامن الذي لم يكن قائما خلال فترة الحماية البريطانية. ان الاعتماد علي القدرات الذاتية هو الطريق الاقصر لتحقيق الامن والاستقرار والرخاء

القدس العربى

صقر الخالدية
22/08/2004, 05:12 PM
المرأة ثلاثة أرباع المجتمع

ابراهيم بن حمود الصبحي


اما البدوي فقد قال ان المرأة كالبعير ان احسنت اليه خدمك وان اسأت اليه خذلك. رفيقك ان تأدب وعدوك ان تنكب. وفي تركيا يشبهون المرأة بالوردة لونها جميل ورائحتها زكيه، لكنها لا تطول وان اردت قطفها فحاذر شوكها. وفي حياة الشعوب كثير من الامثلة مشتقة من البيئة التي يعيشون فيها - لأن الانسان ابن بيئته. في منغوليا يقولون مثلاً: اذا كانت زوجتك كبشاً فاياك ان تقارعه. كل هذه عادات وتقاليد ما انصفت المرأة أو انها اوغلت أو بالغت كثيراً بنعت المرأة بعدة نعوت نتيجة الجهل وعدم انتظام العلاقة بين المرأة والرجل أو لصعوبة الحياة وقسوتها وشظف العيش ومرارته مما أوجد تباعداً أو حاجزاً بين المرأة والرجل. ومع انحسار مد الجهل وانتشار التعليم بين الشعوب وتعمق الفهم بين المرأة والرجل وازدياد الحاجة لوجود علاقة بين المرأة والرجل مبنية على حسن التفاهم والتفاعل بينهما وتغليب لغة الحوار الهادىء على لغة الصراخ والصخب التي تتحول إلى البطش والعنف احياناً فتخرج الانسان من طبيعته كانسان إلى حيوان كاسر مفترس. لا لشيء الا رغبة في فرض السيطرة واثبات الوجود بطريقة خاطئة. (ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة) والمودة والرحمة لا تتولد من الصخب والغرور وانما تأتي من السكينه والهدوء، لذلك اسموا البيت سكنا - لانه يوفر كل اسباب الراحة والطمأنينة للعائلة. والذي جاء إلى رسول الله صلى اللـه عليه وسلم يسأله: من احق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال أمك وكررها عليه ثلاثاً ثم قال أبوك فهذا لا يعني نسبة وتناسب 3: 1 ولم أقصد بقولي 3/4 المجتمع هذه النسبة خالية من اي معنى. ولأن الرجل الشرقي عاش قروناً سيد عصره وسيف دهره والمرأة تتوارى خلف استاره ولا تتدثر الا بدثاره ووجد الرجل كل الاسباب مهيأة له، لأن يستبد وينشر منشاره فقد أوقع الظلم عامداً متعمداً على المرأة ضارباً عرض الحائط بالمعاني السامية التي اتى بها الدين الاسلامي. الرجل الشرقي مستبد بطبعه وعلى مدى قرون ازداد هذا الاستبداد فزادت محنة المرأة. وبفضل الدعوات المتكررة والمطالبات العادلة لحقوق المرأة والطفل بل وحقوق الاسرة كاملة ولانتشار الجمعيات النسوية المطالبة بوضع التشريعات والقوانين التي تقرر حقوق المرأة فقد تغيرت الصورة وانقشع ذلك الظلام الذي خيم على المرأة، ولكن ذلك اول الغيث ومازالت المرأة في القرى والأرياف والمناطق النائيه وفي الصحراء تعاني من الظلم والجهل والاستبداد باعتبار المرأة العنصر الضعيف غير القادر على رد الرجل أو ردعه عن استبداده وغروره وظلمه. والمتتبع لمسيرة النهضة النسائية في العالم كله سيجد ان المرأة بصورة عامة شقت طريقها جنباً إلى جنب مع الرجل. بل ان المرأة تنبهت إلى أمر هام وهو ان مطالبتها المساواة بالرجل لم يكن مطلباً عادلاً لعدة أسباب. فلكل منهما حقوق وواجبات مختلفة لا يجب اغفالها. وبدأ اصحاب الشأن والقرار اتخاذ الخطوات الضرورية لكي تنال المرأة حقوقها كاملة غير منقوصة. ولم نجد أو نقرأ او نسمع عن حديث نبوي شريف ولافي تصرفات رسول الله صلى اللـه عليه وسلم ما ينتقص حقوق المرأة. بل حتى في خطبة الوداع أوصى عليه الصلاة والسلام خيراً بالنساء. ولا يجب ان تؤخذ بعض الاحاديث الشريفة على مطلق معانيها وعلينا التحقق جيداً من ظروف اطلاق الحديث ومسبباته وعموم معناه وخصوصه حتى لا يأخذ علينا المتربصون بالاسلام ذريعة أو مدخلاً بان الاسلام والعياذ بالله قد انتقص من حقوق المرأة. والسؤال الذي يطرح نفسه. ما حدود اطلاق الحقوق للمرأة؟ الرجل عليه قيود كثيرة في معاملة المرأة وفي علاقته مع المجتمع ومع الدولة كلها وكذلك هو شأن المرأة. لا توجد هناك مطلقية ثابتة في ان يستخدم الرجل والمرأة هذه الحقوق إلى درجة التسلط والاستبداد. لذلك فان دعوتنا كمسلمين هو ان نحدد تلك العلاقات تحديداً دقيقاً في المحافظة من جهة والمطالبة من جهة وعدم التخلي أو التفريط في اي حق من هذه الحقوق التي اكرمنا بها الله عز وجل وحددها لنا في شريعة رسوله الامين عليه الصلاة والسلام، وفي آراء العلماء المتخصصين الذين يعون ظروف العصر ومقتضيات الحياة، فلا التضييق يفيد ولا اطلاق الاحكام على عمومها يفيد ولا ترك الأمور حتى يحدث الانفلات أو الاحتكاك يفيد. أعود إلى موضوع مهم الا وهو مدى محافظة المرأة على حقوقها من جهة وواجباتها من جهة اخرى. لا أقصد هنا اقتصار الواجبات على المنزليه والاسريه منها. ولا ان اذهب إلى درجة الانفلات الذي نشهده في علاقة المرأة بالرجل وبالمجتمع متخذين من بعض المجتمعات نموذجاً لحياتنا العصرية (الخالية من العقد البعيدة عن روح العصر غير المنسجمة مع حياة الشعوب المتقدمة). حياة كما يقولون تعيدنا لعصور الغاب. كل غلو وتطرف يؤدي إلى الارهاب. نعم نحن نعيش عصر ارهاب في كل شيء.